الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (41/ 39)
تقدير النفقة:
8- اختلف الفقهاء في تقدير نفقة الزوجة، على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها مقدرة بكفايتها، وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، وبه قال بعض الشافعية، وأكثر الحنابلة، وهو المذهب عندهم.
واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 233]، موجهين استدلالهم بأن الله عز وجل أوجب على المولود له - وهو الزوج - نفقة زوجته، من غير تحديد بمقدار معين، فيكون على الكفاية في العرف والعادة، كرزق القاضي والمُضارب.
وبما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن هند بنت عتبة، قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم هندًا بأن تأخذ ما يكفيها وولدها من مال زوجها بالمعروف، دون أن يقدر ذلك بمقدار معين، والمعروف هو المقدر عرفًا بالكفاية، فدل هذا على أن نفقة الزوجة مقدرة بكفايتها، لا بالشرع.
وبما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع، فقال: "اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله....، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
فرسول الله صلى الله عليه وسلم قيد النفقة الواجبة على الأزواج للزوجات بالمعروف، والمعروف إنما هو الكفاية دون غيره؛ لأن ما نقص عن الكفاية فيه إضرار بالزوجة، فلا يعد معروفًا، وكذلك ما زاد على الكفاية فإنه يعد سرفًا، وليس بمعروف؛ لكون السرف ممقوتًا، فكان المعروف هو الكفاية.
وبقياس نفقة الزوجة على نفقة الأقارب، بجامع أنها غير مقدرة بمقدار محدد، وإنما هي على الكفاية، فتكون نفقة الزوجة على الكفاية.
وقالوا: إن النفقة إنما وجبت لكونها محبوسة بحق الزوج، ممنوعة عن الكسب لحقه، فكان وجوبها بطريق الكفاية.
القول الثاني: إنها مقدرة بمقدار محدد، وإليه ذهب الشافعية، على المعتمد، والقاضي من الحنابلة، وقدرها الشافعية بمُدَّيْن إذا كان الزوج موسرًا، وبمُدٍّ إذا كان معسرًا، وبمُدٍّ ونصف المد إذا كان متوسطًا، وقال القاضي: الواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر؛ اعتبارًا بالكفارات.
واحتجوا لأصل التفاوت بين الموسر والمعسر بقول الله عز وجل: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } [الطلاق: 7].
وأما التقدير: فبقياس نفقة الزوجة على الكفارة، بجامع أن كُلًّا منهما مال وجب بالشرع.
القول الثالث: إن المعتبر في تقدير النفقة عادة أمثال الزوج والزوجة وحال البلد، وإليه ذهب المالكية، وهو قول عند بعض الشافعية.
القول الرابع: إن المعتبر ما يفرضه القاضي، وعليه أن يجتهد ويقدر، وإليه ذهب بعض الشافعية.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية -
تقدر النفقة بقدر الكفاية، وهذا مذهب الجمهور، الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو قول بعض الشافعية، وحُكي فيه الإجماعُ.
الأدلة:
أولًا: من الكتاب
قال الله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 233].
وجه الدلالة: أن المعروف هو قدر الكفاية.
ثانيًا: من السنة
1- عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان- على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفي بنيك».
وجه الدلالة: أن الحديث نص على أن النفقة تقدر بالكفاية.
2- عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحج بطوله، قال في ذكر النساء: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
وجه الدلالة: أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان، وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره.
ثالثًا: لأنها نفقة واجبة لدفع الحاجة، فتقدرت بالكفاية، كنفقة المملوك.
المجموع شرح المهذب - النووي - (18/ 249).
نفقة الزوجات إذا كان الزوج موسرًا، وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه، لزمه في كل يوم مُدَّان، وإن كان معسرًا، وهو الذي لا يقدر على النفقة بمال ولا كسب، لزمه في كل يوم مُدٌّ؛ لقوله عز وجل: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } [الطلاق: 7]، ففرَّقَ بين الموسر والمعسر، وأوجب على كل واحد منهما على قدر حاله، ولم يبين المقدار، فوجب تقديره بالاجتهاد، وأشبه ما تقاس عليه النفقة: الطعام في الكفارة؛ لأنه طعام يجب بالشرع لسد الجوعة، وأكثر ما يجب في الكفارة للمسكين: مُدَّان في فدية الأذى، وأقل ما يجب: مُدٌّ، وهو في كفارة الجماع في رمضان، فإن كان متوسطًا لزمه مُدٌّ ونصفٌ؛ لأنه لا يمكن إلحاقه بالموسر، وهو دونه، ولا بالمعسر، وهو فوقه، فجعل عليه مُدٌّ ونصفٌ.
وإن كان الزوج عبدًا أو مكاتَبًا وجب عليه مُدٌّ؛ لأنه ليس بأحسن حالًا من الحر المعسر، فلا يجب عليه أكثر من مُدٍّ.
وإن كان نصفه حرًّا، ونصفه عبدًا، وجب عليه نفقة المعسر.
وقال المزني، إن كان موسرًا بما فيه من الحرية وجب عليه مُدٌّ ونصف؛ لأنه اجتمع فيه الرق والحرية، فوجب عليه نصف نفقة الموسر، وهو مد ونصف، ونفقة المعسر، وهو نصف مد، وهذا خطأ؛ لأنه ناقص بالرق، فلزمه نفقة المعسر، كالعبد.
المغني - لابن قدامة - (8/ 196).
فصل: والنفقة مقدرة بالكفاية، وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال القاضي: هي مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة، والواجب رطلان من الخبز في كل يوم، في حق الموسر والمعسر، اعتبارًا بالكفارات، وإنما يختلفان في صفته وجودته؛ لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول، وفيما تقوم به البنية، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة.
وقال الشافعي: نفقة المقتر مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد، والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال سبحانه: { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } [المائدة: 89]، وعلى الموسر مدان؛ لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدين في كفارة الأذى، وعلى المتوسط مد ونصف، نصف نفقة الموسر، ونصف نفقة الفقير.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك إليها، ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين، بحيث لا يزيد عنهما ولا ينقص، ولأن الله تعالى قال: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 233]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية، وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز، إنفاق بالمعروف، فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب والسنة.
واعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون القدر؛ ولهذا لا يجب فيها الأدم.