الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (15/ 208، 209) .
حكم الجعالة، ودليل شرعيتها:
- عقد الجعالة مباح شرعا عند المالكية والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية يقولون: إنها جائزة بطريق الرخصة، اتفاقا، والقياس عدم جوازها بل عدم صحتها للغرر الذي يتضمنه عقدها، وإنما خرجت عن ذلك إلى الجواز للأدلة التالية:
في الكتاب، والسنة، والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير) وكان حمل البعير معلوما عندهم وهو الوسق وهو ستون صاعا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قص علينا من غير نكير، ولم يثبت نسخه، ومن خالف في هذه القاعدة جعله استئناسا.
ومن السنة حديث رقية الصحابي، وهو ما روي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: أن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حيا من أحياء العرب فلم يقروهم ، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك القوم فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل إلا أن تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيع شاء، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرئ الرجل فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فضحك وقال: ما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي معكم بسهم . وفي رواية عن ابن عباس، فقال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله . ومن السنة أيضا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم حنين: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه.
ومن المعقول أن حاجة الناس قد تدعو إليها لرد مال ضائع، أو عمل لا يقدر عليه الجاعل ولا يجد من يتطوع به، ولا تصح الإجارة عليه لجهالته، فجازت شرعا للحاجة إليها كالمضاربة (ر: مضاربة) .
وقال الحنفية: بعدم جوازها في غير جعل العبد الآبق، ودليل المنع عندهم ما في الجعالة من تعليق التملك على الخطر (أي التردد بين الوجود والعدم) كما أن الجعالة التي لم توجه إلى معين لم يوجد فيها من يقبل العقد فانتفى العقد.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (2/ 762: 764) .
مشروعية الجعالة:
• المراد بالمسألة: الجعالة بالفتح، والاسم منه بالضم وهي في اللغة: مأخوذة من الجُعل، وهو ما يجعل للإنسان على الأمر يفعله .
• وفي الاصطلاح: التزام عوض معلوم، على عمل معين، معلوم أو مجهول، يعسر عمله .
والعلماء مجمعون -من حيث الأصل- على جواز الجعالة بهذا المعنى.
• من نقل الإجماع:
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] .
• شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [الجعالة: أن يجعل جعلا من رد آبق، أو ضالة، أو بناء حائط، أو خياطة ثوب، وسائر ما تجوز الإجارة عليه. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] .
• زكريا الأنصاري (926 هـ) يقول بعد أن ذكر تعريف الجعالة: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] .
• ابن حجر الهيتمي (974 هـ) يقول: [وأصلها قبل الإجماع. . . .] .
• الشربيني (977 هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] .
• الرملي (1004 هـ) يقول: [والأصل فيها: الإجماع] .
• الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية .
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) .
• وجه الدلالة: أنهم جعلوا جعلا لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه، وهو حمل بعير، وكان معروفا عندهم، فدل على جواز الجعالة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه .
الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن ناسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تُقْرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألوه؟ فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية! خذوها، واضربوا لي بسهم" .
• وجه الدلالة: أن هؤلاء النفر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- رفضوا أن يرقوا سيد القوم إلا بجعل يجعلوه لهم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على ذلك، ولم ينكر عليهم، فدل على جواز فعلهم.
الثالث: أن الحاجة داعية لمثل هذا العقد، فقد يشرد العبد وتضل الضالة، ولا يجد من يتبرع له في البحث عنهما، ولا يمكن له أن يستأجر عليهما، وذلك للجهالة في العمل الذي يمنع صحة الإجارة، فلم يبق إلا أن يصح له أن يضع جعلا يستحقه من أدى له هذا العمل، والشارع الحكيم لا يمنع ما فيه منفعة للناس .
• المخالفون للإجماع:
خالف في هذه المسألة: ابن حزم الظاهري، قال: لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، ولا يقضى له بشيء لو أحضره، لكن يستحب له الوفاء بما وعده إياه .
واستدل لقوله: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال ، واللَّه أمر بالتعاون على البر والتقوى، وحق على كل مسلم أن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفس منه ، فلا يحل لمن أتى بآبق؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه تجاه أخيه .
أما استحباب الوفاء بما وعده إياه، فلأنه وعد، والوعد غير واجب الوفاء به في هذه الحالة، وإنما هو على الاستحباب .
ولم أجد من وافقه من المتقدمين أو من المتأخرين على قوله هذا.
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها.
المجموع شرح المهذب - محمد نجيب المطيعي - (15/ 113) .
يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة ورد آبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما يستأجر عليه من الاعمال، والدليل عيله قوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وروى أبو سعيد الخدرى (أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتو احيا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بام القرآن ويجمع بزاقة ويتفل فبرا الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فضحك وقال: ما أدراك إنها رقية؟ خذوها واضربوا إلى فيها بسهم ولان الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (10/ 21: 31)
مشروعية الجعالة:
اتفق الأئمة الأربعة على جواز الجعالة في رد الآبق.
قال ابن قدامة: "لا نعلم فيه مخالفًا" .
ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم.
* وجه المنع عند ابن حزم:
يرى ابن حزم أن الجعالة ليست عقدًا، وإنما هي مجرد وعد، ويستحب له الوفاء.
قال ابن حزم: "لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، فمن قال لآخر: إن جئتني بعبدي الآبق فلك دينار، أو قال: إن فعلت كذا وكذا علي درهم، أو ما أشبه هذا، فجاءه بذلك لم يقض عليه بشيء، ويستحب لو وفى بوعده ... إلا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة، أو ليأتيه به من مكان معروف، فيجب له ما استأجره به".
وستأتي أدلة الجمهور في القول التالي إن شاء الله تعالى.
واختلف الأئمة في غير الآبق على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية إلى منع الجعالة في غير الآبق، وأجازوها في الآبق استحسانًا، صيانة للمال من الضياع، فإن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، فله عليه جعله أربعون درهمًا، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وإن رده من أقصى المصر رضخ له قدر عنائه، ولا جعل للسلطان إذا رد آبقًا .* دليل الحنفية في التفريق بين العبد وبين غيره:
استدل الحنفية في استحقاق الجعل على العبد:الدليل الأول: ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن رباح، عن أبي عمرو الشيباني، أن رجلا أصاب عبدًا آبقًا بعين التمر، فجاء به، فجعل ابن مسعود فيه أربعين درهمًا. [صحيح، وهو أصح ما ورد في الباب].
الدليل الثاني: ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، قالا: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في العبد الآبق إذا جيء به خارج الحرم دينارًا. [رجاله ثقات إلا أنه مرسل، ويتقوى بأثر ابن مسعود].
الدليل الثالث: ما رواه البيهقي من طريق خصيف، عن معمر، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العبد الآبق يوجد في الحرم بعشرة دراهم .
قال البيهقي: [هذا ضعيف، والمحفوظ حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، قالا: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وذلك منقطع] .
الدليل الرابع: روى ابن أبي شيبة، من طريق حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر جعل في الأبق دينارًا، أو اثني عشر درهمًا . [إسناده ضعيف جدًّا، دلسه حجاج بن أرطأة عن العرزمي] .
الدليل الخامس: روى ابن أبي شيبة من طريق حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي مثله. [ضعيف، فيه حجاج، والحارث الأعور].
هذه تقريبًا أدلة الحنفية في القول بالجعل في العبد الآبق خاصة، ولم يقيسوا على الآبق غيره لسببين:
الأول: أن القول في العبد الآبق جرى استحسانًا، وهو على خلاف القياس؛ لأن القياس ألا يكون له شيء إلا بالشرط.
الثاني: أن الجعالة في غير العبد لا تخرج عن كونها:
إما إجارة باطلة لا يترتب عليها أي أثر، وكان العقد لم ينعقد، وذلك إذا لم يعين العامل، بأن كانت الصيغة عامة، من دلني على كذا فله كذا؛ وقد بنى الحنفية القول بالبطلان على ثلاثة أشياء:
(1) أنها عقد مع مجهول، وهذا لا يصح.
(2) افتقار العقد بهذه الصيغة إلى قبول، والعقد لا يتم إلا بإيجاب وقبول.
(3) تعليق استحقاق المال بالخطر (وهو وجود الضال)، وقد يجده، وقد لا يجده، وهو من القمار المحرم.
وإما أن تكون الجعالة إجارة فاسدة وذلك إذا عين العامل.
وفساد العقد جاء من كون العمل فيه غير مقدر بقدر.
والعقد الفاسد يفسخ قبل التلبس بالعقد، ويستحق فيه العامل أجرة المثل بعد الشروع؛ ولا يستحق فيه المسمى؛ لفساد العقد.
قال السرخسي: "هذا شيء يأباه القياس؛ لأن العقد مع المجهول لا ينعقد، وبدون القبول كذلك ... ثم هذا تعليق استحقاق المال بالخطر، وهو قمار، والقمار حرام في شريعتنا، ولهم يكن حراما في شريعة من قبلنا".
وجاء في حاشية ابن عابدين: "رجل ضل له شيء، فقال: من دلني على كذا فله كذا، فهو على وجهين:
إن قال ذلك على سبيل العموم، بأن قال: من دلني، فالإجارة باطلة؛ لأن الدلالة والإشارة ليست بعمل يستحق به الأجر.
وإن قال على سبيل الخصوص، بأن قال لرجل بعينه: إن دللتني على كذا فلك كذا، إن مشى له فدله فله أجر المثل للمشي لأجله؛ لأن ذلك عمل يستحق بعقد الإجارة، إلا أنه غير مقدر بقدر، فيجب أجر المثل، وإن دله بغير مشي، فهو والأول سواء". أي لا يستحق شيئا.
وقال الكاساني: "أما أصل الاستحقاق فثابت عندنا استحسانًا، والقياس ألا يثبت أصلًا، كما لا يثبت برد الضالة ... لأن جعل الآبق طريق صيانة عن الضياع؛ لأنه لا يتوصل إليه بالطلب عادة. إذ ليس له مقام معلوم يطلب هناك، فلو لم يأخذه لضاع، ولا يؤخذ لصاحبه، ويتحمل مؤنة الأخذ والرد عليه مجانًا بلا عوض عادة، وإذا علم أن له عليه جعلًا يحمل مشقة الأخذ والرد طمعًا في الجعل، فتحصل الصيانة عن الضياع، فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع، وصيانة المال عن الضياع واجب ... بخلاف الضالة؛ لأن الدابة إذا ضلت، فمنها ترعى في المراعي المألوفة، فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة، فلا تضيع دون الأخذ، فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل".
القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى جوازه مطلقًا في الآبق وغيره .
واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة:
الدليل الأول: قوله تعالى: { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } [يوسف: 72].
وجه الاستدلال:
قال ابن كثير: قوله: " [يوسف: 72]، هذا من باب الجعالة، هذا من باب الكفالة" (1).
وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يات في شرعنا ما ينسخه، كيف وقد جاء فيه ما يؤيده كما في الدليل الآتي.
وأجيب عن الآية:
الجواب الأول: أجاب الحنفية عن هذه الآية بأن القمار كان حلالًا في شريعة من قبلنا، وقد حرم في شريعتنا.
وأما ابن حرم فلا يرى الاحتجاج بشريعة من قبلنا، لقوله تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [المائدة: 48]
الجواب الثاني: أن حمل البعير مجهول، والمخالف يشترط أن يكون العوض معلوما، فهذا الحمل لا يدرى مم هو؟ أمن اللؤلؤ، أو من ذهب، أو من رماد، أو من تراب؟ ولا أي البعران هو؟ ومن البعران الضعيف الذي لا يستقل بعشرين صاعا، ومنهم القوي الصحيح الذي يستقل بثلاثمائة صاع.
ورد هذا الجواب: بأن حمل البعير كان معلوما عندهم، كالوسق، ولذلك قال إخوة يوسف: { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } [يوسف: 65]
الدليل الثاني: ما رواه البخاري من طريق أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أن ناسًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسألوه، فضحك، وقال: وما أدراك أنها رقية؟! خذوها، واضربوا لي بسهم .
وجه الاستدلال: قوله: (حتى تجعلوا لنا جعلا) فدل الحديث على جواز الجعالة على أعمال القرب، فغيرها من باب أولى.
وأجيب عن الحديث بجوابين:
الجواب الأول: أجاب ابن حزم بأن هذا الحديث صحيح إلا أنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه إلا إباحة أخذ ما أعطى الجاعل على الرقية فقط، وهكذا نقول، وليس فيه القضاء على الجاعل بما جعل إن أبى أن يعطيه.
ويرد على هذا: لو كان دفع الجعل مكافأة وتبرعًا من القوم لم يكن في الدليل حجة، وصح اعتراض ابن حرم، وإنما كان الجعل عن عقد واشتراط قبل العمل، ولو كان اشتراط الجعل حرامًا لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما لم يبين علم أن اشتراط الجعل جائز، والله أعلم.
الجواب الثاني: قال ابن عرفة: "تمسك به غير واحد من أشياخ المذهب في جواز الجعل، وفيه نظر؛ لجواز كون إقراره - صلى الله عليه وسلم - لاستحقاقهم إياه بالضيافة، فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية رخصة اتفاقًا".
ويرد على الاعتراض: لو كان الجواز لاستحقاقهم إياه بالضيافة لبين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة، ولو بينه لنقل، فلما أقرهم عليه، وكان ذلك مطلقًا حمل ذلك على الجواز.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أفلح، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، وفيه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه.
وجه الاستدلال: جازت الجعالة مع أن العوض مجهول هنا؛ والشرط في صحة الجعالة عند الجمهور أن يكون العوض معلومًا؛ لأنه من مال الكفار.
قال ابن قدامة: "إن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلومًا مقدرًا، كالجعل في المسابقة، ورد الضالة، وإن كان من الكفار جاز مجهولًا؛ لأن النبي
جعل الثلث والربع وسلب المقتول، وهو مجهول؛ ولأنه لا ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة، كسلب القتيل" (1).
الدليل الرابع: احتج ابن قدامة بالإجماع على جواز الجعالة في رد العبد الآبق، قال ابن قدامة: "وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا" . فغيره إما مثله، أو مقيس عليه.
ويجاب: هذا الدليل حجة على الحنفية حيث منعوا الجعالة؟ وأجازوها في رد العبد الآبق، حيث يقال في الرد عليهم: لا فرق في المال بين العبد وغيره، فصيانة المال مأمور بها الإنسان، ولا يعتبر هذا الدليل حجة على ابن حزم حيث يمنع الإلزام بالجعالة في العبد الآبق وغيره، وخلافه يخرق الإجماع، والله أعلم.
الدليل الخامس: من النظر: فإن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولًا، كرد الآبق والضالة ونحو ذلك، ولا تنعقد الإجارة فيه، والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل.
الدليل السادس: القياس على عقد المضاربة، قال إمام الحرمين: "وإذا كنا نحتمل جهالة القراض (المضاربة) توصلًا إلى تحصيل الأرباح من غير اضطرار، وإرهاق إليها، فجهالة الجعالة أولى بالاحتمال".
الراجح:
جواز عقد الجعالة، لشدة الحاجة إليها، ولقوة أدلة القائلين بالجواز.