الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (30/ 311)
عمرى - التعريف:
العمرى لغة: بضم العين وسكون الميم وألف مقصورة: ما تجعله للرجل طول عمرك أو عمره، وقال ثعلب: العمرى: أن يدفع الرجل إلى أخيه دارًا فيقول: هذه لك عمرك أو عمري أيُّنا مات دفعت الدار إلى أهله.
وفي الاصطلاح: عرفها الحنفية، والحنابلة بأنها جعل المالك شيئًا يملكه لشخص آخر عمر أحدهما.
وعرفها المالكية، والشافعية: بأنها جعل المالك شيئًا يملكه لشخص آخر عمر هذا الشخص .
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (23/ 5)
رقبى - التعريف:
الرقبى في اللغة: من المراقبة. يقال: رقبته، وأرقبته، وارتقبته: انتظرته. وأن يقول الرجل: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك رقبى مدة حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك.
وسميت الرقبى؛ لأن كلًّا منهما يرقُب موت صاحبه. وقال المالكية: هي أن يقول الرجل للآخر: إن مت قبلي فدارك لي، وإن مت قبلك فداري لك .
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (30/ 312، 313)
حكم العمرى:
ذهب الفقهاء في الجملة إلى جواز العمرى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أعمرها حيًّا وميتًّا ولِعَقِبِهِ»، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «العُمْرَى جائزة لأهلها».والعمرى نوع من الهبة يفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك .
- وقد اختلف الفقهاء في كون العمرى تمليك عين أو منفعة.
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إنها تمليك عين في الحال، وتنقل إلى المعمر لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ فَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ»، وفي لفظ: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرى أنها لمن وهبت له.
وقال المالكية والليث: إنه ليس للمعمر فيها إلا المنفعة فإذا مات عادت إلى المعمر؛ لما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت مكحولًا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى: ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا.
وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي عن ابن العربي: لم يختلف العرب في العمرى والرقبى والمنحة ونحوها أنها على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له؛ ولأن التمليك لا يتأقَّت، كما لو باعه إلى مدة فإذا كان لا يتأقت، حُمِل قولُه على تمليك المنافع؛ لأنه يصلح توقيته.
وفصَّل الشافعية، فقالوا: للعمرى ثلاثة أحوال:
أحدها: إذا قال الرجل: أعمرتك هذه الدار فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك فيصح وهي الهبة بعينها، فإذا مات فالدار لورثته فإن لم يكونوا فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال.
الثاني: يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك لم يتعرض لما سواه ففيه قولان: أظهرهما وهو الجديد: أنه يصح وله حكم الهبة، وفي القديم: أنه باطل.
الثالث: أن يقول جعلتها لك عمرك فإذا مت عادت إليَّ أو إلى ورثتي إن كنت مت، فالأصح أن ذلك هبة إلغاء للشرط الفاسد، ومقابل الأصح بطلان العقد لفساد الشرط.
وأما الحنابلة فلم يفرقوا بين هذه الكلمات حتى قال البهوتي: فتصح الهبة في جميع ما تقدم وهي أمثلة العمرى، وتكون العين الموهوبة للمعمر ولورثته من بعده إن كانوا، فإن لم يكن له ورثة فلبيت المال كسائر الأموال المتخلفة.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (23/ 6)
حكم الرقبى:
الرقبى نوع من الهبة، كان العرب يتعاملون بها في الجاهلية. فكان الرجل منهم يقول للرجل: أرقبتُكَ داري أو أرضي في حياتك، فإذا مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك استقرت لك. وسُمِّيَت رقبى: لأن كلًّا منهما يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه .
واختلف الفقهاء في جوازها، فذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف إلى أنها جائزة، وهي لمن أرقبها، ولا ترجع إلى المرقب، ويلغو الشرط، واستدلوا بخبر: من أعمر شيئًا فهو لمعمره محياه ومماته، ولا ترقبوا، فمن أرقب شيئًا فهو سبيله. وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرقبى جائزة»، وفي رواية: «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها»، وقالوا: فهذه نصوص تدل على ملك المعمر والمرقب (بالفتح في كل منهما)، وبطلان شرط العود إلى المرقب .
وقال أبو يوسف: قول المرقب: داري لك، تمليك، وقوله: رقبى شرط فاسد فيلغو.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إن الرقبى باطلة؛ لأن معنى الرقبى: إن مت قبلك فهو لك، وإن مت قبلي رجعت إلي، وهذا تعليق التمليك بالخطر (أي: الأمر المتردد بين الوقوع وعدمه) فيبطل.
ولخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم: أجاز العمرى ورَدَّ الرقبى، وإلى هذا ذهب المالكية، وإذا لم تصح الرقبى تكون العين عارية؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به .
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (18/ 659: 661)
في تعريف العمرى:
لا يختلف التعريف الاصطلاحي عن التعريف اللغوي:
جاء في الاختيار لتعليل المختار: "أن يجعل داره له عمره" .وقال العيني: "أن يقول: أعمرتك داري هذه، أو: هي لك عمرى، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، فإذا مت فهي رد علي، أو نحو هذا، سُمِّيَت عمرى لتقييدها بالعمر".
وعرفها المالكية: "العمرى: هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له، أو مدة عمره، وعمر عقبه، فسميت عمرى؛ لتعلقها بالعمر".
وقال الماوردي: "جعلت داري هذه لك عمري، أو يقول: قد جعلتها لك عمرك أو مدة حياتك".
قال ابن قدامة: "وصورة العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر".
وتأتي العمرى على ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، ولعقبك من بعدك. فهذه صورة صحيحة عند عامة العلماء، وذكر النووي: أنه لا خلاف في صحتها، وإنما الخلاف: هل يملك الرقبة، أو المنفعة.الصورة الثانية: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، أو هذه الدار لك عمرى، ويطلق، ولا يشترط أن ترجع إليه بعد موته.
الصورة الثالثة: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا من رجعت إلى إن كنت حيًّا، أو إلى ورثتي إن كنت ميتًا.
هذه أهم صور العمرى في الجملة، وبعضهم يزيد فيها، كأن يقول: جعلتها لك عمرى من غير أن يقدر ذلك بعمر أحد.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (18/ 659: 670)
في حكم العمرى التكليفي:
اختلف الفقهاء في حكم العمرى على قولين:
القول الأول: أن العمرى جائزة، وهو قول الجمهور، والقول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم .
قال السرخسي: "وإذا قال الرجل لغيره: قد أعمرتك هذه الدار، وسلمها إليه: فهي هبة صحيحة".
وجاء في الشرح الصغير: "وجازت العمرى، والمراد بالجواز: الإذن فيها شرعًا، فهي مندوبة؛ لأنها من المعروف".
وقال العمراني في البيان: "العمرى: نوع من الهبة، تفتقر إلى الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، ولا يصح القبض فيها إلا بإذن الواهب".
وجاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبي الفضل: "وسألته: ما قولك في العمرى؟ قال: جائزة، هي لمن أعمرها ولورثته".
دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول: ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر - رضي الله عنه -، قال: "قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى، أنها لمن وهبت له.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري من طريق همام، حدثنا قتادة، قال: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: العمرى جائزة. ورواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة.
وهناك أدلة أخرى تركناها اقتصارًا على ما ذكر، ولعلي أذكرها عند الكلام على الحكم الوضعي للعمرى.
القول الثاني: أن العمرى باطلة، حكاه الماوردي وغيره عن داود الظاهري، وهو القول القديم للشافعي، قال الغزالي: وهو الأقيس؛ لأنه هبة مؤقتة، فيضاهي البيع المؤقت .
وقال الحارثي من الحنابلة: "العمرى المشروعة أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك، لا غير".
حجة من قال: إن العمرى لا تجوز:
الدليل الأول: ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ فَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ».
وجه الاستدلال: الحديث يأمر بإمساك الأموال، وينهى عن إفسادها بالعمرى، والأصل في الأمر الوجوب، والأصل في النهي التحريم.
ويجاب بجوابين:
الوجه الأول: أن المنهي عنه فعل الجاهلية، وهو توقيت الهبة، فإن من وقت الهبة مدة عمر الموهوب له، فإن ملكه سوف يزول، ويبطل الشرط، فلا يحصل له شرطه، ولا يبقى له ماله، وهذا وجه إفسادها، ولذلك صححها بقوله: (فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ)، وبهذا الجمع لا تتعارض الأحاديث الصحيحة بجواز العمرى، مع مثل هذه الأحاديث، والله أعلم.
الوجه الثاني: قال ابن حبان في صحيحه: "زجر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن النذر والعمرى والرقبى كان لعلة معلومة، وهي إبقاؤه - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين في أموالهم، لا أن استعمال هذه الأشياء الثلاث غير جائز -إذا كان طاعة لا معصية- وذاك أن الصحابة قطنوا المدينة، ولا مال لهم بها، فكره - صلى الله عليه وسلم - لهم الرقبى والعمرى إبقاء على أموالهم؛ للضرورة الواقعة التي كانت بهم، لا أنهما لا يجوز استعمالهما".
ويناقش: بأن المهاجرين لم يكن لهم مال حتى يعمروها، وإنما كان ذلك من الأنصار - رضي الله عنهم -، كما تدل عليه بعض الروايات.
الدليل الثاني: ما رواه النسائي من طريق يعلى، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا تحل الرقبى، ولا العمرى، فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئًا فهو له.
[رجاله ثقات إلا أبا الزبير فإنه صدوق، وقد اختلف في إرساله ووقفه، ورفعه مع اختلاف بين في لفظه، مما يجعلني أميل إلى الحكم عليه بالاضطراب، وليست علته كما قال بعض العلماء: عنعنة أبي الزبير فإن اتهامه بالتدليس لا يثبت].
ويناقش: بأن قوله: (لا تحل) أي: مؤقتة بدليل قوله: (فهي لمن أعمرها)، جوازها في حال كونها مؤبدة، وهذا يعني صحة الهبة وإبطال الشرط.
الدليل الثالث: ما رواه النسائي من طريق إسرائيل، عن عبد الكريم، عن عطاء، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العمرى والرقبى. [رجاله ثقات إلا أنه مرسل].
ويجاب: بأنه المرسل من قبيل الضعيف. وقد أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعطى شيئًا حياته فهو له حياته وموته، فيكون النهي عن حكم الجاهلية بأن تكون مؤقتة، والله أعلم.
الدليل الرابع: أن العمرى إن اعتبرناها هبة فهي مخالفة لمقتضى العقد، فإن الهبة تنقل الملك في الرقبة والمنفعة، وإذا كان لا يصح توقيت البيع، فكذلك لا يصح توقيت الهبة.
ويجاب: بأن توقيت الهبة هي عارية، فإن العارية نوع من الهبة، وهي من هبة المنافع، فكذلك العمرى، ولا يؤثر فيها الغرر، فإنه لا يشترط توقيت العارية، فمتى ما أراد صاحبها استرجعها، ولا يصح قياس العارية على البيع، فإن البيع ينقل ملك الرقبة بخلاف العارية، والله أعلم.
° الراجح: القول بالجواز، وأن القول بالتحريم قول ضعيف، والله أعلم.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (18/ 687: 690)
تعريف الرقبى:
الرقبى: على وزن (حبلى) من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وفي مختار الصحاح: "أرقبه دارًا، أو أرضًا: أعطاه إياها وقال: هي للباقي منا والاسم منه: الرقبى، وهي من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه" .
روى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: الرقبى، أن يقول: هي للآخر مني ومنك موتًا.
وروى أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: العمرى أن يقول الرجل: للرجل هو لك ما عشت، فإذا قال ذلك فهو له ولورثته، والرقبى هو أن يقول الإنسان هو للآخر مني ومنك. [حسن].
صور الرقبى: ذكر الفقهاء للرقبى ثلاث صور:
الصورة الأولى: قال ابن جزي: وأما الرقبى: فهو أن يقول الرجل للآخر: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فدارك لي".
ومثلها لو كانت دارًا أو دارين لرجلين، فاتفقا على أن من مات أولًا فنصيبه حبس على الآخر.
جاء في المدونة: "قلت: أرأيت الرقبى هل يعرفها مالك"؟
قال: سأله بعض أصحابنا، ولم أسمعه أنا منه عن الرقبى، فقال: لا أعرفها.
ففسرت له فقال: لا خير فيها.
قلت: وكيف سألوه عن الوقت؟
قال: قالوا له: الرجلان تكون بينهما الدار، فيحبسانها على أيهما مات، فنصيبه للحي حبسًا عليه قال: فقال لهم مالك: لا خير فيه".
فهذه هي صورة الرقبى عند المالكية، ولا يذكرون صورة غيرها.
وهي إحدى صورتي الرقبى عند الشافعية، ويتفق الشافعية والمالكية على منع هذه الصورة؛ وعلل الشافعية البطلان بأن هذا الشرط مناف للملك.
وتعليل البطلان عند المالكية: أن قول الرجل: إن مت قبلك فداري لك، وإن من قبلي فدارك لي، كأن كل واحد منهما قصد إلى عوض لا يدرى، هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه، وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج عن يده.
والحقيقة أن هذه الصورة ليست من عقود التبرع، وإنما هي من عقود المعاوضات، وتعليقها على أمر مجهول، لهذا لا ينبغي أن يخالف أحد في منع هذه الصورة.
الصورة الثانية: أن يقول الواهب: داري لك رقبى فقط، ومعناه: إن مت رجعت الرقبة لي، وإن مت أنا فهي لك، كأن كل واحد منهما يرقب موت الآخر.
فهذه الصورة من عقود التبرع؛ لأنها خالية من العوض، وهذه الصورة هي الصورة المشهورة للرقبى عند أئمة اللغة، وعند أكثر الفقهاء، وهي التي جرى فيها خلاف بين الحنفية من جهة، وبين الشافعية والحنابلة من جهة أخرى.
والفرق بين العمرى والرقبى:
قال أبو هلال العسكري: العمرى: هي أن يقول الرجل للرجل: هذه الدار لك عمرك أو عمري.
والرقبى: أن يقول: إن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك، وذلك أن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
الصورة الثالثة: ذكر بعضهم صورة ثالثة للرقبى، وهي أن تجعل المنزل لفلان يسكنه، فإن مات سكنه فلان، فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
الصورة الرابعة: قال اللحياني: أرقبه الدار: جعلها له رقى، ولعقبه بعده، بمنزلة الوقف.
والصورة الثانية هي المشهورة.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (18/ 691: 695)
في حكم الرقبى:
اختلف العلماء في حكم الرقبى على قولين:
القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، والإمام مالك، والقول القديم للشافعي، وقول في مذهب الحنابلة إلى أن الرقبى باطلة، وبه قال داود الظاهري وطائفة من أهل الحديث.
على خلاف بين المالكية وغيرهم في صورة الرقبى كما تقدم في تعريف الرقبى.
الدليل على البطلان: تعليل البطلان عند الحنفية: أن قوله: إن مت قبلك فهو لك وإن مت قبلي رجعت إلي، هذا تعليق للتمليك بالخطر المتردد بين الوقوع وعدمه، والتمليكات لا تقبل التعليق، وجعلوها كالعارية، ولم يوجبوا بها ملكًا للمرقب.
وتعليل البطلان عند المالكية: أن قول للرجل: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فدارك لي، كأن كل واحد منهما قصد إلى عوض لا يدرى، هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه، وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج عن يده.
قال القرافي: "تفسد إذا كانت المراقبة من الجهتين؛ لكونها ... معاوضة فاسد".
القول الثاني: الرقبى كالعمرى جائزة لمن أرقبها، ولا ترجع إلى المرقب، ويلغو الشرط، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة.
وترجم البخاري في صحيحه، فقال: باب ما قيل في العمرى والرقبى، ثم ذكر الأحاديث الواردة في العمرى، مما يدل على أنه يرى أن الحكم في العمرى كالحكم في الرقبى.
وقال الترمذي: "قال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أعطيها، ولا ترجع إلى الأول".
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول: ما رواه أبو يعلى من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: العمرى جائزة لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها.
[اختلف على أبي الزبير بذكر الرقبى، وأصحاب أبي الزبير رووه عنه بذكر العمرى فقط، وهو المحفوظ].
وفي الباب عن ابن عمر عند أحمد وغيره، وعن زيد بن ثابت عند أحمد وغيره أيضًا.
الدليل الثاني: ما رواه النسائي من طريق يعلى، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا تحل الرقبى، ولا العمرى، فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئًا فهو له.
[رجاله ثقات إلا أبا الزبير فإنه صدوق، وقد اضطرب فيه أبو الزبير، واختلف عليه في إرساله، ووقفه، ورفعه مع اختلاف في لفظه].
الدليل الثالث: أن قول الرجل: (داري لك) تمليك، وقوله: (رقبى) شرط مناقض للتمليك؛ لأن التمليك لا يؤقت، فيكون شرطًا فاسدًا، فيلغو الشرط، ويصح التمليك، كما أن التمليك في البيع لا يؤقت، فكذلك التمليك في الهبة لا يؤقت.
ويناقش: لا يصح التأويل إذا علمنا أن قوله: (داري لك رقبى) أن (داري) مبتدأ، وقوله: (رقبى) خبر، وقوله: (لك) جار ومجرور متعلق بقوله: (رقبى)، وإنما يصح التأويل لو كان قوله (داري لك) مبتدأ وخبر، وتكون كلمة (رقبى) فضلة في الكلام، وليست عمدة، والله أعلم.
الدليل الرابع: كل الأحاديث التي ذكرناها في العمرى، وأنها لمن أعمرها، تصلح دليلًا في مسألة الرقبى، فهي لمن أرقبها، لا تعود للواهب.
الراجح: القول في الرقبى كالقول في العمرى، وقد ذكرت صور العمرى، وحكم كل صورة فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.