موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (38/ 35 ، 36)
مضاربة
التعريف:
1 - المضاربة في اللغة مُفاعلة من ضرب في الأرض: إذا سار فيها، ومن هذا قوله تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ } ، وهي: أن تعطي إنسانًا من مالك ما يتَّجِر فيه على أن يكون الربح بينكما، أو يكون له سهم معلوم من الربح.
وتسمية المضاربة بهذا الاسم في لغة أهل العراق، أما أهل الحجاز فيسمون عقد المضاربة قراضًا أو مقارضة، قال الزمخشري: أصلها من القرض في الأرض، وهو قطعها بالسير فيها.
واختار الحنفية والحنابلة التسمية بالمضاربة، واختار المالكية والشافعية التسمية بالقراض.
وهي في اصطلاح الحنفية: عقد شركة في الربح بمال من جانب، وعمل من جانب.
ولا تخرج تعريفات المذاهب الأخرى عن هذا المعنى.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 573 - 577)
مسألة: جواز المضاربة.
المضاربة، والمقارضة، والقِراض كلها بمعنى واحد، وهي عقد شركة في الربح بمال رجل، وعمل من آخر، وهي جائزة، وقد نقل الإجماع والاتفاق على هذا، كما نفي الخلاف فيه.
• من نقل الإجماع: الإمام ابن المنذر ت 318 هـ؛ فقال: "وأجمعوا على أن القِراض بالدنانير والدراهم جائز".
الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "واتفقوا أن القِراض كما ذكرنا في التجارة المُطلَقة جائز".
الإمام ابن عبد البر ت 463 هـ؛ فقال: "والقِراض مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه عند أحد من أهل العلم"، وقال أيضًا: "أصل هذا الباب إجماع العلماء على أن المضاربة سنة معمول بها مسنونة قائمة".
الوزير ابن هبيرة ت 560 هـ؛ فقال: "واتفقوا على جواز المضاربة".
الإمام الكاساني ت 587 هـ؛ فقال: "وأما الإجماع فإنه رُوِيَ عن جماعة من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة... ولم يُنقَل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد، ومثله يكون إجماعًا".
الإمام ابن رشد الحفيد ت 595 هـ؛ فقال: "لا خلاف بين المسلمين في جواز القِراض".
الإمام الموفق ابن قدامة ت 620 هـ؛ فقال: "أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة".
الإمام الأسيوطي المنهاجي ت 880 هـ؛ فقال: "اتفق الأئمة رحمهم اللَّه تعالى على جواز المضاربة".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف: وافق على الإجماع على جواز المضاربة في الجملة جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وهو مرويٌّ عن عُمَرَ، وعثمان، وعليٍّ، وابن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، وعائشة، وحكيم بن حزام، وغيرهم من الصحابة، رضي اللَّه عنهم.
• مستند الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف:
1 - قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } [البقرة: 198].
قال الماوردي في استدلاله بالآية: "وفي القراض ابتغاء فضل وطلب نماء".
2 - قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [البقرة: 275].
3 - قوله تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [المزمل: 20].
4 - قوله عليه السلام: "دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض".
قال الإمام الماوردي في معرض الاستدلال بهذا الحديث: "وفي القراض رزق بعضهم من بعض".
5 - حديث أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: خرج عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة فرحَّب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال اللَّه أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: ودِدْنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه. فأما عبد اللَّه فسكت، وأما عبيد اللَّه؛ فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه. فسكت عبد اللَّه، وراجعه عبيد اللَّه. فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال.
6 - ما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أنه قال: كان سيدنا العباس ابن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا، ولا ينزل به واديًا، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة؛ فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطُه رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأجاز شرطه.
7 - خروج النبي عليه السلام في قراض بمال خديجة رضي اللَّه عنها.
8 - لقيام الحاجة إليها؛ فالناس بين غني بالمال غني عن التصرف فيه، وبين عارف بالتصرف لا مال له؛ فقامت الحاجة إلى هذه الشركة لتنتظم مصلحة الغبي والذكي والفقير والغني.
9 - أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث والناس يتعاقدون المضاربة؛ فلم ينكر عليه وأقرهم على ذلك، والتقرير أحد وجوه السنة.
• الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة.
النتيجة: انعقاد الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف في جواز المضارية.
المجموع شرح المهذب - النووي - (14/ 357 - 361)
كتاب القراض
القراض جائز لما روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر ابن الخطاب رضى الله عنهم خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على عامل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فرحَّب بهما وسهَّل وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة وتوفِّران رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما ربحه، فقالا: وددنا، ففعل فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما وباعا وربحا، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أدِّيَا المال وربحَه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين، لو هلك المال ضمِنَّاه. فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جُلَساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلتَهُ قِراضًا، فأخذ رأس المال ونصف ربحه.
وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال، ولأن الأثمان لا يتوصل إلى نمائها المقصود إلا بالعمل فجاز المعاملة عليها ببعض النماء الخارج منها كالنخل في المساقاة.
...
(الشرح) قال ابن بطال: القراض مُشتَقٌّ من القرض وهو القطع، كأنه يقطع له قطعة من ماله أو قطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المساواة، يقال: تقارض الشاعران إذا ساوى كل منهما صاحبه في المدح، وتقارضا الثناء.
وقال الصنعاني في سبل السلام: القِراضُ بكسرِ القاف، وهو معاملة العامل بنصيب من الربح.
وهذه تسميته في لغة أهل الحجاز، وتسمى مضاربة، مأخوذة من الضرب في الأرض؛ لما كان الربح يحصل في الغالب بالسفر، أو من الضرب في المال وهو التصرف. اهـ
وقال الرافعي: ولم يشتقّ للمالك منه اسم فاعل؛ لأن العامل يختص بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد، مثل عاقبت اللص.
وقال ابن قدامة في المغنى من كتب الحنابلة: وهذه المضاربة تسمَّى قراضًا أيضًا، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتَّجِرُ له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذة من الضرب في الأرض. اهـ.
وقد جمع النووي بين الاسمين في المنهاج، فقال: القراض والمضاربة أن يدفع إليه مالًا ليتَّجِرَ فيه والربح مشترك.
قال السبكي: قد يشاح النووي في قوله: أن يدفع، ويقال: القراض العقد المقتضى للدفع، لا نفس الدفع.
قال الشربيني في شرح المنهاج: وأركانه خمسة: مال وعمل وربح وصيغة وعاقدان.
وقال الرشيدي في حاشيته على شرح شمس الدين الرملي للمنهاج في عطف.
الشارح: المقارضة على القرض، أي: إن القراض يجوز أن يكون مشتقًّا من القرض، ومن المقارَضة.
وهذا الصنيع ظاهر في أن دفع المال على الوجه الآتي لا يسمى مقارضة، بل قراضًا ومضاربة، وهو ظاهر المتن حيث اقتصر عليهما.
لكن ظاهر كلام المحلي يخالفه حيث عطف المقارضة على ما في المتن، فأفاد أن القراض والمضاربة بمعنى. قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة.
وقال الصنعاني: لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وقال ابن حزم: كل أبواب الفقه فيه أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض، فما وجدنا له أصلًا في السنة، لكنه إجماع صحيح، ويقطع بأنه كان في عصره صلى الله عليه وسلم وعلم به وأقره.
(قلت): ولسنا نخالف ابن حزم إلا في أن أمرًا مجمعًا عليه من الأمة منذ عهد نبيِّها صلى الله عليه وسلم، ثم لا يتبين مصدره واضحًا بالأخبار، ولعل ابن حزم لم يبلغه لبعد الشقة ما بلغ غيره، وإن كانت هذه الأخبار المرفوعة يعتريها بعض الوهن من ناحية الإسناد فإنها مؤيَّدةٌ بأخرى صحيحة موقوفة على الصحابة، وهو لا يدل بالاستقراء على أنه كان موجودًا في عهده صلى الله عليه وسلم، وإنما يدل بمنطوقه على وجوده، فيكون استقراؤه من الإجماع على وجوده، ينقصه ما رويناه عن الصحابة من صحيح الأخبار؛ فأما المرفوع فقد روى ابن ماجه عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ فيهِنَّ البركةُ: البيعُ إلى أجَلٍ، والمُقارَضةُ وخَلطُ البُرِّ بالشَّعيرِ للبيتِ لا للبيع». أورده ابن حجر في بلوغ المرام وضعف إسناده.
وأما الموقوف فما رواه الدارقطني ورجاله ثقات عن حكيم بن حزام أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالًا مقارضة أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمِلُه في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي.
وقال مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، عن جده، أنه عمِلَ في مالٍ لعثمان على أن الربح بينهما، وروى حميد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب أعطاه مال يتيم مضاربةً يعمل به في العراق، وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر خرجا في جيش إلى العراق فتسلَّفا من أبي موسى مالًا وابتاعا به متاعًا، وقدِما به إلى المدينة، فباعاه وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، قال: قد جعلتُه، وأخذ منهما نصف الربح، وقد ساقها المصنف بأوفى من هذا.
وعن قتادة عن الحسن أن عليًّا قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطا، وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا.
قال الماوردي في الحاوي: والأصل في إحلال القراض وإباحته قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } ، وفي القراض ابتغاء فضل وطلب نماء وقد استدل بحديث: «دَعُوا الناسَ يرزُق اللهُ بعضَهُم مِنْ بعض» على جوازها، وقد ضارب النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة بأموالها إلى الشام، وأنفذت لخدمته عبدًا لها يقال له: ميسرة.
وروى ابن أبى الجارود حبيب بن يسار، عن ابن عباس قال: كان العباس إذا دفع مالًا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا ولا ينزل به واديًا ولا يشترى به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، قال الماوردي: فرُفِع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه.
وقد اختلف أصحابنا في وجه الاستدلال من حديث عمر على ثلاثة أوجه: (أحدها) قول الجليس: لو جعلته قراضًا، وإقرار عمر على صحة القراض، ولو علم عمر فساده لردَّه، فلم يكن ما فعله معهما قراضًا لا صحيحًا ولا فاسدًا.
ولكن استطاب طهارة أنفسهما بما أخذه من ربحهما لاسترابته بالحال، واتهامه أبا موسى بالميل؛ لأنهما ابنا أمير المؤمنين، الأمر الذى ينفر منه الإمام العادل وتأباه طبيعة الإسلام.
(والثاني) أن عمر أجرى عليهما في الربح حكم القراض الفاسد؛ لأنهما عمِلَا على أن يكون الربح لهما، ولم يكن قد تقدم في المال عقد يصح حملهما عليه، فأخذ منهما جميع الربح، وعاوضهما على العمل بأجرة المثل وقدَّره بنصف الربح فردَّه عليهما أجرة، وهو اختيار أبى إسحاق المروزي.
(والثالث) أن عمر أجرى عليهما أجرًا في الربح حكم القراض الصحيح، وإن لم يتقدم منهما عقد؛ لأنه كان من الأمور العامة ما يتَّسِعُ حكمه عن العقود الخاصة، فلما رأى المال لغيرهما والعمل منهما ولم يرهما متعديين فيه، جعل ذلك عقد قراض صحيح، وهذا ذكره أبو علي بن أبى هريرة، فعلى هذا الوجه يكون القول والفعل معًا دليلًا، ثم الحديث الذى ساقه المصنف من مساقاة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شطر ما يخرج من تمر وزرع لا يدلُّ بمنطوقه على هذا، وإنما يدل بالمفهوم أو المحمول؛ لأن المساقاة عمل في محل استوجب به شطر ثمرها فاقتضى ذلك جواز القراض من طريق المعنى.
وقد ذهب الماوردي إلى أن صحة القراض دليل على جواز المساقاة.
قوله: النقار وهو مذاب الفضة، وقبل الذوب هي تبر، والسبائك: جمع سبيكة القطعة المستطيلة من الذهب.
والفلوس جمع فَلْس وهو أدنى ما يُتعامَل به من المال، ويسمى في الشام قرشًا، وفي العراق فلسًا، وفي مصر والسودان مليمًا، وفي الحجاز ونجد هَلَلة، وفي اليمن بقشة، وفي المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة، وفي اليونان دراخما، وفي اليابان ين، وفي إنجلترا وأمريكا بنس، والفرق بين الفلوس قديمًا وحديثًا أوضحناها في كتابنا تاريخ النقود الإسلامية.
فإذا ثبت أن القراضَ جائز بين المتعاقدَيْن؛ لأنه عقد معونة وإرفاق، فإنه عقد اختيار، وليس عقد لزوم، ويجوز لمن شاء منهما أن يفسخه، ومن أجل تيسير رد رأس المال على صاحبه لم يبحه الفقهاء إلا بالدراهم والدنانير.
المغني - ابن قدامة - (5/ 134 - 136)
فصل: أن يشترك بدَنٌ ومالٌ
فصل: القسم الثالث: أن يشترك بدن ومال، وهذه المضاربة وتسمى قِراضًا أيضًا ومعناه أن يدفع رجل مالَهُ إلى آخر يتَّجِرَ له فيه على أن ما حصَلَ من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال الله تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [المزمل: 20]، ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم، ويسميه أهل الحجاز القراض، فقيل: هو مشتق من القطع، يقال: قرض الفأر الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له قطعة من الربح، وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما بشعره، وههنا من العامل العمل، ومن الآخر المال فتوازنا، وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة؛ ذكره ابن المنذر، وروي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالًا وابتاعا به متاعًا، وقدما به إلى المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله، فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا؟ قال: قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح. وهذا يدل على جواز القراض.
وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه.
وعن قتادة عن الحسن أن عليًّا قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطا، وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا، ولا مخالف لهما في الصحابة فحصل إجماع، ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة فإن الدراهم والدنانير لا تنمى إلا بالتقليب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن التجارة، ولأن كل من يحسن التجارة له رأس مال فاحتيج إليها من الجانبَيْن، فشرعها الله تعالى لدفع الحاجتين، إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ المضاربة والقراض؛ لأنهما لفظتان موضوعتان لها، أو بما يؤدي معناها؛ لأن المقصود المعنى فجاز بما دلَّ عليه كلفظ التمليك في البيع.
فصل: وحكم المضاربة حكم شركة العنان
فصل: وحكمها حكم شركة العنان في أن كل ما جاز للشريك عمله جاز للمضارب عمله، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما اختلف فيه ثم فههنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة، وما لا يجوز ثَمَّ لا يجوز ههنا على ما فصلناه.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (14/ 321)
تعريف المضاربة
تعريف المضاربة اصطلاحًا:
تلتقي تعاريف الفقهاء للمضاربة في المعنى، وإن اختلفت في اللفظ، فهي تدور على أن: المضاربة عقد بين اثنين أحدهما يقدم مالًا، والآخر يتجر فيه على أن يكون للعامل جزء شائع من الربح.
على خلاف بينهم في المال المدفوع، هل يشترط أن يكون نقدًا، أو يجوز أن يكون رأس المال من العروض.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 580 - 583)
مسألة: رأس مال المضاربة لا بد أن يكون نقدًا.
المال الذي تنبني عليه شركة المضاربة لا بد أن يكون دنانير أو دراهم، وقد نقل الإجماع على هذا.
• من نقل الإجماع: الإمام الخطيب الشربيني ت 977 هـ؛ فقال: "كتاب القِراض... (ويشترط لصحته كون المال) فيه (دراهم أو دنانير خالصة) بالإجماع".
• الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار على الإجماع على كون مال المضاربة لا يكون إلا من الدراهم والدنانير: الحنفية، وهو تحصيل المذهب عند المالكية، والشافعيةُ، وهو ظاهر المذهب وأصح الروايتين عند الحنابلة، والظاهرية، وهو قول أبي سليمان وإبراهيم النخعي والحسن وابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري وإسحاق وأبو ثور والليث.
• مستند الإجماع:
1 - نهي النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن.
قال الإمام السرخسي في معرض الاستدلال بهذا الحديث: "والمضاربة بالعروض تؤدي إلى ذلك؛ لأنها أمانة في يد المضارب، وربما ترتفع قيمتها بعد العقد، فإذا باعها حصل الربح واستحق المضارب نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه، بخلاف النقد فإنه يشتري بها، وإنما يقع الشراء بثمن مضمون في ذمته، فما يحصل له يكون ربح ما قد ضُمِن".
2 - لأن الدارهم والدنانير مستودع القيم وأثمان للسلع، والناس من لدن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الآن يتشاركون بهما من غير نكير.
قال الإمام ابن قدامة: "لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها، أو أثمانها: لا يجوز وقوعها على أعيانها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح. ولا على قيمتها؛ لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجوز وقوعها على أثمانها؛ لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي يبيعها به، فإنها تصير شركة مُعلَّقة على شرط، وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك".
• الخلاف في المسألة: خالف مالك في رواية، والحنابلة في الرواية الثانية وهي الأظهر عندهم، والأصوب جواز المضاربة بالعروض، وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال، وهو قول طاوس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى.
• أدلة هذا الرأي:
1 - لأن العروض في المضاربة بمنزلة الأرض للزراعة والنخل للمعاملة.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي تعقيبًا على هذا الاستدلال الذي لابن أبي ليلى: "تشبيهه بالمزارعة والمعاملة بعيد؛ لأن المضاربة يدفع منها رأس المال، ثم الربح بينهما".
2 - أن غاية عقد المضاربة هو كون الربح بينهما، وجواز التصرف في المال، وهذا يتحقق بالعروض كالنقود؛ فيجب أن تصح المضاربة بها كالأثمان، وعند المفاصلة يرجع صاحب العروض بقيمة ماله عند العقد.
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على كون المضاربة لا تكون إلا بالدراهم والدنانير لخلاف من سبق.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (38/ 38 ، 39)
المضاربة المطلقة والمُقيَّدة:
7 - قسم فقهاء الحنفية المضاربة قسمين:
أ - المضاربة المطلقة وهي أن يدفع رب المال للعامل في المضاربة رأس المال من غير تعيين العمل، أو المكان، أو الزمان، أو صفة العمل، أو من يعامله.
ب - المضاربة المُقيَّدة وهي التي يُعيِّن فيها رب المال للعامل شيئًا من ذلك.
وقالوا: إن تصرُّف المضارب في كل من النوعين ينقسم إلى أربعة أقسام:
أ - قسم للمضارب أن يعمله من غير حاجة إلى التنصيص عليه، ولا إلى قول: اعمل برأيك.
ب - قسم ليس له أن يعمل، ولو قيل له: اعمل برأيك، إلا بالتنصيص عليه.
ج - قسم له أن يعمله إذا قيل له: اعمل برأيك، وإن لم ينص عليه.
د - قسم ليس له أن يعمله رأسًا، وإن نص عليه.
وقال الموصلي: المضاربة نوعان، عامة وخاصة. والعامة نوعان:
أحدهما: أن يدفع المال إلى العامل مضاربة، ولا يقول له: اعمل برأيك، فيملك جميع التصرفات التي يحتاج إليها في التجارة، ويدخل فيه الرهن والارتهان والاستئجار والحط بالعيب، والاحتيال بمال المضاربة، وكل ما يعمله التجار - غير التبرعات - والمضاربة، والشركة، والخلط، والاستدانة على المضاربة.
والثاني: أن يقول له: اعمل برأيك، فيجوز له ما ذكر من التصرفات والمضاربة والشركة والخلط؛ لأن ذلك مما يفعله التجار، وليس له الإقراض والتبرعات؛ لأنه ليس من التجارة فلا يتناوله الأمر.
أما المضاربة الخاصة فهي ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يخصه ببلد، فيقول: على أن تعمل بالكوفة أو البصرة.
والثاني: أن يخصه بشخص بعينه، بأن يقول: على أن تبيع من فلان وتشتري منه، فلا يجوز التصرف مع غيره؛ لأنه قيد مفيد، لجواز وثوقه به في المعاملات.
والثالث: أن يخصه بنوع من أنواع التجارات بأن يقول له: على أن تعمل به مضاربة في البز، أو في الطعام، أو الصرف، ونحوه.
وفي كل ذلك يتقيد بأمره، ولا يجوز له مخالفته؛ لأنه مقيد.
ولم يقسم جمهور الفقهاء المضاربة إلى مطلقة ومقيدة أو عامة وخاصة - كما فعل الحنفية - ولكنهم أوردوا ما شمله تقسيم الحنفية في أركان المضاربة وشروطها، أو في مسائل أخرى، وخالفوا الحنفية أو وافقوهم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 638 ، 639)
مسألة: اشتراط تحميل المضارب بعض الخسارة باطل والعقد صحيح.
إذا اشترط رب المال على المضارب تحمل بعض الخسارة؛ فالعقد صحيح والشرط باطل، وقد نفي الخلاف في هذا.
• من نفى الخلاف: الإمام الموفق ابن قدامة ت 620 هـ؛ فقال: "متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهمًا من الوضيعة؛ فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافًا، والعقد صحيح".
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في بطلان اشتراط بعض الخسارة على المضارب مع صحة العقد فقهاء الحنفية، والحنابلة في رواية هي المذهب عندهم.
• مستند نفي الخلاف:
1 - لأن شرط الوضيعة شرط فاسد؛ وتبقى المضاربة؛ لأن العقد الصحيح لا يبطل بالشروط الفاسدة.
2 - لأن هذا الشرط لا يترتب عليه جهالة الربح فلم يفسد العقد به، كما لو شرط لزوم المضاربة، فصح العقد فيهما وبطل الشرط.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة، فقال ببطلان عقد المضاربة باشتراط بعض الخسارة على المضارب فقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في الرواية الثانية.
• أدلة هذا الرأي:
1 - لاشتراط خلاف موجب العقد.
2 - لأنه شرط فاسد فأفسد المضاربة.
النتيجة: عدم تحقق نفي الخلاف في صحة عقد المضاربة مع اشتراط تحميل المضارب بعض الخسارة رغم بطلان الشرط؛ لخلاف من سبق ببطلان العقد وعدم صحته مع هذا الاشتراط.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 578 - 580)
مسألة: عقد المضاربة غير لازم.
لزوم عقد المضاربة غير متحقَّق؛ لأنه عقد جائز، والعقد الجائز يحق لأي من الطرفين فسخه، دون رضا من الآخر، متى بدا له؛ إلا إذا شرع العامل في العمل بالمال فلا يفسخ إلا أن يعود الثمن كله كما أخذه، وقد نقل الإجماع والاتفاق على هذا.
• من نقل الإجماع والاتفاق: الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "واتفقوا في القراض أن لكل واحد منهما إذا تم البيع وحصل الثمن كله أن يترك التمادي في القراض إن شاء الآخر أم أبى".
الإمام ابن عبد البر ت 463 هـ؛ فقال: "وأجمعوا أن القراض ليس عقدًا لازمًا، وأن لكل واحد منهما أن يبدو له فيه، ويفسخه ما لم يشرع العامل في العمل به بالمال ويشتري به متاعًا أو سلعًا؛ فإن فعل لم يفسخ حتى يعود المال ناضًّا عينًا كما أخذه".
الإمام ابن رشد الحفيد ت 595 هـ؛ فقال: "أجمع العلماء على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وإن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق: وافق جمهور الفقهاء على الإجماع على أن عقد المضاربة ليس لازمًا: الحنفية، والمالكية، والشافعية،
والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الإجماع والاتفاق:
1 - لأن المضاربة عقد غير لازم، والعقود غير اللازمة يجوز فسخها من كل واحد من المتعاقدين.
2 - لأن المضاربة ليس لها مدة؛ لذا لا يجبر الممتنع منهما على الاستمرار في أمر لا يريده، كما لا يصح التأخير في ذلك؛ لأن كل واحد منهما لا يدري كم يكون التأخير؟ !، حيث قد ترتفع قيمة البضاعة وقد تنقص خلال الانتظار، فإيجاب التأخير في ذلك خطأ.
• الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة.
النتيجة: انعقاد الإجماع والاتفاق على كون عقد المضاربة ليس لازمًا.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (4/ 633 ، 634)
مسألة: انتهاء شركة المضاربة بالموت.
تنتهي شركة المضاربة بالموت سواء أماتا معًا أو مات أحدهما، وقد نقل الاتفاق على بعض هذا.
• من نقل الاتفاق: الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "واتفقوا أن العامل باقٍ على قراضه ما لم يمت هو، أو يمت مقارضه".
• الموافقون على الاتفاق: وافق جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية على الاتفاق على انتهاء شركة المضاربة بالموت.
• مستند الاتفاق:
1 - لأن المضاربة عقد جائز فانفسخ بموت أحدهما، فالعقود الجائزة تبطل بالموت.
2 - أما بطلان العقد بسبب موت رب المال؛ فلأن المال صار للورثة، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
3 - أما بطلان العقد بسبب موت العامل، فلقول اللَّه تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام: 164] والعقد بين رب المال والميت لا مع ورثته.
4 - لأن العامل بالموت عاجز عن العمل.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة المالكية، فقالوا: لا ينفسخ إلا بالاختيار من ورثة رب المال، وورثة العامل يقومون مقامه، وكذلك ليس لهم أن ينتزعوا المال إن كان قد شرع في التجارة.
النتيجة: عدم تحقق الاتفاق على انتهاء شركة المضاربة بالموت؛ لخلاف المالكية المفصل الآنف.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (7/ 295 ، 296)
المبحث الرابع انفساخ العقد بسبب موت أحد العاقدين
قال الماوردي: العقود غير اللازمة تبطل بالموت.
في العقود الجائزة كعقد المضاربة والوكالة ونحوها إذا مات رب المال، أو مات العامل في عقد المضاربة انفسخت المضاربة، فموت رب المال ينهي المضاربة؛ لأنها تعتمد على الإذن منه للمضارب في التصرف في مال المضاربة، وبوفاة صاحب المال ينتهي الإذن.
كما أن موت العامل ينهي المضاربة كذلك؛ لأن الإذن من رب المال صادر له هو، ولا يتصور بقاء الإذن بعد وفاة المضارب إلا أن المالكية قالوا: إن كان ورثة العامل مأمونين قيل لهم: بيعوا ما بقي في يدي صاحبكم من السلع، وأنتم على الربح الذي كان لصاحبكم.
قال الكاساني: "وتبطل بموت أحدهما -يعني المضاربة-؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل، وسواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، فلا يقف على العلم كما في الوكالة".
وقال في مغني المحتاج: "ولو مات أحدهما أو جن، أو أغمي عليه انفسخ عقد القراض كالوكالة... ".
وقد بحثت هذه المسألة بتوسع في عقد المضاربة، فانظره هناك مشكورًا.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (38/ 78 ، 79)
آثار المضاربة الفاسدة
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يترتب على فساد المضاربة:
أ - أن الربح - إن حدث - يكون كله لرب المال؛ لأن الربح نماء ماله، وإنما يستحق المضارب شطرًا منه بالشرط، ولم يصح الشرط؛ لأن المضاربة إذا فسدت فسد الشرط، فلم يستحق المضارب من الربح شيئًا، وكان كله لرب المال.
ب - أن المضارب له أجر مثله - خسر المال أو ربح - لأن عمله إنما كان في مقابلة المسمى، فإذا لم تصح التسمية وجب رد عمله عليه، وذلك متعذر، فوجب له أجرة المثل؛ ولأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل.
وعند الحنفية: يكون للمضارب أجر مثل عمله مطلقًا، وهو ظاهر الرواية، ربح المال أو لا، بلا زيادة على المشروط، خلافًا لمحمد، وعن أبي يوسف أن المال إذا لم يربح لا أجر للمضارب، وقال ابن عابدين: إنه هو الصحيح لئلا تربو المضاربة الفاسدة على الصحيحة، ثم قال: الخلاف فيما إذا ربح، وأما إذا لم يربح فأجر المثل بالغًا ما بلغ؛ لأنه لا يمكن تقديره بنصف الربح المعدوم، لكن في الواقعات: ما قاله أبو يوسف مخصوص بما إذا ربح، وما قاله محمد أن له أجر المثل بالغًا ما بلغ فيما هو أعم.
والأصل عند المالكية: أن كل مسألة خرجت عن حقيقة المضاربة من أصلها ففيها أجرة المثل، وأما إن شملتها المضاربة، لكن اختل منها شرط ففيها مضاربة المثل.
وقالوا: إذا فسدت المضاربة فإن ما يستحقه المضارب يختلف باختلاف الأحوال، على ما يلي:
أ - يستحق المضارب أجرة مثله ومضاربة مثل المال في ربحه إن ربح.
ومن ذلك ما إذا كان رأس المال عرضًا دفعه رب المال، وتولى المضارب بيعه، وعمل بثمنه مضاربة، أو كان رأس المال رهنًا أو وديعة، أو دينًا وكل رب المال المضارب على تخليصه والعمل بما خلصه مضاربة، أو كان أحد النقدين دفعه رب المال إلى المضارب ليصرفه ثم يعمل بما صرفه مضاربة. فللمضارب إن عمل أجر مثله في توليه بيع العرض أو تخليص الرهن أو الوديعة أو الدين، أو في توليه الصرف، وهذا الأجر يكون في ذمة رب المال.
وللمضارب في كل من هذه الصور مع أجر المثل مضاربة، مثل المال في ربحه - إن ربح - لا في ذمة رب المال، حتى إذا لم يحصل ربح لم يكن له شيء.
ب - يستحق المضارب مضاربة مثل المال.
ومن ذلك ما إذا انتفى علم نصيب العامل من الربح، أو إذا أبهمت المضاربة، أو أجلت ابتداء أو انتهاء، أو ضمن العامل، أو شرط عليه شراء ما يقل وجوده، فللمضارب في كل صورة مضاربة المثل في الربح إن عمل وربح المال، وإلا فلا شيء له في ذمة رب المال.
ج - يستحق المضارب أجر مثله.
وذلك في غير ما سبق - ونحوه - من المضاربات الفاسدة، كاشتراط يده، أو مشاورته، أو أمين عليه، أو كخياطة أو فرز، أو تعيين محل، أو زمن، أو شخص، أو مشاركة، أو خلط.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 634 - 636)
مسألة: حكم المضاربة الفاسدة الفسخ.
حكم المضاربة الفاسدة؛ هو الفسخ، وعليه لا ربح للعامل، وقد نقل الاتفاق على هذا الإمام ابن رشد الحفيد ت 595 هـ؛ فقال: "واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه، ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل".
ووافق جمهور الفقهاء على فسخ القراض الفاسد: الحنفية، والمالكية في قول، والقول الآخر ينفسخ إلى قراض المثل، كما وافق الشافعية، والحنابلة على الاتفاق على انفساخ المضاربة الفاسدة على اختلاف بينهم في الواجب للعامل بعد الفسخ من أجرة المثل، أو قراض المثل.
• مستند الاتفاق؛ لأن الربح مستحق بموجب عقد المضاربة، فإذا فسدت المضاربة فسد ما هو تابع لها، كالصلاة، فإذا لم يثبت له الربح كان له أجر المثل؛ لأن رد عمله إليه متعذر فوجب قيمته، وهو أجرة المثل، سواء ظهر الربح أو لم يظهر.
• الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف لهذا الاتفاق.
النتيجة: انعقاد الاتفاق على انفساح المضاربة الفاسدة، وعدم استحقاق العامل للربح المسمى.
المجموع شرح المهذب - النووي - (14/ 385)
(فصل) وإن قارض قراضًا فاسدًا، وتصرَّف العامل نفذ تصرفه؛ لأن العقد بطل، وبقي الإذن فملك به التصرف، فإن حصل في المال ربح لم يستحق العامل منه شيئًا؛ لأن الربح يستحقه بالقراض، وقد بطل القراض.
فأما أجرة المثل فإنه ينظر فيه؛ فإن لم يرض إلا بربح استحق؛ لأنه لم يرض أن يعمل إلا بعوض، فإذا لم يسلم له رجع إلى أجرة المثل، وإن رضي من غير ربح، بأن قارضه على أن الربح كله لرب المال ففي الأجرة وجهان: (أحدهما) لا يستحق، وهو قول المزني؛ لأنه رضى أن يعمل من غير عوض، فصار كالمتطوع بالعمل من غير قراض. (والثاني) أنه يستحق وهو قول أبي العباس؛ لأن العمل في القراض يقتضي العوض فلا يسقط بإسقاطه كالوطء في النكاح.
المغني - ابن قدامة - (5/ 188)
فصول: في المضاربة الفاسدة
...
الفصل الثاني: أن الربح جميعه لرب المال؛ لأنه نماء ماله إنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط فلم يستحق منه شيئًا، وكان له أجر مثله، نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي، واختار الشريف أبو جعفر أن الربح بينهما على ما شرطاه، واحتج بما روي عن أحمد أنه قال: إذا اشتركا في العروض قسم الربح على ما شرطاه، قال: وهذه الشركة فاسدة، واحتج بأنه عقد يصح مع الجهالة، فيثبت المسمى في فاسده كالنكاح، قال: ولا أجر له، وجعل أحكامها كلها كأحكام الصحيحة، وقد ذكرنا هذا، قال القاضي أبو يعلى: والمذهب ما حكينا، وكلام أحمد محمول على أنه صحَّح الشركة بالعروض، وحكي عن مالك أنه يرجع إلى قراض المثل، وحكي عنه إن لم يربح فلا أجر له، ومقتضى هذا أنه إن ربح فله الأقل مما شرط له، أو أجر مثله، ويحتمل أن يثبت عندنا مثل هذا؛ لأنه إذا كان الأقل ما شرط له، فقد رضي به، فلا يستحق أكثر منه، كما لو تبرع بالعمل الزائد.
ولنا أن تسميه الربح من توابع المضاربة، أو ركن من أركانها، فإذا فسدت فسدت أركانها وتوابعها، كالصلاة، ولا نسلم في النكاح، وجوب المسمى إذا كان العقد فاسدًا، وإذا لم يجب له المسمى وجب أجر المثل؛ لأنه إنما عمل ليأخذ المسمى، فإذا لم يحصل له المسمى وجب رد عمله إليه، وذلك متعذر فتجب قيمته، وهو أجر مثله كما لو تبايعا بيعًا فاسدًا وتقابضا، وتلف أحد العوضين في يد القابض له، وجب رد قيمته فعلى هذا سواء ظهر في المال ربح أو لم يظهر، فأما إن رضي المضارب بالعمل بغير عوض مثل أن يقول: قارضتُكَ والربح كله لي، فالصحيح أنه لا شيء للمضارب ههنا؛ لأنه تبرع بعمله فأشبه ما لو أعانه في شيء، أو توكل له بغير جُعْلٍ، أو أخذ له بضاعة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 591 - 594)
مسألة: مضارب المضارب بالمال لا يكون إلا بإذن ربِّ المال.
مضارب المضارب لا يكون إلا بإذن رب المال، وقد نقل الإجماع على هذا، كما نفي الخلاف فيه.
• من نقل الإجماع ونفى الخلاف: الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهري ت في حدود 350 هـ، فقال: "وأجمعوا أن المضارب لا يدفع المال إلى غيره مضاربة إلا بإذن ربه، أو يطلق له في العقد أن يضع فيه رأيه". الإمام ابن رشد الحفيد ت 595 هـ؛ فقال: "لم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران".
الإمام الموفق ابن قدامة ت 620 هـ؛ فقال: "ليس للمضارب دفع المال إلى آخر مضاربة، نصَّ عليه أحمد.. قال: إن أذن له رب المال، وإلَّا فلا... وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ولا أعرف عن غيرهم خلافهم".
• الموافقون على الإجماع، ونفي الخلاف: وافق جمهور فقهاء الأمصار، وأتباعهم من الحنفية [إذا قيد بشيء عندهم]، والمالكية، والشافعية في قول الأصح خِلَافه، والحنابلة في أصح الوجوه عندهم على الإجماع على كون مضارب المضارب، لا يكون إلا بإذن رب المال.
هذا على أن الحنفية يرون أن رب المال لو فوَّض الأمر لعامل المضاربة، بأن قال له: اعمل برأيك مثلًا؛ فإنه يجوز للعام أن يُضارِبَ بدون إذن رب المال.
قال الإمام ابن مودود الموصلي الحنفي: "ولا يضارب إلا بإذن رب المال، أو بقوله: اعمل برأيك".
ثم يذكر دليل ذلك فيقول: "لأن الشيء لا يستتبع مثله؛ لاستوائها في القوة، فاحتاج إلى التنصيص، أو مطلق التفويض".
• مستند الإجماع ونفي الخلاف:
1 - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بينما ثلاثةُ نَفَرٍ ممَّنْ كان قبلَكُم يمشونَ، إذْ أصابَهُم مَطَرٌ، فأووا إلى غار فانطبَقَ عليهم، فقال بعضُهُمْ لبَعضٍ: إنَّهُ واللَّهِ يا هؤلاء لا يُنْجِيكم إلا الصِّدقُ؛ فليدعُ كلُّ رجلٍ منكم بما يعلَمُ أنَّهُ قد صدَقَ فيه، فقال واحدٌ منهم: اللَّهُمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنه كان لي أجير عمل لي على فَرقٍ من أرز، فذهب وتركه، وإني عمدتُ إلى ذلك الفَرق، فزرعتُه فصار من أمره أني اشتريت منه بقرًا، وأنه أتاني يطلُبُ أجرَهُ؛ فقلت: اعمد إلى تلك البقر، فسُقْها. فقال لي: إنما لي عندك فرقٌ من أرز؛ فقلت له: اعمد إلى تلك البقر؛ فإنها من ذلك الفرق فساقها».
• وجه الدلالة: أن تجارة الرجل في مال الرجل بغير إذنه الأصل فيها عدم الجواز، وهي موقوفة على إجازته، إن أجازه نفذ وإلا لغا.
2 - لأن تصرف المقارض بالإذن، فلا يملك هذا التصرف إلا بالإذن، فإذا لم يأذن له رب المال فيه فلا يملكه.
3 - لأنه إن وقع هذا التصرف من العامل دون إذن فقد أوجب في المال حقًّا لغيره، ولا يصح أن يوجب الإنسان حقًّا في مال غيرِه إلَّا بإذنِهِ.
4 - لأن الشيء لا يتضمن مثله إلا بالتنصيص عليه أو التفويض المطلق إليه.
5 - لأن رب المال لو أراد من العامل أن يُقارِضَ غيرَه، لقارضهما ابتداء؛ لأنه يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء.
• الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في الأصح عندهم؛ فقالوا: لا يصح أن يضار المضارب غيره حتى ولو أذن المالك.
• ودليلهم على هذا:
1 - لأن المضاربة جاءت على خلاف القياس، فموضوع المضاربة أن يكون أحد العاقدين مالكًا لا عمل له، والآخر محاملًا، ولو متعمدًا لا ملك له، أما مضاربة المضارب لغيره فهي تدور بين عاملين فلا يصح.
كما خالف القاضي من الحنابلة فخرَّج وجهًا في جواز أن يضارب المضارب غيره، ولو لم يأذن.
• ودليلهم على هذا:
1 - لأن هذا من باب توكيل الوكيل من غير إذن الموكل وهو جائز.
وقد تعقَّبَه الموفق ابن قدامة فقال: "ولا يصح هذا التخريج، وقياسه على الوكيل ممتنع لوجهين:
أحدهما: أنه إنما دفع إليه المال هاهنا ليضارب به، ويدفعه إلى غيره مضاربة، يخرج عن كونه مضاربًا به بخلاف الوكيل.
الثاني: إن هذا يوجب في المال حقًّا لغيره، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه".
النتيجة: عدم انعقاد الإجماع على جواز أن يضار المضارب غيره بإذن المالك؛ لخلاف من سبق من الشافعية في الأصح، ووجه عند الحنابلة.
وغني عن الذكر القول بعدم انعقاده على جواز أن يضارب غيره إن أطلق رب المال للمقارض في العقد أن يضع فيه رأيه، ولم يصرح له بالإذن.
المجموع شرح المهذب - النووي - (14/ 370 - 376)
(فصل)
ولا يجوز للعامل أن يقارض غيره من غير إذن رب المال؛ لأن تصرفه بالإذن، ولم يأذن له رب المال في القراض فلم يملكه، فإن قارضه رب المال على النصف، وقارض العامل آخر، واشترى الثاني في الذمة، ونقد الثمن من مال القراض وربح، بنينا على القولين في الغاصب إذا اشترى في الذمة، ونقد فيه المال المغصوب وربح، فإن قلنا بقوله القديم: إن الربح لرب المال، فقد قال المزني ههنا: إن لرب المال نصف الربح والنصف الآخر بين العاملين نصفين.
واختلف أصحابنا في ذلك فقال أبو إسحاق: هذا صحيح؛ لأن رب المال رضى أن يأخذ نصف ربح، فلم يستحق أكثر منه، والنصف الثاني بين العاملين؛ لأنهما رضيا أن يكون ما رزق الله بينهما، والذى رزق الله تعالى هو النصف، فإن النصف الآخر أخذه رب المال فصار كالمستهلك.
ومن أصحابنا من قال: يرجع العامل الثاني على العامل الأول بنصف أجرة مثله؛ لأنه دخل على أن يأخذ نصف ربح المال ولم يسلم له ذلك، وإن قلنا بقوله الجديد، فقد قال المزني الربح كله للعامل الأول، وللعامل الثاني أجرة المثل، فمن أصحابنا من قال: هذا غلط؛ لأن على هذا القول الربح كله للعامل الثاني لأنه هو المتصرف فصار كالغاصب في غير القراض.
ومنهم من قال الربح للأول كما قال المزني؛ لأن العامل الثاني لم يشتر لنفسه، وإنما اشتراه للأول، فكان الربح له بخلاف الغاصب في غير القراض؛ فإن ذلك اشتراه لنفسه، فكان الربح له.
...
(فرع) قال الشافعي: فإن قارض العامل بالملك آخر من غير إذن صاحبه فهو ضامن، فإن ربح به صاحب المال شطر الربح، ثم يكون للذي عمل شطره مما بقي.
قال المزني: هذا قوله في القديم، وأصل قوله الجديد المعروف أن كل عقد فاسد لا يجوز.
قال المزني: فإن اشترى بعين المال فهو فاسد، وإن اشترى بغير العين جائز والربح للعامل الأول، وعليه الضمان، وللعامل الثاني أجرة مثله في قياس قوله.
وقال الماوردي: إن العامل في القراض ممنوع أن يقارض غيره بمال القراض ما لم يأذن له رب المال به إذنًا صحيحًا صريحًا.
وقال أبو حنيفة: إن قال له رب المال عند دفعه له: اعمل فيه برأيك جاز أن يدفع منه قراضًا إلى غيره؛ لأنه مُفوَّض إلى رأيه، فجاز أن يقارض؛ لأنه من رأيه.
وهذا خطأ لأن قوله: اعمل فيه برأيك يقتضى أن يكون عمله فيه موكولًا إلى رأيه، فإذا قارض به كان العمل لغيره، ولأنه لو قارض بجميع المال لم يجز، وإن كان ذلك من رأيه؛ لعدوله بذلك عن عمله إلى عمل غيره، فكذلك إذا قارض ببعضه، فإذا تقرَّر أنه لا يجوز أن يقارض غيره بالمال إلا بإذن صريح من رب المال فلا يخلو رب المال من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن يأذن له في العمل بنفسه، ولا يأذن له في مقارضة غيره، (والثاني) أن يأذن له في مقارضة غيره، فأما القسم الأول فإن قارض غيره بالمال فقد تعدى، وصار ضامنًا للمال بعدوانه كالغاصب، فيكون ربحه حكمه حكم الغاصب.
ولمن يكون الربح ؟ على قولين: أحدهما وهو القديم أن ربح المغصوب لرب المال، فعلى هذا قال المزني ههنا أن لرب المال نصف الربح، والنصف الآخر بين العاملين الأول والثاني، فاختلف أصحابنا في ذلك، فكان أبو العباس بن سريج يقول: يجب أن يكون على هذا القول جميع الربح لرب المال؛ لأنه ربح مال مغصوب فأشبه المغصوب من غير مقارضة، فإذا أخذ رب المال ماله وربحه كله رجع العامل الثاني على العامل الأول بأجرة مثله؛ لأنه هو المستهلك لعمله، والضامن له بقراضه، فلو تلف المال في يد العامل الثاني كان رب المال بالخيار في الرجوع برأس ماله، وربحه على من شاء منهما؛ لأن الأول ضامن بعدوانه، والثاني ضامن بيده، فإن أغرم الأول لم يرجع على الثاني بشيء؛ لأنه أمينه فيما غرمه.
وان أغرم الثاني رجع على الأول بما غرمه مع أجرة مثل عمله، ولا يلزم رب المال - وإن أخذ جميع الربح - أن يدفع إلى واحد من العاملين أجرة المثل؛ لإجراء حكم الغصب عليهما بالمخالفة.
وذهب أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبى هريرة وجمهور أصحابنا إلى أن ما رواه المزني على هذا القول صحيح، وأن رب المال ليس له من الربح إلا نصفه، خلاف المأخوذ غصبًا محضًا؛ لأن رب المال في هذا الموضع دفع المال راضيًا بالنصف من ربحه، وجاعلًا نصفه الباقي لغيره، فلذلك لم يستحق منه إلا النصف.
فأما النصف الثاني فقد روى المزني أنه يكون بين العاملين، فاختلف أصحابنا على وجهين.
(أحدهما) وهو قول أبي إسحاق المروزي أن هذا خطأ من المزني في نقله، ويجب أن يكون النصف الباقي من الربح للعامل الأول، ولا حق فيه للثاني لفساد عقده، ويرجع على الأول بأجرة مثل عمله، فجعل الربح بين رب المال والعامل الأول، ويجعل للثاني أن يرجع بأجرة مثله على الأول.
والوجه الثاني وهو قول أبي على بن أبى هريرة أن نقل المزني صحيح، ويكون النصف الباقي من الربح بين العاملين نصفين على شرطهما؛ لأنه لما جرى على العامل الأول حكم القراض مع رب المال، جرى على العامل الأول حكم القراض، مع العامل الثاني، فهذا حكم قوله الجديد.
(والثاني) وهو قوله في الجديد: أن ربح المال المغصوب للغاصب، فعلى هذا لا شيء لرب المال في الربح، وله مطالبة أي العاملين شاء برأس ماله؛ لأن الأول ضامن بعدوانه، والثاني ضامن بيده.
وقال أبو حنيفة: إن الربح للغاصب دون المغصوب؛ لأن كل نماء حدَثَ عن سبب كان ملك النماء لمالك السبب، وربح المال المغصوب ناتج عن التقلب، والعمل دون المال فاقتضى أن يكون ملكًا لمن له العمل دون من له المال، وهذه هي النظرية الحديثة المعاصرة التي تقول بأن فائض القيمة ناتج عن عمل العامل، وأما الثالث وهو أن يأذن له في مقارضة غيره، ولا يأذن له في العمل بنفسه فهو وكيل في عقد القراض مع غيره، فلم يجز أن يقارض نفسه كوكيل البيع لا يجوز له أن يبايع نفسه.
ثم ينظر فإن كان رب المال قد عين له من يقارضه لم يجز أن يعدل عنه إلى غيره، وإن لم يعينه له اجتهد رأيه فيمن يراه أهلًا لقراضه من ذوي الأمانة والخبرة، فإن قارض أمينًا غير خبير بالتجارة لم يجز، وإن قارض خبيرًا بالتجارة غير أمين لم يجز حتى يجتمع الشرطان، فإن عدل عن ذلك كان ضامنًا.
والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (15/ 9 - 12)
المبحث الثامن دفع العامل مال المضاربة إلى مضارب جديد
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه.
إذا رغب العامل في أن يدفع المال، أو جزءًا منه إلى مضارب آخر، فما حكم ذلك؟
نذكر محل الوفاق، ثم ننتقل إلى محل الخلاف:
اتفقوا على أن العامل لا يملك ذلك بمطلق العقد، ومن باب أولى لا يملكه إذا تضمن العقد منعًا صريحًا من فعل ذلك؛ لأن المضاربة من العقود التي تراعى فيها شخصية المتعاقدين، فإذا وثق رب المال بالعامل فلا يعني هذا أنه يثق بغيره.
ولأن الوكيل بالبيع مطلقًا لا يملك أن يوكل غيره، فكذلك عامل المضاربة.
ولأن تصرف المضارب مبني على إذن صاحب المال، فإذا لم يأذن رب المال للعامل أن يدفع ماله إلى غيره لم يملك ذلك بمطلق العقد.
واختلفوا في جواز ذلك إذا تضمن العقد الإذن الصريح، على قولَين:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن له فعل ذلك، وهو أحد القولَيْن في مذهب الشافعية.
لأن الحق لرب المال، وقد أذن له في ذلك، وكما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، فكذلك هنا.
القول الثاني:
لا يصح، ولو أذن له رب المال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية.
جاء في مغني المحتاج: "ولو قارض العامل شخصًا آخر بإذن المالك؛ ليشاركه ذلك الآخر في العمل، والربح لم يجز في الأصح؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكًا، لا عمل له، والآخر عاملًا، ولو متعددًا لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح.
والثاني: يجوز، كما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، وقواه السبكي... ".
وهذا الخلاف في حالة الإذن الصريح، أما إذا قال رب المال للعامل: اعمل فيه برأيك، ولم ينص صراحة على الإذن بدفع المال إلى مضارب آخر، فهل يملك العامل أن يدفع المال إلى مضارب آخر بهذا التفويض العام، اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
له أن يدفع المال إلى مضارب آخر بالتفويض العام، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
جاء في المغني: "وإن قال: اعمل برأيك، أو بما أراك الله جاز له دفعه مضاربة، نص عليه؛ لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه".
وجه القول بالجواز:
أنه حين قال له: اعمل برأيك قد فوض إليه التصرف في كل ما هو من أعمل التجارة، ومن ذلك دفعه مضاربة إلى رجل آخر.
القول الثاني:
لا يكفي التفويض، بل لا بد من الإذن الصريح، وهذا مذهب المالكية، والشافعية.
قال في الحاوي: "لا يجوز أن يقارض غيره إلا بإذن صريح من رب المال... ".
وجه القول بالمنع:
أن قوله: اعمل فيه برأيك يقتضي أن يكون عمله فيه موكولًا إلى رأيه، فإذا دفع العامل المال إلى غيره ليضارب به كان العمل لرأي غيره، وليس لرأيه.
وإذا عرفنا خلاف العلماء في حكم دفع العامل مال المضاربة إلى عامل آخر ليضارب به، فإن الخلاف فيها كالخلاف فيما لو دفع العامل مال المضاربة أو جزءًا منه ليشارك به أجنبيًّا، كأن يعقد العامل شركة عنان مع الغير، فإن منعه رب المال، أو كان العقد مطلقًا لم يملك العامل أن يشارك بمال المضاربة، وإن أذن له صراحة ملك ذلك بالنصِّ عليه، وإن قال له: اعمل فيه برأيك اختلف فيه الفقهاء بين الحنفية والحنابلة القائلين بالجواز، وبين المالكية والشافعية القائلين بالمنع، تمامًا كما جرى الخلاف بينهم في دفع مال المضاربة إلى مضارب آخر، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (38/ 76 - 78)
جبر تلف مال المضاربة وخسارته
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو تلف بعض مال المضاربة بعد تحريكه والتصرف فيه أو خسر فإنه يجبر بالربح إن كان، أي: يكمل من الربح ما نقص بالتلف أو الخسر من رأس المال، ثم إن لم يكن ربح، أو زاد التلف أو الخسر على الربح فإنه يكون من رأس المال. ولهم تفصيل.
قال الموصلي: ما هلك من مال المضاربة فمن الربح؛ لأنه تبع كالعفو في باب الزكاة، فإن زاد فمن رأس المال؛ لأن المضارب أمين فلا ضمان عليه، فإن اقتسما الربح والمضاربة بحالها، ثم هلك رأس المال أو بعضه رجع في الربح حتى يستوفي رأس المال؛ لأن الربح فضل على رأس المال، ولا يعرف الفضل إلا بعد سلامة رأس المال، فلا تصح قسمته فينصرف الهلاك إليه، ولو فسخت المضاربة ثم اقتسما الربح، ثم عقدا المضاربة فهلك رأس المال لم يترادا الربح؛ لأن هذه مضاربة جديدة، والأولى قد انتهت فانتهى حكمها، واشتراط الوضيعة على المضارب باطل.
وقال النووي: النقص الحاصل برخص في مال القراض هو خسران مجبور بالربح، وكذا النقص بالتعيب والمرض الحادثين، وأما النقص العيني وهو تلف بعض المال، فإن حصل بعد التصرف في المال بيعًا وشراء فقطع الجمهور بأن الاحتراق وغيره من الآفات السماوية خسران يجبر بالربح، وفي التلف بالسرقة والغصب إذا تعذر أخذ البدل من المتلف وجهان، وطرد جماعة الوجهين في الآفة السماوية، والأصح في الجميع الجبر.
وإن حصل النقص قبل التصرف فوجهان:
أحدهما: أنه خسران فيجبر بالربح الحاصل بعد؛ لأنه بقبض العامل صار مال مضاربة، وأصحهما: يتلف من رأس المال لا من الربح؛ لأن العقد لم يتأكد بالعمل.
هذا إذا تلف بعض مال المضاربة، أما إذا تلف كله بآفة سماوية قبل التصرف أو بعده فترتفع المضاربة، وكذا لو أتلفه المالك، لكن لو أتلف أجنبي جميع مال المضاربة أو بعضه أخذ منه بدله واستمرت فيه المضاربة.
وقال البهوتي إن تلف رأس المال أو تلف بعضه بعد تصرفه، أو تعيَّب رأس المال، أو خسر بسبب مرض، أو تغير صفة، أو نزل السعر بعد تصرف المضارب في رأس المال. جبرت الوضيعة من ربح باقيه قبل قسمته، ناضًّا أو مع تنضيضه بالمحاسبة؛ لأنه مضاربة واحدة فلا شيء للعامل إلا بعد كمال رأس المال.
وإن تلف بعض رأس المال قبل تصرف العامل فيه انفسخت المضاربة في التالف، وكان رأس المال هو الباقي خاصة؛ لأنه مال هلك على جهة قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض، وفارق ما بعد التصرف؛ لأنه دار في التجارة.
وقالوا: ومهما بقي العقد على رأس المال وجب جبر خسرانه من ربحه، وإن اقتسما الربح؛ لأنها مضاربة واحدة، وتحرم قسمته، والعقد باق إلا باتفاقهما على ذلك؛ لأنه مع امتناع رب المال وقاية لرأس ماله؛ لأنه لا يأمن الخسران فيجبره بالربح، ومع امتناع العامل لا يأمن أن يلزمه ردُّ ما أخذ في وقت لا يقدر عليه، فلا يجبر واحد منهما.
وذهب المالكية إلى أنه يجبر خسر مال المضاربة بالربح، هذا في المضاربة الصحيحة أو الفاسدة التي فيها قراض المثل، وأما التي فيها أجرة المثل فلا يتأتى فيها جبر، وضابط ذلك أن كل مسألة خرجت عن حقيقة المضاربة من أصلها ففيها أجرة المثل، وأما إن شملتها المضاربة لكن اختل منها شرط ففيها مضاربة المثل.
ولو دخل المضارب ورب المال على عدم الجبر بالربح لم يعمل به والشرط ملغى، قال الصاوي: هذا هو ظاهر ما لمالكٍ وابن القاسم، وحكى بهرام مقابله عن جمع فقالوا: محل الجبر ما لم يشترطا خلافه، وإلا عمل بذلك الشرط، قال بهرام: واختاره غير واحد، وهو الأقرب؛ لأن الأصل إعمال الشرط لخبر: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ما لم يعارضه نص.
وقالوا: يجبر أيضًا بالربح ما تلف من مال المضاربة بسماوي، وألحق به ما أخذه لص أو عشار، وإن وقع التلف قبل العمل بالمال، ما لم يقبض رب المال من العامل مال المضاربة، فإن قبضه ناقصًا عن أصله، ثم رده له فلا يجبر بالربح؛ لأنه حينئذ صار مضاربة مستأنفة، والجبر إنما يكون إذا بقي شيء من أصل المال، فلو تلف جميعه فأتى له ربه ببدله فلا جبر للأول بربح الثاني.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 637 ، 638)
مسألة: جبر الخسارة من الربح.
جبر الخسارة في شركة المضاربة، يكون من الربح، وقد نفي الخلاف في هذا الإمام ابن رشد الحفيد ت 595 هـ؛ فقال: "ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال، وأنه إن خسر ثم اتجر ثم ربح؛ جبر الخسران من الربح".
بهاء الدين المقدسي ت: 624 هـ؛ فقال: " (وتجبر الوضيعة من الربح)... وهذا لا نعلم فيه خلافًا".
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على نفي الخلاف في جبر الخسارة من الربح.
• مستند نفي الخلاف:
1 - لأن الربح لا يحصل إلا بما فضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح.
2 - لأن الربح حقيقته زيادة على رأس المال.
• الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة.
النتيجة: تحقُّق نفي الخلاف في أن جبر الخسارة من الربح.