الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 143: 146)
الدعوة قبل القتال
24 - اتفق الفقهاء على أنه إذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصنا دعوا الكفار إلى الإسلام؛ لقول ابن عباس رضي الله عنه ما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام فإن أجابوا كفوا عن قتالهم لحصول المقصود، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله .
وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، وهذا في حق من تقبل منه الجزية، وأما من لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فلا فائدة في دعوتهم إلى قبول الجزية. وهذا في حق من لم تبلغه الرسالة لقطع حجتهم؛ لأنه لا يلزمهم الإسلام قبل العلم، والدليل عليه قوله عز وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ، ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم، ولحديث بريدة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على جيش أو سرية أمره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم ولقوله صلى الله عليه وسلم في وصية أمراء الأجناد: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولأنهم بالدعوة يعلمون أنا نقاتلهم على الدين لا على سلب الأموال وسبي الذراري، فلعلهم يجيبون فنكفى مؤنة القتال .
قال المالكية. ودعوة الكفار وجوبا إلى الإسلام تستمر ثلاثة أيام في كل يوم مرة، فإذا دعوا أول الثالث قوتلوا في أول الرابع بعد دعوتهم فيه لأداء الجزية وامتناعهم، ولا تجب دعوتهم للإسلام لا في بقية الثالث، ولا في أول الرابع. ثم إن أبوا قبول الإسلام دعوا إلى أداء الجزية مرة واحدة في أول اليوم الرابع إجمالا، إلا أن يسألوا عن تفصيلها بمحل يؤمن فيه غدرهم لكونهم تنالهم فيه أحكامنا، وإلا بأن لم يجيبوا أو أجابوا ولكن بمحل لا تنالهم أحكامنا فيه، ولم يرتحلوا لبلادنا قوتلوا وقتلوا . ولو قاتلهم المسلمون قبل الدعوة أثموا للنهي، ولا يضمن المسلمون شيئا مما أتلفوه من الدماء والأموال عند حنفية مع الإثم، وهذا لعدم العاصم وهو الدين، أو الإحراز بالدار، فصار كقتل النسوان والصبيان .
هذا في حق من لم تبلغه الدعوة من عبدة الأوثان وغيرهم، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال.
أما من بلغته الدعوة من أهل الكتاب والمجوس، فإنه لا تجب دعوتهم؛ لأن الدعوة قد انتشرت وعمت، فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادر بعيد.
ذكر ابن عابدين نقلا عن الفتح: أن المدار على غلبة الظن بأن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة .
قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة ، وذلك لما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال . . . الحديث.
وقال مالك: أما من قارب الدروب فالدعوة مطروحة لعلمهم بما يدعون إليه، وما هم عليه من البغض والعداوة للدين وأهله، ومن طول معارضتهم للجيوش ومحاربتهم لهم، فلتطلب غرتهم. ولا تحدث لهم الدعوة إلا تحذيرا وأخذ عدة لمحاربة المسلمين، ومنعا لما رجاه المسلمون من الظهور عليهم.
قال مالك: إذا عاجلك أهل الحرب عن أن تدعوهم فقاتلهم، وسئل عن قوم أتوا إلى قوم في ديارهم فأرادوا قتلهم وأخذ أموالهم. قال مالك: ناشدوهم بالله فإن أبوا وإلا فالسيف .
وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بابتغاء عورة العدو ليلا ونهارا؛ لأن دعوة الإسلام قد بلغتهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق غيلة ، وكذلك يفعل بقوم إن جلست بأرضك أتوك، وإن سرت إليهم قاتلوك.
وروى ابن وهب عن ربيعة أنه قال: إن كان عدو لم تبلغه الدعوة ولا أمر النبوة، فإنهم يدعون ويعرض عليهم الإسلام، وتسير إليهم الأمثال، وتضرب لهم العبر، ويتلى عليهم القرآن، حتى إذا بلغ العذر في دعائهم وأبوا طلبت عورتهم، والتمست غفلتهم، وكان الدعاء فيمن أعذر إليهم في ذلك بعد الإعذار تحذيرا لهم، وفي هذا ضرر على المسلمين .
قال ابن قدامة من الحنابلة: إن وجوب الدعوة قبل القتال يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام، فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة، فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال.
قال أحمد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام. ولكن إذا دعي من بلغتهم الدعوة فلا بأس .
ويستحب ذلك مبالغة في الإنذار لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم خيبر: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ، إلا إذا تضمنت دعوتهم ضررا ولو بغلبة الظن كأن يستعدوا أو يتحصنوا فلا يفعل الدعاء فيمن أعذر إليهم في ذلك بعد الإعذار تحذيرا لهم، وفي هذا ضرر على المسلمين .
قال ابن قدامة من الحنابلة: إن وجوب الدعوة قبل القتال يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام، فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة، فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال.
قال أحمد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام. ولكن إذا دعي من بلغتهم الدعوة فلا بأس .
ويستحب ذلك مبالغة في الإنذار لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم خيبر: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ، إلا إذا تضمنت دعوتهم ضررا ولو بغلبة الظن كأن يستعدوا أو يتحصنوا فلا يفعل
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة مؤلفين(6/ 84)
[31/ 10] ما يجب قبل الحرب (دعوة أهل الكتاب قبل القتال وتخييرهم):
• المراد بالمسألة: بيان أن مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عَلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فإنه يجبُ أن يُدعَى إلى الإسلام أو الجزية قبل إعلان القتال عليه، فإن امتنع قوتل حينئذٍ، إلا أنه في حالة معالجة الكفار للمسلمين بالقتال وهجومهم عليهم، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة؛ لضرورة الدفاع عن الأنفس والأعراض، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: أبو جعفر الطبري (310 هـ) حيث يقول: (أجمعت الحجة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمراء سراياه بدعوة من لم تبلغه الدعوة) وابن حزم (456 هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) .
وابن رشد (595 هـ) حيث يقول: (شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، فلا يجوز حربهم حتى تبلغهم الدعوة وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين) .
• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
• مستند الإجماع:
1 - قول اللَّه تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]
• وجه الدلالة: حيث تضمَّن ظاهرُ الآية الكريمة الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال.
2 - عن بريدة رضي الله عنه قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أمرَّ أميرًا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ". . . وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم. . " .
3 - عن سهلٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: "لأُعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله"، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: "أين عليٌّ؟ "، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فواللَّه لأَنْ يَهْدِيَ اللَّه بك رجلًا خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ" .
• وجه الدلالة من الحديثين: أنه بدأ صلى الله عليه وسلم بالأمر بدعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم، والأمر يقتضي الوجوب، فدل على وجوب دعوتهم أولا إذا لم تبلغهم الدعوة.
4 - وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما قاتل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قومًا حتى دعاهم إلى الإسلام" .
5 - إعلامهم بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال ماذا يقاتلون عليه؛ فربما ظنوا أن من يقاتلهم لصوص يريدون أموالهم وسبي ذراريهم، فإذا علموا أنهم يقاتلون على الدعوة إلى الدين، ربما أجابوا وانقادوا للحق من غير قتال .
• الخلاف في المسألة: ذكر الشوكاني، والصنعاني أن دعوة الكفار قبل القتال لا تجب مطلقًا، ذكراه على أنه قول، ولم يعزياه لأحد .
وقال النووي عنه: "إنه باطل" .
وقد نسب ابن الملقِّن هذا القول إلى ابن شاهين (385 هـ) حيث قال: (ادعى ابن شاهين في "ناسخه ومنسوخه" نسخ حديث ابن عباس: "ما قاتل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قومًا حتى دعاهم" بحديث ابن عمر هذا ، قال: والناسخ هو قول نافع: "إنما كان ذلك في أول الإسلام" وهذا عجيب منه، وقد تعقبه عليه ابن الجوزي الحافظ في كتابه "الإعلام" في الفن المذكور، فقال: ليس هذا قول من يعرف الناسخ والمنسوخ بأنه عليه السلام لم يقاتل قومًا إلا بعد أن دعاهم؛ لأنه لما شاعت الدعوة افتتح اتساعها ومرورها على أسماعهم مرارًا، فلما أصروا على الكفر صارت الإغارة عليهم على غرتهم من غير تحديد دعوة حينئذٍ) .
وتبع ابن شاهين في القول بنسخ الأحاديث الآمرة بالدعوة قبل القتال الحازمي .
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغهم الدعوة، لوجود الخلاف، منه ما حكاه النووي والشوكاني والصنعاني من القول بعدم وجوب الدعوة مطلقًا، ، وكذا ما ذهب إليه ابن شاهين والحازمي من النسخ، فكلا القولين يقدح في انعقاد الإجماع، واللَّه تعالى أعلم
الإنجاد في أبواب الجهاد (167 : 169)
ما جاء في الأمر بالدعوة قبل القتال
قال الله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء: 15] ،
وقال -تعالى-: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) [الأحزاب: 45
خرَّج البخاري ، عن سهلٍ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟» ، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ» .
وخرّج مسلم عن ابن عونٍ قال: كَتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنْعامُهم تُسقى على الماء، فقتلَ مُقَاتَلَتَهُمْ، وسبَى سَبيهم، وأصاب يومئذٍ جُويرية بنت الحارث. حدثني هذا الحديث: عبد الله بن عمر -وكان في ذلك الجيش-.
فتضمَّن ظاهرُ القرآن، ونصُّ حديث سهلٍ الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وجاء في حديث ابن عمر مباغَتَتُهم، والإغارةُ عليهم، وهم غارُّون، فوجب أن يرجع ذلك إلى اختلافِ أحوال الكُفّار، فيمن كان قد علِمَ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما يقاتلهم عليه، داعياً إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو كان لم يعلم شيئاً من ذلك، والدليل على ذلك قوله في الحديث: «إنما كان ذلك في أول الإسلام» ، يعني: دعاءهم قبل القتال، حيثُ كانوا جاهلين بأمرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحوالُ الكفار لا تخلو من هذين الوجهين، فأمَّا مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فلا خِلافَ يُعرفُ أنه يجبُ أن يُدعَى قبلُ إلى الإسلام،
ويعلم بما يجب في ذلك، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذٍ.
وأمّا من عُلِمَ أن الدعوة قد بلغتهم قَبْلُ، وعرفوا مايراد منهم، فهذا موضِعٌ اختلف فيه أهل العلم، فَرُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أمرَ أن يُدعوا قبل أن يقاتلوا ، وكذلك رَوَى ابن القاسم عن مالكٍ أن يُدْعوا، ورُوي عنه -أيضاً- خلافُ ذلك .
قال ابن المنذر : «وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يُدعوا، قالوا: قد بلغتهم الدعوة، هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النَّخعيِّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعدٍ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، والنعمان؛ وأصحابه » .
قال: «واحتجَّ الليثُ بن سعدٍ، والشافعيُّ بقتل كعب بن الأشرف ، واحتج الشافعيُّ -أيضاً- بقتل ابن أبي الحُقيق ، واحتجَّ الليثُ بقتل الذي قتله عبد الله قال ابن المنذر: هو سفيان بن نُبيح، وقال غيره: خالد بن نُبيح.
قال: وكان الشافعي، وأبو ثورٍ، يقولان: فإن كان قومٌ لم تبلغهم الدعوة، ولا عِلْمَ لهم بالإسلام، لم يقاتلوا حتى يُدعوا إلى الإسلام. قال ابن المنذر: «وكذلك نقول» .
قلت: وهو الذي يشهد له الجمع بين الأحاديث في ذلك، ويعضده النظر.قال أبو الحسن اللَّخْمي في دعاء من قد بلغته الدعوة: ذلك على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة، فأمًّا الجيوش العظام؛ تنزل بمن يرى أنه لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن؛ أنهم مَتَى دُعوا إلى الإسلام، أو إلى الجزية؛ أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنهم لا يقبل ذلك منهم الآن؛ لِمَا تقدَّمهم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة واجبة، وإن كانوا عالمين بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظنّ إجابتهم، كانت الدعوة مستحبة، وإنْ لم تُرجَ إجابتهم؛ كانت مباحة، وإن كان المسلمون قلَّة، ويخشى أن يكون في ذلك إنذار بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعةً، وهذا تقسيمٌ حسنٌ، ووجوهه ظاهرة، وعلى حسب هذا الاعتبار ذكر في جواز التَّبييت.
قال: ذلك على ثلاثة أوجه: فمن كان تجب دعوته لا يجوز تَبْييتُهُ، ومن لا تجب وتستحب مع ذلك دعوته؛ كره تبييته، ومن كانت الدعوة مباحةً فيهم؛ كان التبييت جائزاً، إلا أن يُخشى على المسلمين إذا دخلوا ليلاً من جهلٍ بالبلد، وخَوفِ ما عسى أن يؤتى عليهم منه، وكل هذا قول صحيح حسن، وقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم التبييت فيمن بلغتهم الدعوة خرَّج مسلم ، عن الصَّعب بن جثَّامة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدار من المشركين يُبَيَّتون، فيصيبون من نسائهم وذَراريِّهم، فقال: «هُمْ منهم» .
وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً من الأنصار إلى ابن أبي الحُقَيْق وإلى كعب ابن الأشرف، فَهجَموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر ، وكذلك بعث عبد الله ابن أنيس الجُهني من المدينة إلى ابن نُبيح الهذلي، فاغتاله بالقتل، وهو بِعُرنَة من جبال عرفات . فدلَّ ذلك كلُّه على جوازه فيمن بلغته الدعوة وإذا توجه القتال فيمن لا تجب دعوتهم، إما لأنهم عالمون بدعوة الإسلام أو لأنهم تُقُدِّم إليهم بالدعوة فلم يجيبوا؛ لم يُؤذنوا بحرب، بل تستعمل معهم المكيدة، والمكر، والخديعة الجائزة في الحرب، ولا يعلمون بوقت الهجوم عليهم؛ لأنه أنكى لهم وأبلغُ في عقوبتهم والنَّيلِ منهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني المصطلق على ما في حديث ابن عمر .
وفي كتاب مسلم ، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خُدعة» .
وفي البخاري ، عن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قَلَّمَا يريد غزوة يغزوها؛ إلا ورَّى بغيرها
التمهيد - ابن عبد البر (2/ 229)
عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر آتاها ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين".
في هذا الحديث إباحة المشي بالليل، فإذا كان ذلك كذلك، جاز الاستخدام بالمماليك والأحرار إذا اشترط ذلك عليهم وكانت ضرورة.
وفيه: إتعاب الدواب بالليل عند الحاجة إلى ذلك ما لم يكن سرمدا؛ لأن العلم محيط أنهم لم يخلوا من مملوك يخدمهم، وأجير ونحو ذلك.
وفيه: أن الغارة على العدو إنما ينبغي أن تكون في وجه الصباح؛ لما في ذلك من التبيين والنجاح في البكور.
وفيه: أن من بلغته الدعوة من الكفار لم يلزم دعاؤه، وجازت الغارة عليه، وطلب غفلته وغرته.
وقد اختلف العلماء في دعاء العدو قبل القتال إذا كانوا قد بلغتهم الدعوة؛ فكان مالك رحمه الله يقول: الدعوة أصوب، بلغهم ذلك أو لم يبلغهم، إلا أن يعجلوا المسلمين أن يدعوهم. وقال عنه ابن القاسم: لا يبيتوا حتى يدعوا وذكر الربيع، عن الشافعي، في كتاب "البويطي" مثل ذلك: لا يقاتل العدو حتى يدعوا، إلا أن يعجلوا عن ذلك، فإن لم يفعل فقد بلغتهم الدعوة. وحكى المزني، عن الشافعي: من لم تبلغهم الدعوة لم يقاتلوا حتى تبلغهم الدعوة؛ يدعون إلى الإيمان. قال: وإن قتل منهم أحد قبل ذلك، فعلى قاتله الدية. وقال المزني عنه أيضا في موضع آخر: من بلغتهم الدعوة فلا بأس أن يغار عليهم بلا دعوة.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إن دعوهم قبل القتال فحسن، ولا بأس أن يغيروا عليهم.
وقال الحسن بن صالح بن حي: يعجبني كلما حدث إمام بعد إمام أحدث دعوة لأهل الشرك.
قال أبو عمر: هذا قول حسن، والدعاء قبل القتال على كل حال حسن؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر سراياه بذلك، وكان يدعو كل من يقاتله مع اشتهار كلمته ودينه في جزيرة العرب، وعلمهم بمنابذته إياهم، ومحاربته لمن خالفه، وما أظنه أغار على خيبر وعلي بني المصطلق إلا بإثر دعوته لهم في فور ذلك أو قريب منه مع يأسه عن إجابتهم إياه، وكذلك كان تبييته وتبييت جيوشه لمن بيتوا من المشركين على هذا الوجه، والله أعلم.
وفي التبييت حديث الصعب بن جثامة، وحديث سلمة بن الأكوع، قال: أمر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فغزونا ناسا فبيتناهم وقتلناهم. قال وكان شعارنا في تلك الليلة: أمت أمت. قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أبيات من المشركين.
قال أبو عمر: هذا، والله أعلم، ومثله لقوم أظهروا العناد والأذى للمسلمين، ويئس من إنابتهم وخيرهم، والله أعلم.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا علي بن حرب الطائي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم.
وهذا يحتمل ممن لم تبلغهم الدعوة، ويحتمل من كل كافر محارب.
حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريد، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيها أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حكم الله كما يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"
المغني لابن قدامة (13/ 29)
1627 - مسألة؛ قال: (ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون، لأن الدعوة قد بلغتهم، ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا)
أما قوله في أهل الكتاب والمجوس: لا يدعون قبل القتال. فهو على عمومه؛ لأن الدعوة قد انتشرت وعمت، فلم يبق منهم ممن لم تبلغه الدعوة إلا نادر بعيد. وأما قوله: يدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا. فليس بعام، فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعى قبل القتال، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة، دعوا قبل القتال. قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك، على هذه الصفة، لم يجز قتالهم قبل الدعوة؛ وذلك لما روى بريدة، قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أمره بتقوى الله في خاصته، وبمن معه من المسلمين، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن أبوا، فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم". رواه أبو داود، ومسلم. وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة، وظهور الإسلام، فأما اليوم، فقد انتشرت الدعوة، فاستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال. قال أحمد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين، وعلا الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، وإن دعا فلا بأس. وقد روى ابن عمر رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بنى المصطلق، وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة؛ وسبى الذرية. متفق عليه. وعن الصعب بن جثامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من ديار المشركين، يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم". متفق عليه وقال سلمة بن الأكوع: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فغزونا ناسا من المشركين، فبيتناهم. رواه أبو داود . ويحتمل أن يجعل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب، فإنها مستحبة في كل حال، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا حين أعطاه الراية يوم خيبر، وبعثه إلى قتالهم، أن يدعوهم، وهم ممن بلغته الدعوة. رواه البخاري. ودعا خالد بن الوليد طليحة الأسدى، حين تنبأ، فلم يرجع، فأظهره الله عليه. ودعا سلمان أهل فارس فإذا ثبت هذا، فإن كان المدعو من أهل الكتاب، أو مجوسا، دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا، دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا، قاتلهم، وإن كانوا من غيرهم، دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا، قاتلهم، ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فلم يضمن، كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم