الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (30/ 219، 220) .
شروط العاقدين للصلح:
المراد بالعاقدين: كل من يتولى العقد، إما أصالة كأن يبيع أو يشتري لنفسه، أو وكالة كأن يعقد نيابة عن الغير بتفويض منه في حياته، أو وصاية كمن يتصرف خلافة عن الغير في شئون صغاره بعد وفاته بإذن منه أو من قبل الحاكم.
وحيث إن العقد لا يتصور وجوده من غير عاقد فقد جعله جمهور الفقهاء من أركان العقد، كما تقدم.
ولكي ينعقد العقد صحيحًا نافذًا يشترط في العاقدين ما يأتي:
الأول: الأهلية
وهو أن يكون العاقد أهلًا للتصرف، وهو: البالغ الرشيد، فلا يصح من صغير غير مميز ومجنون ومبرسم.
أما الصبي المميز: فتصح عقوده وتصرفاته النافعة نفعًا محضًا، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، دون حاجة إلى إذن الولي، ولا تصح عقوده وتصرفاته الضارة ضررًا محضًا، كالهبة والوصية للغير والطلاق والكفالة بالدين ونحوها، ولو أجاز هذه التصرفات وليه أو وصيه، أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والإجارة ونحوهما: فتصح من الصبي المميز بإجازة الولي، ولا تصح بدونها عند جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والحنابلة.
الثاني: الولاية
الولاية: مأخوذة من الولي، وهو في اللغة: بمعنى القرب، والولاية: النصرة.
وفي الاصطلاح: تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أوْ لا.
ولكي ينعقد العقد صحيحًا نافذًا تظهر آثاره شرعًا لا بد في العاقد - بجانب أهلية الأداء - أن تكون له ولاية التصرف ليعقد العقد.
الثالث: الرضا والاختيار
اتفق الفقهاء على أن الرضا أساس العقود، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29].
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما البيع عن تراض".
والرضا: سرور القلب وطيب النفس. وهو ضد السخط والكراهة.
وعرفه جمهور الفقهاء بأنه: قصد الفعل، دون أن يشوبه إكراه.
وعرفه الحنفية بأنه: امتلاء الاختيار، أي: بلوغه نهايته، بحيث يفضي أثره إلى الظاهر من البشاشة في الوجه، أو إيثار الشيء واستحسانه.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (27/ 349، 350) .
الشروط المتعلقة بالمصالح عنه:
أن يكون المصالح عنه حقًّا ثابتًا للمصالح في المحل:
وعلى ذلك: فما لا يكون حقًّا له، أو لا يكون حقًّا ثابتًا له في المحل لا يجوز الصلح عنه، حتى لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبيًّا في يده أنه ابنه منها، وجحد الرجل، فصالحت عن النسب على شيء فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي لا حقها، فلا تملك الاعتياض عن حق غيرها؛ ولأن الصلح إما إسقاط أو معاوضة، والنسب لا يحتملهما.
وكذا لو صالح الشفيع من الشفعة التي وجبت له على شيء، على أن يسلم الدار للمشتري فالصلح باطل؛ لأنه لا حق للشفيع في المحل، إنما الثابت له حق التملك، وهو ليس لمعنى في المحل، بل هو عبارة عن الولاية، وأنها صفة الوالي فلا يحتمل الصلح عنه، وهو قول الجمهور - خلافًا للمالكية - فيجوز عندهم الصلح عن الشفعة، وكذلك لو صالح الكفيل بالنفس المكفول له على مال، على أن يبرئه من الكفالة فالصلح باطل؛ لأن الثابت للطالب قبل الكفيل بالنفس حق المطالبة بتسليم نفس المكفول بنفسه، وذلك عبارة عن ولاية المطالبة، وأنها صفة الوالي فلا يجوز الصلح عنها كالشفعة.
أما لو ادعى على رجل مالًا وأنكر المدعى عليه، ولا بينة للمدعي، فطلب منه اليمين فصالح عن اليمين على أن لا يستحلفه جاز الصلح وبرئ من اليمين، بحيث لا يجوز للمدعي أن يعود إلى استحلافه، وكذا لو قال المدعى عليه: صالحتك من اليمين التي وجبت لك علي، أو قال: افتديت منك يمينك بكذا وكذا صح الصلح؛ لأن هذا صلح عن حق ثابت للمدعي؛ لأن اليمين حق للمدعي قبل المدعى عليه، وهو ثابت في المحل - وهو الملك في المدعي في زعمه - فكان الصلح في جانب المدعي عن حق ثابت في المحل، وهو المدعي، وفي جانب المدعى عليه بذل المال لإسقاط الخصومة والافتداء عن اليمين، قاله الكاساني.
ونص الحنفية والحنابلة: على أنه لو ادعى رجل على المرأة نكاحًا فحجته، وصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز هذا الصلح؛ لأن النكاح حق ثابت في جانب المدعي حسب زعمه، فكان الصلح على حق ثابت له، والدافع يقطع به الخصومة عن نفسه، فكان في معنى الخلع.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (27/ 350: 352) .
الشروط المتعلقة بالمصالح عنه:
أن يكون مما يصح الاعتياض عنه:
أي: أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء أكان مما يجوز بيعه أو لا يجوز، وسواء أكان مالًا أو غير مال.
وعلى ذلك: فيجوز الصلح عن قود نفس ودونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في عوض أو معوض؛ قطعًا للخصومة والمنازعة.
ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز؛ لقوله تعالى: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } [البقرة: 178]، فقوله عز وجل: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) أي: أعطى له.
كذا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقوله عز شأنه: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي: فليتبع، مصدر بمعنى الأمر، فقد أمر الله تعالى الولي بالاتباع بالمعروف إذا أعطي له شيء، واسم الشيء يتناول القليل والكثير، فدلت الآية على جواز الصلح عن القصاص على القليل والكثير، وقال الزيلعي: ولأن القصاص حق ثابت في المحل، ويجري فيه العفو مجانًا، فكذا تعويضًا؛ لاشتماله على الأوصاف الجميلة من إحسان الولي، وإحياء القاتل...
والكثير والقليل سواء في الصلح عن القصاص؛ لأنه ليس فيه شيء مقدر، فيفوض إلى اصطلاحهما، كالخلع على مال.
أما إذا صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها لم يجز، وكذلك لو أتلف شيئًا غير مثلي لغيره، فصالح عنه بأكثر من قيمته من جنسها لم يجز أيضًا؛ وذلك لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة مقدرة، فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر من جنسها الثابتة عن قرض أو ثمن مبيع؛ ولأنه إذا أخذ أكثر منها فقد أخذ حقه وزيادة لا مقابل لها، فيكون أكل مال بالباطل.
فأما إذا صالحه على غير جنسها بأكثر من قيمتها، فيجوز؛ لأنه بيع، ويجوز للمرء أن يشتري الشيء بأكثر من قيمته أو أقل، ولأنه لا ربا بين العوض والمعوض عنه فصح.
وبناءً على ما تقدم: لا يجوز الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه، مثل أن يصالح امرأة على مال لتقر له بالزوجية؛ لأنه صلح يحل حرامًا؛ ولأنها لو أرادت بذل نفسها بعوض لم يجز.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (27/ 352: 354) .
الشروط المتعلقة بالمصالح عنه:
أن يكون معلومًا:
وقد اختلف الفقهاء في اشتراطه أو في مداه على ثلاثة أقوال:
أحدها: للشافعية، وهو عدم صحة الصلح عن المجهول.
قال الإمام الشافعي في "الأم": أصل الصلح أنه بمنزلة البيع، فما جاز في البيع جاز في الصلح، وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح، ثم يتشعب... ولا يجوز الصلح عندي إلا على أمر معروف، كما لا يجوز البيع إلا على أمر معروف، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -: " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا"، ومن الحرام الذي يقع في الصلح: أن يقع عندي على المجهول الذي لو كان بيعًا كان حرامًا.
هذا، وقد نص الشافعية على صحة الصلح عن المجمل عندهم، فلو ادعى عليه شيئًا مجملًا فأقر له به وصالحه عنه على عوض، صح الصلح.
قال الشيخ أبو حامد وغيره: هذا إذا كان المعقود عليه معلومًا لهما، فيصح الصلح وإن لم يسمياه، كما لو قال: بعتك الشيء الذي نعرفه أنا وأنت بكذا، فقال: اشتريت؛ صح.
والثاني: للحنفية، وهو أنه يشترط كون المصالح عنه معلومًا إن كان مما يحتاج إلى التسليم، فإنه لما كان مطلوب التسليم اشترط كونه معلومًا؛ لئلا يفضي إلى المنازعة.
جاء في فتاوى قاضي خان: إذا ادعى حقًّا في دار رجل ولم يسم، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدعي ليسلم المدعى عليه ما ادعاه المدعي لا يصح هذا الصلح؛ لأن المدعى عليه يحتاج إلى تسليم ما ادعاه المدعي، فإذا لم يعلم مقدار ذلك لا يدري ماذا يسلم إليه، فلا يجوز.
أما إذا كان مما لا يحتاج التسليم - كترك الدعوى مثلًا - فلا يشترط كونه معلومًا؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة، والمصالح عنه هاهنا ساقط، فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول، وهو جائز، قال الإسبيجابي: لأن الجهالة لا تبطل العقود لعينها، وإنما تبطل العقود لمعنى فيها، وهو وقوع المنازعة، فإن كان مما يستغنى عن قبضه، ولا تقع المنازعة في ثاني الحال فيه جاز، وإن كان مما يحتاج إلى قبضه، وتقع المنازعة في ثاني الحال عند القبض والتسليم لم يجز.
والثالث: للمالكية والحنابلة، وهو التفريق بين ما إذا كان المصالح عنه مما يتعذر علمه، وبين ما إذا كان مما لا يتعذر.
فإن كان مما يتعذر علمه فقد نص المالكية والحنابلة على صحة الصلح عنه.
قال الحنابلة: سواء أكان عينًا أم دينًا، وسواء جهلاه أو جهله من عليه الحق، وسواء أكان المصالح به حالًّا أو نسيئة، واستدلوا على ذلك:
أ - بما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته أو قد قال: لحجته من بعض، فإني أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إذ قلتما، فاذهبا، فاقتسما ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
ب - ولأنه إسقاط حق، فصح في المجهول كالطلاق للحاجة.
ح - ولأنه إذا صح الصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعينه فلأن يصح مع الجهل أولى؛ وذلك لأنه إذا كان معلومًا فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع الجهل لا يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح لأفضى ذلك إلى ضياع الحق، أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه.
أما إذا كان مما لا يتعذر علمه، كتركة باقية، صالح الورثة الزوجة عن حصتها منها مع الجهل بها، فقال المالكية، وأحمد في قول له: لا يجوز الصلح إلا بعد المعرفة بذلك، وقال الحنابلة في المشهور عندهم: يصح لقطع النزاع.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (27/ 354، 355) .
الشروط المتعلقة بالمصالح به:
المصالح به، أو المصالح عليه: هو بدل الصلح، وشروطه عند الفقهاء اثنان:
أحدهما: أن يكون مالًا متقومًا.
وعلى ذلك، فلا يصح الصلح على الخمر، والخنزير، والميتة، والدم، وصيد الإحرام والحرم؛ وذلك لأن في الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصح عوضًا في البياعات لا يصح جعله بدل صلح، ولا فرق بين أن يكون المال دينًا أو عينًا أو منفعةً.
فلو صالحه على مقدار من الدراهم، أو على سكنى دار أو ركوب دابة وقتًا معلومًا صح ذلك، قال الكاساني: الأصل أن كل ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصلح عليه، وما لا فلا.
والثاني: أن يكون معلومًا.
وعلى ذلك قال الحنابلة: فإن وقع الصلح بمجهول لم يصح؛ تسليمه واجب، والجهل يمنعه.
أما الحنفية فقد فصلوا في المسألة، وقالوا: يشترط كون المصالح به معلومًا إن كان مما يحتاج إلى القبض والتسليم؛ لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة، فتوجب فساد العقد، أما إذا كان شيئًا لا يفتقر إلى القبض والتسليم فلا يشترط معلوميته، مثل أن يدعي حقًّا في دار رجل، وادعى المدعى عليه حقًّا في أرض بيد المدعي فاصطلحا على ترك الدعوى جاز، وإن لم يبين كل منهما مقدار حقه؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة، قال الكاساني: لأن جهالة البدل لا تمنع جواز العقد لعينها، بل لإفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم، فإذا كان مالًا يستغنى عن التسليم والتسلم فيه، لا يفضي إلى المنازعة فلا يمنع الجواز.