موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (43/ 271 - 273)
الرجوع عن الوصية:
تبطل الوصية بالرجوع عنها؛ لأنها عقد غير لازم، فيجوز للموصي الرجوع فيها متى شاء؛ لأنه الذي وجد منه الإيجاب فقط، ولأنها عقد لا يثبت حكمه إلا بعد موت الموصي، فلا يترتب على الإيجاب أي حق للموصى له قبل ذلك، فيكون بالخيار بين الإمضاء والرجوع؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "يغير الرجل ما شاء من وصيته"، وبه قال عطاء وجابر بن زيد والزهري وقتادة وإسحاق وأبو ثور، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وقال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي: يغير منها ما شاء، إلا العتق؛ لأنه إعتاق بعد الموت فلم يملك تغييره كالتدبير.
والرجوع إما أن يكون صريحًا أو دلالة:
فالرجوع الصريح: ما كان بلفظ هو نص في الرجوع، مثل قول الموصي: رجعت عن وصيتي لفلان، أو تركتها، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو ما أوصيت به لفلان هو لورثتي ونحوه، وهذا متفق عليه؛ لأنه صريح في عدول الموصي عن وصيته، وهو يملك العدول متى شاء.
والرجوع دلالة: كل تصرف أو فعل في الموصى به يفيد رجوعه عن الوصية، وهو يشمل ما يأتي:
أولًا: كل تصرف قولي يخرج العين عن ملك الموصي يعد رجوعًا، كأن يبيع الشيء الموصى به أو يهبه أو يتصدق به، أو يجعله مهرًا أو وقفًا، وهذا متفق عليه.
ثانيًا: كل فعل في العين الموصى بها يدل على الرجوع عن الوصية، كذبح الشاة الموصى بها، وغزل القطن الموصى به، ونسج الغزل.
أما لو تصرف الموصي في الموصى به تصرفًا يزيل اسمه فيعد رجوعًا عند الحنفية والشافعية والحنابلة.
كما لو قال: أوصيت لزيد بهذه الغرارة الحنطة، فطحنها فصار اسمها دقيقًا، أو وصى لإنسان بشيء من غزل فنسج الغزل فصار يسمى ثوبًا، أو بنى الحجر أو الآجر الموصى به فصار حائطًا أو دارًا، أو غرس نوى موصى به فصار شجرًا، أو نجر الخشبة الموصى بها فصارت بابًا، أو أعاد دارًا انهدمت، أو جعلها حمامًا، أو كان سفينة فتكسرت وصار اسمها خشبًا فرجوع في الجميع.
وقال الحنفية في معرض الكلام عن الرجوع دلالة: كل فعل لو فعله الإنسان في ملك الغير ينقطع به حق المالك، فإذا فعله الموصي كان رجوعًا، وكذا كل فعل يوجب زيادة في الموصى به لا يمكن تسليمه إلا بها فهو رجوع إذا فعله، وكذا كل تصرف أوجب زوال ملك الموصي فهو رجوع.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (8/ 376)
قال الدردير: (وبطلت الوصية برجوع من الموصى فيها، سواء وقع منه الإيصاء في صحته أو مرضه، وبيَّن ما به الرجوع فيها بقوله: بقول صريح، كأبطلت وصيتي، أو رجعت عنها، أو عتق للرقبة التي أوصى بها لزيد مثلًا).
قال الدسوقي: (وبطلت الوصية برجوع فيها؛ لأنها من العقود الجائزة إجماعًا، فيجوز له الرجوع فيها ما دام حيًّا).
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (17/ 473 - 477)
بطلان الوصية برجوع الموصي عنها:
يجوز للموصي الرجوع عن الوصية ما دام حيًّا، وهذا باتفاق الأئمة، واختلفوا في الوصية بالعتق، والأكثر على صحة الرجوع.
قال العيني: "اجتمع أهل العلم على جواز الرجوع للموصي في جميع ما أوصى كله، أو بعضه".
وقال ابن عرفة: "يجوز رجوع الموصي عن وصيته إجماعًا في صحة أو مرض".
وقال الباجي: "عقد الوصية عقد جائز، غير لازم، وله أن يغير من ذلك ما شاء، ويبطل منه ما شاء من غير عوض، أو يعوض منه غيره في صحته، أو مرضه، ما لم يمت، فإذا مات فقد لزمت تلك الوصية، فليس لغيره أن يغير شيئًا من ذلك، ولا يبطله ولا يبدله بغيره".
ويكون الرجوع عن الوصية بالقول، كأن يقول: رجعت عن الوصية، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو فسختها، ونحو ذلك.
ويلحق به لو أخرج العين الموصى بها عن ملكه ببيع أو هبة، أو جعله مهرًا، أو وقفًا، وهذا بالاتفاق.
واختلفوا فيما إذا رجع إلى الموصي بسبب جديد، هل يعود موصى به، أو لا؟ على قولين، فقيل: لا يعود، وهو قول الجمهور، وقيل: يعود موصى به، وهو مذهب المالكية.
ويكون الرجوع بالفعل الدال عليه، كما لو فعل في الموصى به ما يدل على رجوعه عن الوصية، كذبح الشاة الموصى بها، واستهلاكها.
وكذا لو تصرف في الموصى به تصرفًا يزيل عنه الاسم الذي أوصى به، كنسج الغزل الموصى به؛ لأن الاسم انتقل عما كان عليه حال الوصية، ومنها صوغ الفضة الموصى به؛ لأن الذي أوصى به انتقل اسمه كما كان حال الوصية.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: "الرجوع قد يكون نصًّا، وقد يكون دلالة، وقد يكون ضرورة.
أما النص: فهو أن يقول الموصي: رجعت.
أما الدلالة: فقد تكون فعلًا، وقد تكون قولًا، وهو أن يفعل في الموصى به فعلًا يستدل به على الرجوع، أو يتكلم بكلام يستدل به على الرجوع.
وبيان هذه الجملة: إذا فعل في الموصى به فعلًا لو فعله في المغصوب لانقطع به ملك المالك كان رجوعًا، كما إذا أوصى بثوب ثم قطعه، وخاطه قميصًا، أو قباء، أو بقطن، ثم غزله أو لم يغزله، ثم نسجه، أو بحديدة ثم صنع منها إناء أو سيفًا، أو سكينًا، أو بفضة، ثم صاغ منها حليًّا، ونحو ذلك؛ لأن هذه الأفعال لما أوجبت بطلان حكم ثابت في المحل، وهو الملك، فلأن توجب بطلان مجرد كلام من غير حكم أصلًا أولى.
ثم وجه الدلالة منها على التفصيل: أن كل واحد منها تبديل العين، وتصييرها شيئًا آخر معنى واسمًا، فكان استهلاكًا لها من حيث المعنى، فكان دليل الرجوع، فصار كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل في المبيع فعلًا يدل على إبطال الخيار يبطل خياره، والأصل في اعتبار الدلالة إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله للمخيرة: "إن وطئك زوجك فلا خيار لك".
ولو باع الموصى به، ثم اشتراه، أو وهبه، وسلم، ورجع في الهبة لا تعود الوصية؛ لأنها قد بطلت بالبيع، والهبة مع التسليم لزوال الملك، والعائد ملك جديد غير موصى به، فلا يصير موصى به إلا بوصية جديدة".
وقال الخرشي: "والرجوع يكون بأمور، منها: القول، كقوله أبطلت وصيتي، أو رجعت عنها. ومنها: البيع، ما لم يشتره. ومنها: العتق للرقبة الموصى بها. ومنها الكتابة؛ لأنها إما بيع، وإما عتق، ولا يقال: كان يمكنه الاستغناء عن الكتابة حينئذ؛ لدخولها فيما مر؛ لأنا نقول: لما رأى أنها ليست بيعًا, ولا عتقًا محضًا ذكرها. ومنها: الحصد والدرس والتذرية للزرع الموصى به؛ لأن الاسم حينئذ تغير، سواء أدخله بيته أم لا... ومنها: نسج الغزل الموصى به؛ لأن الاسم انتقل عما كان عليه حال الوصية، ومنها: صوغ الفضة الموصى بها؛ لأن الذي أوصى به انتقل اسمه كما كان عليه حال الوصية... ومنها: ذبح ما أوصى به شاة أو غيرها، ومنها: إذا أوصى له بشقة ثم فصلها قميصًا، فقوله: وتفصيل شقة أي: ووقع الإيصاء بلفظ شقة، بأن قال: أعطوه الشقة الحمراء مثلًا، وأما لو أوصى بما سماه ثوبًا وفصله، فإنه لا يكون رجوعًا؛ لأن القميص يسمى ثوبًا".
هذا مجمل مذهب المالكية، ومع اتفاقهم مع الجمهور في المسائل السابقة، إلا أنهم أضيق مذهبًا من غيرهم، فلا تبطل الوصية عندهم بخلط الموصى به بغيره، أو إحداث زيادة فيه، كما لو أوصى بعرصة فبناها، أو صبغ الثوب، أو لت السويق ونحو ذلك، وكذلك لو تغير الموصى به بنفسه من غير تدخل من أخد لم تبطل الوصية بهذا التغير.
وقال النووي: "لو أوصى بحنطة فطحنها، أو جعلها سويقًا، أو بذرها، أو بدقيق فعجنه، بطلت الوصية، وكان ما أتى به رجوعًا؛ لمعنيين، أحدهما: زوال الاسم، والثاني: إشعاره بإعراضه عن الوصية".
وقال ابن قدامة: "وإذا حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من غير فعل الموصي، مثل إن سقط الحب في الأرض فصار زرعًا، أو انهدمت الدار فصارت فضاء في حياة الموصي، بطلت الوصية بها؛ لأن الباقي لا يتناوله الاسم، وإن كان انهدام الدار لا يزيل اسمها سلمت إليه دون ما انفصل منها؛ لأن الاسم حين الاستحقاق يقع على المتصل دون المنفصل".
الراجح:
أميل إلى أن مذهب المالكية أقوى من مذهب الجمهور؛ قياسًا على ما إذا أوصى بشاة، فولدت، فإن الشاة تبقى موصى بها، وزيادتها لا تدخل في الوصية، والله أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (8/ 354 - 356)
بطلان الوصية إذا ردها الموصى له
• المراد بالمسألة:
إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي صح الرد، وبطلت الوصية، وكذلك يصح الرد، وتبطل الوصية إذا كان قبل قبول الموصى له.
• من نقل الإجماع:
ابن قدامة (620 هـ) قال: [لا يخلو إذا ردَّ الوصية من أربعة أحوال...، والثانية: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا].
• الموافقون على الإجماع:
الحنفية، والمالكية، والشافعية.
قال السرخسي: (إن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة مفسوخة بتغيير الوصية المفسوخة).
قال النووي: (ينبغي أن لا يوصي بأكثر من ثلث ماله، فلو خالف وله وارث خاص فردّ بطلت الوصية في الزيادة على الثلث).
قال البهوتي: (فلو مات وترك زوجًا أو زوجة لا غير، وكان قد أوصى بجميع ماله لزيد أو الفقراء، ورد الوصية أحد الزوجين بطلت الوصية في قدر فرضه من الثلثين، فإن كان المراد زوجًا بطلت في الثلث؛ لأن له نصف الثلثين، وإن كان زوجة بطلت في السدس؛ لأن لها ربع الثلثين).
قال الدسوقي: (وبطل الإيصاء لوارث كغيره، أي: كغير وارث بزائد الثلث).
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: لأن الحق ثبت له بموت الموصي، فملك إسقاطه؛ قياسًا على الشفيع إذا عفا عن الشفعة بعد البيع.
الثاني: لو أنا أجبرنا رجلًا على قبول الوصية، أجبرناه إن أوصى له بعبيد زمنى أن ينفق عليهم، فأدخلنا الضرر عليه، وهو لم يحبه، ولم يدخله على نفسه.
النتيجة:
صحة الإجماع في بطلان الوصية إذا ردها الموصى له.
المغني - ابن قدامة - (6/ 467)
مسألة: قال: (وإن رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي بطلت الوصية).
لا يخلو إذا رد الوصية من أربعة أحوال:
أحدها: أن يردها قبل موت الموصي، فلا يصح الرد ههنا؛ لأن الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع، ولأنه ليس بمحل للقبول فلا يكون محلًّا للرد، كما قبل الوصية.
والثانية: أن يردها بعد الموت وقبل القبول فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، فأشبه عفو الشفيع عن الشفعة بعد البيع.
الثالث: أن يرد بعد القبول والقبض فلا يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر ملكه، إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبة منه لهم، تفتقر إلى شروط الهبة.
الرابعة: أن يرد بعد القبول وقبل القبض، فينظر، فإن كان الموصى به مكيلًا أو موزونًا صح الرد؛ لأنه لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه، فأشبه رده قبل القبول، وإن كان غير ذلك لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فهو كالمقبوض، ويحتمل أن يصح الرد بناء على أن القبض معتبر فيه، ولأصحاب الشافعي في هذه الحال وجهان، أحدهما: يصح الرد في الجميع، ولا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما، وهذا المنصوص عن الشافعي؛ لأنهم لما ملكوا الرد من غير قبول ملكوا الرد من غير قبض، ولأن ملك الوصي لم يستقر عليه قبل القبض فصح رده، كما قبل القبول، والثاني: لا يصح الرد؛ لأن الملك يحصل بالقبول من غير قبض.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (17/ 491 - 497)
بطلان الوصية برد الموصى له الوصية:
الفرع الأول: رد الموصى له الوصية في حياة الموصي
إذا رد الموصى له الوصية في حياة الموصي، فقد اختلف فيها الفقهاء:
القول الأول:
لا عبرة بالرد مطلقًا، سواء أكان قبل القبول أم بعده، ويمكن للموصى له أن يقبل بعد موت الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء.
قال الشافعي: "ولا يكون قبول ولا رد في وصية في حياة الموصي، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصي كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصي كان له أن يقبل إذا مات، ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصي، فأما في حياته فقبوله ورده وصمته سواء؛ لأن ذلك فيما لم يملك".
القول الثاني:
قال زفر: إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل.
وقد سبق بحث هذه المسألة فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الفرع الثاني: رد الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول.
إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول، فهل يسقط حقه في الوصية؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أنه يسقط حقه في الوصية عند جمهور العلماء، ويستقر الملك للورثة في الموصى به؛ لأن الموصى له قد أسقط حقه في حالة يملك قبوله وأخذه.
وحكي الإجماع على ذلك.
قال ابن قدامة: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الود، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا".
القول الثاني:
أنه لا يملك الود بعد الموت، وهو رواية في مذهب الحنابلة، حيث قالوا: يملكها بلا قبول كميراث.
وهو قول زفر من الحنفية، حيث رأى أن الوصية تدخل في ملك الموصى له بعد موت الموصي جبرًا كالإرث، ولا تفتقر إلى قبول.
جاء في تحفة الفقهاء: "وعند زفر: القبول ليس بشرط، ولا ترتد بالرد كالميراث".
وحكاه ابن عبد الحكم عن الشافعي، حيث قال: إن الوصية تدخل في ملك الموصى له بموت الموصي، قبل أو لم يقبل، كالميراث، وأنكره بعض الشافعية، وذكروا بأنه لا يعرف عن الشافعي.
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له، فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أنه لا يجبر على القبول، وهناك فرق بين الوصية وبين الميراث بيناه فيما سبق.
الفرع الثالث: في رد الموصى له بعد موت الموصي وبعد القبول
إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي وبعد قبوله، فإن كان ذلك بعد القبض، فهذا لا يملك الموصى له الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر أملاكه، إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبة منه لهم تفتقر إلى شروط الهبة.
وإن كان الرد بعد القبول، وقبل القبض، فقد اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول:
يصح الرد بشرط التراضي، ويكون قبول الرد فسخًا للوصية، ويقوم الورثة مقام الميت في قبول الفسخ أو رفضه؛ لأن الفسخ بعد اللزوم لا يكون إلا بالرضا، وتكون الوصية لجميع الورثة على قدر ميراثهم، كما لو كان على الميت دين فوهبه الدائن للورثة، أو لبعضهم، فهو هبة لهم كلهم، كأنه وهبه للميت.
جاء في المبسوط: "وإذا أوصى رجل بوصية، فقبلها بعد موته، ثم ردها على الورثة، فرده جائز إذا قبلوا ذلك؛ لأن الرد عليهم فسخ للوصية، وهم قائمون مقام الميت، ولو تصور منه الرد على الميت كان ذلك صحيحا إذا قبله، فكذلك إذا ردها على الورثة الذين يقومون مقامه؛ وهذا لأن فسخ العقد معتبر بالعقد، فإذا كان أصل هذا العقد يتم بالإيجاب والقبول، كذلك يجوز فسخه بالتراضي".
القول الثاني:
يصح الرد مطلقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره القاضي، وابن عقيل من الحنابلة.
القول الثالث:
لا يصح الرد، وهو قول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة.
القول الرابع:
يصح الرد في المكيل والموزون بعد قبوله وقبل قبضه، وهو وجه في مذهب الحنابلة.
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له، فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الملك في الوصية يثبت بمجرد القبول، ولا يتوقف على القبض كالهبة، من غير فرق بين ما يفتقر إلى الكيل والوزن وغيره، وإذا ثبت ملكه فيها لم يصح الرد إلا برضا الورثة؛ لأنها تكون هبة مبتدأة منه للورثة، تفتقر إلى شروط الهبة، وليست فسخًا للوصية وإقالة من الورثة؛ لأن الورثة لم يوجبوا الوصية حتى تكون الإقالة منهم، كما يراه الحنفية، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (43/ 273)
موت الموصى له المعين قبل موت الموصي:
تبطل الوصية بموت الموصى له المعين قبل موت الموصي، باتفاق الفقهاء، سواء علم الموصي بموته أو لم يعلم؛ لأن الوصية لا تلزم إلا بوفاة الموصي وقبول الموصى له.
وكذلك تبطل الوصية عند الجمهور إذا مات الموصى له بعد موت الموصي قبل القبول.
وعند الحنفية: لا تبطل؛ لأن القبول معناه عندهم عدم الرد.
المجموع شرح المهذب - النووي - (15/ 434)
فإن مات الموصى له في حياة الموصي: فالذي عليه جمهور الفقهاء أن الوصية له قد بطلت، وليس لوارثه قبولها بعد موت الموصي.
وحكي عن الحسن البصري أن الوصية لا تبطل بموته، ولورثته قبولها.
قال الماوردي: وهذا فاسد من وجهين، أن الوصية في غير حياة الموصى غير لازمة، وما ليس بلازم من العقود يبطل بالموت، ولأن الوصية له، لا لورثته، وهو لا يملك الوصية في حياة الموصي.
المغني - ابن قدامة - (6/ 465)
مسألة: قال: (فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية).
هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وربيعة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الحسن: تكون لولد الموصى له، وقال عطاء: إذا علم الموصي بموت الموصى له، ولم يحدث فيما أوصى به شيئًا، فهو لوارث الموصى له؛ لأنه مات قبل عقد الوصية، فيقوم الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي وقبل القبول.
ولنا: أنها عطية صادفت المعطي ميتًا فلم تصح، كما لو وهب ميتًا؛ وذلك لأن الوصية عطية بعد الموت، وإذا مات قبل القبول بطلت الوصية أيضًا، وإن سلمنا صحتها، فإن العطية صادفت حيًّا، بخلاف مسألتنا.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (17/ 483 - 485)
إبطال الوصية بموت الموصى له:
الفرع الأول: موت الموصى له في حياة الموصي
اختلف الفقهاء في الموصى له يموت في حياة الموصي، هل تبطل الوصية؟ على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوصية تبطل بموت الموصى له في حياة الموصي، وكذا لو مات معه.
قال الزيلعي: "لو مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية؛ لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وفي الحال ملك الموصي ثابت فيه، ولا يتصور تملك الموصى له بعد موته فبطلت".
قال في الحاوي: "إن مات الموصى له قبل موت الموصي فالوصية باطلة، لا أعرف فيها مخالفًا".
وقال ابن قدامة: "فإن مات الموصى له قبل موت الموصي، بطلت الوصية، هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال الزهري، وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي".
جاء في الإنصاف: "فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية بلا نزاع".
وجه القول بذلك: الوصية تستحق بموت الموصي، فإذا مات الموصى له قبل الاستحقاق بطلت الوصية، وبقيت على ملك صاحبها، فإذا مات بعده الموصي لم يتصور تمليك الموصى له، وهو ميت.
القول الثاني:
إذا مات الموصى له قبل موت الموصي انتقلت الوصية إلى ورثة الموصى له، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال الحسن البصري.
روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حفص، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه في رجل أوصى لرجل، فمات الذي أوصى له قبل أن يأتيه، قال: هي لورثة الموصى له. [ضعيف جدًّا، فيه الحارث الأعور].
وروى أبن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حفص، سألت عمرًا عنه؟ قال: كان الحسن يقول: هي لورثة الموصى له.
وجه هذا القول: إذا عقدت الوصية، والموصى له حي انعقدت الوصية، فإذا مات الموصى له انتقل هذا الحق من الموصى له كسائر حقوقه إلى ورثته.
قال عطاء: إذا علم الموصي بموت الموصى له، ولم يحدث فيما أوصى به شيئًا، فهو لوارث الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية، فيقوم الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي وقبل القبول.
الراجح:
قول الجمهور، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (43/ 244 - 246)
رابعًا: أن لا يكون الموصى له قاتلا للموصي.
اختلف الفقهاء في اشتراط كون الموصى له غير قاتل للموصي.
فذهب الحنفية والحنابلة في المذهب، والشافعية في مقابل الأظهر، والثوري إلى أنه يشترط في الموصى له أن لا يكون قاتلًا للموصي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لقاتل وصية".
ولأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية فالوصية أولى بالمنع، ومعاملة له بنقيض قصده، لقاعدة: "من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه".
والقتل المانع من الوصية هو القتل المضمون بقصاص أو دية أو كفارة، ولو كان خطأ، وسواء كان القتل مباشرة أو تسببًا عند الحنابلة.
أما الحنفية: فيشترطون في القتل المانع من الوصية أن يكون على سبيل المباشرة، فإن لم يكن بالمباشرة فلا يمنع الوصية والإرث، وأن يكون للموصي وارث، فإن لم يكن للموصي وارث صحت الوصية.
كما يشترطون في القاتل أن يكون مكلفًا، فإن لم يكن مكلفًا فتصح الوصية له، كما لو كان صبيًّا أو مجنونًا.
ولا يفرق الحنفية بين ما إذا كانت الوصية قبل الجرح أو بعده، فإن القاتل لا يستحق الوصية، ولو أوصى له الموصي بعد الجرح.
قال الكاساني: لو اشترك عشرة في قتل رجل، فأوصى لبعضهم بعد الجناية لم تصح؛ لأن كل واحد منهم قاتل على الكمال حين وجب القصاص على كل واحد منهم، فكانت وصية لقاتله فلم تصح.
ونص الحنابلة على أنه إن جرحه ثم أوصى له فمات من الجرح لم تبطل وصيته؛ لأنها صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها، بخلاف ما إذا تقدمت فإن القتل طرأ عليها فأبطلها.
وذهب المالكية، والشافعية في القول الأظهر، والحنابلة في إحدى الروايتين، اختارها ابن حامد، إلى أنه لا يشترط لصحة الوصية أن يكون الموصى له غير قاتل للموصي، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ؛ لأن الوصية تمليك بعقد، فأشبهت الهبة، وخالفت الإرث.
وقال المالكية: صح الإيصاء من مقتول إلى قاتله، سواء قتله عمدًا أو خطًا، إذا علم الموصي بسبب القتل، بأن علم بأنه هو الذي ضربه عمدًا أو خطًا.
وإن لم يعلم الموصي بالسبب، بحيث لم يعلم ضاربه، فأوصى له بشيء، فتأويلان، أحدهما: صحة الوصية؛ لأن الوصية بعد الضرب، فلا يتهم الموصى له بالاستعجال، والآخر: عدم صحة الوصية؛ لأن الموصي لو علم أن هذا القاتل له لم يوص له؛ لأن الشأن أن الإنسان لا يحسن لمن أساء إليه.
قال الدسوقي: الظاهر من التأويلين: الثاني، وهو عدم الصحة.
ولا يدخل في التأويلين: "أعطوا من قتلني"؛ لصحة الوصية اتفاقًا.
وقالوا: تكون الوصية في الخطأ في المال والدية، وفي العمد تكون في المال فقط، إلا أن ينفذ مقتله، ويقبل وارثه الدية، ويعلم المقتول فيها، فتكون في الدية أيضًا.
المجموع شرح المهذب - النووي - (15/ 417 ، 418)
فرع:
الوصية للقاتل فيها قولان، أحدهما، وهو مذهب مالك رضي الله عنه: تجوز الوصية وإن لم يرث، كما تجوز الوصية للكافر وإن لم يرث، ولأنه تمليك يراعى فيه القبول، فلم يمنع منه القتل، كالبيع، وهذا أحد الأوجه الثلاثة عند الحنابلة، حيث قال ابن حامد: تجوز الوصية له.
وهو قول أبي ثور وابن المنذر أيضًا.
والقول الثاني، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وأحد الأوجه الثلاثة عند الحنابلة: لا تصح الوصية له؛ لأن أحمد رضي الله عنه نص على أن المدبر إذا قتل سيده بطل تدبيره، وعندنا أنه يبطل إذا اعتبر التدبير وصية، أما إذا اعتبر صفة فإن التدبير ماض، ويعتق بموت سيده ولو قتلا، وهذا أيضًا قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، فيمنعها ما يمنعه؛ لأن الميراث أقوى التمليكات، فلما منع منه القتل كان أولى أن يمنع من الوصية.
المغني - ابن قدامة - (6/ 570)
فصل: وصية القاتل والروايات فيه
فصل: واختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه، فقال ابن حامد: تجوز الوصية له، واحتج بقول أحمد فيمن جرح رجلًا خطأ، فعفا المجروح، فقال أحمد: يعتبر من ثلثه، قال: وهذه وصية لقاتل، وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر، وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه؛ لأن الهبة له تصح، فصحت الوصية له كالذمي، وقال أبو بكر: لا تصح الوصية له؛ فإن أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده بطل تدبيره، والتدبير وصية، وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، فيمنعها ما يمنعه.
وقال أبو الخطاب: إن وصى له بعد جرحه صح، وإن وصى له قبله ثم طرأ القتل على الوصية أبطلها؛ جمعًا بين نصي أحمد في الموضعين، وهو قول الحسن بن صالح، وهذا قول حسن؛ لأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها، بخلاف ما إذا تقدمت فإن القتل طرأ عليها فأبطلها؛ لأنه يبطل ما هو آكد منها، يحققه أن القتل إنما منع الميراث؛ لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه، فعورض بنقيض قصده، وهو منع الميراث؛ دفعًا لمفسدة قتل الموروثين؛ ولذلك بطل التدبير بالقتل الطارئ عليه أيضًا، وهذا المعنى متحقق في القتل الطارئ على الوصية؛ فإنه ربما استعجلها بقتله، وفارق القتل قبل الوصية؛ فإنه لم يقصد به استعجال مال؛ لعدم انعقاد سببه، والموصي راض بالوصية له بعد صدور ما صدر منه في حقه، ولا فرق بين العمد والخطأ في هذا، كما لا يفترق الحال بذلك في الميراث، وعلى هذا متى دبر عبده بعد جرحه إياه صح تدبيره.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (17/ 499 ، 500)
بطلان الوصية بالقتل:
اختلف العلماء في بطلان الوصية بقتل الموصى له الموصي، على أربعة أقوال:
القول الأول:
لا تصح الوصية للقاتل مطلقًا، عمدًا كان أو خطًا، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، واختيار أبي بكر من الحنابلة.
القول الثاني:
تصح الوصية للقاتل مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، واختيار ابن حامد من الحنابلة.
القول الثالث:
إن جرحه، ثم أوصى له، فمات من الجرح لم، وإن أوصى له ثم جنى عليه لم تصح، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
القول الرابع:
إن كان القتل خطأ صحت الوصية مطلقًا، تقدمت الوصية أو تأخرت، وكانت الوصية في المال والدية؛ لأن القاتل لم يتعمد الجناية.
وإن كانت الجناية عمدًا كان في ذلك تفصيل:
إن كانت الوصية قبل الجناية بطلت الوصية، وإن كانت الوصية بعد الجناية، فإن علم الموصي بالجاني صحت الوصية، وكانت في المال دون الدية، وإن لم يعلم ففي المسألة قولان، وهذا مذهب المالكية في الجملة.
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق، عند الكلام على شروط الموصى له، فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الوصية إن كانت بعد الجناية صحت مطلقًا، عمدًا كانت الجناية أو خطًا، في المال والدية؛ لأن الجميع مال للموصي، والعلم ليس شرطًا في نفاذ الوصية؛ ولذلك لو كان للموصي مال ضائع، ثم وجد بعد وفاته دخل في الوصية.
وإن كانت الوصية قبل الجناية، فإن كانت عمدًا بطلت الوصية، وإن كانت خطأ صحت، وكون القتل مضمونًا في الخطأ لا يلحقه في العمد؛ لغياب قصد الجناية، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (43/ 273)
هلاك الموصى به المعين أو استحقاقه:
تبطل الوصية إذا كان الموصى به معينًا بالذات، وهلك قبل قبول الموصى له؛ لفوات محل حكم الوصية، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه، كما لو أوصى بهذه الشاة، فهلكت، تبطل الوصية؛ لأن الوصية تعلقت بعين قائمة وقت الإيصاء، وقد فاتت بعدئذ، ففات محل الوصية.
وكذلك تبطل الوصية إذا كان بجزء شائع في شيء بذاته، أو من نوع معين من أمواله، كأن يوصي بنصف هذه الدار، أو يوصي بفرس من أفراسه العشرة المعلومة، فهلكت، أو بنصف دوره فهدمت، فلا شيء للموصى له؛ لفوات محل الوصية.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (8/ 398 - 400)
إذا تلف الموصى به قبل موت الموصي أو بعده فلا شيء للموصى له
• المراد بالمسألة:
إذا أوصى لرجل بمعين من ماله، ثم تلف ذلك الجزء المعين قبل موت الموصي أو بعده من غير تفريط من الورثة فإنه لا شيء للموصى له، ولا حق له في بقية مال الميت.
• من نقل الإجماع:
ابن المنذر (318 هـ) قال: [وأجمعوا على أن الرجل إذا أوصي لرجل بشيء من المال بعينه، فهلك ذلك الشيء؛ أن لا شيء للموصى له في سائر مال الميت].
ابن قدامة (620 هـ) قال: [أجمع أهل العلم ممن علمنا قوله على أن الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو بعده فلا شيء للموصى له].
الموافقون على الإجماع:
الحنفية، والمالكية، والشافعية.
قال الماوردي: (... فإن انهدمت الدار: فقد سقط حق الموصى له بالغلة).
قال الكاساني: (وتبطل بهلاك الموصى به إذا كان عينًا مشارًا إليها؛ لبطلان محل الوصية، أعني: محل حكمه، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه).
قال الدسوقي: (... بخلاف شراء مثله فتبطل، فليس للموصى له ذلك المثل؛ لأنه غير ما عين له).
قال عبد الرحمن بن قاسم: (ومن أوصي له بمعين فتلف قبل موت الموصي، أو بعده قبل القبول بطلت الوصية؛ لزوال حق الموصى له).
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: أن الموصى له إنما يستحق بالوصية، لا غير، وقد تعلقت بمعين وقد ذهب، فذهب حقه، كما لو تلف في يده.
الثاني: أن التركة في يد الورثة غير مضمونة عليهم؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير فعل منهم ولا تفريط، فلم يضمنوا شيئًا.
الثالث: لفوات ما تعلقت به الوصية من غير تفريط. ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه.
النتيجة:
صحة الإجماع في أن الوصية إذا تلف منها الجزء المعين قبل موت الموصي أو بعده من غير تفريط من الورثة فإنه لا شيء للموصى له، ولا حق له في بقية مال الميت.
المغني - ابن قدامة - (6/ 621)
مسألة: قال: (وإذا أوصى له بشيء بعينه، فتلف بعد موت الموصي لم يكن للموصى له شيء، وإن تلف المال كله إلا الموصى به فهو للموصى له).
أجمع أهل العلم ممن علمنا قوله على أن الموصى به إذا تلف قبل موت الموصى أو بعده فلا شيء للموصى له، كذلك حكاه ابن المنذر، فقال: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا أوصى له بشيء فهلك ذلك الشيء أن لا شيء له في سائر مال الميت؛ وذلك لأن الموصى له إنما يستحق بالوصية لا غير، وقد تعلقت بمعين وقد ذهب، فذهب حقه، كما لو تلف في يده، والتركة في يد الورثة غير مضمونة عليهم؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير فعلهم ولا تفريطهم، فلم يضمنوا شيئًا، وإن تلف المال كله سواه فهو للموصى له؛ لأن حق الورثة لم يتعلق به؛ لتعيينه للموصى له، وذلك يملك أخذه بغير رضاهم وإذنهم، فكان حقه فيه دون سائر المال وحقوقهم في سائر المال دونه، فأيهما تلف حقه لم يشارك الآخر في حقه، كما لو كان التلف بعد أن أخذه الموصى له وقبضه، وكالورثة إذا اقتسموا ثم تلف نصيب أحدهم، قال أحمد فيمن خلف مائتي دينار، وعبدًا قيمته مائة، ووصى لرجل بالعبد، فسرقت الدنانير بعد الموت: فالعبد للموصى له به.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (17/ 501 ، 502)
إبطال الوصية من جهة الموصى به:
تبطل الوصية من جهة الموصى به بسببين:
الأول: هلاك الموصى به إذا كان معينًا، وذلك أن المال الموصى به إن كان معينًا تعلقت الوصية بعينه، فإن هلك بطلت الوصية، وإن كان المال الموصى به مالًا شائعًا غير معين، كأن يقول: أوصيت لفلان بثلث مالي لم تبطل الوصية بهلاك المال إذا وجد له مال بعد ذلك عند الوفاة.
جاء في البدائع: "وتبطل بهلاك الموصى به إذا كان عينًا مشارًا إليها؛ لبطلان محل الوصية، أعني: محل حكمه".
وفي الإنصاف: "ومن أوصي له بشيء بعينه، فتلف قبل موت الموصي، أو بعده؛ بطلت الوصية بلا نزاع".
وقال ابن قدامة: "وإذا أوصى له بشيء بعينه، فتلف بعد موت الموصي، لم يكن للموصى له شيء، وإن تلف المال كله إلا الموصى به، فهو للموصى له، أجمع أهل العلم ممن علمنا قوله على أن الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو بعده فلا شيء للموصى له، كذلك حكاه ابن المنذر، فقال: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا أوصي له بشيء، فهلك ذلك الشيء، أن لا شيء له في سائر مال الميت؛ وذلك لأن الموصى له إنما يستحق بالوصية لا غير، وقد تعلقت بمعين، وقد ذهب، فذهب حقه، كما لو تلف في يده، والتركة في يد الورثة غير مضمونة عليهم؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير فعلهم، ولا تفريطهم، فلم يضمنوا شيئًا".