الموسوعة الفهية الكويتية (5/ 26)
ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم الانتفاع بالخمر للمداواة، وغيرها من أوجه الانتفاع، كاستخدامها في دهن، أو طعام، أو بل طين، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». وأخرج مسلم في صحيحه وغيره: «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا - فَقَال: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ». وقال الجمهور: (يُحَدُّ مَنْ شَرِبَها لدَواءٍ). وذهب الشافعية إلى أن التداوي بالخمر حرام في الأصح إذا كانت صرفًا غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه، ويجب الحد.
أما إذا كانت ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه، فإنه يجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات، وحينئذ تجري فيه قاعدة الضرورة الشرعية. وإذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل شفاء، بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به، وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلًا لا يسكر. وذهب الإمام النووي إلى الجزم بحرمتها فقال: المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي.
المجموع شرح المهذب (9/ 51)
(أما) الخمر والنبيذ وغيرهما من المسكر، فهل يجوز شربها للتداوي أو العطش؟ فيه أربعة أوجه مشهورة:
(الصحيح) عند جمهور الأصحاب لا يجوز فيهما.
(والثاني): يجوز، (والثالث) يجوز للتداوي دون العطش، (والرابع) عكسه، قال الرافعي: الصحيح عند الجمهور لا يجوز لواحد منهما، ودليله حديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء). رواه مسلم في صحيحه، واختار إمام الحرمين والغزالي جوازها للعطش دون التداوي، والمذهب الأول وهو تحريمها لهما، وممن صحَّحه المحاملي وسأورد دليله قريبًا إن شاء الله تعالى، فإن جوزنا شربها للعطش، وكان معه خمر وبول لزِمَه شرب البول، وحرم الخمر؛ لان تحريم الخمر أخف، قال أصحابنا: فهذا كمن وجد بولًا وماء نجسًا فإنه يشرب الماء النجس؛ لأن نجاسته طارئة، وفي جواز التبخر بالند المعجون بالخمر وجهان بسبب دخانه (أصحهما) جوازه؛ لأنه ليس دخان نفس النجاسة، والله أعلم.