موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (3/ 13 - 15)
حقوق الارتفاق عند الحنفية :
10 - تبين مما سبق أن الحنفية يطلقون الارتفاق على ما يرتفق به ، ويختص بما هو من التوابع ، كالشرب ومسيل الماء والطريق والمرور والمجرى والجوار ، وأن أبا يوسف خص الارتفاق بمنافع الدار . ولكل من المرافق المذكورة مصطلح خاص به ، ولذلك فيكفي هنا أن يعرف كل واحد من هذه المرافق ، ويبين حكمه ، على أن يترك التفصيل للمصطلحات الخاصة .
الشرب :
11 - الشرب : لغة النصيب من الماء . وفي الاصطلاح : هو النصيب من الماء للأراضي لا لغيرها .
وركنه الماء لأنه يقوم به .
وشرط حله أن يكون ذا حظ من الشرب .
وحكمه الإرواء ، لأن حكم الشيء ما يفعل لأجله .
مسيل الماء :
12 - المسيل : المجرى ومسيل الماء مجراه ، وإذا كان لشخص مجرى ماء جار أو سياق ماء بحق قديم في ملك شخص آخر فليس لصاحبه منعه . وإذا كان لدار مسيل مطر على دار جار من قديم فليس للجار منعه ، وصورة حق المسيل أن يكون لرجل أرض لها مجرى ماء في أرض أخرى .
حق التسييل :
13 - صورته أن تكون لشخص دار لها حق تسييل الماء على أسطحة دار أخرى ، أو على أرض دار أخرى
الطريق :
14 - في حاشية ابن عابدين أن الطرق ثلاثة : طريق إلى الطريق الأعظم ، وطريق إلى سكة غير نافذة ، وطريق خاص في ملك إنسان ، وسيأتي أحكام التصرف فيها .
حق المرور :
15 - هو أن يكون لشخص حق المرور في أرض شخص آخر .
والحكم فيه ما نصت عليه المادة ( 1225 ) من مجلة الأحكام : " إذا كان لأحد حق المرور في عرصة آخر ، فليس لصاحب العرصة أن يمنعه من المرور والعبور " .
وقد نصت المادة ( 1224 ) على حكم عام يتعلق بثبوت الحقوق في المرافق ، هو : " يعتبر القدم في حق المرور وحق المجرى وحق المسيل . يعني تترك هذه الأشياء وتبقى على وجهها القديم الذي كانت عليه ، لأن الشيء القديم يبقى على حاله بحكم المادة ( 6 ) ولا يتغير إلا أن يقوم الدليل على خلافه . أما القديم المخالف للشرع فلا اعتبار له . يعني إذا كان الشيء المعمول به غير مشروع في الأصل فلا اعتبار له وإن كان قديما ، ويزال إن كان فيه ضرر فاحش . مثلا إذا كان لدار مسيل قذر في الطريق العام ، ولو من القديم ، وكان فيه ضرر للمارة فإن ضرره يرفع ، ولا اعتبار لقدمه " .
وفي شرح المادة قال الأتاسي : ( وكذا لا اعتبار لقدمه إذا كان غير مشروع ، ) وإن كان ضرره خاصا . كما إذا كان لرجل كوة تشرف على مقر نساء جاره فإنه يجب إزالة الضرر ، وإن كان قديما ، كما أفتى في الحامدية قائلا : ولا فرق بين القديم والحادث حيث كان الضرر بينا ، فلو كان مشروعا كما إذا ثبت بالبينة الشرعية أن الجار أحدث البناء بعد أن كانت الكوة تشرف على أرض سبخة لا يجب عليه إزالة الضرر .
حق التعلي :
16 - نصت المادة ( 1198 ) من المجلة على أن ( كل أحد له التعلي على حائطه الملك ، وبناء ما يريد ، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضررا فاحشا ) .
وقال الأتاسي في شرح المادة : ( ولا عبرة بزعمه أنه يسد عنه الريح والشمس ، كما أفتى به في الحامدية ، لأنه ليس من الضرر الفاحش . وفي الأنقروية : له أن يبني على حائط نفسه أزيد مما كان ، وليس لجاره منعه وإن بلغ عنان السماء ) . أقول : هذا مسلم إذا كان التعلي يسد الريح والشمس عن مثل ساحة دار الجار . أما إذا كان يسدهما عن سطح بيته المسقف بالخشب فالظاهر أنه يمنع منه على ما أفتى به المتأخرون .
حق الجوار :
17 - نصت المادة ( 1201 ) من المجلة على أن : ( منع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية ، كسد
الهواء والنظارة ، أو منع دخول الشمس ليس بضرر فاحش ، لكن سد الضياء بالكلية ضرر فاحش . فإذا أحدث رجل بناء فسد بسببه شباك بيت جاره ، وصار بحال لا يقدر على القراءة معها من الظلمة ، فله أن يكلف رفعه للضرر الفاحش ، ولا يقال : الضياء من الباب كاف ، لأن باب البيت يحتاج إلى غلقه للبرد وغيره من الأسباب . وإن كان لهذا المحل شباكان فسد أحدهما بإحداث ذلك البناء فلا يضر ضررا فاحشا ) .
والعلة في المنع هو تحقق الضرر الفاحش ، فإذا تحقق منع العمل ، وإلا أبيح .
تلك هي حقوق الارتفاق عند الحنفية .
18 - ويمكن إنشاء حقوق ارتفاق أخرى غيرها حسبما يجري العرف واستعمال الناس ، فإن حدثت حقوق ارتفاق أخرى بالاستعمال تطبق عليها الأحكام السابقة ، ففي وسائل المواصلات العامة مثلا كالقطارات والطيارات والسيارات ، والمقاعد في الأماكن العامة وغيرها ، إما أن يخصص مقعد معين لكل راكب أو لا ، فإن خصص لكل راكب مقعد معين فلا يجوز لغيره أن يجلس فيه إلا بإذنه . وأما إذا لم تعين المقاعد للراكبين فلكل راكب أن يجلس في المقعد الذي سبق إليه ، وهكذا الأمر في كل ما كان من هذا القبيل .
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (1/ 211 - 218)
الفرع الثاني أنواع حقوق الارتفاق
الحقوق التي تكلم عنها الفقهاء والتي وجدت من قبل هي:
الأول: حق الشرب وحق الشفة :
وقد عرفه الفقهاء بأنه: النصيب من الماء لسقي الزرع والشجر، أو نوبة الانتفاع بالماء سقيا للشجر أو الزرع.
وقد شمل التعريف معنيين من الحق:
أحدهما: النصيب المستحق من الماء كما لو كانت القسمة على مقدار معين من الماء، وهو ما نص عليه بقوله: (بأنه النصيب من الماء لسقي الزرع ...).
الثاني: زمن الانتفاع به كما لو كانت القسمة بالزمن، وهو ما نص عليه بقوله: (أو نوبة الانتفاع بالماء ...).
ويلحق بهذا الحق: حق الشفة، وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي، وسمي بذلك؛ لأن شرب الإنسان يكون بتناول الشفة لإيصاله إلى الجوف .
الثاني: حق المجرى :
يراد به في الاصطلاح: حق إجراء الماء المستحق من أرض إلى أرض أخرى لسقي ما بها من شجر أو زرع .
وهذا الحق تابع لحق الشرب؛ لأن الشرب وهو النصيب من الماء لسقي الأشجار لا يمكن استيفاؤه إلا إذا كان له مجرى يمر به إلى الأرض المراد سقيها، فيكون حق المجرى: هو أن يكون لعقار حق مرور الماء الصالح لسقي زرعه أو شجره على عقار آخر مالكه غير المالك الأول.
وقد وقع خلاف بين الفقهاء في ثبوت هذا الحق، وليس هذا الفصل مخصصا لبيان ثبوت هذا الحق من عدمه، فإن هذا له باب آخر، وإنما الكلام في هذا الفصل مخصص لمالية هذا الحق على القول بثبوته, لأن الكلام في تعريف المال، وكونه شاملا للأعيان والديون والمنافع والحقوق، ومن الحقوق حقوق الارتفاق .
الثالث: حق المسيل :
لم يعن الفقهاء بتعريف حق المسيل، وإن كانوا قد تعرضوا لأحكامه، وقد عرفه بعضهم بأنه: حق صرف الماء غير الصالح، أو الزائد عن الحاجة في ملك الغير حتى يصل إلى مستودع أو مصرف عام .
الفرق بين حق المجرى وحق المسيل:
أن المجرى يكون لجلب الماء الصالح للاستعمال، وأما المسيل: فيكون لتصريف المياه غير الصالحة، أو الزائدة عن الحاجة، والتخلص منها.
الرابع: حق المرور :
أن يكون لشخص حق المرور في أرض شخص آخر
الخامس: حق التعلي :
هو أن يكون لإنسان الحق في أن يعلو بناؤه بناء غيره على وجه الاستقرار والدوام، بقي أو تهدم كل منهما.
ويتحقق ذلك في دار لها سفل وعلو، ويكون مالك السفل غير مالك العلو، ويكون للعلو حق القرار والبقاء على ذلك السفل دون أن يتملك سقفه.
كما يتحقق ذلك في دار مكونة من ثلاث طبقات فأكثر، يبيعها مالكها لثلاثة أشخاص فأكثر، لكل شخص طبقة من طبقاتها، فيكون للأعلى حق التعلي والقرار على من يليه، ولمن يليه حق التعلي والقرار على من يليه، وهكذا إلى ارضها .
السادس: حق الجوار :
يراد بالجوار هنا الجوار الجانبي، وهو الناشئ عن الملاصقة بالحدود؛ لأن الجار العلوي داخل في حق التعلي كما سبق .
ويرى أبو زهرة أن حق الجوار لا يدخل في حق الارتفاق؛ لأن حق الارتفاق: تكليف وعبء على عقار لمنفعة عقار آخر، وهو من نوع الشركة في العين التي تعلق بها الارتفاق، فإذا كان لعقار حق الشرب من مجرى يجري في عقار آخر كان بين صاحبي العقارين شركة في حق الشرب.
أما حقوق الجار فتقوم على منع الضرر بالجار ضررا بينا فاحشا في سبيل انتفاع الشخص بملكه، فهي تقييد لانتفاع الشخص بملكه بقيد أن لا يضر بجاره.
وبعبارة موجزة، أن الفرق بينهما: أن حق الارتفاق: حق إيجابي متعلق بالعقار. وأما حق الجوار فحق سلبي ليس إلا منعا للضرر .
الفرع الثالث خلاف العلماء في إحداث حقوق ارتفاق جديدة
[م - 14] سبق لنا أن ذكرنا ستة أنواع من حقوق الارتفاق، وهي حق الشرب، وحق المجرى، وحق المسيل، وحق المرور، وحق التعلي، وحق الجوار، ولم يتعارف قديما على غير هذه الحقوق، فهل يحق إنشاء حقوق ارتفاق أخرى سوى ما ذكر، في هذا خلاف بين العلماء، فيرى الحنفية أنه لا يجوز لمالك عقار أن ينشئ على عقاره حقوق ارتفاق أخرى؛ لأن في إنشائها تقييدا للملكية التامة، والأصل فيها أنها لا تقبل التقييد، وما قيدت بتلك الحقوق إلا استثناء، ولا يتوسع في الاستثناء.
ولأن المنافع والحقوق ليست بأموال عندهم فلا يصح أن تكون محلا للمعاوضة استقلالا، أما إذا دخل هذا الحق في العقد تبرعا، فإن هذا التبرع يعتبر إعارة، وهي لا تفيد التزاما، فيصح له أن يرجع في إعارته، مع أن حقوق الارتفاق ثابتة دائمة لا يملك معطيها الرجوع فيها.
ويرى بعض العلماء، ومنهم المالكلية أن المالك حر فيما ينشئ على عقاره من حقوق لعقار غيره، وأن الحقوق لم تكن محصورة فيما سبق ذكره، فإذا كان لشخص قطعة أرض معدة للبناء بجوار داره، فباعها، واشترط على المشتري أن لا يقيم بناء ملاصقا لبنائه، أو أن يبني بارتفاع معين لا يتجاوزه، وقبل المشتري، تم العقد، وصح الشرط .
وهذا يتمشى مع مذهب الحنابلة الذين يجيزون الشروط كلها إلا شرطا خالف نصا، أو خالف مقتضى العقد، وقد سبق لنا الكلام على خلاف العلماء في إحداث شروط جديدة، وما هو الأصل في الشروط، والحمد لله، فليرجع إليه من شاء.