الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (40/ 290).
سقوط النفقة بسبب النشوز:
أثر النشوز على النفقة:
7- اختلف الفقهاء في سقوط نفقة الزوجة بنشوزها، فذهب جمهور الفقهاء، الحنفية، والمالكية على المشهور، والشافعية، والحنابلة، والشعبي، وحماد، والأوزاعي، وأبو ثور، إلى أن الناشز لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها له؛ بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول.
وقال بعض المالكية: إن النفقة لا تسقط بالنشوز، واحتج لهم بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها.
وللفقهاء القائلين بسقوط النفقة بالنشوز تفصيل:
قال الحنفية: لا نفقة للناشزة؛ لفوات التسليم بمعنى من جهتها، وهو النشوز، والنشوز عندهم نوعان: نشوز في النكاح، ونشوز في العدة، وقد تقدم.
وتسقط بالنشوز النفقة المفروضة، لا المستدانة، في الأصح، أي: إذا كان لها عليه نفقة أشهر مفروضة ثم نشزت سقطت تلك الأشهر الماضية، بخلاف ما إذا أمرها بالاستدانة فاستدانت عليه فإنها لا تسقط، قال ابن عابدين: وسقوط المفروضة منصوص عليه في الجامع، أما المستدانة فذكر في الذخيرة أنه يجب أن يكون على الروايتين في سقوطها بالموت، والأصح منهما عدم السقوط، ومقتضى هذا أنها لو عادت إلى بيته لا يعود ما سقط، وهل يبطل الفرض فيحتاج إلى تجديده بعد العود إلى بيته، أم لا؟ الظاهر عدم بطلانه؛ لأن كلامهم في سقوط المفروض، لا الفرض.
واتفق المالكية على أن نفقة الناشز لا تسقط إذا كانت حاملًا؛ لأن النفقة حينئذ للحمل، وكذا إذا كانت مطلقة رجعيًّا، وخرجت بلا إذن؛ لأنه ليس له منعها من الخروج.
واختلفوا في سقوط نفقة الناشز في غير هاتين الحالتين:
فقال بعضهم، وهو الرواية المشهورة: إن منعت المرأة زوجها الوطء أو الاستمتاع بغير عذر تسقط نفقتها عنه في اليوم الذي منعته فيه من ذلك.
وقالوا: تسقط نفقتها أيضًا إن خرجت من بيته أو من محل طاعته ظالمة بلا إذن، ولم يقدر على ردها بنفسه أو رسوله أو حاكم ينصف، وكان خروجها إلى مكان معلوم، ولم يقدر على منعها ابتداء، فإن قدر على منعها ولم يفعل لم تسقط نفقتها.
وقال بعض المالكية: إن النفقة لا تسقط بالنشوز بعد التمكين، وقد تقدم ذكر قولهم.
وقال الشافعية: تسقط النفقة بنشوز – أي: خروج - عن طاعة الزوج، وإن لم تخرج من بيته، أو قدر على تسلمها، ولو بمنع لمس أو نظر بنحو تغطية وجه لغير دلال بلا عذر، وتسقط نفقة كل يوم بالنشوز بلا عذر في كله، وكذا في بعضه في الأصح، قال القليوبي: هو المعتمد، وكسوة الفصل كنفقة اليوم، ولا تعود بعودها للطاعة في بقية اليوم أو الليلة أو الفصل، ما لم يستمتع بها، على المعتمد.
ونشوز المجنونة والمراهقة كالعاقلة البالغة، وإن كان لا إثم عليهما.
ولو صرف الزوج لامرأته المؤن غير عالم بالنشوز، ثم علم به، فله الاسترداد، ولو تصرفت فيها لم يصح؛ لأنها باقية على ملكه.
وقال الأنصاري في سقوط نفقة اليوم كله بالنشوز في بعضه: وإنما سقطت النفقة لها؛ لأنها لا تتجزأ؛ بدليل أنها تسلم دفعة واحدة، ولا تفرق غدوة وعشية.
وقال الحنابلة: الناشز لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها؛ بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إلى الزوج، فإذا منعها النفقة كان لها منعه من التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة، كما قبل الدخول، وإذا كان له منها ولد فعليه نفقة ولده؛ لأنها واجبة له فلا يسقط حقه بمعصيتها، وعلى الزوج أن يعطيها إياها إذا كانت هي الحاضنة له أو المرضعة له، وكذلك أجر إرضاعها يلزمه تسليمه إليها؛ لأنه أجر ملكته عليه بالإرضاع، لا في مقابلة الاستمتاع، ولا يزول بزواله.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (3/ 769).
سقوط النفقة بسبب النشوز:
لا نفقة للزوجة الناشز:
إذا نشزت المرأة فإنه لا نفقة لها، ويسقط وجوبها عن زوجها بسبب نشوزها، ونُقل الإجماعُ على ذلك.
• من نقل الإجماع:
1- ابن المنذر (318 هـ)، حيث قال: "وأجمعوا على إسقاط النفقة من زوج الناشز"، ونقله عنه القرطبي.
2- ابن حزم (456 هـ)، حيث قال: "واتفقوا أن الحر الذي يقدر على المال، البالغ العاقل غير المحجور عليه، فعليه نفقة زوجته التي تزوجها زواجًا صحيحًا، إذا دخل بها، وهي ممن تُوطأ، وهي غير ناشز، وسواء كان لها مال أو لم يكن".
3- ابن هبيرة (560 هـ)، حيث قال: "واتفقوا على أن الناشز لا نفقة لها".
4- ابن رشد (595 هـ)، حيث قال: "أما لمن تجب النفقة: فإنهم اتفقوا على أنها تجب للحرة غير الناشز".
5- ابن قدامة (620 هـ)، حيث قال: "نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع...، وأما الإجماع: فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن".
6- ابن أبي عمر (682 هـ)، فذكره، كما قال ابن قدامة.
7- المواق (897 هـ)، حيث قال: "وأجمعوا على أن الناشز لا نفقة لها".
• الموافقون على الإجماع:
ما ذكره الجمهور من الإجماع على سقوط نفقة الزوجة الناشز، وافق عليه الحنفية، وهو قول الحسن البصري، والنخعي، والشعبي، والزهري، وحماد بن أبي سليمان، وأبي ثور، والأوزاعي.
• مستند الإجماع:
1- أن النفقة تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، فإذا سقط التمكين من الاستمتاع، سقط استحقاق النفقة، كما لو لم تُسَلِّم نفسها.
2- أن الزوج إذا امتنع من الإنفاق عليها، كان لها أن تمتنع من تمكينه من الاستمتاع بها، فإذا نشزت سقط ما يقابل التمكين، وهو النفقة.
• الخلاف في المسألة:
ذهب ابن عبد الحكم، وابن القاسم من المالكية، وابن حزم - وهو قول الحكم بن عتيبة - إلى القول بعدم سقوط نفقة الناشز على زوجها.
والغريب في الأمر أن ابن حزم نقل الاتفاق على سقوط النفقة عن الزوجة الناشز، ثم تجده يخالف ذلك في "المحلى"، ويرى أن النفقة لا تسقط عن الزوجة الناشز بحال من الأحوال.
• أدلة هذا القول:
1- قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
• وجه الدلالة: تجب النفقة للزوجة، صغيرة أو كبيرة، ناشزًا أو غير ناشز، غنية كانت أو فقيرة، ولم يرد في الحديث استثناء للزوجة الناشز.
2- أن القول بعدم وجوب النفقة للناشز قول لم يأت به قرآن، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي له وجه، ولو أراد اللَّه سبحانه وتعالى استثناء الناشز لما أغفله حتى يبينه غيره.
3- عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد أن انظروا من طالت غيبته، أن يبعثوا نفقة، أو يرجعوا، أو يفارقوا، فإن فارق فإن عليه النفقة ما فارق من يوم غاب".
• وجه الدلالة: لم يخص عمر ناشزًا من غيرها، وما نعلم لعمر في هذا مخالفًا من الصحابة، ولا يحفظ أن أحد الصحابة منع الناشز من النفقة.
النتيجة:
عدم تحقق الإجماع على أن نفقة الزوجة الناشز تسقط بسبب نشوزها؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن عبد الحكم، وابن القاسم من المالكية، والحكم بن عتيبة، وابن حزم الظاهري، يقضي بوجوب نفقة الزوجة الناشز.
المغني - لابن قدامة - (8/ 236).
سقوط النفقة بسبب النشوز:
مسألة: قال: (والناشز لا نفقة لها، فإن كان لها منه ولد، أعطاها نفقة ولدها).
معنى النشوز: معصيتها لزوجها فيما له عليها، مما أوجبه له النكاح، وأصله: من الارتفاع، مأخوذ من النشز، وهو المكان المرتفع، فكأن الناشز ارتفعت عن طاعة زوجها، فسميت ناشزًا، فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من السفر معه، فلا نفقة لها ولا سكنى، في قول عامة أهل العلم، منهم الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور، وقال الحكم: لها النفقة، وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها.
ولنا: أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها؛ بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقةَ كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة، كما قبل الدخول وتخالف المهر؛ فإنه يجب بمجرد العقد؛ ولذلك لو مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة، فأما إذا كان له منها ولد فعليه نفقة ولده؛ لأنها واجبة له، فلا يسقط حقه بمعصيتها، كالكبير، وعليه أن يعطيها إياها إذا كانت هي الحاضنة له، أو المرضعة له، وكذلك أجر رضاعها يلزمه تسليمه إليها؛ لأنه أجر ملَكتْه عليه بالإرضاع، لا في مقابلة الاستمتاع، فلا يزول بزواله.
المجموع شرح المهذب - النووي - (18/ 245).
سقوط النفقة بسبب الردة:
وإن أسلم الزوج بعد الدخول وهى مجوسية أو وثنية، وتخلفت في الشرك سقطت نفقتها؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية، فسقطت نفقتها كالناشزة، وان أسلمت قبل انقضاء العدة فهل تستحق النفقة للمدة التي تخلفت في الشرك؟ فيه قولان، أحدهما: تستحق؛ لأن بالإسلام زال ما تشعث من النكاح، فصار كأن لم يكن، والقول الثاني: إنها لا تستحق؛ لأنه تعذر التمكين من الاستمتاع فيما مضى، فلم تستحق النفقة، كالناشزة إذا رجعت إلى الطاعة، وإن ارتد الزوج بعد الدخول لم تسقط نفقتها؛ لأن امتناع الوطء بسبب من جهته، وهو قادر على إزالته، فلم تسقط النفقة، وإن ارتدت المرأة سقطت نفقتها؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية، فسقطت نفقتها كالناشزة، فإن عادت إلى الاسلام قبل انقضاء العدة فهل تجب نفقة ما مضى في الردة؟ فيه طريقان، من أصحابنا من قال: فيه قول أنه كالكافرة إذا تخلفت في الشرك، ثم أسلمت، ومنهم من قال: لا تجب، قولًا واحدًا، والفرق بينها وبين الكافرة: أن الكافرة لم يحدث من جهتها منعٌ، بل أقامت على دينها، والمرتدة أحدثت منعًا بالردة، فغلّظ عليها.
وإن ارتدت الزوجة، وعادت إلى الاسلام، والزوج غائب، استحقت النفقة من حيث عادت إلى الإسلام، وإن نشزت الزوجة، وعادت إلى الطاعة، والزوج غائب، لم تستحق النفقة حتى يمضى زمان لو سافر فيه لقدر على استمتاعها، والفرق بينهما: أن المرتدة سقطت نفقتها بالردة، وقد زالت بالإسلام، والناشزة سقطت نفقتها بالمنع من التمكين، وذلك لا يزول بالعود إلى الطاعة.
المغني - لابن قدامة - (7/ 174).
سقوط النفقة بسبب الردة:
مسألة: قال: (وإن كانت ردتها بعد الدخول فلا نفقة لها، وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها، ولو كان هو المرتد بعد الدخول، فلم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها، انفسخ النكاح منذ اختلف الدينان).
اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا ارتد أحد الزوجين بعد الدخول، حسب اختلافها فيما إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، ففي إحداهما: تتعجل الفرقة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وروي ذلك عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وزفر، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأن ما أوجب فسخ النكاح استوى فيه ما قبل الدخول وبعده، كالرضاع، والثانية: يقف على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتد قبل انقضائها، فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت، بانت منذ اختلف الدينان، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لفظ تقع به الفرقة، فإذا وجد بعد الدخول جاز أن يقف على انقضاء العدة، كالطلاق الرجعي، أو اختلاف دين بعد الإصابة، فلا يوجب فسخه في الحال، كإسلام الحربية تحت الحربي، وقياسه على إسلام أحد الزوجين أقرب من قياسه على الرضاع.
فأما النفقة: فإن قلنا بتعجيل الفرقة فلا نفقة لها؛ لأنها بائن منه، وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة، وكانت المرأة المرتدة، فلا نفقة لها؛ لأنه لا سبيل للزوج إلى رجعتها، وتلافي نكاحها، فلم يكن لها نفقة، كما بعد العدة، وإن كان هو المرتد فعليه النفقة للعدة، لأنه بسبيل من الاستمتاع بها، بأن يسلم، ويمكنه تلافي نكاحها، فكانت النفقة واجبة عليه، كزوج الرجعية.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (1/ 143).
سقوط النفقة بالإبراء:
3- أما المبارأة: فهي مفاعلة، وتقتضي المشاركة في البراءة
وهي في الاصطلاح: اسم من أسماء الخلع، والمعنى واحد، وهو: "بذل المرأة العوض على طلاقها"، لكنها تختص بإسقاط المرأة عن الزوج حقًّا لها عليه. فالمبارأة صورة خاصة للإبراء تقع بين الزوجين لإيقاع الزوج الطلاق؛ إجابة لطلب الزوجة غالبًا، مقابل عوض مالي تبذله للزوج، هو ترْكُها ما لَها عليه من حقوق مالية، كالمهر المؤجل، أو النفقة المستحقة في العدة، والجمهور على أنه لا يسقط بها أي حق إلا بالتسمية، خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف القائلين بسقوط جميع حقوقها الزوجية.