موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (26/ 37)
8 - وأما شركة الوجوه : فهي أن يتعاقد اثنان فأكثر ، بدون ذكر رأس مال ، على أن يشتريا نسيئة ويبيعا نقدا ، ويقتسما الربح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن.
وكذلك هي عند القاضي ، وابن عقيل من الحنابلة ، إذ جعلا الربح فيها على قدر الملك ، لئلا يلزم ربح ما لم يضمن . ولكن جماهيرهم جعلوا الربح فيها على ما تشارط الشريكان ، كشركة العنان : لأن فيها مثلها عملا وغيره ، سيما مع ملاحظة تفاوت الشريكين في المهارة التجارية ، والوجاهة عند الناس . بل نظر ابن قدامة إلى مآل أمرها ، فأنكر خلوها من المال.
المجموع شرح المهذب - النووي - (14/ 75)
وأما شركة الوجوه، وهو أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، فهي شركة باطلة؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، وإن وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما، واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه فإذا بيع قسم الثمن بينهما؛ لأنه بدل مالهما.
(الشرح) هذه أيضًا إحدى الصور من الشركات التي لا تصح عندنا وتسمى شركة الوجوه.
وهو أن يتفقا على أن يشترى كل واحد منهما بوجهه، ويكون ذلك شركة بينهما، وإن لم يذكر شريكه، وقال أبو حنيفة: "تصح" دليلنا أن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له، فلا يشارك غيره فيه، فإن أذن أحدهما لصاحبه أن يشترى له عينًا معينة أو موصوفة، ويبين له الثمن فاشترى له ونواه عند الشراء كان ذلك للآخر.
المغني - ابن قدامة - (5/ 121)
فأما شركة الوجوه فهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشتريا بينهما نصفين أو ثلاثًا أو أربعًا أو نحو ذلك، ويبيعان ذلك، فما قسم الله تعالى فهو بينهما فهي جائزة، سواء عيَّن أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو قدَّره أو وقَّته، أو ذكر صنف المال، أو لم يعين شيئًا من ذلك، بل قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا، قال أحمد في رواية ابن منصور في رجلين اشتركا بغير رؤوس أموالهما على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما فهو جائز، وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسين وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفًا من الثياب، وقال مالك والشافعي: يشترط ذكر شرائط الوكالة؛ لأن شرائط الوكالة معتبرة في ذلك من تعيُّن الجنس وغيره من شرائط الوكالة.
ولنا أنهما اشتركا في الابتياع وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فصح، وكان ما يتبايعانه بينهما كما لو ذكر شرائط الوكالة، وقولهم أن الوكالة لا تصح حتى يذكر قدر الثمن والنوع ممنوع على رواية لنا، وإن سلمنا ذلك، فإنما يعتبر في الوكالة المفردة، أما الوكالة الداخلية في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها بدليل المضاربة وشركة العنان فإن ضمنها توكيلًا ولا يعتبر فيها شيء من هذا كذا ههنا فعلى هذا إذا قال لرجل: ما اشتريت اليوم من شيء فهو بيني وبينك نصفان أو أطلق الوقت، فقال: نعم أو قال: ما اشتريت أنا من شيء فهو بيني وبينك نصفان جاز، وكانت شركة صحيحة؛ لأنه أذن له في التجارة على أن يكون المبيع بينهما، وهذا معنى الشركة، ويكون توكيلًا له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع سواء خص ذلك بنوع من المتاع، أو أطلق وكذلك إذا ما اشتريناه أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا، فهو شركة صحيحة وهما في تصرفاتهما وما يجب لهما، وعليهما في إقرارهما وخصومتهما وغير ذلك بمنزلة شريكَيِ العَنان على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأيهما عزَلَ صاحبه عن التصرف انعزل؛ لأنه وكيله.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (14/ 291 ، 292)
الفصل الأول في تعريف شركة الوجوه
تعريف شركة الوجوه اصطلاحًا:
تعريف الحنفية:
عرفها الكاساني من الحنفية بقوله: "أن يشتركا، وليس لهما مال، لكن لهما وجاهة عند الناس، فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة، ونبيع بالنقد، على أن ما رزق الله سبحانه وتعالى من ربح فهو بيننا على شرط كذا".
وسُمِّي هذا النوع شركة الوجوه؛ لأن الشركاء يبتذلون وجوههم من أجل طلب المال، أو لأنهم يحصلون على المال بجاههم حيث لا يباع بالنسيئة إلا للوجيه من الناس عادة، وهم أشراف القوم وسادتهم.
وقوله: (نبيع بالنقد) هذا التقييد، قال به بعض الفقهاء، وبعضهم لم يقيد ذلك، فيجوز أن يبيع بالنقد أو بالنسيئة إلى أجل هو أدنى من أجل الشراء، لكي يتمكن الشريكان من سداد ديونهما.
تعريف المالكية:
عرفها ابن جزي المالكي بقوله: "أن يشتركا على غير مال، ولا عمل، وهي الشركة على الذمم بحيث إذا اشتريا شيئًا كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه".
وقوله: (على غير مال ولا عمل) أما المال فظاهر، فإن الشركة ليس فيها رأس مال ابتداء، وأما قوله: ولا عمل ففيه نظر، فإن البيع والشراء يعتبر من العمل، والربح إنما يستفاد بسببهما.
تعريف الشافعية:
عرفها الشيرازي بقوله: "أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه".
تعريف الحنابلة:
جاء في مجلة الأحكام الشرعية بأنها "اشتراك شخصين فأكثر في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (14/ 301 - 307)
الفصل الثالث في حكم شركة الوجوه
الأصل جواز جميع أنواع الشركات.
شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة.
عند الكلام على حكم شركة الوجوه فإن المقصود بالحكم هي الصورة المتفق عليها لدى الفقهاء، وهي اشتراك شخصين فأكثر في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الصورة على قولين، مع الإقرار أنه لا يوجد في الأدلة ما يدل على إباحتها ولا على منعها:
القول الأول: تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
استدل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل جواز جميع أنواع الشركات، سواء ما كان منها موجودًا في كلام الفقهاء المتقدمين باعتبار أن هذه الشركات توجَّه إليه الفقهاء المتقدمون بالكلام؛ لأنها كانت تلبي حاجات عصرهم، أو ما كان منها مستحدثًا بسبب الحاجة الماسة إليها في هذا العصر، ما دام أن المبادئ الأساسية للشركة متوفرة فيها، ولا تقبل دعوى اختصاص الجواز في بعض الشركات دون بعض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة، ولم يقم هذا الدليل للمانعين.
الدليل الثاني:
احتج الحنفية بجريان العمل بهذه الشركة بين الناس، فقد تعامل الناس بشركة الوجوه من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير.
...الدليل الثالث:
أن شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة الإسلامية، لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة.
القول الثاني:
لا تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، واختيار ابن حزم من الظاهرية.
قال ابن رشد: "وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة، وقال أبو حنيفة: جائزة... ".
دليل من قال ببطلان شركة الوجوه:
الدليل الأول:
أبطل المالكية شركة الوجوه؛ لأنها من باب تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، وهذا يعني: أن هذه الشركة قائمة على الضمان بجعل (بأجرة)، وهذا لا يجوز، فالضمان من عقود الإرفاق لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأن المدين قد يعجز، فيسدد عنه الكفيل، فيؤول إلى قرض جر نفعًا.
...
الدليل الثاني:
أبطل المالكية هذه الشركة؛ لأن هذه الشركة من باب أسلفني وأسلفك، فتكون من باب السلف بزيادة.
...
الدليل الثالث:
أبطل الشافعية شركة الوجوه؛ لأن الشركة عندهم لا تقوم إلا على المال المشترك، وشركة الوجوه لا مال فيها.
ولأن ما يشتريه كل منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشركه غيره في ربحه، بل له ربحه، وعليه خسارته.
ولكثرة الغرر في هذا النوع من الشركات.
...
الدليل الرابع:
استدل بعضهم على منع شركة الوجوه، بأن شركة الوجوه قائمة على الوكالة، وشرائط عقد الوكالة لم تتوفر في هذا النوع من الشركة، فلا بد من تعيين قدر الثمن، والنوع.
...
القول الراجح:
الذي أميل إليه أن شركة الوجوه من العقود الجائزة، وأن مذهب الحنفية والحنابلة أقوى من مذهب المالكية والشافعية، والله أعلم.
المغني - ابن قدامة - (5/ 140)
مسألة: قال: والربح على ما اصطلحا عليه
وأما شركة الوجوه فكلام الخرقي بعمومه يقتضي جواز ما يتفقان عليه من مساواة أو تفاضل، وهو قياس المذهب؛ لأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه فكذلك هذه، ولأنها تنعقد على العمل وغيره، فجاز ما اتفقا عليه كشركة العنان، وقال القاضي: الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشتري؛ لأن الربح يستحق بالضمان؛ إذ الشركة وقعت عليه خاصة؛ إذ لا مال عندهما فيشتركان على العمل والضمان لا تفاضل فيه فلا يجوز التفاضل في الربح.
ولنا أنها شركة فيها عمل فجاز ما اتفقا عليه في الربح كسائر الشركات وقول القاضي: لا مال لهما يعملان فيه قلنا: إنما يشتركان ليعملا في المستقبل فيما يتخذانه بجاههما كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها فيما يأتي فكذا ههنا.