الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (7/ 307: 309)
مراعاة نية الحالف:
إذا لم يكن مستحلف أصلا، أو كان مستحلف ولكن عدمت شريطة من الشرائط التي يتوقف عليها الرجوع إلى نية المستحلف، روعيت نية الحالف التي يحتملها اللفظ، وفيما يلي بيان أقوال الفقهاء في ذلك:- مذهب الحنفية: الأصل عندهم أن الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم يكن للحالف نية، فإن كانت له نية شيء واللفظ يحتمله انعقدت اليمين باعتباره، فمن حلف لا يدخل بيتا فدخل المسجد لا يحنث إذا لم ينوه؛ لأن المسجد لا يعتبر في العرف بيتا، وإن كان الله في كتابه قد سماه بيتا.
- مذهب المالكية: إن لم تجب مراعاة نية المستحلف وجبت مراعاة نية الحالف، فهي تخصص العام وتقيد المطلق وتبين المجمل ثم إن النية المخصصة والمقيدة لها ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون مساوية لظاهر اللفظ، بأن يحتمل اللفظ إرادتها وعدم إرادتها على السواء بلا ترجيح لأحدهما على الآخر، كحلفه لزوجته: إن تزوج في حياتها فالتي يتزوجها طالق أو فعليه المشي إلى مكة، فتزوج بعد طلاقها، وقال: كنت نويت أني إن تزوجت عليها في حياتها وهي في عصمتي، وهي الآن ليست في عصمتي.
ففي هذه الحالة يصدق في اليمين بالله تعالى أو الطلاق أو التزام قربة في كل من الفتوى والقضاء. ومن ذلك ما لو حلف: لا يأكل لحما، فأكل لحم طير، وقال: كنت أردت لحم غير الطير، فإنه يصدق مطلقا أيضا.
الحالة الثانية: أن تكون نيته مقاربة لظاهر اللفظ، وإن كان أرجح منها، كحلفه لا يأكل لحما أو سمنا إذا ادعى أنه نوى لحم البقر وسمن الضأن، فأكل لحم الضأن وسمن البقر، ففي هذه الحالة يصدق في حلفه بالله، وبتعليق القربة ما عدا الطلاق، إذا رفع أمره للقاضي وأقيمت عليه البينة، فإنه يحكم بالطلاق، ومثل البينة الإقرار.
ويقبل منه ما ادعاه في الفتوى مطلقا، فلا يعد حانثا في جميع أيمانه.
ومن ذلك ما لو حلف: لا يكلم فلانا فكلمه، وقال: إني كنت نويت ألا أكلمه شهرا أو ألا أكلمه في المسجد، وقد كلمته بعد شهر أو في غير المسجد، فيقبل في الفتوى مطلقا، ويقبل في القضاء في غير الحلف بالطلاق.
وكذلك لو حلف: ألا يبيعه أو ألا يضربه، ثم وكل إنسانا في بيعه أو أمره بضربه، وقال: إني كنت أردت الامتناع عن تكليمه وضربه بنفسي.
الحالة الثالثة: أن تكون نيته بعيدة عن ظاهر اللفظ، كقوله: إن دخلت دار فلان فزوجتي طالق، إذا ادعى أنه أراد زوجته الميتة، ثم دخل الدار استنادا إلى هذه النية لم يقبل منه ما ادعاه لا في القضاء ولا في الفتوى، إلا إذا كانت هناك قرينة دالة على هذه الدعوى. (1)
- مذهب الشافعية: في أسنى المطالب: من حلف على شيء ولم يتعلق به حق آدمي، فقال: أردت مدة شهر فقط ونحوه مما يخصص اليمين قبل منه ظاهرا وباطنا؛ لأنه أمين في حقوق الله تعالى لا في حق آدمي كطلاق وإيلاء، فلا يقبل قوله ظاهرا ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، أو حلف: لا يكلم أحدا، وقال: أردت زيدا مثلا لم يحنث بغيره عملا بنيته.
ثم اللفظ الخاص لا يعمم بالنية، مثل أن يمن عليه رجل بما نال منه، فحلف لا يشرب له ماء من عطش لم يحنث بغيره، من طعام وثياب وماء من غير عطش وغيرها، وإن نواه وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه؛ لانعقاد اليمين على الماء من عطش خاصة، وإنما تؤثر النية إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يتجوز بها.
وقد يصرف اللفظ إلى المجاز بالنية، كلا أدخل دار زيد، ونوى مسكنه دون ملكه، فيقبل في غير حق آدمي - كأن حلف بالله - لا في حق آدمي، كأن حلف بطلاق.
- مذهب الحنابلة: إن لم يكن مستحلف، أو كان مستحلف ولم يكن الحالف ظالما رجع إلى نيته هو - سواء أكان مظلوما أم لا - وإنما يرجع إلى نيته إن احتملها لفظه، كأن ينوي السقف والبناء السماء، وبالفراش والبساط الأرض، وباللباس الليل، وبالأخوة أخوة الإسلام.
ثم إن كان الاحتمال بعيدا لم يقبل قضاء، وإنما يقبل ديانة، وإن كان قريبا أو متوسطا قبل قضاء وديانة.
فإن لم يحتمل أصلا لم تنصرف يمينه إليه، بل تنصرف إلى ظاهر اللفظ، وذلك كأن يقول: والله لا آكل، وينوي عدم القيام دون عدم الأكل.
ومن أمثلة النية المحتملة احتمالا قريبا: ما لو نوى التخصيص، كأن يحلف: لا يدخل دار زيد، وينوي تخصيص ذلك باليوم، فيقبل منه حكما، فلا يحنث بالدخول في يوم آخر، ولو كان حلفه بالطلاق.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (7/ 306، 307)
مراعاة نية المستحلف:
- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك.
والمعنى: يمينك التي تحلفها، محمولة على المعنى الذي لو نويته، وكنت صادقا، لاعتقد خصمك أنك صادق فيها، وهو المعنى الذي يخطر بباله حين استحلافه إياك، وهو في الغالب يكون متفقا مع ظاهر اللفظ، ومقتضى هذا أن التورية بين يدي المستحلف لا تنفع الحالف، بل تكون يمينه غموسا تغمسه في الإثم.وهذا متفق عليه بين أكثر الفقهاء، غير أن لهم تفصيلات وشرائط بيانها فيما يلي:
- مذهب الحنفية: حكى الكرخي أن المذهب كون اليمين بالله تعالى على نية الحالف إن كان مظلوما، فإن كان ظالما فعلى نية المستحلف، لكن فرق القدوري بين اليمين على الماضي وعلى المستقبل، فقال: إذا كانت اليمين على ماض ففيها التفصيل السابق؛ لأن المؤاخذة عليها إن كانت كاذبة إنما هي بالإثم، كالمظلوم إذا نوى بها ما يخرجها عن الكذب، صحت نيته فلم يأثم، لأنه لم يظلم بها أحدا، بخلاف الظالم إذا نوى بيمينه ما يخرجها عن الكذب فإن نيته باطلة، وتكون يمينه على نية المستحلف فتكون كاذبة ظاهرا وباطنا، ويأثم لأنه ظلم بها غيره.
وإذا كانت على مستقبل فهي على نية الحالف من غير تفصيل؛ لأنها حينئذ عقد، والعقد على نية العاقد.
واليمين بالطلاق ونحوه تعتبر فيها نية الحالف، ظالما كان أو مظلوما، إذا لم ينو خلاف الظاهر، فلا تطلق زوجته لا قضاء ولا ديانة، لكنه يأثم - إن كان ظالما - إثم الغموس، فلو نوى خلاف الظاهر - كما لو نوى الطلاق عن وثاق - اعتبرت نيته ديانة لا قضاء، فيحكم القاضي عليه بوقوع الطلاق سواء أكان ظالما أم مظلوما.
وقال الخصاف: تعتبر نيته قضاء إن كان مظلوما.
- مذهب المالكية: اختلف المالكية في هذه المسألة، فقال سحنون وأصبغ وابن المواز: إن اليمين على نية المستحلف.وقال ابن القاسم إنها على، نية الحالف، فينفعه الاستثناء، فلا تلزمه كفارة، ولكن يحرم ذلك عليه من حيث إنه منع حق غيره، وهذا الذي قاله ابن القاسم خلاف المشهور. ثم إن القائلين بأنها على نية المستحلف اختلفوا في كونها على نية المحلوف له عند عدم استحلافه، فذهب خليل إلى أنها لا تكون على نيته، وذهب الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير إلى أنها تكون على نيته، وسبق في شرائط صحة الاستثناء بيان موضح تكون فيه اليمين على نية المستحلف أو المحلوف له عندهم.
- مذهب الشافعية: اليمين تكون على نية المستحلف بشرائط:
الشريطة الأولى: أن يكون المستحلف ممن يصح أداء الشهادة عنده كالقاضي والمحكم والإمام، فإن لم يكن كذلك كانت على نية الحالف، وألحق ابن عبد السلام الخصم بالقاضي، عملا بحديث: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك أي خصمك.
الشريطة الثانية: أن يستحلفه القاضي ونحوه بطلب من الخصم، فإن استحلفه بلا طلب منه كانت اليمين على نية الحالف.
الشريطة الثالثة: ألا يكون الحالف محقا فيما نواه على خلاف نية المستحلف، فإن ادعى زيد أن عمرا أخذ من ماله كذا بغير إذنه وسأل رده، وكان عمر وقد أخذه من دين له عليه، فأجاب بنفي الاستحقاق، فقال زيد للقاضي: حلفه أنه لم يأخذ من مالي شيئا بغير إذني. وكان القاضي يرى إجابته لذلك، فيجوز لعمرو أن يحلف أنه لم يأخذ شيئا من ماله بغير إذنه، وينوي أنه لم يأخذه بغير استحقاق، فيمينه في هذه الحالة تكون على نيته المقيدة، لا على نية القاضي المطلقة، ولا يأثم بذلك. الشريطة الرابعة: أن يكون الاستحلاف بالله تعالى لا بالطلاق ونحوه، لكن إذا كان المستحلف يرى جواز التحليف بالطلاق كالحنفي، كانت اليمين على نيته لا على نية الحالف.
- مذهب الحنابلة: يرجع في اليمين إلى نية الحالف فهي مبناها ابتداء، إلا إذا كان الحالف ظالما، ويستحلفه لحق عليه، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف.
المغني - ابن قدامة - (13/ 543)
مسألة ؛ قال أبو القاسم - رحمه الله تعالى - : ( ويرجع في الأيمان إلى النية )
وجملة ذلك أن مبنى اليمين على نية الحالف ، فإذا نوى بيمينه ما يحتمله ، انصرفت يمينه إليه ، سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ ، أو مخالفا له ، فالموافق للظاهر أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي ، مثل أن ينوي باللفظ العام العموم ، وبالمطلق الإطلاق ، وبسائر الألفاظ ما يتبادر إلى الأفهام منها ، والمخالف يتنوع أنواعا ؛ أحدها ، أن ينوي بالعام الخاص ، مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة .ويريد لحما بعينه ، وفاكهة بعينها .
ومنها ، أن يحلف على فعل شيء أو تركه مطلقا ، وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه ، مثل أن يحلف : لا أتغدى . يعني اليوم ، أو : لآكلن . يعني الساعة .
ومنها ، أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه ، كما ذكرنا في المعاريض ، في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله .
ومنها ، أن يريد بالخاص العام ، مثل أن يحلف : لا شربت لفلان الماء من العطش .
ينوي قطع كل ما له فيه منة ، أو : لا يأوي مع امرأته في دار . يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور ، أو حلف : لا يلبس ثوبا من غزلها . يريد قطع منتها به ، فيتعلق يمينه بالانتفاع به ، أو بثمنه ، مما لها فيه منة عليه . وبهذا قال مالك .
وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه ؛ لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين ، واليمين لفظه ، فلو أحنثناه على ما سواه ، لأحنثناه على ما نوى لا ، على ما حلف ، ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين ، فكذلك لا يحنث بمخالفتها .
ولنا ، أنه نوى بكلامه ما يحتمله ، ويسوغه في اللغة التعبير به ، عنه ، فينصرف يمينه إليه كالمعاريض ، وبيان احتمال اللفظ ، أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام ، قال الله تعالى : { ما يملكون من قطمير } . { ولا يظلمون فتيلا } . { فإذا لا يأتون الناس نقيرا } والقطمير : لفافة النواة . والفتيل ما في شقها . والنقير : النقرة التي في ظهرها .
ولم يرد ذلك بعينه ، بل نفي كل شيء ، وقال الحطيئة يهجو بني العجلان : ولا يظلمون الناس حبة خردل ولم يرد الحبة بعينها ، إنما أراد لا يظلمونهم شيئا . وقد يذكر العام ، ويراد به الخاص ، كقوله تعالى : { الذين قال لهم الناس } - يعني رجلا واحدا - . { إن الناس قد جمعوا لكم } . يعني أبا سفيان . وقال تعالى : { تدمر كل شيء } . ولم يرد السماء والأرض ولا مساكنهم . وإذا احتمله اللفظ ، وجب صرف اليمين إليه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما لامرئ ما نوى".
ولأن كلام الشارع يحمل على مراده ، إذا ثبت ذلك بالدليل ، فكذلك كلام غيره .
وقولهم : إن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين .
قلنا : وهذا كذلك ، فإنما انعقدت عليه اليمين على ما نواه ، ولفظه مصروف إليه ، وليست هذه نية مجردة ، بل لفظ منوي به ما يحتمله .
المغني - ابن قدامة - (13/ 498، 499)
الذي يستحلفه الحاكم على حق عنده ، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف ، ولا ينفع الحالف تأويله . وبهذا قال الشافعي .
ولا نعلم فيه مخالفا فإن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يمينك على ما يصدقك به صاحبك } رواه مسلم ، وأبو داود وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اليمين على نية المستحلف } .
رواه مسلم ، وقالت عائشة : اليمين على ما وقع للمحلوف له ولأنه لو ساغ التأويل ، لبطل المعنى المبتغى باليمين ، إذ مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود ، خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة ، فمتى ساغ التأويل له ، انتفى ذلك ، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق ، ولا نعلم في هذا خلافا .
قال إبراهيم ، في رجل استحلفه السلطان بالطلاق على شيء ، فورى في يمينه إلى شيء آخر : أجزأ عنه ، وإن كان ظالما لم تجزئ عنه التورية.