الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 28 : 29)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي:
48 - ذكر الفقهاء ضابطًا عامًّا لما يصح أن يكون محلًّا لعقد الوكالة، وهو: كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره؛ لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه، على اعتبار بعض الأحوال، فيحتاج إلى أن يوكل غيره، فيكون بسبيل منه دفعًا للحاجة، إلا أن هناك أمورًا يصح التوكيل فيها بالاتفاق، وأمورًا لا يصح التوكيل فيها بالاتفاق، وأمورًا اختلف الفقهاء فيها.
أ - الأمور التي يصح التوكيل فيها باتفاق الفقهاء:
أولًا: العقود
49 - اتفق الفقهاء على جواز التوكيل في البيع والشراء؛ لأن الحاجة داعية إلى التوكيل فيهما، فقد يكون الموكل ممن لا يحسن البيع والشراء، أو لا يمكنه الخروج إلى السوق، وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه، وقد يحسنها، ولكنه لا يتفرغ لذلك، وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة، أو ممن يتعير بها ويحط ذلك من منزلته، وأباحها الشرع؛ دفعًا للحاجة، وتحصيلًا لمصلحة العباد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل عروة البارقي في شراء الشاة، ولأنه صلى الله عليه وسلم دفع دينارًا إلى حكيم بن حزام رضي الله عنه؛ ليشتري به أضحية.
50 - واتفقوا أيضًا على جواز التوكيل في الحوالة والرهن والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض، والوصية، والفسخ، والإبراء، والمصارفة، والإقالة، والشفعة؛ لأن كل هذه العقود في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها، فيثبت فيها حكمه.
واتفقوا كذلك على جواز التوكيل في الضمان والصلح والهبة؛ لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل، ولأن الموكل يملك هذه التصرفات بنفسه فيملك تفويضها إلى غيره.
51 - واتفق الفقهاء على صحة التوكيل في عقد النكاح من الرجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية وأبا رافع في قبول النكاح له، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه ربما احتاج الموكل إلى التزوج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وهي يومئذ بأرض الحبشة.
ثانيًا: العبادات المالية
52 - واتفق الفقهاء على جواز التوكيل في العبادات المالية، كالزكاة، والصدقات، والمنذورات، والكفارات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وقال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
ثالثًا: الطلاق والرجعة والخلع
53 - اتفق الفقهاء على جواز التوكيل في الطلاق، والرجعة، والخلع؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك كدعائها إلى التوكيل في البيع والنكاح.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين(329)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي
مسألة: يجوز التوكيل في العقود الجائزة
يجوز التوكيل في العقود الجائزة؛ كالإجارة والمضاربة والتزويج والتطليق والصلح والخلع ونحوها مما يجوز للمرء أن يعقده بنفسه، وقد نقل الاتفاق على هذا، كما نفي الخلاف فيه.
• من نقل الاتفاق ونفى الخلاف:
الوزير ابن هبيرة ت 560 هـ، فقال: "واتفقوا على أن الوكالة من العقود الجائزة، وأن كل ما جازت فيه النيابة من الحقوق جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بالحقوق، والتزويج والطلاق وغير ذلك".
الإمام ابن قدامة ت 620 هـ، فقال: "ويجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والصلح والوصية والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإبواء؛ لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت حكمه، ولا نعلم في شيء من ذلك اختلافًا".
• الموافقون على الاتفاق ونفي الخلاف:
وافق على الاتفاق على جواز الوكالة في العقود الجائزة: جمهور فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الاتفاق ونفي الخلاف:
مع عموم أدلة جواز الوكالة كما في مسألة حكم الوكالة، التالي:
1 - لأن كل ما صح أن يفعله بنفسه جاز أن يوكل فيه غيره.
2 - ولأن كل ما تدخله النيابة، صح أن يوكل الإنسان فيه غيره، سواء كان الموكَل رجلًا أو امرأة، حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا.
• الخلاف في المسألة:
لم أقف على خالف أحد في جواز التوكيل في العقود الجائزة.
النتيجة:
تحقق الاتفاق ونفي الخلاف على جواز التوكيل في العقود الجائزة.
الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 30)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي:
ب - الأمور التي لا يصح التوكيل فيها بالاتفاق:
أولًا: الشهادة
54 - اتفق الفقهاء على عدم جواز التوكيل في الشهادة، فلو قال الشاهد لغيره: وكلتك لتشهد عني في كذا، لم يصح ذلك؛ لأنها تتعلق بعين الشاهد؛ لكونها خبرًا عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه، ولأنها مبنية على التعبد واليقين الذي لا تمكن النيابة فيه.
فإن استناب فيها كان النائب شاهدًا على شهادته؛ لكونه يؤدي ما سمع من شاهد الأصل، وليس بوكيل.
وللتفصيل انظر: مصطلح (شهادة ف 42).
ثانيًا: الأيمان والنذور
55 - اتفق الفقهاء على عدم جواز التوكيل في الأيمان والنذور؛ لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر، فأشبهت العبادات البدنية، ولأن اليمين تفيد صدق الحالف بما يعلمه من نفسه، وكذلك اللعان، والإيلاء، والقسامة؛ لأنها أيمان فلا تدخلها النيابة.
ثالثًا: المعاصي
56 - اتفق الفقهاء على عدم جواز التوكيل في المعاصي كالجنايات، مثل: القتل والسرقة والغصب والقذف ونحو ذلك؛ لأن هذه الأفعال محرمة، فلا يصح فعلها من الموكل ولا من الوكيل.
رابعًا: العبادات البدنية
57 - اتفق الفقهاء على عدم جواز التوكيل في العبادات البدنية المحضة، أي: التي ليس لها تعلق بالمال، كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث؛ لأنها تتعلق ببدن من وجبت عليه، فلا يقوم غيره مقامه فيها. انظر: مصطلح (عبادة ف 7).
المغني لابن قدامة (7/ 200)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي:
فصل: ولا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ في الشَهَادَةِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بعَيْنِ الشَّاهِدِ؛ لِكَوْنِها خَبَرًا عما رَآه أو سَمِعَهُ، ولا يَتَحَقَّقُ هذا المَعْنَى في نائِبِه. فإن اسْتَنَابَ فيها، كان النَّائِبُ شَاهِدًا على شَهَادَتِه؛ لكَوْنِه يُؤَدِّى ما سَمِعَه من شَاهِدِ الأَصْلِ، وليس وَكِيلًا.
ولا يَصِحُّ في الأَيْمانِ والنُّذُورِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بعَيْنِ الحالِفِ والناذِرِ، فأشْبَهَتِ العِبادَاتِ البَدَنِيَّة والحُدُودَ.
ولا يَصِحُّ في الإِيلَاءِ والقَسَامةِ واللِّعَانِ؛ لأنَّها أَيْمَانٌ.
ولا في القَسْمِ بين الزَّوْجاتِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الزَّوْجِ لأمْرٍ لا يُوجَدُ من غيرِه.
ولا في الرَّضَاعِ؛ لأنَّه يَخْتَصُّ بالمُرْضِعَةِ والمُرْتَضِعِ، لأمْرٍ يَخْتَصُّ بإِثْباتِ لَحْمِ المُرْتَضِعِ، وإِنْشَازِ عَظْمِه بِلَبَنِ المُرْضِعَةِ.
ولا في الظِّهَارِ؛ لأنَّه قَوْلٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، فلا يجوزُ فِعْلُه، ولا الاسْتِنَابَةُ فيه.
ولا يَصِحُّ في الغَصْبِ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ. ولا في الجِنَايَاتِ؛ لذلك.
ولا في كلِّ مُحَرَّمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ له فِعْلُه، فلم يَجُزْ لِنَائِبِه.
المغني لابن قدامة (7/ 198)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي:
مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الشِّرَاءِ والْبَيْعِ، ومُطَالَبةِ الحُقُوقِ، والْعِتْقِ والطَّلَاقِ، حَاضِرًا كَانَ المُوَكِّلُ أو غَائِبًا).
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في جَوازِ التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلى التَّوْكِيلِ فيه؛ لأنَّه قد يكونُ مِمَّنْ لا يُحْسِنُ البَيْعَ والشِّرَاءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى السُّوقِ، وقد يكونُ له مالٌ ولا يُحْسِنُ التِّجَارةَ فيه، وقد يُحْسِنُ ولا يَتَفَرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ به التِّجَارَةُ؛ لكَوْنِه امْرَأةً، أو ممَّن يَتَعَيَّرُ بها، ويَحُطُّ ذلك من مَنْزِلَتِه، فأبَاحَها الشَّرْعُ؛ دَفْعًا للحاجَةِ، وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ المَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ اللَّه سُبْحانَهُ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوَالةِ، والرَّهْنِ، والضَّمَانِ، والكَفَالةِ، والشَّرِكَةِ، والوَدِيعَةِ، والمُضَارَبةِ، والجَعَالَةِ، والمُسَاقاةِ، والإِجَارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، والصَّدَقَةِ، والفَسْخِ، والإِبْراءِ؛ لأنَّها في مَعْنَى البَيْعِ في الحاجَةِ إلى التَّوْكِيلِ فيها، فيَثْبُتُ فيها حُكْمُه. ولا نَعْلَمُ في شيءٍ من ذلك اخْتِلَافًا.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في عَقْدِ النِّكَاحِ في الإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ، وأبَا رَافِعٍ، في قَبُولِ النِّكَاحِ له، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه ربَّما احْتاجَ إلى التَّزَوُّجِ من مَكانٍ بَعِيدٍ، لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه، فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ أمَّ حَبِيبَةَ، وهي يَوْمَئِذٍ بأرْضِ الحَبَشَةِ.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الطَّلَاقِ، والخُلْعِ، والرَّجْعَةِ، والعَتَاقِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، كدُعَائِها إلى التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والنِّكَاحِ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في تَحْصِيلِ المُبَاحاتِ، كإِحْياءِ المَواتِ، وإسْقَاءِ الماءِ، والاصْطِيَادِ، والاحْتِشَاشِ؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بِسَبَبٍ لا يَتَعَيَّنُ عليه، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه، كالابْتِياعِ والاتِّهَابِ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِ القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، واسْتِيفَائِهما، في حَضْرَةِ المُوَكّلِ وغَيْبَتِه؛ لأنَّهما من حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وتَدْعُو الحاجَةُ إلى التَّوْكِيلِ فيهما، لأنَّ مَن له حَقٌّ قد لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَولَّاهُ بِنَفْسه.
الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 31)
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي:
رابعًا: الظهار
61 - ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والحنابلة، والمالكية في المذهب، والشافعية في الأصح إلى عدم جواز التوكيل في الظهار بأن يقول الوكيل: أنت على موكلي كظهر أمه؛ لأنه قول منكر وزور، فلا يجوز فعله، ولا الاستنابة فيه، ومقابل الأصح عند الشافعية: أنه يصح التوكيل فيه، وهو رأي ابن عبد السلام من المالكية، حيث قال: الأقرب في الظهار أنه كالطلاق؛ لأن قول الوكيل: زوجة موكلي عليه كظهر أمه، كقوله: امرأة موكلي طالق عليه؛ وذلك أن الظهار والطلاق إنشاءٌ مجردٌ كالبيع والنكاح.
الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 31)
(2) أما ما يتعلق بالعبادات المحضة:
وأما العبادات التي لها تعلق بالمال فتصح الوكالة فيها:
أولًا: الحج
58 - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التوكيل في الحج من الإنسان القادر على الحج بنفسه.
أما العاجز عن الأداء بنفسه: فللفقهاء فيه تفصيل ينظر في: (حج ف 114 وما بعدها، ونيابة ف 13 - 45، أداء ف 16).
ثانيًا: العمرة
59 - ذهب الفقهاء في الجملة إلى جواز أداء العمرة عن الغير بالوكالة، وللتفصيل انظر: مصطلح (عمرة ف 38).
موسوعة الإجماع في الفقة الإسلامي - مجموعة في المؤلفين(4/ 348 : 350)
(2) أما ما يتعلق بالعبادات المحضة
مسألة: ما لا تصح فيه الوكالة
هناك أشياء لا يجوز للمرء أن ينيب فيها غيرَه، وعليه لا يجوز أن يوكل فيها غيرَه للقيام بها كـ: العبادات المتعلقة بالأبدان إخلاصًا كالصلاة، والصيام، والطهارة من الحدث، أو زجرًا كالأيمان، واللعان، والنذور، والقسامة، والقسم بين الزوجات، وكـ: المحرمات كالظهار والغصب والجنايات وكل المباحات كالاحتطاب والاحتشاش واجتناء الثمار من الجبال والاصطياد وحفر المعادن وأخذ الملح والجص والكحل.
وقد نقل الإجماع والاتفاق خاصة على عدم جواز الوكالة في الصلاة والصوم من القادر، ويخرج بذلك الصلاة فيما كان تبعًا، كركعتي الطواف فهي تابعة للحج أو العمرة، والصلاة والصوم عن الميت.
• من نقل الإجماع والاتفاق:
الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "وأجمعوا على أن الوكالة في الصلاة المفروضة والصيام لا يجوز".
الإمام ابن رشد، فقال: "الوكالة في كل شيء جائزة إلا فيما أجمع على أنه لا تصح فيه من العبادات وما جرى مجراها".
الإمام أبو الحسن ابن القطان ت 628 هـ؛ فقال: "واتفقوا على أن الوكالة في الصلاة المفروضة والصيام عن الحي لا يجوز".
• الموافقون على الإجماع:
وافق جمهور فقهاء الأمصار على الإجماع على عدم جواز التوكيل في الصلاة والصيام: من المالكية والشافعية والحنابلة.
ولم أعثر عند الحنفية على ما يتعلق بهذه المسألة في الصلاة والصيام خاصة، لكنهم تكلموا على عدم التوكيل في المباحات، كما سبق في نهاية رأس المسألة؛ لأنها ليست ملكًا له فلا يصح توكيله فيها.
• مستند الإجماع والاتفاق:
لأن العبادات من الصوم والصلاة خاصة تتعلق ببدن من هي عليه؛ فلا يقوم غيره مقامه فيها.
• الخلاف في المسألة:
لم أقف على قول مخالف لهذا الإجماع.
النتيجة:
انعقاد الإجماع والاتفاق على عدم جواز الوكالة في الصلاة والصوم.
المغني لابن قدامة (7/ 202)
2 - وأما العبادات التي لها تعلق بالمال: فتصح الوكالة فيها.
وأمَّا العِباداتُ، فما كان منها له تَعَلُّقٌ بالمالِ، كالزَّكَاةِ والصَّدَقاتِ والمَنْذُورَاتِ والكَفَّارَاتِ، جَازَ التَّوْكِيلُ في قَبْضِها وتَفْرِيقِها، ويجوزُ لِلْمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إِخْرَاجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقِّها، ويجوزُ أن يقولَ لغيرِه: أَخْرِجْ زَكَاةَ مالِي من مالِكَ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقاتِ وتَفْرِيقِها، وقال لِمُعَاذٍ حين بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: "أَعْلِمْهُم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم، فإنْ هُمْ أطَاعُوكَ بِذلِكَ، فَإيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وَبيْنَ اللهِ حِجَابٌ". مُتَّفَقٌ عليه، ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ إذا أَيِسَ المَحْجُوجُ عنه من الحَجِّ بِنَفْسِه، وكذلك العُمْرَة، ويجوزُ أن يُسْتَنَابَ مَن يَحُجُّ عنه بعد المَوْتِ.
وأما العِبادَاتُ البَدَنِيَّةُ المَحْضَةُ، كالصلاةِ والصيامِ والطَّهارَةِ من الحَدَثِ، فلا يَجوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقُومُ غيرُه مَقامَه فيها، إلَّا أنَّ الصِّيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، وليس ذلك بِتَوْكِيلٍ؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه غيرُه. ولا يجوزُ في الصلاةِ إلَّا في رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ تَبَعًا لِلْحَجِّ، وفي فِعْلِ الصَّلَاةِ المَنْذُورَةِ، [وفى الاعْتِكافِ].
المجموع شرح المهذب للنووي (6/ 183 )
2 - وأما العبادات التي لها تعلق بالمال: فتصح الوكالة فيها
إذا وكل في إخراج الزكاة فإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الصرف إلى الأصناف أو عند الصرف إلى الإمام أو الساعي أجزأه بلا خلاف، وهو الأكمل، وإن لم ينويا أو نوى الوكيل دون الموكل لم يجزئه بالاتفاق، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل دون الوكيل فطريقان حكاهما المصنف والأصحاب: أحدهما: القطع بالإجزاء؛ لأن المكلف بالزكاة هو المالك، وقد نوى، وأصحهما: فيه وجهان؛ بناءً على تقديم النية على التفريق (إن) جوزنا أجزأ هذا (وإلا) فلا، والمذهب الإجزاء، ولو وكله وفوض إليه النية ونوى الوكيل، قال إمام الحرمين والغزالي: أجزأه بلا خلاف، ولو دفع إلى الوكيل بلا نية ودفع الوكيل ولم ينو لكن نوى الموكل حال دفع الوكيل إلى الأصناف أجزأ بلا خلاف؛ لأن نية الموكل قارنت الصرف إلى المستحق، فأشبه تفريقه بنفسه.
الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 35 : 37)
(3) ويجوز التوكيل في إثبات الحدود، وفي إقامتها:
67 - اختلف الفقهاء في حكم التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها، على رأيين:
الرأي الأول: للشافعية والحنابلة في إثبات الحدود واستيفائها تفصيل، فهم يفرقون بين الإثبات والاستيفاء.
أما في إثبات الحدود: فذهب الحنابلة في المذهب إلى جواز التوكيل في إثبات الحدود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فأمر بها فرجمت"، فقد وكله في إثبات حد الزنا واستيفائه.
وقال أبو الخطاب منهم: لا تصح الوكالة في إثبات الحدود.
ويرى الشافعية أنه لا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى، سوى حد القذف، وعللوا عدم جواز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى بأن الحق لله تعالى، وقد أمرنا فيه بالدرء والتوصل إلى إسقاطه، وبالتوكيل يتوصل إلى إيجابه فلم يجز.
وأما إثبات التوكيل في إثبات حد القذف فقد عللوه بأنه حق آدمي، فجاز التوكيل في إثباته كالمال.
وأما في استيفاء الحدود فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز التوكيل في استيفاء الحدود؛ لحديث أنيس، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز فرجموه.
ووكل عثمان عليًّا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ووكل علي الحسن في ذلك فأبى الحسن، فوكل عبد الله بن جعفر فأقامه وعلي يعد.
ويجوز التوكيل في استيفاء الحدود كلها في حضرة الموكل وغيبته عند المالكية والشافعية في المذهب والحنابلة في الصحيح من المذهب.
وذهب الشافعية في قول والحنابلة في قول كذلك إلى أنه لا يجوز استيفاء حد القذف في غيبة الموكل؛ لاحتمال العفو بحقوق الله تعالى نوعان:
أحدهما: بالإثبات.
والثاني: بالاستيفاء.
أما التوكيل بالإثبات، فإن كان حدًّا لا يحتاج فيه إلى الخصومة؛ كحد الزنا وشرب الخمر فلا يجوز التوكيل فيه بالإثبات؛ لأنه يثبت عند القاضي بالبينة، أو الإقرار من غير خصومة.
وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن هناك فرقًا بين الإثبات والاستيفاء، وهو أن امتناع التوكيل في الاستيفاء لمكان الشبهة وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات.
وعند أبي يوسف: لا يجوز، ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل؛ لأنه لا يجوز التوكيل فيه بالاستيفاء، فكذا بالإثبات؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء.
أما التوكيل باستيفاء حدي القذف والسرقة: فإن كان المقذوف أو المسروق منه حاضرًا وقت الاستيفاء جاز التوكيل؛ لأن ولاية الاستيفاء إلى الإمام، وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال.
أما إن كان غائبًا: فقد اختلف المشايخ فيه، فقال بعضهم: يجوز التوكيل؛ لأن عدم الجواز لاحتمال العفو والصلح وأنه لا يحتملهما.
وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه إن كان لا يحتمل العفو والصلح، فيحتمل الإقرار والتصديق.
موسوعة الإجماع في الفقة الإسلامي - مجموعة في المؤلفين (4/ 334)
(3) ويجوز التوكيل في إثبات الحدود، وفي إقامتها
مسألة: لا يقبل إقرار الوكيل في حد.
إقرار الوكيل على موكله في الحدود غير مقبول، وقد نقل إجماع أهل العلم واتفاقهم على هذا.
• من نقل الإجماع والاتفاق:
الإمام المزني ت 264 هـ، فقال: "أجمعوا على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره".
الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "قد صح إجماع أهل الإسلام على أن لا يصدق أحد على غيره إلا على حكم الشهادة فقط".
الوزير ابن هبيرة، فقال: "واتفقوا على أن إقرار الوكيل على موكله بالحدود والقصاص غير مقبول، سواء كان في مجلس حكمه أو غيره".
الإمام أبو الحسن ابن القطان ت 628 هـ، فقال: "وإقرار الوكيل على موكله أنه ارتد فاسد باتفاق الجميع".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق:
أكثر الحنفية كأبي يوسف، والمالكية في غير الأصح عندهم، والحنابلة، والشافعية والظاهرية، وهو قول ابن أبي ليلى وزفر.
• مستند الإجماع والاتفاق:
1 - قول اللَّه تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام: 164].
2 - لأن هذا الحق للَّه، وقد أمرنا فيه بالدرء والتوصل إلى إسقاطه، وبالتوكيل يتوصل إلى إيجابه فلم يجز.
3 - لأن التوكيل إنابة، وشبهة النيابة يتحرز عنها في هذا الباب، كما في الشهادة على الشهادة، وكما في الاستيفاء.
4 - لأن الوكيل بمنزلة البدل عن الأصل، ولا مدخل للإبدال في هذا الباب؛ ولهذا لا تجوز فيه الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي ولا شهادة النساء ولا من الأخرس؛ لأن إشارته بدل عن العبارة، ولأن المقصود من الإثبات الاستيفاء، فإذا لم يصح به لا يصح بالإثبات.
5 - لأن في الإقرار شبهة عدم الأمر به.
6 - لأن خصومة الوكيل تقوم مقام خصومة الموكل، وشرط الحد لا يثبت بمثل التوكيل في الإقرار.
• الخلاف في المسألة:
خالف هذا الإجماع أبو حنيفة وتلميذه محمد، والمالكية في الأصح عندهم، فقالوا بجواز التوكيل لإثبات الحدود.
• أدلة هذا الرأي:
1 - لأن الخصومة شرط محض، ولأن وجوب الحد مضاف إلى الجناية، وظهوره إلى الشهادة، فيجري في إثباته التوكيل، كما في سائر الحقوق.
2 - لأن التوكيل تناول ما ليس بحد ولا قصاص، ولا يضاف وجوب الحد إلى الخصومة، فيصح التوكيل فيها، كما في سائر الحقوق.
النتيجة:
عدم تحقق الإجماع والاتفاق على رفض إقرار الوكيل في الحدود؛ لخلاف من سبق.
المغني لابن قدامة (7/ 201)
(3) ويجوز التوكيل في إثبات الحدود، وفي إقامتها
فصل: فأمَّا حُقُوقُ اللَّه تعالى، فما كان منها حَدًّا، كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، جَازَ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفَائِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها"، فغَدَا عليها أُنَيْسٌ، فاعْتَرَفَتْ، فأَمَرَ بها فَرُجِمَتْ. مُتَّفَقٌ عليه، وأمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِ ماعِزٍ، فرَجَمُوهُ، ووَكَّلَ عُثْمانُ عَلِيًّا في إقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ على الوَلِيدِ بن عُقْبَةَ، وَوَكَّلَ عَلِىٌّ الحَسَنَ في ذلك، فأبَى الحَسَنُ، فوَكَّلَ عبدَ اللَّه بن جَعْفَرٍ، فأقَامَهُ، وعَلِىٌّ يَعُدُّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي ذلك بنَفْسِه، ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إِثْباتِها.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يجوزُ في إِثْبَاتِها، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد أُمِرْنَا بدَرْئِها بها، والتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إلى الإِيجابِ.
ولَنا: حَدِيثُ أُنَيْسٍ؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَهُ في إِثْباتِه واسْتِيفائِه جَمِيعًا، فإنَّه قال: "فَإِن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها"، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يكُنْ ثَبَتَ، وقد وَكَّلَهُ في إِثْباتِه [واسْتِيفَائِه جَمِيعًا]، ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَنابَ دَخَلَ في ذلك الحُدُودُ، فإذا دَخَلَتْ في التَّوْكِيلِ بِطَرِيقِ العُمُومِ وَجَبَ أن تَدْخُلَ بالتَّخْصِيصِ بها أَوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مُقَامَ المُوَكِّلِ في دَرْئِها بالشُّبُهاتِ.
موسوعة الإجماع في الفقة الإسلامي - مجموعة في المؤلفين (4/ 353)
(4) اختلفوا في الوكالة في المطالبة بالقصاص
مسألة: جواز توكيل الحاضر في غير الحدود والقصاص.
يجوز توكيل الحاضر الصحيح مطلقًا دون قيد أو شرط، وقد نقل الاتفاق على هذا.
• من نقل الاتفاق:
الإمام ابن بطال ت 449 هـ، فقال: "وعامة الفقهاء يجيزون توكيل الحاضر الصحيح البدن وإن لم يرض خصمه بذلك".
الإمام أبو الحسن ابن القطان ت 628 هـ، فقال: "واتفق علماء الأمصار على صحة توكيل الصحيح الحاضر".
الإمام ابن جُزَيّ ت 741 هـ، حيث قال: "وتجوز وكالة الغائب والمرأة والمريض اتفاقا ووكالة الحاضر الصحيح".
• الموافقون على الاتفاق:
وافق جمهور الفقهاء وأتباعهم: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وتلميذاه، والمالكية والشافعية، والحنابلة والظاهرية، وابن أبي ليلى على الاتفاق على جواز توكيل الحاضر الصحيح.
• مستند الاتفاق:
1 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل؛ فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها، فقال: "أعطوه". فقال: أوفيتني أوفى اللَّه بك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خياركم أحسنكم قضاء".
قال الإمام ابن بطال: "أن النبي عليه السلام أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التي كانت عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن عليه السلام غائبًا، ولا مريضًا، ولا مسافرًا".
وقال الحافظ ابن حجر: "موضع الترجمة [باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة] منه لوكالة الحاضر واضح، وأما الغائب فيستفاد منه بطريق الأولى؛ لأن الحاضر إذا جاز له التوكيل مع اقتداره على المباشرة بنفسه فجوازه للغائب عنه أولي لاحتياجه إليه.
وقال الكرماني: لفظ (أعطوه) يتناول وكلاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حضورًا وغيبًا"
2 - لأن المقصود الأول من الوكالة هو دفع الحاجة بمعونة من كان ضعيفًا، أو صيانةُ من كان مهيبًا، وهذا المعنى موجود في الحاضر الصحيح كوجوده في المعذور.
• الخلاف في المسألة:
خالف أبو حنيفة رحمه الله؛ فقال بعدم جواز توكيل الحاضر في الخصومة إلا إذا كان الموكل معذورًا بعذر من الأعذار
• ودليله على هذا:
1 - لأن التوكيل حوالة، وهي لا تصح بدون رضى المحال عليه، ولأن الموكل ملزم بالجواب في الخصومة؛ لأنها مستحقة عليه.
2 - ولأن التوكيل فيه إضرار بالمدعى عليه؛ لأن الموكل لا يوكل إلا من هو ألد وأشد إنكارًا، فلا يلزمه بدون التزامه كالحوالة، إلا إذا كان بالموكل عذر من الأعذار.
النتيجة:
عدم انعقاد الاتفاق على توكيل الحاضر مطلقًا دون قيد؛ لخلاف أبي حنيفة.
موسوعة الإجماع في الفقة الإسلامي - مجموعة في المؤلفين(4/ 336)
(4) اختلفوا في الوكالة في المطالبة بالقصاص
مسألة: لا يقبل إقرار الوكيل في قصاص.
إقرار الوكيل على موكله في القصاص مرفوض غير مقبول، وقد نقل إجماع أهل العلم واتفاقهم على هذا.
• من نقل الإجماع والاتفاق:
الإمام المزني ت 264 هـ، فقال: "أجمعوا على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره".
الإمام ابن حزم ت 456 هـ؛ فقال: "قد صح إجماع أهل الإسلام على أن لا يصدق أحد على غيره إلا على حكم الشهادة فقط".
الوزير ابن هبيرة ت 60 هـ، فقال: "واتفقوا على أن إقرار الوكيل على موكله بالحدود والقصاص غير مقبول، سواء كان في مجلس الحكم أو غيره".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق:
وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم: أكثر الحنفية ومنهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وتلميذه، والمالكية في غير الأصح عندهم، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وهو قول ابن أبي ليلى وزفر على الإجماع على عدم قبول إقرار الوكيل على موكله بالقصاص.
• مستند الإجماع والاتفاق:
1 - قول اللَّه تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام: 164].
2 - لأن التوكيل إنابة وشبهة النيابة يتحرز عنها في هذا الباب، كما في الشهادة على الشهادة.
• الخلاف في المسألة:
خالف في هذه المسألة: أبو حنيفة ومحمد، والمالكية في الأصح عندهم، فقالوا: تجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق.
• أدلة هذا الرأي:
1 - لأن الوكيل قام مقام الموكل بعد صحة التوكيل، وقد جعل إقراره في سائر الحقوق كإقرار الموكل، وكذلك في القصاص.
2 - أن الخصومة شرط محض، ولأن وجوب الحد مضاف إلى الجناية، وظهوره مضاف إلى الشهادة، فيجري فيه التوكيل، كما في سائر الحقوق.
النتيجة:
عدم انعقاد الإجماع والاتفاق على رفض وعدم قبول إقرار الوكيل في القصاص؛ لخلاف من سبق.
المغني لابن قدامة (7/ 197 )
(4) اختلفوا في الوكالة في المطالبة بالقصاص:
فصل: وكلُّ مَن صَحَّ تَصَرُّفُه في شيءٍ بِنَفْسِه، وكان ممَّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يُوَكِّلَ فيه رَجُلًا كان أو امْرَأةً، حُرًّا كان أو عَبْدًا، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا. وأمَّا من يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ، كالعَبْدِ المَأْذُونِ له، والوَكِيلِ، والمُضَارِبِ، فلا يَدْخُلُون في هذا. لكنْ يَصِحُّ من العَبْدِ التَّوْكِيلُ فيما يَمْلِكُه دون سَيِّدِه، كالطَّلَاقِ والخُلْعِ. [وكذلك الحُكْمُ في المَحْجُورِ عليه لِسَفَهٍ، لا يُوَكّلُ إلَّا فيما له فِعْلُه، من الطَّلَاقِ والخُلْعِ]، وطَلَبِ القِصَاصِ، ونحوِه.
المغني لابن قدامة (7/ 203)
(4) اختلفوا في الوكالة في المطالبة بالقصاص
فصل: وكلُّ ما جازَ التَّوْكِيلُ فيه جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ وغَيْبَتِه، نَصَّ عليه أحمدُ، وهذا مذهبُ مالِكٍ.
وقال بعضُ أصْحابِنَا: لا يجُوزُ اسْتِيفَاءُ القِصَاصِ وحَدِّ القَذْفِ في غَيْبَةِ المُوَكِّلِ، أَوْمَأَ إليه أحمدُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وبعضِ الشّافِعِيّةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ المُوَكِّلُ في حَالَةِ غَيْبَتِه، فيَسْقُطَ، وهذا الاحْتِمالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ، ولأنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ إليه، فإذا حَضَرَ احْتَمَلَ أن يَرْحَمَهُ فيَعْفُوَ، والأَوَّلُ ظَاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّ ما جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ جازَ في غَيْبَتِه، كالحُدُودِ وسائِرِ الحُقُوقِ، واحْتِمَالُ العَفْوِ بَعِيدٌ، والظاهِرُ أنَّه لو عَفَا لبَعَثَ وأعْلَمَ وَكِيلَه بِعَفْوِه، والأَصْلُ عَدَمُه، فلا يُؤَثِّرُ، ألا تَرَى أنَّ قُضاةَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانوا يَحْكُمُونَ في البِلَادِ، ويُقِيمُونَ الحُدُودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، مع احْتِمالِ النَّسْخِ؟ وكذلك لا يحْتَاطُ في اسْتِيفَاءِ الحُدُودِ بإِحْضَارِ الشُّهُودِ، مع احْتِمالِ رُجُوعِهِم عن الشَّهَادَةِ، أو تَغَيُّرِ اجْتِهادِ الحاكِمِ.
موسوعة الإجماع في الفقة الإسلامي - مجموعة في المؤلفين (4/ 340 : 342)
(5) ويصح التوكيل في الخصومة:
مسألة: جواز التوكيل بالخصومة.
التوكيل في الخصومة جائز، وقد ورد الإجماع والاتفاق على ذلك، كما نفي الخلاف فيه.
• من نقل الإجماع:
الوزير ابن هبيرة ت 560 هـ، حيث قال: "واتفقوا أن كل ما جازت فيه النيابة من الحقوق جازت الوكالة فيه؛ كالبيع والشراء والإجارة واقتضاء الحقوق والخصومة في المطالبة بالحقوق".
الإمام علاء الدين الكاساني ت 587 هـ، فقال: "لا خلاف أنه يجوز التوكيل بالخصومة في إثبات الدين والعين وسائر الحقوق برضا الخصم حتى يلزم الخصم جواب التوكيل".
الإمام أبو الحسن ابن القطان ت 628 هـ، فقال: "وأجمعوا أن الوكالة في المخاصمات وطلب الحقوق مع حضور ورضا الخصم إذا كان الموكل حاضرًا جائزة".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق ونفى الخلاف:
وافق جمهور فقهاء الأمصار: من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة وابن أبي ليلى على جواز التوكيل بالخصومة.
غير أنه في المواضع السابقة لم يشترط أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والمالكيةُ، والشافعيةُ، والحنابلةُ رضا الخصم؛ فقالوا بجواز التوكيل برضاه وبغير رضاه، واشترطه أبو حنيفة.
• مستند الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف:
1 - توكيل على رضي الله عنه عقيلًا عند أبي بكر رضي الله عنه وقال: ما قضى له فلي، وما قضى عليه فعلي.
2 - توكيلُ علي عبد اللَّه بن جعفر عند عثمان، وقوله: إن للخصومة قُحَمًا، وإن الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها.
3 - لأن الحاجة تدعو إلى التوكيل في الخصومات؛ لأنه قد يكون له حقٌّ أو يُدَّعَى عليه حقٌّ ولا يُحسن الخصومةَ فيه، أو يكره أن يتولاها بنفسه؛ فجاز أن يوكل فيه.
• الخلاف في المسألة:
لم أجد خلافًا في المسألة.
النتيجة:
انعقاد الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف في جواز التوكيل في الخصومة.
المغني لابن قدامة (7/ 199)
(5) ويصح التوكيل في الخصومة:
فصل: ويجوزُ التَّوْكِيلُ في مُطَالَبةِ الحُقُوقِ، وإِثْباتِها، والمُحَاكَمَةِ فيها، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا، صَحِيحًا أو مَرِيضًا، وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لِلْخَصْمِ أن يَمْنَعَ من مُحَاكَمَةِ الوَكِيلِ إذا كان المُوَكِّلُ حَاضِرًا؛ لأنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الحُكْمِ، ومُخَاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِه عليه، فلم يكُنْ له نَقْلُه إلى غيرِه بغيرِ رِضَاءِ خَصْمِه، كالدَّيْنِ عليه.
ولَنا: أنَّه حَقٌّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فيه، فكان لِصَاحِبِه الاسْتِنَابَةُ بغير رِضَاءِ خَصْمِه، كحالِ غَيْبَتِه ومَرَضِه، وكدَفْعِ المالِ الذي عليه، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحَابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، وَكَّلَ عَقِيلًا عند أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، وقال: ما قُضِىَ له فَلِي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ، وَوَكَّلَ عبدَ اللَّه بن جَعْفَرٍ عند عثمانَ، وقال: إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا، وإن الشَّيْطَانَ لَيَحْضُرهَا، وإنِّي لأَكْرَهُ أن أَحْضُرَها، قال أبو زِيَادٍ: القُحَمُ: المَهالِكُ، وهذه قِصَصٌ انْتَشَرَتْ؛ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فلم يُنْقَلْ إنْكَارُها، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه قد يكونُ له حَقٌّ، أو يُدَّعَى عليه، ولا يُحْسِنُ الخُصُومَةَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَوَلَّاها بِنَفْسِه.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الإِقْرَارِ، ولأَصْحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ: أحَدُهما: لا يجوزُ التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إِخْبَارٌ بِحَقٍّ، فلم يَجُزِ التَّوْكِيلُ فيه، كالشَّهَادَةِ.
ولَنا: أنَّه إِثْباتُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ بالقَوْلِ، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيْعِ، وفارَقَ الشَّهَادَةَ، فإنَّها لا تُثْبِتُ الحَقَّ، وإنَّما هي إِخْبَارٌ بِثُبُوتِه على غيرِه.
الموسوعة الفقهية الكويتية (45/ 67)
(5) ويصح التوكيل في الخصومة:
إقرار الوكيل بالخصومة على موكله:
112 - لو وكل شخص آخر في خصومة، فهل يجوز للوكيل أن يقر على موكله فيها؟ اختلف الفقهاء في ذلك فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية إلى أنه لا يقبل إقرار وكيل الخصومة على موكله لا بقبض الحق ولا بغيره؛ وذلك لأن الإقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها فلا يملكه الوكيل كالإبراء، ولأن الوكيل مأمور لا يملك الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار، فلو ملك الإقرار لامتنع على الموكل الإنكار فافترقا، ولأن الوكيل مأمور بالخصومة وهي منازعة، والإقرار ضدها؛ لأنه مسالمة، والأمر بالشيء لا يتناول ضده.
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى جواز إقرار الوكيل على موكله في الخصومة عند القاضي فقط، باستثناء الحدود والقصاص، أما عند غير القاضي فلا يصح إقراره على موكله مطلقًا استحسانًا.
ووجه عدم قبول إقراره في الحدود والقصاص على الموكل: أن في الإقرار هنا شبهة فامتنع، أما ما عدا ذلك فيجوز الإقرار فيه؛ لأن التوكيل صحيح، وصحته تتناول ما يملكه، وذلك مطلق الجواب بالإقرار والإنكار دون أحدهما عينًا، فينصرف إليه تحريًا للصحة، وقد خصصا ذلك بمجلس القضاء دون غيره؛ لأن الموكل إنما وكله بالخصومة، وحقيقتها لا تكون إلا عند القاضي فلم يكن وكيلًا في غيره؛ لأن غيره ليس محلًّا للخصومة التي هو وكيل فيها.
والقياس عندهما قبول الإقرار عند غير القاضي أيضًا؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل، وإقراره لا يختص بمجلس القضاء، فكذلك نائبه.
وذهب أبو يوسف إلى قبول إقرار وكيل الخصومة على موكله مطلقًا، سواء أكان ذلك في مجلس القضاء أم في غيره؛ لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقًا، فيقتضي أن يملك ما كان يملكه الموكل، وهو مالك للإقرار بنفسه في مجلس القضاء وغيره، فكذلك الوكيل؛ وهذا لأنه إنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجبًا إلا بانضمام القضاء إليه.
أما لو استثنى الموكل الإقرار بأن قال للوكيل: وكلتك بالخصومة غير جائز الإقرار صح التوكيل والاستثناء على الظاهر، فلو أقر عند القاضي أو غيره لا يصح الإقرار، ويخرج به عن الوكالة، فلا تسمع خصومته.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين (4/ 340 : 344)
مسألة: ما لا يمكن التوكيل بالخصومة
هناك أمور لا تمكن الخصومة في إثباتها كحد الزنا، وحد الشرب، وقد نقل فيها الاتفاق.
• من نقل الاتفاق:
الإمام الزيلعي ت 743 هـ؛ فقال: "والتوكل بإثبات حد الزنا، والشرب لا يصح اتفاقًا".
الإمام ابن عابدين ت 1252 هـ؛ فقال: "أما التوكيل بإثبات حد الزنا والشرب فباطل اتفاقًا".
• الموافقون على الاتفاق:
وافق على الاتفاق على عدم صحة التوكيل بالخصومة في إثبات حد الزنا والشرب فقهاء الحنفية وأبو الخطاب من الحنابلة.
• مستند الاتفاق:
1 - لأن حد الزنا والشرب يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة.
2 - لأنه لا حق لأحد فيه، وإنما تقام البينة على وجه الحسبة؛ فإذا كان أجنبيًّا عنه لا يجوز توكيله به.
• الخلاف في المسألة:
خالف هذا الاتفاق فقال بجواز الخصومة بإثبات حد الزنا والشرب: الشافعية، والحنابلة.
• أدلة هذا الرأي:
1 - قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اغد يا أنيْسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فرجمت"، قال الموفق ابن قدامة في معرض استدلاله بهذا الحديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم وكله [أي: أنيسًا] في إثباته واستيفائه جميعًا؛ فإنه قال: (فإن اعترفت فارجمها)، وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت، وقد وكله في إثباته واستيفائه جميعًا".
2 - لأن عفو الإمام عن الحد بعد ثبوته لا يصح.
3 - لأن الحدود تسقط بالشبهات، وقد أمرنا بدرئها بها، والتوكيل يوصل إلى الإيجاب.
4 - لأن الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود، فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم، وجب أن تدخل بالتخصيص بها أولى.
5 - لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في درء الحدود بالشبهات.
النتيجة:
عدم تحقق الاتفاق على عدم جواز التوكيل بالخصومة في حد الزنا والشرب.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين(4/ 329)
(6) وتجوز الوكالة بقضاء الديون، وبالإبراء:
مسألة: يجوز التوكيل في العقود الجائزة
يجوز التوكيل في العقود الجائزة؛ كالإجارة والمضاربة والتزويج والتطليق والصلح والخلع ونحوها مما يجوز للمرء أن يعقده بنفسه، وقد نقل الاتفاق على هذا، كما نفي الخلاف فيه.
• من نقل الاتفاق ونفى الخلاف:
الوزير ابن هبيرة ت 560 هـ، فقال: "واتفقوا على أن الوكالة من العقود الجائزة، وأن كل ما جازت فيه النيابة من الحقوق جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بالحقوق، والتزويج والطلاق وغير ذلك".
الإمام ابن قدامة ت 620 هـ، فقال: "ويجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والصلح والوصية والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإبواء؛ لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت حكمه، ولا نعلم في شيء من ذلك اختلافًا".
• الموافقون على الاتفاق ونفي الخلاف:
وافق الاتفاق على جواز الوكالة في العقود الجائزة جمهور فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الاتفاق ونفي الخلاف:
مع عموم أدلة جواز الوكالة كما بمسألة حكم الوكالة، التالي:
1 - لأن كل ما صح أن يفعله بنفسه جاز أن يوكل فيه غيره.
2 - ولأن كل ما تدخله النيابة، صح أن يوكل الإنسان فيه غيره، سواء كان الموكَل رجلًا أو امرأة، حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا.
• الخلاف في المسألة:
لم أقف على خالف أحد في جواز التوكيل في العقود الجائزة.
النتيجة:
تحقق الاتفاق ونفي الخلاف على جواز التوكيل في العقود الجائزة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين (4/ 370)
(6) وتجوز الوكالة بقضاء الديون، وبالإبراء
مسألة: إذا وكله بقبض دين على آخر فأبرأ الوكيل الغريم من الدين.
إذا وكل رجل آخر بقبض دين من آخر لم يكن للوكيل إبراؤه منه، وعلى هذا أجمع أهل العلم، ونفوا الخلاف فيه.
• من نقل الإجماع ونفى الخلاف:
الإمام ابن المنذر ت 318 هـ، فقال: "وأجمعوا أن الرجلَ إذا وكَّل الرجلَ بقبض دين له على آخر، فأبرأ الوكيلُ الغريمَ من الدين الذي عليه أن ذلك غير جائز".
الإمام الموفق ابن قدامة ت 620 هـ، فقال: "الوكيل لا يملك الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار،... ولا يملك المصالحة عن الحق ولا الإبراء منه بغير خلاف نعلمه".
• الموافقون على الإجماع ونفي الخلاف:
وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم: (الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على الإجماع على عدم جواز إبراء الوكيل الغريم من الدين.
• مستند الإجماع ونفي الخلاف:
لأن المال ليس ملكًا له، ولم يأذن له في التصرف بالإبراء.
• الخلاف في المسألة:
لم أقف على خلاف في هذا.
النتيجة:
انعقاد الإجماع وتحقق نفي الخلاف في عدم جواز إبراء الوكيل الغريم من الدين.
المغني لابن قدامة (7/ 198)
(6) وتجوز الوكالة بقضاء الديون، وبالإبراء.
مسألة، قال: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الشِّرَاءِ والْبَيْعِ، ومُطَالَبةِ الحُقُوقِ، والْعِتْقِ والطَّلَاقِ، حَاضِرًا كَانَ المُوَكِّلُ أو غَائِبًا).
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في جَوازِ التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلى التَّوْكِيلِ فيه؛ لأنَّه قد يكونُ مِمَّنْ لا يُحْسِنُ البَيْعَ والشِّرَاءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى السُّوقِ، وقد يكونُ له مالٌ ولا يُحْسِنُ التِّجَارةَ فيه، وقد يُحْسِنُ ولا يَتَفَرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ به التِّجَارَةُ لكَوْنِه امْرَأةً، أو ممَّن يَتَعَيَّرُ بها، ويَحُطُّ ذلك من مَنْزِلَتِه، فأبَاحَها الشَّرْعُ؛ دَفْعًا للحاجَةِ، وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ المَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ اللَّه سُبْحانَهُ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوَالةِ، والرَّهْنِ، والضَّمَانِ، والكَفَالةِ، والشَّرِكَةِ، والوَدِيعَةِ، والمُضَارَبةِ، والجَعَالَةِ، والمُسَاقاةِ، والإِجَارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، والصَّدَقَةِ، والفَسْخِ، والإِبْراءِ؛ لأنَّها في مَعْنَى البَيْعِ في الحاجَةِ إلى التَّوْكِيلِ فيها، فيَثْبُتُ فيها حُكْمُه. ولا نَعْلَمُ في شيءٍ من ذلك اخْتِلَافًا.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في عَقْدِ النِّكَاحِ في الإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ، وأبَا رَافِعٍ، في قَبُولِ النِّكَاحِ له، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه ربَّما احْتاجَ إلى التَّزَوُّجِ من مَكانٍ بَعِيدٍ، لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه، فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ أمَّ حَبِيبَةَ، وهي يَوْمَئِذٍ بأرْضِ الحَبَشَةِ.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الطَّلَاقِ، والخُلْعِ، والرَّجْعَةِ، والعَتَاقِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، كدُعَائِها إلى التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والنِّكَاحِ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في تَحْصِيلِ المُبَاحاتِ، كإِحْياءِ المَواتِ، وإسْقَاءِ الماءِ، والاصْطِيَادِ، والاحْتِشَاشِ؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بِسَبَبٍ لا يَتَعَيَّنُ عليه، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه، كالابْتِياعِ والاتِّهَابِ.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِ القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، واسْتِيفَائِهما، في حَضْرَةِ المُوَكّلِ وغَيْبَتِه؛ لأنَّهما من حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وتَدْعُو الحاجَةُ إلى التَّوْكِيلِ فيهما، لأنَّ مَن له حَقٌّ قد لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَولَّاهُ بِنَفْسه.