الموسوعة الفقهية الكويتية (17/ 188)
دخول الكافر للحرم:
7 - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز لغير المسلم السكنى والإقامة في الحرم لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا )
والمراد بالمسجد الحرام الحرم بدليل قوله سبحانه وتعالى بعده: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) أي إن خفتم فقرا وضررا بمنعهم من الحرم وانقطاع ما كان يحصل لكم بما يجلبونه إليكم من المكاسب فسوف يغنيكم الله من فضله. ومعلوم أن الجلب إنما يجلب إلى البلد والحرم، لا إلى المسجد نفسه.
والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم منه، فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال . صلى الله عليه وسلم
واختلفوا في اجتياز الكافر الحرم بصفة مؤقتة، فذهب الشافعية والحنابلة وهو قول عند المالكية: إلى منع دخول الكفار إلى الحرم مطلقا، لعموم الآية. فإن أراد كافر الدخول إلى الحرم منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة خرج إليه من يشتري منه ولم يترك هو يدخل. وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم خرج إليه من يسمع رسالته ويبلغها إياه. فإن قال: لا بد لي من لقاء الإمام وكانت المصلحة في ذلك خرج إليه الإمام، ولم يأذن له بالدخول.
وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبله .
قال الشافعية والحنابلة: وإذا دخل المشرك الحرم بغير إذن عزر ولم يستبح به قتله، وإن دخله بإذن لم يعزر وينكر على من أذن له وقال الحنفية: لا يمنع الذمي من دخول الحرم، ولا يتوقف جواز دخوله على إذن مسلم ولو كان المسجد الحرام .
يقول الجصاص في تفسير قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) : يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد الوجهين: إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركو العرب. أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة ) الآية، وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج، لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت في مواسم الحج
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (6/ 445)
22] حرية الذمى بالتنقل والسكن في أرض الإسلام، والدخول في أي البلاد حاشا جزيرة العرب :
• المراد بالمسألة: أن الذمي يجوز له التنقُّل والسكن والدخول في أي بلاد المسلمين شاء، سواء لقضاء حوائجه، أو إدارة تجاراته، أو لمصلحة المسلمين، ويمنعون من الاستيطان في جزيرة العرب، ومنها الحجاز، والمسجد الحرام، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
• الناقلون للإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن لأهل الذمة المشي في أرض الإسلام، والدخول حيث أحبوا من البلاد، حاشا الحرم بمكة، فإنهم اختلفوا أيدخلونه أم لا؟ ) ، وقال أيضًا: (واتفقوا على أن لهم سكنى أيِّ بلد شاؤوا من بلاد الإسلام على الشروط التي قدمنا (أي الشروط العمرية)، حاشا جزيرة العرب) .
• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
• مستند الإجماع:
1 - أن سكن أهل الذمة في بلاد المسلمين، وكراءهم دورهم فيه نفعٌ للمسلمين، وفي مخالطتهم لهم وقوفٌ على حسن تعامل المسلمين، وجلال وكمال شريعتهم، فلعلهم بذلك يسلمون، فيتحقق الهدف الأسمى من تشريع عقد الذمة .
2 - أن القاعدة المقررة أنه "تجري على الذمي أحكام المسلمين، إلا ما يستثنى من ذلك" ، فكما أن للمسلمين السكن والتنقل في أي بلاد المسلمين شاؤوا، فكذلك الذمي له نفس الحكم، ما عدا السكنى في جزيرة العرب، فقد ثبت الاستثناء من ذلك، كما سيتقرر في الأدلة التالية.
3 - أما منعهم من الاستيطان في جزيرة العرب ومنها الحجاز ومنعهم من دخول مكة فالحجة عليه ما يأتي:
أ- أما منعهم من دخول المسجد الحرام فلقوله سبحانه وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [التوبة: 28].
• وجه الدلالة: أن الآية نص صريح في تحريم دخول المشركين المسجد الحرام لأنهم نجسٌ دينًا.
ب- وأما منعهم من الاستيطان في جزيرة العرب، فلما رواه ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ، وعن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" .
• وجه الدلالة: أن هذه النصوص واضحة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب، وعدم إقامتهم فيها.
النتيجة: أن الإجماع متحقق على حرية الذمي بالتنقل والسكن في أرض الإسلام، والدخول في أي البلاد حاشا جزيرة العرب؛ لعدم المخالف.
ومن الجدير بالذكر: أن الفقهاء نصوا على أن أهل الذمة لا يُمنعون من الاجتياز والمرور بجزيرة العرب وهم مسافرون، ولكن لا يُقيمون بها فوق ثلاثة أيام .
ويدل لذلك: ما جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال
المغني لابن قدامة (13/ 242)
فصل: ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز. وبهذا قال مالك، والشافعى. إلا أن مالكا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب" . وروى أبو داود ، بإسناده عن عمر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلما". قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس، قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء، قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". وسكت عن الثالث. رواه أبو داود . وجزيرة العرب ما بين الوادى إلى أقصى اليمن. قاله سعيد بن عبد العزيز. وقال الأصمعى وأبو عبيد: هى من ريف العراق إلى عدن طولا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضا. وقال أبو عبيدة: هى من حفر أبى موسى إلى اليمن طولا، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضا. قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة ؛ لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعنى أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها، وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها، وما والاها. وهذا قول الشافعى؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء ، ولا من اليمن. وقد روى عن أبى عبيدة بن الجراح، أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبى صلى الله عليه وسلم أن قال: "اخرجوا اليهود من الحجاز" . فأما إخراج أهل نجران منه، فلأن النبى صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا، فنقضوا عهده . فكأن جزيرة العرب فى تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمى حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد. ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز، كتيماء وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.
فصل: ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة فى زمن عمر، رضى الله عنه، وأتاه شيخ بالمدينة، فقال: أنا الشيخ النصرانى، وإن عاملك عشرنى مرتين. فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف . وكتب له عمر، أن لا يعشروا فى السنة إلا مرة . ولا يأذن لهم فى الإقامة أكثر من ثلاثة أيام -على ما روى عن عمر، رضى الله عنه- ثم ينتقل عنه. وقال القاضى: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة. والحكم فى دخولهم إلى الحجاز فى اعتبار الإذن، كالحكم فى دخول أهل الحرب دار الإسلام. وإذا مرض بالحجاز، جازت له الإقامة؛ لأنه يشق الانتقال على المريض، وتجوز الإقامة لمن يمرضه؛ لأنه لا يستغنى عنه. وإن كان له دين على أحد ، وكان حالا، أجبر غريمه على وفائه، فإن تعذر وفاؤه لمطل، أو تغيب عنه، فينبغى أن يمكن من الإقامة، ليستوفى دينه؛ لأن التعدى من غيره، وفى إخراجه ذهاب ماله. وإن كان الدين مؤجلا، لم يمكن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه له؛ لأن التفريط منه. وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته، احتمل أن يجوز؛ لأن فى تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز، فتفوت مصلحتهم، وتلحقهم المضرة، بانقطاع الجلب عنهم. ويحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بدا. فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز، جاز، ويقيم فيه أيضا ثلاثة أيام، أو أربعة، على الخلاف فيه، وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخر جاز، ولو حصلت الإقامة فى الجميع شهرا. وإذا مات بالحجاز دفن به؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة للمريض، فدفن الميت أولى.
فصل: فأما الحرم، فليس لهم دخوله بحال. وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لهم دخوله كالحجاز كله، ولا يستوطنون به، ولهم دخول الكعبة، والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف، كالحجاز. ولنا، قول الله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) . والمراد به الحرم، بدليل قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة) يريد: ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد. ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام، بدليل قول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) . وإنما أسرى به من بيت أم هانئ من خارج المسجد. ويخالف الحجاز؛ لأن الله تعالى منع منه مع إذنه فى الحجاز، فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز، ولم يمنعوا من الإقامة به، وأول من اجلاهم عمر، رضى الله عنه . ولأن الحرم أشرف، لتعلق النسك به، ويحرم صيده وشجره والملتجئ إليه، فلا يقاس غيره عليه. فإن أراد كافر الدخول إليه، منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة، خرج إليه من يشترى منه، ولم يترك هو يدخل. وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم، خرج إليه من يسمع رسالته، ويبلغها إياه. فإن قال: لا بد لى من لقاء الإمام، وكانت المصلحة فى ذلك، خرج إليه الإمام، ولم يأذن له فى الدخول، فإن دخل الحرم عالما بالمنع، عزر، وإن دخل جاهلا، نهى وهدد. فإن مرض بالحرم أو مات، أخرج ولم يدفن به؛ لأن حرمة الحرم أعظم. ويفارق الحجاز من وجهين؛ أحدهما، أن دخوله إلى الحرم حرام، وإقامته به حرام، بخلاف الحجاز. والثانى، أن خروجه من الحرم سهل ممكن، لقرب الحل منه، وخروجه من الحجاز فى مرضه صعب ممتنع. وإن دفن، نبش وأخرج، إلا أن يصعب إخراجه، لنتنه وتقطعه. وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعوض، فالصلح باطل. فإن دخلوا إلى الموضع الذى صالحهم عليه، لم يرد عليهم العوض؛ لأنهم قد استوفوا ما صالحهم عليه. وإن وصلوا إلى بعضه، أخذ من العوض بقدره. ويحتمل أن يرد عليهم بكل حال؛ لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض، لكونه باطلا