موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (28/ 169 - 172)
الضوال التي تمتنع من صغار السباع لقوتها وكبر جثتها - كالإبل والبقر والخيل والبغال - أو تمتنع لسرعة عدوها كالظباء، أو تمتنع لطيرانها، هذه الضوال إن كانت في الصحراء؛ فإنه يحرم أخذها للتملك، وهذا عند الشافعية والحنابلة؛ وذلك لحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
إلا أنه يجوز لولي الأمر أخذها على وجه الحفظ لربها، لا على أنها لقطة، فإن عمر - رضي الله تعالى عنه - حمى موضعًا يقال له: النقيع لخيل المجاهدين والضوال، ولأن للإمام نظرًا في حفظ مال الغائب، وفي أخذ الضوال حفظ لها عن الهلاك، ولا يلزم الإمام تعريفها؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يعرف الضوال، ومن كانت له ضالة فإنه يجيء إلى موضع الضوال، فإذا عرف ضالته أقام البينة وأخذها، لكن قال السبكي من الشافعية: إن لم يخش على الضالة الضياع فلا يتعرض لها ولي الأمر، بل جزم الأذرعي بتركها عند اكتفائها بالرعي والأمن عليها.
كما أجاز الشافعية في الأصح لغير ولي الأمر أخذها للحفظ لربها إذا خشى عليها من أخذ خائن، فإذا أمن عليها امتنع أخذها قطعًا، فإذا أخذها ضمنها لربها، ولا يبرأ إلا بردها للحاكم، لكن هذا إذا لم يعرف صاحبها، وإلا جاز له أخذها، وتكون أمانة في يده.
أما زمن النهب والفساد فيجوز التقاطها للتملك في الصحراء وغيرها.
ويضمن كذلك - عند الحنابلة - من أخذ ما حرم التقاطه من الضوال إن تلف أو نقص؛ لعدم إذن الشارع فيه، فإن كتمه عن ربه ثم ثبت بإقرار أو بينة فتلف فعليه قيمته مرتين لربه نصًّا؛ لحديث: "وفي الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها"، وهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرد.
ويزول الضمان برد الضالة إلى ربها إن وجده، أو دفعها إلى الإمام إن لم يجد ربها، أو ردها إلى مكانها إن أمره الإمام بذلك.
هذا بالنسبة للضوال التي بالصحراء والممتنعة من صغار السباع، أما إن وجدت بقرية، فعند الشافعية في الأصح: يجوز التقاطها للتملك؛ لأن في العمران يضيع بامتداد اليد الخائنة إليه، بخلاف المفازة فإن طروقها لا يعم، ومقابل الأصح: المنع؛ لإطلاق الحديث، ولم يفرق الحنابلة في الحكم بين الصحراء وغيرها.
4 - أما الضوال التي لا تمتنع من صغار السباع - كالشاة والفصيل - فإنه يجوز التقاطها، سواء كانت في الصحراء أو في العمران، وذلك صونًا لها عن الخونة والسباع، وذلك عند الشافعية والحنابلة، قال ابن قدامة: إذا وجد الشاة بمصر أو بمهلكة فإنه يباح أخذها والتقاطها، هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، وكذلك الحكم في كل ما لا يمتنع من صغار السباع، كفصلان الإبل وعجول البقر وأفلاء الخيل، والدجاج والإوز ونحوها يجوز التقاطه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الشاة: "خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب"، ولأنه يخشى عليه التلف والضياع، فأشبه لقطة غير الحيوان، ولا فرق بين أن يجدها في مصر أو مهلكة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذها"، ولم يفرق ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنها لقطة فاستوى فيها المصر والصحراء، كسائر اللقطات.
وروي عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه لا يجوز لغير الإمام التقاطها، وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها إلا أن يحرزها لصاحبها؛ لأنه حيوان أشبه الإبل، إلا أن جواز الأخذ مقيد عند الحنابلة بما إذا أمن نفسه على اللقطة، وقوي على تعريفها، أما من لم يأمن نفسه عليها فلا يجوز له أخذها.
ويتخير أخذ هذا النوع بين ثلاث خصال:
أ - أن يحفظه لربه، ويعرفه وينفق عليه مدة التعريف، ويتملكه بعد التعريف إن لم يجد ربه.
ب - أن يبيعه ويحفظ الثمن لربه، ثم يعرف الضالة التي باعها، ويتملك الثمن إن لم يجد رب الضالة.
ج - أن يأكله ويغرم قيمته إن ظهر مالكه؛ لحديث: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
لكن التخيير بين هذه الخصال إنما هو بالنسبة للضوال التي أخذت من الصحراء، فإن أخذت من العمران فالتخيير بين الخصلتين الأوليين، أي: الحفظ أو البيع، وليس له الأكل في الأظهر، ومقابل الأظهر: له الأكل، وهذا عند الشافعية.
5 - وذهب الحنفية إلى أنه يندب التقاط البهيمة الضالة للحفظ لربها؛ لأنها لقطة يتوهم ضياعها، فيستحب أخذها وتعريفها؛ صيانة لأموال الناس، كالشاة، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل: "ما لك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها"، فقد قال السرخسي في المبسوط: إن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها فهو أولى، فإن غلب على ظنه ضياعها وجب التقاطها، وهذا حق؛ للقطع بأن مقصود الشارع وصولها إلى ربها، وأن ذلك طريق الوصول، لأن الزمان إذا تغير وصار طريق التلف تغير الحكم بلا شك، وهو الالتقاط للحفظ.
ويؤيد هذا ما روي عن عياض بن حمار، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في اللقطة: "فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال الله عز وجل يؤتيه من يشاء".
ولم يفرق الحنفية بين الشاة وغيرها في الحكم، كما أنهم لم يفرقوا بين الصحراء والعمران.
6 - وللمالكية تفصيل يختلف عن المذاهب الأخرى، وذلك على النحو التالي:
أولًا: الضالة إذا كانت في الصحراء
أ - ضالة الإبل في الصحراء لا يجوز أخذها، ولو كانت في موضع يخاف عليها من السباع أو الجوع أو العطش؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر"، فإن تعدى وأخذها فإنه يعرفها سنة، ثم يتركها بمحلها، لكن إذا خاف عليها من خائن؛ وجب التقاطها وتعريفها.
ب - ضالة البقر في الصحراء إذا كان لا يخشى عليها من السباع أو الجوع أو العطش أو السارق؛ فإنها تترك، ولا يجوز أخذها.
وإن كان يخشى عليها من السارق فقط وجب التقاطها، وإن كان يخشى عليها من السباع أو الجوع أو العطش فإنه يأخذها، فإن أمكن سوقها للعمران وجب سوقها، وإن لم يمكن سوقها للعمران جاز له ذبحها وأكلها، ولا ضمان عليه.
فالإبل والبقر عند خوف السارق سيان في وجوب الالتقاط، أما عند الخوف من الجوع أو السباع فإن الإبل تترك، والبقر يجوز أكلها بالصحراء إن تعذر سوقها للعمران.
ج - الشاة يجوز أخذها وأكلها بالصحراء إذا لم يتيسر حملها أو سوقها للعمران على المعتمد، وقيل بجواز أكلها في الصحراء ولو مع تيسر سوقها للعمران، وهو ظاهر المدونة.
وإن أتى بها حية للعمران وجب تعريفها؛ لأنها صارت كاللقطة، ولو ذبحها في الصحراء ولم يأكلها حتى دخل العمران فلا يجوز له أكلها إلا إذا لم يعرف ربها، ولم يتيسر بيعها.
ثانيًا: الضالة إذا كانت في العمران
إذا كانت الضالة في العمران فإنه يجب التقاطها عند خوف الخائن، دون تفريق بين إبل وخيل وبقر وغير ذلك.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (8/ 121 - 124)
لا تلتقط ضالة الإبل:
• المراد بالمسألة:
أنه لا يجوز التقاط ضالة الإبل باتفاق العلماء؛ لأن معها ما تمتنع به من صغار السبع، وقدرتها على الوصول إلى الكلأ والشراب.
• من نقل الإجماع:
ابن رشد (595 هـ) قال: [فأما الإبل فاتفقوا على أنها لا تلتقط].
المرداوي (885 هـ) قال: [الضوال التي تمتنع من صغار السباع -كالإبل...، فلا يجوز التقاطها بلا نزاع].
عبد الرحمن ابن قاسم (1392 هـ) قال: [فحكم -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنها لا تلتقط، بل تترك ترد المياه، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها، واتفق على ذلك أهل العلم في الجملة].
• الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الشافعية، وابن حزم من الظاهرية.
قال الماوردي: (اعلم أن ضوال الحيوان.... كالإبل والبقر... لا يجوز لواجده أن يتعرض لأخذه إذا لم يعرف مالكه).
قال ابن حزم: (وأما الإبل القوية على الرعي وورود الماء، فلا يحل لأحد أخذها، وإنما حكمها أن تترك ولا بد).
قال ابن قدامة: (كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء لكبر جثته كالإبل والخيل...).
قال النووي: (ما يمتنع من صغار السباع بفضل قوته كالإبل والخيل... فإن وجدها في مفازة فللحاكم ونوابه أخذها للحفظ.... وأما أخذها للتملك فلا يجوز لأحد).
قال القرافي: (وضالة الإبل في الفلاة يتركها).
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه- قال: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله عما يلتقطه، فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها، قال: يا رسول اللَّه، فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر".
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نبه إلى أن الإبل غنية غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب اللَّه في طباعها من الجلادة على العطش وتناول الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشي، فلا تحتاج إلى الملتقط، بخلاف الغنم.
الثاني: قول عمر -رضي اللَّه عنه-: "من أخذ ضالة فهو ضال"، أي: مخطئ، ولا يعني فيه الضلال الذي بمعنى الإثم.
الثالث: أن حكمة النهي عن التقاط الإبل ظاهرة، وهي بقاؤها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس.
• الخلاف في المسألة:
خالف في هذا المسألة: الحنفية، وابن المنذر.
قال ابن الهمام: (ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير).
قال الموصلي: (ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات).
• دليلهم: وقد احتج المخالفون بما يلي:
الأول: ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة فعرفه، ثم ذكره لعمر -رضي اللَّه عنه- فأمره أن يعرفه، فقال الرجل لعمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: (أرسله حيث وجدته).
• وجه الاستدلال: أن عمر -رضي اللَّه عنه- أقره على التقاطه فدل على جوازه.
الثاني: قال مالك رضي اللَّه عنه: إنه سمع ابن شهاب يقول: (كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- إبلًا مؤبلة تباع لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-، أمر بتعريفها ثم تباع، فإن جاء صاحبها أعطي ثمنها).
• وجه الاستدلال: أن عثمان -رضي اللَّه عنه- أمر بالتقاط الإبل وتعريفها، فدل على جواز التقاطها لمصلحة أصحابها.
الثالث: أن المنع من التقاط الإبل كان في الابتداء، فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير، فلا تصل إليها يد خائنة إذا تركها، فأما فيما بعد ذلك الزمان فلا يأمن واجدها وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى من تضييعها، كما هو مقرر في سائر اللقطات.
الرابع: ولأن الأخذ حال خوف الضيعة إحياء لمال المسلم، فيكون مستحبًّا، وحال عدم الخوف ضرب إحراز فيكون مباحًا على أقل تقدير.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع في أن ضالة الإبل لا تلتقط؛ وذلك لوجود الخلاف القوي في المسألة.
المجموع شرح المهذب - النووي - (15/ 271 - 277)
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل: وإن وجد ضالة لم يخل إما أن تكون في برية أو بلد، فإن كانت في برية نظرت، فإن كانت مما يمتنع على صغار السباع بقوته كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، أو ببعد أثره لسرعته كالظباء والأرانب، أو بجناحه كالحمام والدراج، لم يجز التقاطه للتملك؛ لما روى زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل، فغضب واحمرت عيناه، وقال: "مالك ولها؟! معها الحذاء والسقاء، تأكل من الشجر وترد الماء حتى يأتي ربها"، وسئل عن ضالة الغنم فقال: "خذها؛ فهي لك أو لأخيك أو للذئب".
وهل يجوز أخذها للحفظ؟ ينظر فيه، فإن كان الواجد هو السلطان جاز؛ لأن للسلطان ولاية في حفظ أموال المسلمين؛ ولهذا روي أنه كان لعمر حظيرة يجمع فيها الضوال، فإن كان له حمى تركها في الحمى، وأشهد عليها، ويسمها بسمة الضوال؛ لتتميز عن غيرها من الأموال، وإن لم يكن له حمى، فإن كان يطمع في مجيء صاحبها، بأن يعرف أنها من نعم قوم يعرفهم، حفظها اليومين والثلاثة، وإن لم يعرف أو عرف ولم يجئ صاحبها؛ باعها وحفظ ثمنها؛ لأنه إذا تركها احتاجت إلى نفقة، وفي ذلك إضرار.
وإن كان الواجد لها من الرعية ففيه وجهان، أحدهما: يجوز؛ لأنه يأخذها للحفظ على صاحبها، فجاز كالسلطان، والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا ولاية له على صاحبها، بخلاف السلطان، فإن أخذها للتملك أو للحفظ، وقلنا: إنه لا يجوز؛ ضمنها؛ لأنه تعدى بأخذها، فضمنها كالغاصب، وإن دفعها إلى السلطان ففيه وجهان، أحدهما: لا يبرأ من الضمان؛ لأنه لا ولاية للسلطان على رشيد، والثاني: يبرأ، وهو المذهب؛ لأن للسلطان ولاية على الغائب في حفظ ما يخاف عليه من ماله؛ ولهذا لو وجدها السلطان جاز له أخذها للحفظ على مالكها، فإذا أخذها غيره وسلمها إليه برئ من الضمان، وإن كان مما لا يمتنع من صغار السباع كالغنم وصغار الإبل والبقر أخذها؛ لحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه قال في ضالة الغنم: "خذها؛ فهي لك أو لأخيك أو للذئب"، ولأنه إذا تركها أخذها غيره، أو أكلها الذئب، فكان أخذها أحوط لصاحبها، وإذا أخذها فهو بالخيار بين أن يمسكها ويتطوع بالإنفاق عليها، ويعرفها حولًا، ثم يملكها، وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها، ثم يملك الثمن، وبين أن يأكلها ويغرم بدلها ويعرفها؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك احتاج إلى نفقة دائمة، وفي ذلك إضرار بصاحبها، والإمساك أولى من البيع والأكل؛ لأنه يحفظ العين على صاحبها، ويجرى فيها على سنة الالتقاط في التعريف والتملك، والبيع أولى من الأكل؛ لأنه إذا أكل استباحها قبل الحول، وإذا باع لم يملك الثمن إلا بعد الحول، فكان البيع أشبه بأحكام اللقطة، فإن أراد البيع ولم يقدر على الحاكم باعها بنفسه؛ لأنه موضع ضرورة، وإن قدر على الحاكم ففيه وجهان، أحدهما: لا يبيع إلا بإذنه؛ لأن الحاكم له ولاية، ولا ولاية للملتقط، والثاني: يبيع من غير إذنه؛ لأنه قد قام مقام المالك، فقام مقامه في البيع، وإن أكل فهل يلزمه أن يعزل البدل مدة التعريف؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يلزمه؛ لأن كل حالة جاز أن يستبيح أكل اللقطة لم يلزمه عزل البدل، كما بعد الحول، ولأنه إذا لم يعزل كان البدل قرضًا في ذمته، وإذا عزله كان أمانة، والقرض أحوط من الأمانة، والثاني: يلزمه عزل البدل؛ لأنه أشبه بأحكام اللقطة، فإن من حكم اللقطة أن تكون أمانة قبل الحول، وقرضًا بعد الحول، فيصير البدل كاللقطة إن شاء حفظها له، وإن شاء عرفها ثم تملك.
وإن أفلس الملتقط كان صاحبها أحق بها من سائر الغرماء، وإن وجد ذلك في بلد.
فقد روى المزني أن الصغار والكبار في البلد لقطة، فمن أصحابنا من قال: المذهب ما رواه المزني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فرق بين الصغار والكبار في البرية؛ لأن الكبار لا يخاف عليها؛ لأنها ترد الماء وترعى الشجر، وتتحفظ بنفسها، والصغار يخاف عليها؛ لأنها لا ترد الماء والشجر فتهلك، وأما في البلد فالكبار كالصغار في الخوف عليها، فكان الجميع لقطة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر أن البلد كالبرية، فالصغار فيه لقطة، والكبار ليست بلقطة؛ لعموم الخبر، فإن قلنا: إن البلد كالبرية فالحكم فيه على ما ذكرناه إلا في الأكل، فله أن يأكل الصغار في البرية، وليس له أكلها في البلد؛ لأن في البرية إذا لم يأكل الصغار هلكت؛ لأنه لا يمكن بيعها، وفي البلد يمكن بيعها، فلم يجز الأكل، وإن قلنا: إن الجميع في البلد لقطة فالحكم في الكبار كالحكم في الصغار في البرية إلا في الأكل، فإنه لا يأكل في البلد ويأكل الصغار في البرية؛ لما ذكرناه.
الشرح:
حديث زيد بن خالد الجهني: متفق عليه، وقد مضى الكلام عليه في الفصل قبله.
أما الأحكام:
فإن ضوال الحيون إذا وجدت لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن توجد في صحراء أو في مصر، فإن وجدت في صحراء فعلى ضربين، أحدهما: أن يكون مما يصل بنفسه إلى الماء والرعي، ويدفع عن نفسه صغار السباع، إما لقوة جسمه كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وإما لبعد أثره كالغزال والأرنب والطير، فهذا الأنواع كلها لا يجوز لواجدها أن يتعرض لأخذها إذا لم يعرف مالكها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الإبل: "مالك ولها؟! معها حذاؤها، أي: خفها الذي يقيها العثرات، وتعتمد عليه في السعي إلى المرعى بدون أن يتجشم أحد تقديم الطعام إليها، ومعها سقاؤها، إشارة إلى طول عنقها، فتمد عنقها إلى الماء، فلا تحتاج إلى من يقدمه لها.
ولذا قال: "ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتي ربها"، ولأنها تحفظ أنفسها فلم يكن لصاحبها حظ في أخذها، فإن أخذها لم يخل من أحد أمرين: أما أن يأخذها لقطة ليتملكها إن لم يأت صاحبها، فهو متعد وعليه ضمانها، فإن أرسلها لم يسقط الضمان.
وقال أبو حنيفة ومالك: قد سقط الضمان عنه بالإرسال؛ بناءً على أن من تعدى في وديعة، ثم كف عن التعدي، فعندهما: يسقط عنه الضمان.
وعند الشافعي وأصحابه: لا يسقط، فإن لم يرسلها ودفعها إلى مالكها فقد سقط عنه ضمانها بأدائها إلى مستحقها، وإن دفعها إلى الحاكم عند تعذر المالك ففي سقوط الضمان وجهان، أحدهما: قد سقط؛ لأن الحاكم نائب عمن غاب، والثاني: لا يسقط؛ لأنها قد تكون لحاضر لا يولى عليه.
والأمر الثاني: أن لا يأخذها لقطة، ولكن يأخذها حفظًا لها على مالكها، فإن كان عارفًا بمالكها لم يضمن، ويده يد أمانة حتى تصل إلى المالك.
وإن كان غير عارف للمالك ففي وجوب الضمان وجهان، أحدهما: لا ضمان؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، والوجه الثاني: عليه الضمان؛ لأنه لا ولاية له على غائب، فإن كان واليًا كالإمام أو الحاكم فلا ضمان عليه، فقد روي أن عمر رضي الله عنه كانت له حظيرة يحظر فيها ضوال المسلمين.
فهذا حكم أحد الضربين.
والضرب الثاني: ما لا يدفع عن نفسه، ويعجز عن الوصول إلى الماء والرعي، كالغنم والدجاج، فلو أخذه وأكله في الحال من غير تعريف، غنيًّا كان أو فقيرًا، فعليه غرمه لمالكه إذا وجده، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك وداود: هو غير مضمون عليه، ويأكله إباحة، ولا غرم عليه في استهلاكه؛ استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ومعلوم أن ما استهلكه الذئب هدر لا يضمن، وإنما أراد بيان حكم الآخذ في سقوط الضمان، ولأن ما استباح أخذه من غير ضرورة إذا لم يلزمه تعريفه لم يلزمه غرمه كالدراهم.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها، فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها؛ قياسًا على اللقطة في الأموال، ولأنها ضالة، فوجب أن تضمن بالاستهلاك، كالإبل.
فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" فهو: أنه نبه بذلك على إباحة الأخذ وجواز الأكل دون الغرم.
وأما الركاز فإنه لا يلزم رده؛ فلذلك سقط غرمه، وليس كذلك الشاة؛ لأن ردها واجب، فصار غرمها واجبًا.
فإذا ثبت جواز أخذ الشاة وما لا يدفع عن نفسه، وإباحة أكله، ووجوب غرمه، فكذلك صغار الإبل والبقر؛ لأنها لا تمنع عن أنفسها، كالغنم.
ثم لا يخلو حال واجد الشاة وما في معناها من أربعة أحوال:
أحدها: أن يأكلها، فيلزمه غرم قيمتها قبل الذبح عند الأخذ في استهلاكها، ويكون ذلك مباحًا لا يأثم به وإن غرم.
والحال الثانية: أن يتملكها ليستبقيها حية لدر أو نسل، فذلك له؛ لأنه لما استباح تملكها مع استهلاكها فأولى أن يستبيح تملكها مع استبقائها، ثم في صحة ضمانها وجهان كالعارية مخرجًا، وفي الاختلاف قولين في ضمان الصداق، أحدهما: أنه ضامن لقيمها أكثر ما كانت من حين وقت التملك إلى وقت التلف، فإن جاء صاحبها وهي باقية وقد أخذ الواجد درها ونسلها كان الدر والنسل للواجد؛ لحدوثه على ملكه، وللمالك أن يرجع بها دون قيمتها، فإن بذل له الواجد قيمتها لم يجبر على أخذها مع بقاء عينها، إلا أن يتراضيا على ذلك فيجوز، فلو كانت الشاة حين رجع بها المالك زائدة في بدنها أو قيمتها لم يكن للواجد حق في الزيادة، وكانت للمالك تبعًا للأصل، ولو كانت ناقصة رجع المالك بنقصها على الواجد؛ لأنها مضمونة بالتلف، فكانت مضمونة بالنقص.
والحال الثالثة: أن يستبقيها في يده أمانة لصاحبها فذلك له؛ لأنه لما جاز أن يتملكها على صاحبها فأولى أن يحفظها لصاحبها، ولا يلزمه تعريفها؛ لأن ما جاز تملكه سقط تعريفه، ولا يلزمه إخبار الحاكم بها، ولا الاشهاد عليها، بل إذا وجد صاحبها سلمها إليه، ولا ضمان عليه مدة إمساكها لصاحبها لو تلفت أو نقصت؛ لأن يده يد أمانة كالمعرف.
وقال بعض أصحابنا وجهًا آخر: أنه يضمنها؛ لأن إباحة أخذها مقصور على الأكل الموجب للضمان دون الائتمان، وهكذا القول فيما حدث من درها ونسلها على المذهب لا يضمنه، وعلى هذا الوجه: يضمنه، فان أنفق عليها أكثر من مؤنة علوفتها، فإن كان ذلك منه مع وجود حمى للمسلمين ترعى فيه فهو متطوع بالنفقة، وليس له الرجوع بها، وإن كان مع عدم الحمى، فإن كان عن إذن الحاكم رجع بما اتفق، وإن كان عن غير إذنه، فإن كان قادرًا على استئذانه لم يرجع بها، وإن لم يقدر على استئذانه، فإن لم يشهد لم يرجع.
وإن أشهد ففي رجوعه بها وجهان، أحدهما: يرجع للضرورة، والثاني: لا يرجع؛ لئلا يكون حاكم نفسه، فلو أراد بعد إمساكها أمانة أن يتملكها ففي جوازه وجهان، أحدهما: له ذلك كالابتداء، والثاني: ليس له ذلك؛ لاستقرار حكمها، فأما إن أراد أن يتملك درها، وتسلمها من غير أن يتملك أصلها؛ لم يكن له ذلك وجهًا واحدًا؛ لأنه فرع يتبع أصله، فلو أرسلها بعد إمساكها أمانة لزمه الضمان، إلا أن يرفعها إلى حاكم فلا يضمن.
ولو نوى تملكها، ثم أراد أن يرفع ملكه عنها؛ لتكون أمانة لصاحبها لم يسقط عنه ضمانها.
وفى ارتفاع ملكه عنها وجهان، أحدهما: لا يرتفع ملكه؛ لأن الملك لا يزول إلا بقبول المتملك، فعلى هذا يكون مالكًا لما حدث من درها ونسلها؛ لبقائها على ملكه.
والوجه الثاني: يرتفع ملكه عنها مع بقاء ضمانها، وذلك أحوط لمالكها، ووجه ذلك: أنه لما جاز أن يتملكها من غير بذل مالكها جاز أن يزول ملكه عنها من غير قبول متملكها، فعلى هذا يكون الحادث من درها ونسلها ملك لربها تبعًا لأصلها، وعليه ضمانها كالأصل.
والحال الرابعة: أن يريد بيعها، فلا يخلو ذلك من أحد أمرين: إما أن يبيعها قبل أن يملكها، فذلك له ويكون ضامنًا بقيمتها دون ثمنها.
وفي هذه الحال تفصيل مضى للمصنف في فصل مضى.
قال المزني فيما وصفه بخطه: إذا وجد الشاة أو البعير أو الدابة ما كانت في المصر أو في قرية فهي لقطة يعرفها سنة.
قد مضى حكم ضوال الإبل والغنم إذا وجدها في الصحراء.
فأما إذا وجدها في البلد أو المصر: فالذي حكاه المزني فيما وجده بخط الشافعي: أنها لقطة، له أخذها، وعليه تعريفها حولًا، وحكى عن الشافعي في الأم أنها في المصر والصحراء سواء، يأكل الغنم ولا يعرض للإبل، فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج ذلك على قولين، أحدهما: أن المصر كالبادية يأكل الغنم ولا يعرض للإبل، وهو المحكي في الأم؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المؤمن حرق النار"، أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والطبراني والطحاوي من حديث عبد الله بن الشخير.
والقول الثاني: أنها لقطة يأخذها، الغنم والإبل جميعًا، ويعرفها كسائر اللقطة حولًا كاملًا، وهو الذي حكاه المزني عنه فيما لم يسمع منه؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الابل: "معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر" يختص بالبادية التي يكون فيها الماء والشجر دون المصر، وهي تمنع صغار السباع عن أنفسها في البادية، ولا يقدر على منع الناس في المصر، والشاة تؤكل في البادية؛ لأن الذئب يأكلها، وهو لا يأكلها في المصر، فاختلف معناهما في البادية والمصر، فاختلف حكمهما.
ومن أصحابنا من يحمل جواز أحدهما على تسليمها إلى الإمام، وحمل المنع من أخذها على سبيل التملك.
هذا، وبقية ما جاء في الفصل على وجهه، والله أعلم.
المغني - ابن قدامة - (6/ 396)
مسألة وفصلان:
امتناع التقاط ما يقوى على الامتناع من صغار السبع، وحكم البقر، وكونها كالإبل والشاء.
مسألة: قال: (ولا يتعرض لبعير، ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه).
وجملة ذلك: أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته كالإبل والخيل والبقر، أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه كالكلاب والفهود. وقال عمر رضي الله عنه: "من أخذ ضالة فهو ضال"، أي: مخطئ، وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد.
وقال مالك والليث في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وكان الزهري يقول: من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة.
وقال أبو حنيفة في لفظ: يباح التقاطها؛ لأنها لقطة، أشبهت الغنم.
ولنا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها: "مالك ولها؟! معها حذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها".
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله، إنا نصيب هوامي الإبل، قال: "ضالة المسلم حرق النار".
وروي عن جرير بن عبد الله، رضي الله عنه، أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقره حتى توارت، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤوي الضالة إلا ضال" رواه أبو داود بمعناه، وقياسهم يعارض صريح النص، وكيف يجوز ترك نص النبي صلى الله عليه وسلم وصريح قوله؛ بقياس نصه في موضع آخر؟ على أن الإبل تفارق الغنم؛ لضعفها، وقلة صبرها عن الماء.
فصل: فإن كانت الصيود مستوحشة إذا تركت رجعت إلى الصحراء وعجز عنها صاحبها جاز التقاطها؛ لأن تركها أضيع لها من سائر الأموال، والمقصود حفظها لصاحبها، لا حفظها في نفسها، ولو كان المقصود حفظها في أنفسها لما جاز التقاط الأثمان، فإن الدينار دينار حيثما كان.
فصل: والبقر كالإبل، نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي وأبي عبيد، وحكي عن مالك أن البقرة كالشاة.
ولنا: خبر جرير رضي الله عنه؛ فإنه طرد البقرة، ولم يأخذها، ولأنها تمتنع عن صغار السباع، وتجزئ في الأضحية والهدي عن سبعة، فأشبهت الإبل، وكذلك الحكم في الخيل والبغال.
فأما الحُمُر: فجعلها أصحابنا من هذا القسم الذي لا يجوز التقاطه؛ لأن لها أجسامًا عظيمة، فأشبهت البغال والخيل، ولأنها من الدواب فأشبهت البغال، والأولى إلحاقها بالشاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الإبل بأن معها حذاءها وسقاءها، يريد: شدة صبرها عن الماء؛ لكثرة ما توعي في بطونها منه، وقوتها على وروده، وفي إباحة ضالة الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها بقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، والحمر مساوية للشاة في علتها؛ فإنها لا تمتنع من الذئب ومفارقة للإبل في علتها، فإنها لا صبر لها عن الماء؛ ولهذا يضرب المثل بقلة صبرها عنه، فيقال: ما بقي من مدته إلا ظمأ حمار، وإلحاق الشيء بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة أولى من إلحاقه بما قاربه في الصورة وفارقه في العلة، فأما غير الحيوان فما كان منه يتحفظ بنفسه كأحجار الطواحين والكبير من الخشب وقدور النحاس فهو كالإبل في تحريم أخذه، بل أولى منه؛ لأن الإبل تتعرض في الجملة للتلف، إما بالأسد، وإما بالجوع والعطش وغير ذلك، وهذه بخلاف ذلك، ولأن هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها، ولا تبرح من مكانها، بخلاف الحيوان، فإذا حرم أخذ الحيوان فهذه أولى.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (19/ 449 - 461)
الفصل الثاني: في التقاط الحيوان.
المبحث الأول: في التقاط ما يمتنع من السباع، ويقوى على ورود الماء.
الالتقاط شرع لمصلحة المالك؛ لهذا نهي عن التقاط ضالة الإبل.
اختلف العلماء في ضالة الإبل، وكذا كل حيوان يمتنع من السباع، ويقوى على ورود الماء، على قولين:
القول الأول: يجوز التقاط الإبل وغيرها من الحيوانات، والأفضل أن يأخذها ويعرفها كغيرها, ولا يتركها تضيع، وهذا مذهب الحنفية، وقيده بعض المالكية فيما إذا خاف عليها من أخذ خائن، كما لو كان في فساد من الزمان، وعليه حمل فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: "ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات".
جاء في حاشية الدسوقي: "أما في الزمن الذي فسد فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لربها، فإذا أيس منه؛ تصدق به، كما فعل عثمان -رضي الله عنه- لما دخل الناس في زمنه الفساد، وقد روي ذلك عن مالك".
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الاختيار في ضالة الإبل تركها، فإن أخذها وجب تعريفها، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت.
وهذا حكم ضالة الإبل في جميع الأزمنة في مشهور المذهب، وقيل: إنما هو في زمان العدل، وأن الأفضل في زمان غير العدل التقاطها.
وروى ابن وهب قال: سمعت مالكًا والليث يقولان في ضالة الإبل: من وجدها في القرى أخذها، وعرفها، ومن وجدها في الصحارى فلا يقربها.
جاء في بداية المجتهد: "القسم الثالث: فهو كالإبل، أعني: أن الاختيار عنده فيه الترك للنص الوارد في ذلك، فإن أخذها وجب تعريفها، والاختيار تركها.
وقيل في المذهب: هو عام في جميع الأزمنة، وقيل: إنما هو في زمان العدل، وأن الأفضل في زمان غير العدل التقاطها".
وجاء في حاشية الدسوقي: "المعتمد من مذهب مالك تركها مطلقًا، قال في المقدمات بعد أن ذكر عدم التقاط الإبل: قيل: إن ذلك في جميع الزمان، وهو ظاهر قول مالك في المدونة والعتبية.
وقيل: هو خاص بزمن العدل، وصلاح الناس، وأما في الزمن الذي فسد فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لربها، فإذا أيس منه تصدق به، كما فعل عثمان لما دخل الناس في زمنه الفساد، وقد روي ذلك عن مالك أيضًا".
القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن ضالة الإبل، وكذا كل حيوان يدفع عن نفسه صغار السباع إما بقوة جسمه كالخيل والبقر والحمير، وإما بعدوه كالغزال والأرنب، أو بجناحه كالطير، فهذا النوع إن وجد في الصحراء الآمنة فلا يجوز التقاطها للتملك.
هذا حكم التقاطها للتملك.
وأما حكم التقاطها للحفظ: فإن كان الواجد هو السلطان جاز؛ لأن للسلطان ولاية في حفظ مال الغائب من المسلمين.
وإن كان الواجد لها من الرعية ففيه وجهان، أصحهما: يجوز؛ لأنه يأخذها للحفظ على صاحبها فجاز كالسلطان، وهو المنصوص؛ لئلا يأخذها خائن فتضيع، فإن أخذها للتملك ضمنها؛ لأنه تعدى بأخذها فضمنها كالغاصب، ولا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع، وإن دفعها إلى السلطان ففيه وجهان، أصحهما: أنه يبرأ، وهو المذهب؛ لأن للسلطان ولاية على الغائب في حفظ ما يخاف عليه من ماله؛ ولهذا لو وجدها السلطان جاز له أخذها للحفظ على مالكها، فإذا أخذها غيره وسلمها إليه برئ من الضمان.
وإن وجدها في صحراء غير آمنة، بأن كان الزمن زمن نهب جاز التقاطه للحفظ والتملك.
وإن وجدها في بلدة أو قرية، أو في موضع قريب منها فوجهان، أو قولان:
أحدهما: لا يجوز التقاطها للتملك كالمفازة.
وأصحهما: جوازه؛ لأنها في العمارة تضيع بتسلط الخونة، هذا تفصيل مذهب الشافعية.
وملخصه: جواز التقاطها للحفظ مطلقًا في الصحراء والمصر.
ولا يجوز التقاطها للتملك في الصحراء الآمنة، ويجوز للحفظ في الأصح.
ويجوز في الأصح التقاطها في المصر مطلقًا للتملك أو للحفظ، ومثله في الصحراء إذا لم تكن آمنة كما لو كان الزمن زمن نهب.
جاء في روضة الطالبين: "ما يمتنع من صغار السباع بفضل قوته، كالإبل، والخيل، والبغال، والحمير، أو بشدة عدوه كالأرانب والظباء المملوكة، أو بطيرانه كالحمام، فإن وجدها في مفازة، فللحاكم ونوابه أخذها للحفظ. وفي جواز أخذها للآحاد للحفظ وجهان، أصحهما عند الشيخ أبي حامد، والمتولي، وغيرهما: جوازه، وهو المنصوص؛ لئلا يأخذها خائن فتضيع.
وأما أخذها للتملك، فلا يجوز لأحد، فمن أخذها للتملك ضمنها, ولا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع.
فإن دفعها إلى القاضي، برئ على الأصح.
وإن وجدها في بلدة أو قرية، أو في موضع قريب منها، فوجهان أو قولان، أحدهما: لا يجوز التقاطها للتملك كالمفازة، وأصحهما: جوازه؛ لأنها في العمارة تضيع بتسلط الخونة، وقيل: يجوز قطعًا، وقيل: لا يجوز قطعًا، فإن منعنا، فالتقاطها بقصد التملك كما ذكرنا في التقاطها من الصحراء...، هذا كله إذا كان زمان أمن. فأما في زمن النهب والفساد فيجوز التقاطها قطعًا، وسواء وجدت في الصحراء أو العمران".
القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن ما يمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر والخيل والبغال؛ لا يجوز التقاطه بلا نزاع، ويجوز للإمام أو نائبه أخذه وحفظه لربه، ولا يلزمه تعريفه، ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء من ذلك لحفظه لربه على الصحيح من المذهب.
واختار ابن قدامة ومن تبعه جواز أخذها إذا خيف عليها، كما لو كانت في أرض مسبعة، أو قريبًا من دار حرب، أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين، أو في صحراء لا ماء فيها ولا مرعى، ولا ضمان على آخذها؛ لأنه إنقاذ لها من الهلاك.
قال المرداوي: ولو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه.
هذا تحرير المسألة في كل مذهب من المذاهب المشهورة.
وملخص الأقوال:
القول الأول: أن ضالة الإبل كغيرها يجوز التقاطها للتملك، وهذا مذهب الحنفية.
القول الثاني: ضالة الإبل تترك مطلقًا في الصحراء والبنيان، سواء قلنا: إن الترك هو الأفضل، كما في مذهب المالكية، أو قلنا: إن الترك واجب، كما هو مذهب الحنابلة.
القول الثالث: التفريق بين الصحراء الآمنة وبين العصر، وبين التقاطها للتملك وبين التقاطها للحفظ.
فيجوز التقاطها للحفظ مطلقًا في الصحراء والمصر، ويجوز في الأصح التقاطها في المصر مطلقًا للتملك والحفظ، ولا يجوز التقاطها للتملك في الصحراء الآمنة، ويجوز للحفظ في الأصح، وهذا مذهب الشافعية.
وأجاز مالك في رواية, وهو قول الليث، التقاطها للتعريف في المصر دون الصحراء.
القول الرابع: يجوز للإمام أو نائبه أخذها وحفظها لربها، وبه قال الشافعية والحنابلة.
القول الخامس: يجوز أخذها إذا خيف عليها, ولو كانت في الصحراء، وهو مذهب الشافعية، واختاره ابن قدامة من الحنابلة؛ لأنه إنقاذ لها من الهلاك.
دليل من قال: ضالة الإبل كغيرها يجوز التقاطها
ما رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره أنه وجد بعيرًا بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات، فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: أرسله حيث وجدته. [صحيح].
وجه الاستدلال: قال الطحاوي: "ثابت بن الضحاك هو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ البعير الضال ليعرفه، ووقف عمر على ذلك منه، فلم ينكره عليه، ولم يعنفه في أخذه إياه، فدل ذلك في أمر الضوال من الإبل على ما ذكرنا، وأحكام الضوال عندنا كأحكام اللقطة سواء"....
دليل المالكية على أن المختار تركها، فإن أخذها عرفها ولم يملكها:
استدلوا على أن المختار تركها بما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه"، قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: "خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه -أو احمر وجهه- ثم قال: "ما لك ولها؟! معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها".
فاشتمل الحديث على نوعين من اللقطة:
أحدها: المال من غير الحيوان، وحكمه أن يعرفه سنة، ثم يتصرف فيه.
الثاني: الحيوان، هو على نوعين:
أحدهما: ضالة الغنم، ومثله كل حيوان لا يمتنع بنفسه عن صغار السباع، فهذا النوع مأمور بتملكها في الحال، وعلل ذلك بأنه إن لم يأخذها أكلها الذئب، وفي هذا ضياع للمال بلا فائدة ترجع لصاحبها.
الثاني: ضالة الإبل، فنهى عن أخذها، وعلل ذلك بأن معها حذاءها وسقاءها، حتى يلقاها ربها، وهذا النهي ليس على سبيل التحريم؛ لفهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما، وهما خليفتان راشدان، وقد أمرنا باتباع سنتهما، وليس تصرفهما مخالفًا للسنة المرفوعة، وإنما هو مبين لها.
فإن أخذها لم يتملكها بالحال، كالغنم، ولا يملك التصرف فيها بعد التعريف، كما يتملك لقطة المال من غير الحيوان.
فقد روى مالك في الموطأ من طريق سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره، أنه وجد بعيرًا بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات، فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: أرسله حيث وجدته.
فدل هذا الأثر على أنه يجوز أخذها وإحرازها لصاحبها، وحفظها لمالكها، فليست كالغنم يتملكها بمجرد أخذها, وليست كالذهب والفضة يتصرف فيها بعد القيام بتعريفها، فالنهي في الحديث محمول على من أخذها ليتملكها بالتعريف، فنهاه عن ذلك.
وقد باع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها، فدل على جواز أخذها لأربابها.
فقد روى مالك، أنه سمع ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إبلًا مؤبلة تناتج، لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه، أمر بتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها. أعطي ثمنها. [منقطع، الزهري لم يدرك عمر ولا عثمان].
ويجاب عن ذلك بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أن الأثر ضعيف.
الوجه الثاني: أن عثمان هو الإمام، والإمام نائب عن آحاد المسلمين في حفظ أموالهم، والقيام على مصالحهم، وما أقامه المسلمون إمامًا إلا من أجل مصالحهم في الدين والدنيا، ومنها حفظ المال الضال لصاحبه، فكان كيد الوكيل بالنسبة للموكل، بخلاف آحاد الرعية فلا يأخذ ضالة الإبل.
الوجه الثالث: أن عثمان رأى أن الناس قد دب إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فأخذ بالمقصود الشرعي من التفريق بين ضالة الإبل وبين ضالة الغنم، فالحديث واضح في أن الفرق بين الغنم وبين الإبل عدم الأمن على الأولى، والأمن على الثانية، والحكم المعلل بعلة يتغير إذا تغيرت تلك العلة، فكان معنى الحديث: لا تلتقط الإبل الضالة ما دمت آمنة، ومفهومه: التقطها إذا كانت غير آمنة أو غير مأمونة.
دليل من قال: لا يجيز التقاط ضالة الإبل مطلقًا
استدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، المتقدم، أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرت وجنتاه -أو احمر وجهه- ثم قال: ما لك ولها؟! معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها.
وجه الاستدلال: أن غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - واحمرار وجهه كل ذلك يدل على أن النهي للتحريم، وليس للكراهة.
دليل من فرق بين الصحراء الآمنة وبين المصر:
استدلوا بحديث زيد بن خالد - رضي الله عنه - في الصحيح: أن أعرابيًّا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة، والضالة، وفيه: وسأله عن ضالة الإبل؟ فتمعر وجهه، وقال: ما لك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر، دعها حتى يجدها ربها، وسأله عن ضالة الغنم؟ فقال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب".
وجه الاستدلال: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - في ضوال الإبل: "معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر" يختص بالبادية التي يكون فيها الماء والشجر دون العصر، وهي تمنع صغار السباع عن أنفسها في البادية، ولا تقدر على منع الناس في المصر، والشاة تؤكل في البادية؛ لأن الذئب يأكلها، وهو لا يأكلها في المصر، فاختلف معناهما في البادية والمصر، فاختلف حكمهما.
دليل القائلين بأن أخذها للحفظ لا للتملك جائز مطلقًا:
أن أخذ مال الغير بنية إحرازه وحفظه لصاحبه من باب التعاون على البر والتقوى، وإنما فارقت ضالة الإبل غيرها كالغنم والدراهم، فإن الغنم له أن يتملكها، وكذا الدراهم إذا قام بتعريفها، بخلاف الإبل فإنه لما كان لا خوف عليها من السباع والعطش لم تلحق بالغنم والدراهم، ونهي عن أخذها بنية أكلها أو التصرف فيها.
دليل من قال: إذا خاف على الإبل جاز التقاطها
حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، المتقدم، واضح في أن الفرق بين الغنم وبين الإبل: عدم الأمن على الأولى، والأمن على الثانية، والحكم المعلل بعلة يتغير إذا تغيرت تلك العلة، فكان معنى الحديث: لا تلتقط الإبل الضالة ما دمت آمنة، ومفهومه: التقطها إذا كانت غير آمنة أو غير مأمونة، ولأن الشارع لما أمر بترك الإبل كان مقصوده وصولها إلى ربها، وقد كان في ترك الإبل في ذلك الوقت سبيل لرجوع المال إلى صاحبه، فإذا تغير الزمان، وصار تركها طريقًا لتلفها كان الالتقاط هو المتعين لتحقق مقصود الشارع به، وهو وصوله إلى ربه، وأقصى ما في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن يكون عامًّا في كل الأوقات، خص منه بعض الوقت بضرورة العقل.
هذا ما وقفت عليه من الأقوال وأدلتها، والله أعلم.
الراجح:
أخذ لقطة الإبل وغيرها من الحيوانات التي ترد الماء، ولا يخاف عليها من الجوع منهي عنه بالأحاديث الصحيحة، وإذا كان هناك عارض يدعو لأخذها خوفًا عليها من الهلاك أو السرقة جاز أخذها لمصلحة ربها، إلا أن ذلك لا يعني أنه يتملكها بالتعريف، والله أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (8/ 112 - 121)
جواز لقطة الغنم:
• والمراد بالمسألة:
أن لواجد لقطة الغنم التقاطها، وأنه هو الأفضل، ولا ضمان عليه إن تركها في مكانها، فتلفت.
• من نقل الاتفاق:
ابن رشد (595 هـ) قال: [واتفقوا على الغنم أنها تلتقط].
• الموافقون على الاتفاق:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن المنذر، وابن حزم من الظاهرية، والشوكاني.
قال ابن حزم: (وأما الضوال من الحيوان فلها ثلاثة أحكام، أما الضأن والمعز فقط كبارها وصغارها، توجد بحيث يخاف عليها الذئب أو من يأخذها من الناس، ولا حافظ لها، ولا هي بقرب ماء منها، فهي حلال لمن أخذها).
قال ابن قدامة: (وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة، يعني: أنه يباح أخذها والتقاطها).
قال النووي: (ما لا يمتنع من صغار السباع، كالكسير والغنم والعجول والفصلان، فيجوز التقاطها للتملك، سواء وجدت في المفازة أو العمران).
قال الموصلي: (ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات؛ لأنه مال يتوهم ضياعه، فيستحب أخذه ليرده على صاحبه؛ صيانة لأموال الناس).
قال القرافي: (في ذات اللقطة... هي مال معصوم من كل حمار أو حيوان صغير).
قال الشربيني: (وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه للتملك في القرية والمفازة).
قال الشوكاني: (قوله: "لك أو لأخيك أو للذئب"، فيه إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة؛ لعدم الاستقلال، معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، قال الحافظ: والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر).
• مستند الاتفاق:
يستند الاتفاق على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في ضالة الغنم: "خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب".
• وجه الاستدلال: أنه لم يفرّق ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، وأيضًا هي لقطة، فاستوى فيها المصر والصحراء كسائر اللقطات.
الثاني: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها: "إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب".
يقول ابن قدامة: (فأضافها إليه بلام التملك، ولأنه يباح التقاطها، فملكت بالتعريف كالأثمان، ولأن ذلك إجماع حكاه ابن عبد البر).
• الخلاف في المسألة:
خالف في هذه المسألة: أحمد في إحدى الروايتين عنه، والليث بن سعد.
قال الإمام أحمد: (ليس لغير الإمام التقاطها).
وقال الليث بن سعد: (لا أحب أن يقربها، إلا أن يحوزها لصاحبها).
• أدلة هذا القول:
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها).
• وجه الاستدلال: أن لقطة الغنم من جملة الضوال، فلا يجوز التقاطها.
الثاني: ولأنه حيوان أشبه الإبل، ولا فرق.
ويجاب عن هذين الدليلين بما يلي:
الأول: يقول الشوكاني: (فيه إشارة إلى جواز أخذها؛ كأنه قال: هي ضعيفة؛ لعدم الاستقلال معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، قال الحافظ: والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيها حث على أخذها؛ لأنه إذا علم أنها إذا لم تؤخذ بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها...، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له أخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها).
الثاني: ويقول ابن قدامة: (ولأنه يخشى عليها التلف والضياع؛ فأشبه لقطة غير الحيوان، وحديثنا أخص من حديثهم، فنخصه به، والقياس على الإبل لا يصح، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علل منع التقاطها بأن معها حذاءها وسقاؤها، وهذا معدوم في الغنم، ثم قد فرق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهما في خبر واحد، فلا يجوز الجمع بين ما فرّق الشارع بينهما، ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك فيه، إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو بمهلكة).
النتيجة:
عدم صحة الإجماع في جواز التقاط الغنم، وعدم تركها؛ وذلك لوجود الخلاف في المسألة.
واجد الغنم في المكان القفر البعيد له أن يتصرف فيها
• المراد بالمسألة:
أن واجد الغنم في المكان المخوف البعيد؛ له أن يأكلها مباشرة من دون تعريف، إذا شاء.
• من نقل الإجماع:
0 ابن عبد البر (463 هـ) قال: [أجمعوا أن لآخذ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها أكلها].
0 ابن هبيرة (560 هـ) قال: [.. إلا ضالة الغنم، فإنهم أجمعوا على أن ملتقطها في الموضع المخوف عليها له أكلها].
0 ابن رشد (595 هـ) قال: [فإن العلماء اتفقوا على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد من العمران أن يأكلها].
0 القرطبي (671 هـ) قال: [وأجمعوا أن آخذ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها].
0 الصنعاني (1182 هـ) قال: [اتفق العلماء على أن لواجد الغنم في المكان القفر البعيد من العمران أن يأكلها].
• الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن المنذر، وابن حزم من الظاهرية.
قال ابن حزم: (وأما الضوال من الحيوان فلها ثلاثة أحكام، أما الضأن والمعز فقط كبارها وصغارها، توجد بحيث يخاف عليها الذئب أو من يأخذها من الناس، ولا حافظ لها، ولا هي بقرب ماء منها، فهي حلال لمن أخدها، سواء جاء صاحبها أو لم يجئ، وجدها حية أو مذبوحة أو مطبوخة أو مأكولة لا سبيل له عليها).
قال النووي: (ما لا يمتنع من صغار السباع كالكسير والغنم.. فيجوز التقاطها للتملك... ثم إذا وجده في المفازة، فهو بالخيار بين أن يمسكها ويعرفها ثم يتملكها، وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها ثم يتملك الثمن، وبين أن يأكلها إن كانت مأكولة ويغرم قيمتها).
قال الشربيني: (وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه للتملك في القرية والمفازة، ويتخير آخذه، فإن شاء عرّفه وتملكه أو باعه وحفظ ثمنه، وعرفها ثم تملكه، أو أكله وغرم قيمته إن ظهر مالكه).
قال الدردير: (وله أكل شاة من ضأن أو معز وجدها بفيفاء لا بعمران، وعسر عليه حملها للعمران، ولا ضمان عليه في أكلها).
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعلها له في الحال، وسوّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يتأخر بأكلها، ومعلوم أن ما استهلكه الذئب هدر لا يضمن.
الثاني: أن في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، وحراسة لماليتها على صاحبها إذا جاء فإنه يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص، وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها، والغرامة في علفها، فكان أكلها أولى.
النتيجة:
صحة الإجماع في واجد الغنم في المكان المخوف البعيد؛ أن له أكلها مباشرة، من دون تعريف، ولا غرم عليه.
إذا جاء صاحب الغنم قبل أن يأكلها الملتقط فيجب ردها إليه:
• المراد بالمسألة:
أن صاحب الشاة إن جاء قبل أن يأكلها الملتقط ردت إليه بالإجماع؛ لأنها باقية على ملك صاحبها، وهذا على قول من يجوز أكلها.
• من نقل الإجماع:
0 ابن عبد البر (463 هـ) قال: [وقد أجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها].
0 ابن قدامة (620 هـ) قال: [ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، فمتى جاء صاحبها غرمها له في قول عامة أهل العلم].
0 القرطبي (671 هـ) قال: [وأجمع العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها].
0 ابن حجر العسقلاني (852 هـ) قال: [وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها].
0 الصنعاني (1182 هـ) قال: [وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط فهي باقية على ملك صاحبها].
0 الشوكاني (1255 هـ) قال: [وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له أخذها].
0 عبد الرحمن بن قاسم (1392 هـ): [وأجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط له أخذها].
• الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، قال الدردير: (وإن حملها مذبوحة فربها أحق بها إن علم قبل أكلها، وعليه أجرة حملها).
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "هي لك أو لأخيك أو للذئب).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على أن الشاة على ملك صاحبها، فإن أكلها ضمنها.
الثاني: قياسًا على المضطر إذا أكل طعام غيره، فإنه يضمنه، قال مالك: (من اضطر إلى طعام غيره، فأكله فإنه يضمنه، والشاة الملتقطة أولى بذلك).
• الخلاف في المسألة:
خالف في هذه المسألة: داود، وابن حزم الظاهريان، فذهبا إلى جواز أكلها وإن جاء صاحبها.
قال ابن حزم: (أما الضأن والمعز -فقط- كبارها وصغارها توجد بحيث يخاف عليها الذئب أو من يأخذها من الناس، ولا حافظ لها ولا هي بقرب ماء فهي حلال لمن أخذها سواء جاء صاحبها أو لم يجئ وجدها حية أو مذبوحة أو مطبوخة أو مأكولة لا سبيل له عليها).
• دليلهم:
حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله عما يلتقطه، فقال: (عرفها سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها، قال: يا رسول اللَّه، فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر).
يقول ابن حزم: (فأمر -صلى اللَّه عليه وسلم- بأخذ ضالة الغنم التي يخاف عليها الذئب أو العادي، ويترك الإبل التي ترد الماء وتأكل الشجر، وخصها بذلك دون سائر اللقطات والضوال، فلا يحل لأحد خلاف ذلك).
النتيجة:
صحة الإجماع في أنه إذا جاء صاحب الغنم قبل أن يأكلها الملتقط فيجب ردها إليه.
وأما الخلاف فشاذ، قال القرطبي: (.. إلا ما ذهب إليه داود من أن الملتقط يملك اللقطة بعد التعريف، لتلك الظواهر، ولا التفات لقوله؛ لمخالفة الناس، ولقوله عليه السلام: فأدها إليه).
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (19/ 463 -475)
المبحث الثاني: في التقاط الغنم وما لا يمتنع من صغار السباع
ما يظن هلاكه من الحيوان بتركه يشرع التقاطه بلا تعريف.
اختلفت أقوال العلماء في كيفية التصرف في الحيوان الضال إذا كان لا يمتنع من صغار السباع، كالشاة ونحوها، وهذا تفصيل أقوالهم في المسألة:
القول الأول: يجوز التقاط ضالة الحيوان من غير فرق بين الإبل والغنم، والأفضل أن يأخذها ويعرفها كغيرها، ولا يتركها تضيع، وهذا مذهب الحنفية.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: "ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات".
دليل الحنفية: أن هذه الضالة يتوهم ضياعها، فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الشاة إذا وجدها في الصحراء، ولم يتيسر حملها ولا سوقها للعمران، فله أكلها, ولا يعرفها, ولا ضمان عليه.
فإن تيسر حملها أو سوقها للعمران حملت، أو سيقت وعرفها وجوبًا, وليس له أكلها، فإن أكلها ضمنها، فإن حملها مذبوحة فربها أحق بها إن علم به قبل أكلها، وعليه أجرة حملها، وإن وجد الشاة فيما قرب من العمران وجب عليه تعريفها، هذا هو المعتمد في المذهب.
وقيل: يجوز أكلها في الصحراء، ولو تيسر سوقها للعمران، وهو ظاهر المدونة.
وقال سحنون: إذا أكلها يضمن قيمتها لربها إذا علم به بعد ذلك.
قال الدردير في الشرح الكبير: "وله أكل شاة وجدها بفيفاء، ولم يتيسر حملها للعمران، ولا ضمان، فإن حملها للعمران ولو مذبوحة فربها أحق بها إن علم، وعليه أجرة حملها، ووجب تعريفها إن حملها حية، كما لو وجدها بقرب العمران، أو اختلطت بغنمه في المرعى".
وقال الخرشي: "من وجد شاة بالفيفاء فذبحها فيها وأكلها فإنه لا ضمان عليه على المشهور، وسواء أكلها في الصحراء أو في العمران، لكن إن حملها أو الطعام إلى العمران ووجده ربه فهو أحق به، وليدفع له أجرة حمله، فإن أتى بها حية إلى العمران فعليه تعريفها أو يدفعها لمن يشق به يعرفها؛ لأنها صارت كاللقطة".
وجاء في المدونة: "قلت –أي: سحنون-: أرأيت من التقط شاة في فيافي الأرض أو بين المنازل؟
قال –أي: ابن القاسم-: سألت مالكًا عن ضالة الغنم يصيبها الرجل؟
قال: قال مالك: أما ما كان قرب القرى فلا يأكلها, وليضمها إلى أقرب القرى إليها يعرفها فيها، قال: وأما ما كان في فلوات الأرض والمهامه، فإن تلك يأكلها ولا يعرفها، فإن جاء صاحبها فليس له عليه من ثمنها قليل ولا كثير.
وكذلك قال مالك، قال: ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث: "هي لك أو لأخيك أو للذئب".
دليل المالكية على التفريق بين الصحراء والعمران:
أن قوله في ضالة الغنم: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) إشارة إلى أن هذا حكمها إذا كان يخشى عليها الذئب، وفي العمران لا يخشى عليها من الذئب، فيكون حكمها حكم اللقطة، من أخذها وجب عليه تعريفها كسائر الأموال.
القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن ضالة الغنم وكذا كل حيوان مأكول لا يمتنع بنفسه عن صغار السباع إن وجده في الصحراء كان الواجد مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أحدها: أن يمسكها، ويعرفها، ثم يتملكها.
الثاني: أن يبيعها ويستقل واجدها بالبيع إن لم يجد حاكمًا، وإن وجده استأذنه في البيع، ويحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن.
الثالث: أن يأكلها إن كانت مأكولة ويغرم قيمتها. والخصلة الأولى أولى من الثانية؛ لأنه يحفظ العين على صاحبها، والثانية أولى من الثالثة؛ لأنه إذا أكلها استباحها قبل الحول، وإذا باع لم يملك الثمن إلا بعد الحول.
وإن وجده في العمران، فله الإمساك مع التعريف والتملك، وله البيع والتعريف وتملك الثمن.
وفي الأكل قولان، أظهرهما عند الأكثرين: المنع؛ لأن البيع في العمران أسهل هذا إذا كانت مأكولة.
فأما الجحش وصغار ما لا يؤكل فله فيه خصلتان:
الأولى: أن يمسكها، ويعرفها، ثم يتملكها.
الثاني: أن يبيعها، ويحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن.
وفي جواز تملكها في الحال وجهان، أصحهما: لا يجوز تملكها حتى تعرف سنة كغيرها.
قال النووي في منهاج الطالبين: "وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه لتملك في القرية والمفازة ويتخير آخذه من مفازة، فإن شاء عرفه وتملكه -أو باعه وحفظ ثمنه وعرفها ثم تملكه- أو أكله وغرم قيمته إن ظهر مالكه، فإن أخذ من العمران فله الخصلتان الأوليان لا الثالثة في الأصح".
دليل الشافعية على جواز تملكها في الحال بالقيمة:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) فقوله: (هي لك) دليل على إباحة تملكها في الحال، والخبر محمول على أنه أراد: بعوضها؛ لأن هذا الحيوان ملك لغيره، فلم يكن له تملكه بغير عوض.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه".
ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها، فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها؛ قياسًا على اللقطة في الأموال.
ولأنها ضالة، فوجب أن تضمن بالاستهلاك، كالإبل.
وأما دليلهم على جواز إمساكها، وتعريفها، ثم تملكها:
أنه يجوز أن يجري في ضالة الغنم ونحوها حكم اللقطة، فإذا جاز إمساك الأموال من غير الحيوان، وتعريفها، ثم تملكها جاز ذلك في للحيوان، بشرط أن يتطوع بالنفقة عليها؛ لأن الرجوع بالنفقة عليها مضر بصاحبها؛ لأنه قد ينفق عليها أكثر من ثمنها.
ولما رواه زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه".
وأما الدليل على جواز بيعها وحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن:
فالقياس، فإذا جاز أن يتملكها في الحال بدون تعريف، جاز من باب أولى أن يبيعها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن.
القول الرابع: مذهب الحنابلة، وفي مذهب الحنابلة قولان، أحدهما: وهو المشهور أنه يلزم الملتقط للشاة ونحوها فعل الأحظ من أكلها، وعليه قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, ولا يحتاج إلى إذن الإمام في الأكل والبيع، ويلزمه حفظ صفتها فيهما، أو حفظها والإنفاق عليها من ماله، ولا يملكه، فإذا جاء صاحبه استلمه، ويرجع الملتقط بما أنفق على الحيوان إن نوى الرجوع، ما لم يتعد بأن التقطه لا ليعرفه، أو بنية تملكه في الحال، فإن استوت الثلاثة خير بينها. قال الحارثي: وأولى الأمور الحفظ مع الإنفاق، ثم البيع وحفظ الثمن، ثم الأكل وغرم القيمة.
وحجة هذا القول:
أما الدليل على جواز أكلها: فلقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن ضالة الغنم: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، فجعلها له في الحال؛ لأنه سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأن في أكل الحيوان في الحال إغناء عن الإنفاق عليه، وحراسة لماليته على صاحبه إذا جاء، وإذا أراد أكله حفظ صفته، فمتى جاء ربه فوصفه غرم له قيمته بكمالها.
وأما الدليل على جواز بيعه:
فلأنه إذا جاز أكله فبيعه لصاحبه أولى بالجواز، ويجب حفظ ثمنه لصاحبه.
وأما الدليل على أنه لا يملك بالتقاطه ولو بثمن المثل:
فقياسًا على ولي اليتم لا يبيع من نفسه.
وأما الدليل على جواز حفظها لصاحبها:
فلأن هذا هو الأصل باعتبار أنه مال مملوك للغير.
وأما الدليل على الرجوع بالنفقة إذا أنفق بنية الرجوع:
فلأنه أنفق على اللقطة لحفظها ولمصلحة مالكها، فكان من مال صاحبها، وكل من أنفق على مال غيره من أجل حفظه فإن له الرجوع بالنفقة على المذهب، بشرط أن يكون قد أنفق عليها بنية الرجوع، فإن أنفق متبرعًا لم يرجع.
الرواية الثانية في مذهب الحنابلة:
لا يجوز التقاط الشاة ونحوها مما لا يمتنع من صغار السباع إلا للإمام.
ودليل هذه الرواية:
ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا -وهو ابن أبي زائدة- حدثنا أبو حيان التيمي، عن الضحاك بن المنذر، عن منذر بن جرير، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يؤوي الضالة إلا ضال". [ضعيف].
الدليل الثاني:
روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: "لا يضم الضوال إلا ضال". [صحيح].
ويجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن المقصود: لا يضم الضالة إلا ضال، أي: يضمها لملكه بدون القيام بحقها من التعريف؛ فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها".
وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن بن شريح، قال: حدثني أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلًا قال: التقطت دينارًا، فقال: لا يأوي الضالة إلا الضال، قال: فأهوى به الرجل ليرمي به، فقال: لا تفعل، قال: فما أصنع به؟ قال: تعرفه، فإن جاء صاحبه فرده إليه، وإلا فتصدق به. [حسن].
الجواب الثاني: أن إطلاقه معارض للمرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمرفوع مقدم عليه، فإما أن نرده لذلك، وإما أن نحمله على الضالة المنهي عن أخذها، وهي ضالة الإبل، كما حمله على ذلك يحيى بن سعيد الأنصاري في مصنف عبد الرزاق.