الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (18/ 182، 183)
رضا المحيل:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراط رضا المحيل، وعللوه بأنه مخير في جهات قضاء الدين، فلا تتعين عليه جهة قهرًا، كجهة الدين الذي له على المحال عليه.
- واشترط الحنفية أن تقع الحوالة عن رضا من المحيل؛ لأنها إبراء فيه معنى التمليك، فيفسدها الإكراه كسائر التمليكات.
وفي اشتراط رضاه اختلاف بين روايتي القدوري والزيادات، ووجه رواية القدوري الموجبة: أن ذوي المروءات قد يأنفون من أن يحمل عنهم أحد شيئًا من ديونهم، فلا بد من رضاهم، ثم يطرد الباب كله على وتيرة واحدة.
ووجه الرواية الصحيحة النافية: أن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، والمحيل لا يلحقه به ضرر، بل فيه نفعه عاجلًا وآجلًا.
أما عاجلًا: فلأنه سيكفي المطالبة بدينه في الحال، وأما آجلًا: فلأن المحال عليه لا يرجع عليه إن لم يكن بأمره قد قبل حوالة دينه، فلم يبق معنى لاشتراط رضاه، لكن كثيرًا من محققي المذهب لا يرون أن هناك في الحقيقة خلافًا؛ فإن القدوري لم يوجب رضا المحيل لنفاذ عقد الحوالة، بل ليسقط بالوفاء دين المحيل في ذمة المحال عليه - إن كان - وليرجع هذا إلى المحيل بما أدى عنه إن لم يكن مدينًا له، فإنه لا رجوع على المحيل ولا سقوط لدينه ما لم يرض.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (18/ 183، 184)
رضا المحال:
- ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى وجوب رضا المحال للمعنى نفسه الآنف في رضا المحيل، ولأن الدين حقه، فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا برضاه؛ إذ الذمم تتفاوت يسارًا وإعسارًا، وبذلًا ومطلًا، وتتأثر بذلك قيمة الدين نفسه، ولا سبيل إلى إلزامه بتحمل ضرر لم يلتزمه.
واشترط أبو حنيفة ومحمد أن يكون هذا الرضا في مجلس العقد، حتى إذا كان غائبًا عن المجلس ثم بلغه خبر الحوالة فأجازها، لم تنفذ الحوالة؛ لأنها لم تنعقد أصلًا؛ إذ إن رضا المحال عندهما ركن في انعقادها.
أما عند أبي يوسف فيكتفى منه بمجرد الرضا أينما كان، ولو خارج مجلس العقد، فيكون شريطة نفاذ.
وأما الحنابلة فلا يوجبون رضا المحال إلا على احتمال ضعيف عندهم، بل يجبر المحال على القبول إذا كان المحال عليه مليئًا غير جاحد ولا مماطل.
وقال بعض الحنابلة: يستغنى بتاتًا عن قبول المحال، فإن قبل فذاك، وإن لم يقبل فلا بأس، والحوالة نافذة برغمه.
قال صاحب الإنصاف: في رواية عن الإمام أحمد: لا يبرأ المحيل إلا برضا المحال، فإن أبى أجبره الحاكم، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة، وقيل: يتوجه أن للمحال مطالبة المحيل قبل إجبار الحاكم.
ومبنى الروايتين: أن الحوالة هل هي نقل للحق أو تقبيض؟
فإن قلنا: هي نقل للحق، لم يعتبر لها قبول، وإن قلنا: هي تقبيض، فلا بد من القبض بالقول، وهو قبولها، فيجبر عليه المحال. اهـ.
واستدل الحنابلة بظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند الجماعة: قال صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع". ويفسره لفظ أحمد وابن أبي شيبة: "ومن أحيل على مليء فليحتل"، فقد أمر صلوات الله عليه الدائن بقبول الحوالة أو الالتزام بمقتضاها، والأمر بأصل وضعه للوجوب، وليس هنا ما يصرفه عن هذا الأصل.
كما استدلوا بالمعقول؛ فإن الدائن الذي يهيئ له مدينه مثل دينه عدًّا ونقدًا من يد أخرى فيأبى أن يأخذه، ويصر على أن ينقده إياه مدينه بالذات، لا يكون إلا متعنتًا معاندًا.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (18/ 184، 185) .
رضا المحال عليه:
ذهب جمهور الفقهاء (الحنابلة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية في الأصح) إلى أنه لا يشترط رضا المحال عليه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أحيل على مليء فليتبع"، ولم يقل: "على مليء راض".
ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، كما لو وكل غيره بالاستيفاء.
وذهب الحنفية في المشهور عندهم إلى اشتراط رضا المحال عليه، سواء أكان مدينًا أم لا، وسواء أتساوى الدينان أم لا؛ لأن الناس يتفاوتون في تقاضي ديونهم رفقًا وعنفًا، ويسرًا وعسرًا، فلا يلزم من ذلك بما لم يلتزمه.
وقياسًا على المحال؛ فإن المحال عليه مثله في أنه طرف في الحوالة، لا تمام لها بدونه، فليكن مثله في اشتراط رضاه.
المغني - ابن قدامة - (7/ 56، 57)
من شرط صحة الحوالة: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر تماثلهما في أمور ثلاثة:
أحدها: الجنس، فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب، لم يصح.
الثاني: الصفة، فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية، لم يصح.
الثالث: الحلول والتأجيل، ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما حالًّا والآخر مؤجلًا، أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين، لم تصح الحوالة.
ولو كان الحقان حالَّيْن، فشرط على المحتال أن يقبض حقه أو بعضه بعد شهر لم تصح الحوالة؛ لأن الحال لا يتأجل، ولأنه شرط ما لو كان ثابتًا في نفس الأمر لم تصح الحوالة؛ فكذلك إذا شرطه.
وإذا اجتمعت هذه الأمور، وصحت الحوالة، وتراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرًا من حقه، أو رضي المحتال بدون الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره، جاز؛ لأن ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى.
وإن مات المحيل، أو المحال، فالأجل بحاله.
وإن مات المحال عليه، ففي حلول الحق روايتان، مضى ذكرهما.
المغني - ابن قدامة - (7/ 59، 60)
أن تكون الحوالة بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا تصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يثبت في الذمة.
ومن شرط الحوالة: تساوي الدينين، فأما ما يثبت في الذمة سلمًا غير المثليات، كالمذروع والمعدود، ففي صحة الحوالة به وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن المثل فيه لا يتحرر؛ ولهذا لا يضمنه بمثله في الإتلاف، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، والثاني: تصح، ذكره القاضي؛ لأنه حق ثابت في الذمة، فأشبه ماله مثل.
ويحتمل أن يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقتضي به قرض هذه الأموال، فإن كان عليه إبل من الدية، وله على آخر مثلها في السن، فقال القاضي: تصح؛ لأنها تختص بأقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر الصفات.
وقال أبو الخطاب: لا تصح في أحد الوجهين؛ لأنها مجهولة، ولأن الإبل ليست من المثليات التي تضمن بمثلها في الإتلاف، ولا تثبت في الذمة سلمًا في رواية وإن كان عليه إبل من دية، وله على آخر مثلها قرضًا، فأحاله عليه، فإن قلنا: يرد في القرض قيمتها لم تصح الحوالة؛ لاختلاف الجنس.
وإن قلنا: يرد مثلها اقتضى قول القاضي صحة الحوالة؛ لأنه أمكن استيفاء الحق على صفته من المحال عليه، ولأن الخيرة في التسليم إلى من عليه الدين، وقد رضي بتسليم ما له في ذمة المقترض.
وإن كانت بالعكس، فاحتال المقرض بإبل الدية، لم تصح؛ لأننا إن قلنا: تجب القيمة في القرض فقد اختلف الجنس، وإن قلنا: يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته، والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك.
المغني - ابن قدامة - (7/ 57: 59)
أن تكون على دين مستقر:
ولا يعتبر أن يحيل بدين [غير] مستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه؛ لأن دين السلم ليس بمستقر؛ لكونه بعرض الفسخ؛ لانقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره".
ولا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة؛ لأنه غير مستقر، فإن له أن يمتنع من أدائه، ويسقط بعجزه.
وتصح الحوالة عليه بدين غير دين الكتابة؛ لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات.
وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه، صح، وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض.
وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول، لم يصح؛ لأنه غير مستقر.
وإن أحالها الزوج به، صح؛ لأنه له تسليمه إليها، وحوالته به تقوم مقام تسليمه.
وإن أحالت به بعد الدخول، صح؛ لأنه مستقر.
وإن أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار، لم يصح، في قياس ما ذكرنا.
وإن أحاله المشتري به، صح؛ لأنه بمنزلة الوفاء، وله الوفاء قبل الاستقرار.
وإن أحال البائع بالثمن على المشتري، ثم ظهر على عيب، لم يتبين أن الحوالة كانت باطلة؛ لأن الثمن كان ثابتًا مستقرًّا، والبيع كان لازمًا، وإنما ثبت الجواز عند العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري.
ويحتمل أن تبطل الحوالة؛ لأن سبب الجواز عيب المبيع، وقد كان موجودًا وقت الحوالة.
وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به، ثم سقط الدين، كالزوجة ينفسخ نكاحها بسبب من
جهتها، أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع، فإن كان ذلك قبل القبض من المحال عليه، ففيه وجهان: أحدهما: تبطل الحوالة؛ لعدم الفائدة في بقائها، ويرجع المحيل بدينه على المحال عليه، والثاني: لا تبطل؛ لأن الحق انتقل عن المحيل، فلم يعد إليه، وثبت للمحتال فلم يزل عنه، ولأن الحوالة بمنزلة القبض، فكأن المحيل أقبض المحتال دينه، فيرجع عليه به، ويأخذ المحتال من المحال عليه، وسواء تعذر القبض من المحال عليه أو لم يتعذر، وإن كان بعد القبض، لم يبطل، وجهًا واحدًا، ويرجع المحيل على المحتال به.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 306، 307)
تماثل الدينين في الحوالة شرط:
لا بد في عقد الحوالة من تماثل الدينين، أي: تساويهما، فيكون ما على المحال عليه مساويًا لما على المحيل قدرًا ووصفًا، وقد نُقل الاتفاقُ على ذلك.
• من نقل الاتفاق:
الإمام ابن رشد الحفيد 595 هـ، حيث قال: "ومن الشروط التي اتفق عليها في الجملة: كون ما على المحال عليه مجانسًا لما على المحيل قدرًا ووصفًا".
• الموافقون على الاتفاق:
وافق على الاتفاق على تماثل الدينين في عقد الحوالة جمهور فقهاء الأمصار: الحنفية على تفصيل عندهم، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الاتفاق:
لأن الحوالة من عقود الارتفاق، ولو قيل بصحتها مع عدم تماثل الدينين، صار المطلوب منه طلب الفضل فتخرج عن موضوعها؛ لأن الحوالة تحويل ونقل للحق من ذمة إلى ذمة، فوجب أن يكون على صفته.
• الخلاف في المسألة:
لم أجد من خالف في هذه المسألة.
النتيجة:
تحقق الاتفاق على اشتراط كون الدينين متماثلين في عقد الحوالة.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 517: 521)
اشتراط رضا المحيل:
قد اختلف العلماء في اشتراط رضاه على قولين:
القول الأول: يشترط رضا المحيل، وهو مذهب الجمهور، واشترطه القُدُوري من الحنفية، وحكي فيه الإجماع.
جاء في بدائع الصنائع: "ومنها – أي: من الشروط - رضا المحيل، حتى لو كان مكرهًا على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات".
قال ابن حجر: "ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف".
وقال ابن قدامة: "ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، فإن الحق عليه، ولا يتعين عليه جهة قضائه".
• وجه القول باشتراط رضا المحيل:
الوجه الأول: أن ذوي المروءات لا يرضون أن يقوم غيرهم بسداد ديونهم بلا رضاهم.
الوجه الثاني: أن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه.
الوجه الثالث: أن المحيل إذا لزمه الحق فالمستحق عليه أداؤه لا نقله، ألا ترى أنه إذا سئل نقل الحق إلى عين يعطيها بدلًا من الحق الذي عليه لم يلزمه؟ وكذا لو سئل نقله إلى ذمة أخرى لم يلزمه؟
الوجه الرابع: أن الدين متعلق في ذمة المدين، فهو مال موصوف غير معين، فله أن يقضيه من أي ماله شاء، ولا يتعين عليه قضاؤه من محل بعينه، ومنه مال الحوالة، بخلاف الأعيان فإنها لا تتعلق بالذمة، وتقضى بذواتها.
القول الثاني: لا يشترط رضا المحيل، وهو قول محمَّد بن الحسن في الزيادات، ووجه في مذهب الشافعية، حكاه الخراسانيون.
جاء في الجوهرة النيرة: "وأما المحيل فالحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه منفعة؛ لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره".
وجاء في الفتاوى الهندية: "فأما رضا من عليه الدين وأمره فليس بشرط لصحة الحوالة".
قال العمراني في البيان. "وأما المحيل فإن البغداديين من أصحابنا قالوا: يعتبر رضاه؛ لأن الحق عليه، فلا تتعين عليه جهة قضائه...، وأما الخراسانيون فقالوا: هل يعتبر رضا المحيل؟ فيه وجهان، وصورتها: أن يقول المحال عليه لرجل: أحلتك على نفسي بالحق الذي لك على فلان، فإذا قال: قبلت، فهل يصح على الوجهين؛ بناء على الوجهين فيما لو قال: ضمنت عنه بشرط أن يبرئه؟
وعندي –أي: عند العمراني- أن هذين الوجهين إنما يتصوران في المحال عليه، إذا لم يكن عليه حق للمحيل، وقلنا: تصح الحوالة على من لا حق له عليه برضاه، فأما إذا كان للمحيل على المحال عليه حق فلا يصح بغير رضا المحيل وجهًا واحدًا".
وقد وفَّق الحنفية بين رواية القدوري وبين المشهور من المذهب، فقالوا: إن القدروي اشترط رضا المحيل من أجل رجوع المحال عليه على المحيل، فإذا دفع المحال عليه دين الحوالة برضا المحيل رجع المحال عليه على المحيل بما أداه من الدين.
وعليه فلا اختلاف في الرواية عند الحنفية.
فالمشهور من المذهب: إن تمت الحوالة برضا المحيل سقط دين المحال عليه إن كان عليه دين، أو رجع على المحيل إن لم يكن عليه دين، وعلى هذا يحمل قول القدوري.
وإن تمت الحوالة بدون رضا المحيل لم يكن للمحال عليه الرجوع على المحيل، حتى ولو كان عليه دين للمحيل؛ لأن الحوالة تمت بدون رضاه، وعلى هذا يحمل ما ورد عن محمَّد في الزيادات.
• الراجح:
أن الحوالة لا بد فيها من رضا المحيل، ولا خلاف بين الفقهاء فيها فيما إذا كان للمحيل دين في ذمة المحال عليه، وعقدت الحوالة بين المحال عليه والمحال له حوالة مقيدة بأن يعطي المحال عليه المحال به من المال الذي بذمته للمحيل فهنا رضا المحيل شرط لصحة الحوالة؛ لأن ثبوت الحوالة وصحتها يعني سقوط حق المطالبة للمحيل على المحال عليه، وهذا لا يجوز بدون رضاه؛ لأنه تصرف في حقه.
وما قاله الحنفية من جواز الحوالة بدون رضا المحيل لا يعتبر مخالفًا لما ذهب إليه الجمهور فإنهم يتحدثون عن التزام المحال عليه بالسداد دون رضا المحيل، وهذا باب آخر غير الحوالة التي نتكلم عنها، وقد لا يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وإن كان مدينًا فإن الحوالة لم تكن على ما في ذمته للمحيل، ولذلك جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: "الحوالة بغير إذن المحيل ليست حوالة من كل وجه؛ لأن الحوالة هي الإحالة الحاصلة بفعل المحيل، وهذا المعنى في هذه منتف، بل فيها شطر الحوالة، وهو عبارة عن اللزوم على المحال، وأما الشطر الآخر الذي هو انتقال الدين من المدين فهو مفقود".
إذا علم ذلك من مذهب الحنفية فإنه يبقى عندي سؤال:
هل التزام المحال عليه بالوفاء بدون رضا المحيل يجوز كما قال الحنفية؟ أو ينبغي أن يقيد ذلك برضا المدين حتى ولو كان التزامه تبرعًا دفعًا للمنة؟
الصواب: الثاني، والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 523: 524)
اشتراط رضا المحال:
تكلمنا في فصل سابق عن اشتراط رضا المحيل، فهل يشترط رضا المحال؟
اختلف الفقهاء في ذلك، وسبب اختلافهم: اختلافهم في الأمر بالحوالة الوارد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاتباع إذا أحيل على مليء، واختلف العلماء هل الأمر للوجوب، أو للندب، أو للإباحة؟ على ثلاثة أقوال:
فمن قال: إن الأمر للوجوب لم يشترط رضا المحال، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ومذهب الظاهرية، وبه قال أبو ثور، وابن جرير الطبري.
ومن قال: إن الأمر ليس للوجوب اشترط رضاه، سواء قال: إن الأمر للإباحة كالحنفية وبعض المالكية، وبعض الشافعية، أو قال: إن الأمر للندب، كالجمهور.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: "رضا المحال له وقبوله شرط؛ لأن الدين حقه، والناس متفاوتون في إيفاء الدين".
وقال الدردير: "شرط صحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه على المشهور".
وجاء في المهذب: "ولا تصح الحوالة من غير رضا المحتال؛ لأنه نقل حق من ذمة إلى غيرها، فلم يجز من غير رضا صاحب الحق، كما لو أراد أن يعطيه بالدين عينًا".
وجاء في شرح ميارة: "وأما رضا المحال فهو مبني على مذهب الجمهور من عدم وجوب قبول الحوالة، وأما على مذهب أهل الظاهر فلا؛ لوجوب ذلك عليه".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 527: 530)
اشتراط رضا المحال عليه:
المحال عليه إما أن يكون مدينًا للمحيل أوْ لا.
فإن لم يكن مدينًا: اشترط رضاه بلا نزاع....
وإن كان مدينًا للمحيل: فقد اختلف الفقهاء في اشتراط رضا المحال عليه على قولين:
القول الأول: يشترط رضاه، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وبه قال داود الظاهري.
جاء في الشرح الكبير للدردير: "شرط صحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه على المشهور".
فقوله: (على المشهور) يفهم منه أن ما يقابل المشهور يشترط رضاه.
وفي مغني المحتاج: "يشترط لها لتصح: رضا المحيل والمحتال...، لا المحال عليه في الأصح، فلا يشترط رضاه...، والثاني: يشترط رضاه؛ بناء على أن الحوالة استيفاء".
وجاء في الحاوي الكبير: "قال أبو إبراهيم المزني وأبو عبد الله الزبيري وأبو سعيد الإصطخري وأبو حفص بن الوكيل: الحوالة لا تتم إلا برضا المحال عليه، فإن لم يقبلها، ولم يرض بها لم تصح... ".
• وجه من قال: يشترط رضا المحال عليه:
لما كان الناس متفاوتين في طلب الدين، فبعضهم يمهل ويتسامح، وبعضهم يتعجل ويتشدد، وربما كان صاحب الدين أسهل اقتضاء وأسمح قبضًا كانت الحوالة موقوفة على قبول المحال عليه؛ لأنه قد يقبل أن يكون مدينًا لفلان ولا يقبل أن يكون مدينًا لغيره؛ لهذا اشترط رضا المحال عليه، والله أعلم.
القول الثاني: لا يشترط رضا المحال عليه، وهو المشهور من مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة.
جاء في الحاوي الكبير: "ظاهر مذهب الشافعي أن رضاه غير معتبر في صحة الحوالة، بل تتم برضا المحيل والمحتال، سواء رضي بذلك المحال عليه أم لم يرض، وبه قال من أصحابنا أبو العباس بن سريج، وأبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة... ".
• وجه القول بأنه لا يشترط رضاه:
الوجه الأول: أن الحق للمحيل، فله أن يستوفي الحق بنفسه، وله أن يستوفيه بغيره، كما لو وكل غيره بالاستيفاء.
ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين الحوالة وبين الوكالة، فالحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إلى ذمته، فلا يتم إلا بقبوله ورضاه، بخلاف التوكيل بقبض الدين، فهو تصرف بأداء الواجب، وليس تصرفًا بنقله، فلا يشترط قبوله ورضاه.
الوجه الثاني: بالحوالة يزول ملكه عن الدين كالإبراء، فلما لم يكن رضا المبرأ معتبرًا في صحة البراءة لم يكن رضا المحال عليه معتبرًا في صحة الحوالة.
واستثنى المالكية فيما إذا كانت هناك عداوة بين المحال والمحال عليه.
جاء في البهجة في شرح التحفة: "ومحل عدم اشتراط رضا المحال عليه على المشهور: إذا لم تكن هناك عداوة بين المحال والمحال عليه، وإلا فلا بد من رضاه".
الراجح:
أن رضا المحال عليه ليس بشرط، والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 531: 533)
فوات الرضا في عقد الحوالة:
تبين لنا من خلال البحوث السابقة اختلاف الفقهاء فيمن يشترط رضاه لعقد الحوالة.
فالجمهور يشترطون رضا المحيل والمحال فقط دون المحال عليه.
واشترط الحنفية رضا المحال والمحال عليه دون المحيل.
واشترط الحنابلة رضا المحيل فقط دون المحال والمحال عليه.
هذا ملخص أقوال الأئمة في اشتراط الرضا بين أطراف الحوالة، والله أعلم.
فإذا انتفى الرضا ممن يشترط رضاه في الحوالة، ووقع عقد الحوالة على الإكراه، فقد اختلف الفقهاء في أثر ذلك على الحوالة على ثلاثة أقوال، ترجع إلى اختلافهم في عقد المكره على سبيل العموم:
القول الأول: إذا أكره من يشترط رضاه على الحوالة فهي حوالة فاسدة؛ فرقًا بينها وبين الحوالة الباطلة، وهذا مذهب الحنفية، ولهم مصطلح خاص في التفريق بين الفاسد والباطل سبق تحريره في عقد البيع.
قال علي حيدر: "رضا المحال والمحال عليه شرط في صحة الحوالة...؛ بناء عليه إذا أخذ رجل حوالة بالإكراه المعتبر أو قبلها لا تكون صحيحة".
وجه ذلك: أن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات.
القول الثاني: الإكراه على عقد الحوالة ينعقد موقوفًا، وللمكره الخيار بين إمضائه ورده، وهذا قول زفر من الحنفية، ومذهب المالكية.
• وجه ذلك: أن النهي عن الإكراه في العقود ليس لحق الله، وإنما هو لحق الآدمي، فإذا أجازه صاحبه بعد رفع الإكراه ارتفع المفسد، فصح العقد، مثله عقد الفضولي، فإنه لما كان الفضولي قد باع ملك غيره بغير إذنه، كان ذلك موقوفًا على إجازة صاحبه.
القول الثالث: العقد مع الإكراه لا ينعقد، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول: قال تعالى: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29].
• وجه الدلالة: إذا كان الرضا شرطًا في صحة البيع، والبيع عقدًا من العقود، فكذلك الحوالة مقيسة عليه، وإذا عدم الشرط عدم المشروط؛ لأنه يلزم من عدمه العدم.
الدليل الثاني: إذا كان الإكراه محرمًا، وفيه اعتداء على حق الغير، فإن الحرام لا ينبغي أن يترتب عليه أي أثر شرعي.
• الراجح:
أرى أن القول بأن الحوالة تكون موقوفة على إجازة المكره، فإن الحق له، إن شاء أمضاه، وإن شاء رده، لكن بشرط أن يرتفع الإكراه قبل الإجازة.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 535، 536)
في اشتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال:
ذهب الأئمة الأربعة إلى اشتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال.
فإن أحال المحيل رجلًا ليس له عليه دين على من له عليه دين فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: تصح، وتكون وكالة بقبض الدين اعتبارًا للمعنى؛ لأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليست الألفاظ والمباني، وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن نجيم: "إذا أحال رجلًا وليس للمحتال دين على المحيل فهذه وكالة، وليست حوالة".
وقال الدسوقي في حاشيته: "وكذا يشترط ثبوت دين للمحال على المحيل".
وجاء في البيان للعمراني: "قال أبو العباس: إذا كان لرجل عند رجل ألف، فقال من له الدين لرجل لا شيء عليه له: أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل منه بالقبض، وليس بحوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون لمن له حق، ولا حق للمحتال عليه ها هنا، فثبت أن ذلك توكيل".
• وجه ذلك: قال ابن قدامة: "لأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله، ولا حق ها هنا ينتقل ويتحول، وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة؛ لاشتراكهما في المعنى؛ وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين، كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه، وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل".
القول الثاني: لا تصح لا حوالة ولا وكالة، اختاره بعض الشافعية.
أما كون العقد لا يصح حوالة: فلأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله، ولا حق هنا ينتقل ويتحول.
وأما كونه لا ينعقد وكالة: فاعتبارًا للفظ، فإن لفظ الحوالة غير لفظ الوكالة، وهذا القول اختاره بعض الشافعية، وهو يتفق مع أصول مذهبهم بأن المقدم في العقود الألفاظ على المعاني.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 537: 540)
في اشتراط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل:
علمنا اتفاق الأئمة الأربعة على اشتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال، فهل يشترط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: تصح الحوالة وإن كان المحال عليه ليس مدينًا للمحيل، وتسمى بالحوالة المطلقة، بشرط أن يتضمن العقد براءة المحيل، وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن الماجشون من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية.
فإن لم يتضمن العقد براءة المحيل كان العقد عند الحنفية كفالة.
جاء في البحر الرائق: "الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة".
قال ابن عابدين: "وأما الدين على المحال عليه فليس بشرط".
وقال السيوطي: "لو أحال على من لا دين عليه برضاه، فالأصح بطلانها؛ بناء على أنها بيع، والثاني: يصح؛ بناء على أنها استيفاء".
القول الثاني: يشترط في صحة الحوالة أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة.
فإن أحاله صح العقد على خلاف بينهم في توصيف هذا العقد.
فقيل: هي حمالة عند المالكية. واقتراض عند الشافعية والحنابلة.
جاء في شرح الخرشي: "ومن شروطها ثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه وإلا كانت حمالة عند الجمهور، قاله الباجي، ولو وقعت بلفظ الحوالة".
وجاء في المدونة: "إذا لم يكن على المحتال عليه للذي أحال عليه دين فإنما هي حمالة".
وجاء في أسنى المطالب: "لو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة، ولو رضي بها؛ لعدم الاعتياض؛ إذ ليس عليه شيء يجعله عِوَضًا عن حق المحتال، فإن تطوع بأداء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز".
وفي مغني المحتاج: "ولا تصح على من لا دين عليه؛ بناء على الأصح من أنها بيع؛ إذ ليس للمحيل على المحال عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال، وقيل: تصح برضاه...، وعلى الأول لو تطوع بقضاء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز".
وقال ابن قدامة: وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة، نص عليه أحمد، فلا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك؛ لأن الحوالة معاوضة، ولا معاوضة هنا، وإنما هو اقتراض".
وجاء في كشاف القناع: "وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو وكالة في اقتراض".
والقول بأنها قرض أو وكالة باقتراض لا يخالف عندي توصيف من قال بأنها حمالة؛ لأنها حمالة بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، ووكالة بالاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه.
القول الثالث: العقد باطل، وهو قول في مذهب الشافعية.
قال الماوردي: "فأما وجوب الحق على المحال عليه فقد اختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة الحوالة؟ على وجهين، أحدهما: أنه شرط في صحة الحوالة، فمتى لم يكن للمحيل على المحال عليه ذلك الحق الذي أحال به عليه فالحوالة باطلة؛ لأن الحوالة من تحول الحق، فلا بد من أن يكون الحق واجبًا على المحال عليه كما كان واجبًا للمحتال، والوجه الثاني: تصح وتجرى مجرى الضمان؛ لأنها وثيقة، فعلى هذا لا تتم إلا بقبول المحال عليه".
• الراجح:
الذي يظهر لي أن المحال عليه إذا لم يكن مدينًا للمحيل، ورضي بالحوالة فإنها تصح، ولكن لا تكون حوالة مطلقة، كما يقول الحنفية، بل يمكن توصيف الحوالة على أنها وكالة في الاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه، وضمان بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، فيكون المحيل مضمونًا عنه، والمحال عليه ضامنًا، والمحال مضمونًا له، وذلك أن المحال عليه عندما رضي بالحوالة أصبح ملتزمًا بأداء قيمتها للمحال، وهذا هو حقيقة الضمان، فإن دفعها بأمر المحيل وبنية الرجوع إلى صاحبها أصبح مقرضًا للمحيل، وإن دفعها بدون أمره، أو نوى عدم الرجوع كان متبرعًا، فإن دفعها إكرامًا للمحيل كانت هدية، وإن دفعها طلبًا للأجر والثواب كانت صدقة، والله أعلم.
قال العمراني: "فإن وزن المحال عليه الحق فإن كان بغير إذن المحيل لم يرجع على المحيل بشيء؛ لأنه متطوع، وإن وزن بإذنه رجع عليه".
وقال الماوردي: "ولا رجوع له بالحوالة قبل أدائها، فإن أداها بأمر رجع بها، وإن كان بغير أمر لم يرجع بها".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 577: 580)
اشتراط تماثل الدين المحال به بالمحال عليه:
الذين ذهبوا إلى اشتراط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل اشترطوا تماثل الدينين في الجنس، فيحيل المدين بالذهب على ذهب مثله، والمدين بالفضة على فضة مثلها.
وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن الحوالة عقد إرفاق لا يراد للمعاوضة، فاعتبر فيها الاتفاق في الجنس كالقرض.
واختلفوا في اشتراط تساويهما في الصفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يشترط تساويهما في الصفة، فيحيل بالجيد على جيد مثله، وبالرديء على رديء مثله.
وهذا أحد القولين في مذهب المالكية اختاره ابن رشد الجد والحفيد، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول واحد في مذهب الحنابلة.
قال ابن رشد الحفيد: "أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا, ولم يكن حوالة، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين".
وقال ابن رشد الجد: "لجواز الحوالة ثلاثة شروط:...، الثاني: أن يكون الدين الذي يحيل به مثل الدين الذي يحيله عليه في القدر والصفة، لا أقل، ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر، أو مخالفًا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة، وكان بيعًا على وجه المكايسة، فدخلها ما نهي عنه من الدين بالدين أيضًا".
وقال النووي في الروضة: "الشرط الثالث: اتفاق الدينين، فيشترط اتفاقهما جنسًا وقدرًا... وصحة وتكسرًا، وجودة ورداءة".
وفي حاشية قليوبي وعميرة: "ويشترط تساويهما، أي: المحال به وعليه، جنسًا وقدرًا".
وقال ابن قدامة: "من شروط صحة الحوالة...
أحدها: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر تماثلها في أمور ثلاثة: الجنس، فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب لم يصح.
الثاني: الصفة؛ فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح".
وقال في الإنصاف: " الثاني: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول، والتأجيل بلا نزاع في الجملة".
القول الثاني: يجوز التحول بالأعلى على الأدنى، وهو قول اللخمي والمازري، وابن شاس والمتيطي من المالكية.
ومقتضى هذا القول أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس والمقدار، ويجيزون التفاوت في الصفة بشرط أن يكون المحال عليه أدنى من المحال به، وليس العكس.
جاء في مواهب الجليل: "نص اللخمي مع المازري والمتيطي، وقال: شروطها –يعني: الحوالة- ستة، كونها على دين، واتحاد جنس الدينين، واتحاد قدرهما، وصفتهما، أو كون المحال عليه أقل أو أدنى".
وجهه: أنه موافق لمقتضى عقد الحوالة بكونها عقد إرفاق وإحسان، فإذا أحاله بالأعلى على الأدنى والأقل جودة، كان هذا زيادة في المعروف.
القول الثالث: تجوز الحوالة بالقليل على الكثير، وبالرديء على الجيد، وبالمكسر على الصحيح، وهو وجه في مذهب الشافعية.
قال الرافعي في الشرح الكبير: وكأن المحيل تبرع بالزيادة.
ومقتضى هذا القول: أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس، ويجيزون تفاوتهما في المقدار والصفة، بشرط أن يكون المحال به أقل قدرًا أو صفة من المحال عليه، على عكس مذهب المالكية في التفاوت في الصفة.
الراجح:
أما اتفاق الجنس فإن اعتباره صحيح؛ لأن العقد ينقلب إلى معاوضة، والحوالة لا تقوم على استبدال الدين، وإنما على تحويله وانتقاله، فإذا انتقلت إلى المعاوضة فيجب أن يطبق عليها أحكام بيع الدين.
وأما الحوالة بالجيد على الرديء وبالصحيح على المكسر إذا كانا من جنس واحد فهذا جائز؛ لأنه موافق لمقتضى عقد الحوالة القائم على المعروف والإحسان, وهذا منه، حتى على القول بأن الحوالة بيع فإن الإِسلام قد ألغى الجودة في استبدال الربوي بمثله.
وأما الحوالة بالقليل على الكثير إذا كانا من جنس واحد، فهنا اختلاف في مقدار الدين، فالذين يرون أن الحوالة بيع يمنعونه، ولا أرى مانعًا شرعيًّا من صحته ونقول: إن المحيل (المدين) قد تبرع بالزيادة، وهو داخل في حسن القضاء المأمور به المدين، خاصة إذا لم يكن هناك شرط واتفاق، وقلنا: إن عقد الحوالة قائم على المعروف والإحسان.
وأما الحوالة بالكثير على القليل إذا كانا من جنس واحد فكذلك الصحيح جوازه، وكأن المحال أبرأ المحيل وأسقط عنه مقدارًا من دينه، ولا محذور في ذلك، والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 559: 565)
اشتراط أن يكون دين المحيل لازمًا مستقرًّا:
قال الكاساني: كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به.
وقال الماوردي: ما لم يجب قبل الحوالة لم يصر واجبًا بالحوالة.
الدين في الحوالة اثنان: دين على المحيل، ودين على المحال عليه، والكلام في هذا المبحث إنما هو في دين المحيل، فهل يشترط في الدين المحال به أن يكون لازمًا مستقرًّا؟
اختلف الفقهاء في هذا على قولين:
القول الأول: يشترط أن تكون الحوالة بدين لازم، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
زاد الشافعية: أو مصيره إلى اللزوم، كالإحالة بالثمن في زمن الخيار.
جاء في فتح العزيز بشرح الوجيز: "أن يكون الدين لازمًا، أو مصيره إلى اللزوم".
قال الكاساني في بدائع الصنائع: "وأما الذي يرجع إلى المحال به، فنوعان:
أحدهما: أن يكون دينًا...
والثاني: أن يكون لازمًا، فلا تصح الحوالة بدين غير لازم كبدل الكتابة، وما يجري مجراه؛ لأن ذلك دين تسمية، لا حقيقة؛ إذ المولى لا يجب له على عبده دين، والأصل أن كل دين لا تصح الكفالة به، لا تصح الحوالة به".
وقال الماوردي في الحاوي: "وأما المحال به، تعريفه، وأحواله، فهو الحق الذي يتحول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وللحق ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون لازمًا مستقرًّا.
والثاني: أن يكون غير لازم ولا مستقر.
والثالث: أن يكون لازمًا غير مستقر.
فإن كان الحق لازمًا مستقرًّا كأروش الجنايات، وقيم المتلفات... فالحوالة به إذا كانت على مثل صفته جائزة...
فإن كان الحق غير لازم ولا مستقر، كمال الجعالة، وعوض الكتابة، فالحوالة به لا تصح؛ لأن ما لم يجب قبل الحوالة لم يصر واجبًا بالحوالة.
وإن كان لازمًا غير مستقر، كالثمن في مدة الخيار، ففي جواز الحوالة وجهان، أحدهما: أنه تجوز إن قيل إنما عقد إرفاق، والثاني: لا تجوز إن قيل: إنها عقد بيع".
وقال الغزالي: "الشرط الثاني للدين: أن يكون لازمًا، أو مصيره إلى اللزوم، فتجوز الحوالة بالثمن، وعلى الثمن في مدة الخيار على الصحيح، ثم إن فسخ انقطعت الحوالة.
وفي نجوم الكتابة ثلاثة أوجه:
أحدها: المنع؛ لأنه ليس بلازم عليه.
والثاني: نقل عن ابن سريج جواز الحوالة به وعليه جميعًا لثبوته، وتأكده.
والثالث: أنه لا تجوز الحوالة عليه؛ إذ لو صح لعتق العبد، ولصار الدين لازمًا على العبد، وتصح حوالة العبد به، فيبرأ العبد، ويعتق، ويلزم الدين في ذمة المحال عليه، فلا بعد فيه".
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع في معرض كلامه على شروط صحة الحوالة، قال: "الثالث: كون الحق، أي: الدين المحال به وعليه لازمًا".
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: "وقيل: يشترط كون المحال به مستقرًّا كالمحال عليه، اختاره القاضي في المجرد، وجزم به الحلواني، قال في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب والمستوعب، والخلاصة: يشترط لصحتها أن تكون بدين مستقر، وعلى دين مستقر...
قال في التلخيص: فلا تصح الحوالة بغير مستقر، ولا على غير مستقر، فلا تصح في مدة الخيار، ولا في الأجرة قبل استيفاء المنفعة، ولا في الصداق قبل الدخول، وكذلك دين الكتابة، على ظاهر كلام أبي الخطاب".
وأما المالكية فقال خليل في مختصره: "شرط الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، وثبوت دين لازم".
فيشمل كلمة (دين لازمًا) الدين المحال به، والدين المحال عليه، إلا أن غالب شراح خليل مثلوا له في دين المحال عليه.
القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور، إلى أنه لا يشترط استقرار المحال به.
قال في الإنصاف: "وإن كانت الحوالة بمال لم يشترط استقراره، وتصح الحوالة به على الصحيح من المذهب".
وقال ابن قدامة في الكافي: "ولا يعتبر استقرار المحال به؛ لجواز أداء غير المستقر...، ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها صح".
وفي تصحيح الفروع: "ولا يعتبر استقرار المحال به، فلو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها، أو أحال المشتري البائع بثمن البيع في مدة الخيار، أو أحال المكاتب سيده بنجم قد حل صح ذلك".
وقال في كشاف القناع: "ولا يشترط للحوالة استقرار المحال به".
وفي شرح منتهى الإرادات: "ولا يشترط استقرار محال به، فتصح بجعل قبل عمل؛ لأن الحوالة به بمنزلة وفائه، ويصح الوفاء قبل الاستقرار".
ولأن اشتراط استقرار المحال به لا يثبت إلا بدليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على اشتراط استقرار المحال به، وإذا صح في عقد البيع أن يقبض البائع الثمن، ويقبض المشتري المبيع زمن الخيار، وقبل لزوم العقد صح أن يقبض المحال دينه غير المستقر، فإن لم يثبت الدين انتقضت الحوالة، وإن استقر بعد القبض لزمت الحوالة، غاية ما فيه أنه وفاه حقه قبل استقراره، وهذا ليس بحرام، وإذا صح أن يحال من لا دين له على من عليه دين، ويكون العقد وكالة بالقبض صح أن يحال من له دين غير مستقر من باب أولى، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 565: 568)
اشتراط أن يكون دين المحال عليه لازمًا مستقرًّا:
سبق لنا أن الحنفية والشافعية في أحد الوجهين وابن الماجشون من المالكية لا يشترطون أن يكون المحال عليه مدينًا لصحة الحوالة، وبالتالي لا يتأتى هذا الشرط على هذا المذهب، كما سبق لنا أن الحنفية لا يصححون الحوالة إلا برضا المحال عليه، فإذا رضي بالحوالة فقد التزم الحق، سواء أكانت ذمته مشغولة بدين أم لا، فلا يكون الحق على المحال عليه عرضة للسقوط.
وأما الذين يشترطون أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وهم الجمهور، فاختلف موقفهم من هذا الشرط على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والصحيح من مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور إلى اشتراط أن يكون الدين المحال عليه لازمًا، زاد الشافعية: أو صائرًا إلى اللزوم.
قال خليل في مختصره: "وثبوت دين لازم".
قال الدردير: "واحترز بقوله: "لازم" عن دين صبي، وسفيه، ورقيق بغير إذن ولي وسيد، فلا تصح الإحالة عليهم به".
قال الصاوي في حاشيته: "فلا تصح الحوالة عليهم، أي: لعدم لزوم ذلك الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه، وسيد الرقيق طرح الدين عنهم".
وفي منح الجليل: "ووصف دين بلازم، فلا تصح الحوالة على دين على صبي، أو سفيه تداينه بغير إذن وليه، أو رقيق بغير إذن سيده".
قال النووي في الروضة: "والدين ضربان: لازم، وغيره، أما غيره ففيه مسائل:
إحداها: الثمن في مدة الخيار تصح الحوالة به، وعليه على الأصح...
أما الحوالة بالثمن بعد انقضاء الخيار، وقبل قبض المبيع فالمذهب الذي عليه الجمهور القطع بجوازها, وللمسعودي إشارة إلى منعها؛ لكونه غير مستقر.
وقد اشتهر في كتب الأصحاب اشتراط استقرار ما يحال به وعليه.........
القول الثاني: لا يشترط لزوم دين المحال عليه ولا استقراره، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة.
قال في الإنصاف: "الحوالة تارة تكون على مال وتارة تكون بالمال -يشير إلى المحال به والمحال عليه- فإن كانت الحوالة على مال فيشترط أن يكون المال المحال عليه مستقرًّا على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
وقيل: تصح الحوالة على مال الكتابة بعد حلوله، وفي طريقة بعض الأصحاب: أن المسلم فيه منزل منزلة الموجود، لصحة الإبراء منه، والحوالة عليه وبه.
وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلم فيه، وظاهر ما قدمه في المحرر: صحة الحوالة على المهر قبل الدخول، وعلى الأجرة بالعقد، وإن كانت الحوالة بمال (المال المحال به) لم يشترط استقراره".
وقال في كفاية الأخيار: "قد اتفقا على تصحيح الحوالة بثمن في زمن الخيار وعليه، مع أنه غير لازم فضلًا عن الاستقرار، إلا أنه يؤول إلى اللزوم، وأما بعد مضي الخيار، وقبل قبض المبيع فالمذهب الذي قطع به الجمهور: أنه تصح الحوالة به وعليه، مع أنه غير مستقر؛ لجواز تلف المبيع، فلا يستقر إلا بقبض المبيع، وكذا تجوز الحوالة بالأجرة، وكذا الصداق قبل الدخول، والموت ونحو ذلك... "، يعني: وإن كانت غير مستقرة.
* الراجح:
إذا كان المحال عليه غير مدين صحت الحوالة عليه، وصار المحال عليه ضامنًا دين المحيل بقبوله الحوالة، وله الرجوع، وهذا لا يحتاج فيه إلى استقرار الدين ولزومه.
وإن كانت الحوالة مبنية على دين على المحال عليه، وكانت الحوالة تنقل الحق نقلًا مطلقًا بحيث لا يحق للمحال أن يرجع على المحيل فقد يكون القول بلزوم دين المحال عليه متجهًا حفظًا لحق المحال.
وإن قلنا: إنْ تعرض دين المحال عليه للسقوط فللمحال الرجوع بدينه على المحيل كما لو كانت الإحالة بزمن الخيار، أو كانت الإحالة على أجرة قد انفسخت لم يكن اشتراط لزوم الدين واستقراره ضرورة، والله أعلم.