موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (31/ 48 ، 49)
عورة المرأة بالنسبة للمحارم:
المراد بمحرم المرأة: من يحرم عليه نكاحها على وجه التأبيد؛ لنسب، أو سبب (مصاهرة)، أو رضاع.
قال المالكية، والحنابلة في المذهب: إن عورة المرأة بالنسبة إلى رجل محرم لها هي غير الوجه والرأس واليدين والرجلين، فيحرم عليها كشف صدرها وثدييها ونحو ذلك عنده، ويحرم على محارمها كأبيها رؤية هذه الأعضاء منها، وإن كان من غير شهوة وتلذذ.
وذكر القاضي من الحنابلة أن حكم الرجل مع ذوات محارمه هو كحكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة.
وعورة المرأة بالنسبة لمن هو محرم لها عند الحنفية: هي ما بين سرتها إلى ركبتها، وكذا ظهرها وبطنها، أي: يحل لمن هو محرم لها النظر إلى ما عدا هذه الأعضاء منها عند أمن الفتنة، وخلو نظره من الشهوة، والأصل فيه قوله تعالى: { وَلَا يُبْدينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَائِهِنَّ } [النور: 31]، والمراد بالزينة: مواضعها، لا الزينة نفسها؛ لأن النظر إلى أصل الزينة مباح مطلقًا، فالرأس موضع التاج، والوجه موضع الكحل، والعنق والصدر موضعا القلادة، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملوج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم، والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب، بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست بموضع للزينة، ولأن الاختلاط بين المحارم أمر شائع، ولا يمكن معه صيانة مواضع الزينة عن الإظهار والكشف.
وكل ما جاز النظر إليه منهن دون حائل جاز لمسه عند أمن الفتنة، وإلا لم يجز، وكذلك الأمر بالنسبة للخلوة بإحداهن منفردين تحت سقف واحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل فاطمة رضي الله عنها.
ولم يجز للرجل النظر إلى ظهر أو بطن أو فخذ من هي محرم له، فضلًا عن حرمة النظر إلى ما بين سرتها وركبتها، كما لم يحل لمس أي من هذه الأعضاء؛ لعموم قوله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30]، ولأنه سبحانه وتعالى جعل الظهار منكرًا من القول وزورًا، وهو – أي: الظهار - تشبيه الزوجة بظهر الأم في حق الحرمة، ولو لم يكن النظر إلى ظهر الأم وبطنها أو لمسها حرامًا لم يكن الظهار منكرًا من القول وزورًا.
وكل ما يحل للرجل من النظر واللمس من ذوات محارمه يحل مثله لها بالنسبة لمن هو محرم لها، وكل ما يحرم عليه يحرم عليها.
والشافعية يرون جواز نظر الرجل إلى ما عدا ما بين السرة والركبة من محارمه من النساء من نسب أو رضاع أو مصاهرة صحيحة، وقيل: يحل له النظر فقط إلى ما يظهر منها عادة في العمل داخل البيت، أي: إلى الرأس والعنق واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة.
وهم يقررون هذين الاتجاهين أيضًا بالنسبة لنظرها إلى من هو محرم لها.
وقال الحنابلة: الكافر محرم لقريبته المسلمة؛ لأن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة، فطوت فراش النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يجلس عليه، ولم تحتجب منه، ولا أمرها بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (3/ 125 - 128)
ما يحرم النظر إليه من المحارم:
نُقل الإجماع على تحريم النظر إلى المحارم من النساء ما بين السرّة إلى الركبة، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وتحريم النظر إليهن مطلقًا إن كان بشهوة.
• من نقل الإجماع:
1 - الشربيني (977 هـ)، حيث قال: «ولا ينظر الفحل إلى محرمه الأنثى من نسب أو رضاع أو مصاهرة ما بين سرّة وركبة منها، أي: ويحرم نظر ذلك إجماعًا».
2 - ابن القاسم (1392 هـ)، حيث قال: «لا خلاف في النظر على الوجه المباح إلى ذوات محارمه، كأمه، وأخته، وابنته، كما أنه لا خلاف في منعه على وجه الالتذاذ والاستمتاع».
• الموافقون على الإجماع:
أولًا: ما ذكره ابن قاسم من الحنابلة من تحريم النظر إلى المحارم بشهوة وافق عليه الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم.
ثانيًا: ما ذكره الشربيني من الشافعية، من تحريم النظر إلى ما بين السرّة والركبة من المحارم، سواء كان بشهوة أو غيرها، وافق عليه الحنفية، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية.
• مستند الإجماع:
1 - قال تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [النور: 30].
2 - قوله تعالى: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } [النور: 31].
3 - قال تعالى: { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } [الأحزاب: 55].
• وجه الدلالة: أمر اللَّه سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه منهم؛ حذرًا من الافتتان.
• الخلاف في المسألة:
أولًا: ذهب المالكية، والشافعية في وجه، والحنابلة إلى أن المقدار الذي يراه الرجل من محارمه هو ما يظهر غالبًا، كالوجه والذراعين، والقدمين، وما فوق النحر؛ فلا يدخل الصدر، والبطن، والساقان، فيما يجوز للرجل أن يراه من محرمه.
• أدلة هذا القول:
استدلوا بما ذكر في مستند الإجماع، وحملوا الزينة التي تظهر للمحارم على ما يظهر غالبًا عند المهنة.
ثانيًا: ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز للرجل أن يرى من محرمه كل جسمها، ما عدا السوأتين.
• أدلة هذا القول:
1 - قال تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ } الآية [النور: 31].
• وجه الدلالة:
1- ذكر اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية أن للمرأة زينتين: ظاهرة، وهي الوجه والكفان، وباطنة لا يراها إلا من ذكر في الآية.
2- أن غير الزوج يحرم عليه النظر إلى الفرجين، فيحل للرجل أن يرى من محارمه كل جسمها، ما عدا الفرجين.
النتيجة:
أولًا: تحقق الإجماع على أنه يحرم النظر إلى المحارم بشهوة، ولا مخالف في هذا.
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن يجوز للرجل أن يرى من محارمه كل جسمها، ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لما يأتي:
1- خلاف المالكية، والشافعية في أحد الوجهين، والحنابلة، أن الرجل لا يرى من محارمه إلا ما يظهر غالبًا، كالوجه، والرأس، والقدمين، ونحوها.
2- خلاف ابن حزم في إباحة أن يرى الرجل من محارمه كل جسمها، ما عدا الفرجين.
المجموع شرح المهذب - النووي - (16/ 134)
فصل: ويجوز لذوي المحارم النظر إلى ما فوق السرة ودون الركبة من ذوات المحارم؛ لقوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } [النور: 31].
ويجوز للرجل أن ينظر إلى ذلك من الرجل، وللمرأة أن تنظر إلى ذلك من المرأة؛ لأنهم كذوي المحارم في تحريم النكاح على التأييد، فكذلك في جواز النظر.
المغني - ابن قدامة - (7/ 454)
فصل: أحكام نظر الرجل إلى المرأة
فصل: ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا، كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستتر غالبًا كالصدر والظهر ونحوهما.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الرجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه، أو امرأة ابنه، فقال: هذا في القرآن: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [النور: 31]، إلا لكذا وكذا، قلت: ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها؟ قال: لا يعجبني، ثم قال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا، وإلى كل شيء لشهوة، وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة، وقال أبو بكر: كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه وصدرها على التوقي؛ لأن ذلك يدعو إلى الشهوة، يعني: أنه يكره ولا يحرم، ومنع الحسن والشعبي والضحاك النظر إلى شعر ذوات المحارم، فروي عن هند بنت الملهب قالت: قلت للحسن: ينظر الرجل إلى قرط أخته وإلى عنقها؟ قال: لا، ولا كرامة، وقال الضحاك: لو دخلت على أمي لقلت: أيتها العجوز، غطي شعرك، والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبًا؛ لقول الله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } [النور: 31] الآية.
وقالت سهلة بنت سهيل: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، كان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه»، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها، رواه أبو داود وغيره، وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبًا، فإنها قالت: يراني فُضُلًا، ومعناه: في ثياب البذلة التي لا تستر أطرافها.
وقال امرؤ القيس:
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا *** وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا لَبْسَةُ الْمُتَفَضِّلِ
ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر، فكان يراها كذلك؛ إذ اعتقدته ولدًا، ثم دَلَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ويفعلونه.
وروى الشافعي في مسنده عن زينب بنت أبي سلمة، أنها ارتضعت من أسماء امرأة الزبير، قالت: فكنت أراه أبًا، وكان يدخل عليَّ وأنا أمشط رأسي، فيأخذ ببعض قرون رأسي، ويقول: أقبلي عليَّ، ولأن التحرز من هذا لا يمكن، فأبيح كالوجه، وما لا يظهر غالبًا لا يباح؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى نظره، ولا تؤمن معه الشهوة، ومواقعه المحظور، فحرم النظر إليه، كما تحت السرة.