الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (7/ 278)
المراد بالاستثناء هنا هو التعليق بمشيئة الله تعالى أو نحوه مما يبطل الحكم، كما لو قال قائل: سأفعل كذا إن شاء الله. وإنما سُمِّيَ هذا التعليق استثناء لشبهه بالاستثناء المتصل في صرف اللفظ السابق عن ظاهره.
وبعضهم يسمي هذا التعليق (استثناء تعطيل)؛ لأنه يعطل العقد أو الوعد أو غيرهما.
والفقهاء يذكرون هذا الاستثناء في الأيمان حينما يقولون: إن من شرائط صحة اليمين عدم الاستثناء فإنهم لا يريدون إلا الاستثناء، بمعنى التعليق بمشيئة الله تعالى ونحوه، فإنه هو الذي لو وجد لبطل حكم اليمين.
والضابط الذي يجمع صور الاستثناء بالمشيئة: كل لفظ لا يتصور معه الحنث في اليمين، كما لو قال الحالف عقب حلفه: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، أو ما شاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إن أعانني الله، أو يسَّر الله، أو قال: بعون الله أو بمعونة الله أو بتيسيره.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (7/ 279)
أثر الاستثناء وما يؤثر فيه:
والاستثناء المتصل: "بإلا" ونحوها متى وجدت شرائطه أفاد التخصيص في اليمين القسمية والتعليقية، وفي غير اليمين أيضًا، ومن أمثلة ذلك: والله لا آكل سمنًا إلا في الشتاء، وإن أكلته في غير الشتاء فنسائي طوالق إلا فلانة، أو فعبيدي أحرار إلا فلانًا، وإن كلمت زيدًا فعلي المشي إلى مكة إلا أن يكلمني ابتداء.
ومن أمثلتها أيضًا قول القائل: لفلان علي عشرة دنانير إلا ثلاثة، وأنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين كما سبق.
والاستثناء بمعنى تعليق المشيئة ونحوه يفيد إبطال الكلام الذي قبله، سواء أكان يمينًا قسمية أم يمينًا تعليقية أم غيرهما، وإلى هذا ذهب الجمهور.
وذهب مالك في أشهر القولين، وأحمد في إحدى الروايتين - وهي أرجحهما - إلى أنه لا يفيد الإبطال، إلا في اليمين بالله تعالى وما في معناها مما فيه كفارة، فالطلاق والعتاق لا يبطلان بتعليق المشيئة، سواء أكانوا منجزين أم معلقين، فمن قال: أنت طالق إن شاء الله، أو إذا طلعت الشمس فأنت طالق إن شاء الله، أو إن خرجت من الدار فأنت طالق إن شاء الله، يقع طلاقه منجزًا في المثال الأول، ويقع عند طلوع الشمس في المثال الثاني، وعند خروجها من الدار في المثال الثالث، وأما تعليق التزام القربة بقصد اليمين فعند المالكية: يلزمه فيه ما التزمه، فلا يصح تعليقه بالمشيئة فلا تبطل اليمين به، وعند الحنابلة تجب فيه الكفارة فيصح عندهم تعليقه بالمشيئة. وهناك قول ثالث ذهب إليه ابن تيمية في فتاواه، وهو: أن المشيئة تفيد الإبطال في كل ما كان حلفًا سواء أكان قسمًا بالله أم تعليقًا للطلاق وغيره، ولا تفيد الإبطال فيما ليس حلفًا كتنجيز الطلاق والعتاق والتزام القربة وتعليقها بغير قصد الحلف كتعليقها على طلوع الشمس.
هذا ويمكن الاستدلال على ما ذهب إليه الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ». فقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ» يشمل الحالف بالصيغة القسمية وبالصيغة التعليقية، ويقاس عليه كل عقد وكل حل.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (7/ 280: 282)
شرائط صحة الاستثناء:
- يشترط لصحة الاستثناء شرائط:(الشريطة الأولى): الدلالة عليه باللفظ، أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة أخرس - كما تقدم في شرائط الحالف - ثم إن كانت باللفظ وجب الإسماع، ولو بالقوة عند الجمهور، خلافًا للمالكية والكرخي من الحنفية.
ثم اشتراط الدلالة باللفظ وما يقوم مقامه يخرج به ما لو نوى الاستثناء من غير أن يدل عليه، فلا تكفي النية في الاستثناء، لكن قال المالكية: إن النية تكفي في الاستثناء بإلَّا وأخواتها قبل انتهاء النطق باليمين، وكالاستثناء بإلا سائر التخصيصات كالشرط، والصفة، والغاية، ومثال الشرط: والله لا أُكلِّم زيدًا إن لم يأتني، ومثال الصفة: لا أكلمه وهو راكب؛ لأن المراد بالصفة ما يشمل الحال، ومثال الغاية: لا أُكلِّمُه حتى تغرُبَ الشمس.
- وقال الحنابلة: يُشترَط نطق غير المظلوم الخائف؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»، ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فقال...» يدل على اشتراط النطق باللسان؛ لأن القول هو اللفظ، وأما المظلوم الخائف فتكفيه نيته؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول.
- (الشريطة الثانية): أن يصِلَ المتكلِّم الاستثناء بالكلام السابق، فلو فصل عنه بسكوت كثير بغير عذر، أو بكلام أجنبي لم يصح الاستثناء، فلا يخصص ما قبله إن كان استثناء بنحو إلَّا، ولا يلغيه إن كان بنحو المشيئة.
ومن الأعذار: التنفس، والسُّعال، والجشاء، والعطاس، وثِقَل اللسان، وإمساك إنسان فم المتكلم، فالفصل بالسكوت لهذه الأعذار كُلُّها لا يضر.
والمراد بالسكوت الكثير ما كان بقَدْر التنفُّس بغير تنفس، على ما أفاده الكمال بن الهمام.والمراد بالكلام الأجنبي ما لم يُفِد معنى جديدًا، كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا وثلاثًا إلا واحدة إن شاء الله، فهذا العطف لغو؛ لأن الثلاث هي أكثر الطلاق فلا يصح الاستثناء.
- وهذه الشريطة إجمالًا (وهي عدم الفصل بلا عذر) مُتفَق عليها بين عامة أهل العلم، وإنما الخلاف في الفاصل من سكوت أو كلام، متى يُعَدُّ مانعًا من الاستثناء ومتى لا يعد؟ والتفاصيل التي سبق ذكرها هي التي نصَّ عليها الحنفية، وفي كتب المذاهب الأخرى تفاصيل يطول الكلام عليها، فلتراجع في مواضعها من كتب الفقه.
وقد روي عن بعض الصحابة والتابعين عدم اشتراط هذه الشريطة، فقد أخرج ابن جرير، والطبراني، وابن المنذر، وغيرهم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يرى الاستثناء، ولو بعد سنة، ويقرأ قوله تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } وهو رواية عن الإمام أحمد، وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في رجل حلَف ونسي أن يستثني، قال: له ثنياه إلى شهر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال: مَنْ حلَف على يمين فله الثنيا حلب ناقة، قال: وكان طاوس يقول: ما دام في مجلسه، وأخرج ابن أبي حاتم أيضًا عن إبراهيم النخعي، قال: يستثني ما دام في كلامه.
ومما يؤيد اشتراط عدم الفصل أنه لو صَحَّ جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام، ولا سيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس؛ لما تقرَّر إقرار، ولا طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب. وأيضًا لو صَحَّ هذا لأقر الله نبيه أيوب عليه السلام بالاستثناء رفعًا للحنث، فإنه أقل مؤنة مما أرشده سبحانه إليه بقوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
- (الشريطة الثالثة) القصد: وهذه الشريطة ذكرها المالكية وعنَوْا بها: قصد اللفظ مع قصد معناه، وخرج بذلك أمران. أحدهما: أن يجري اللفظ على لسان الحالف من غير قصد، فلا يعتبر الاستثناء بإلَّا مخصصًا، ولا الاستثناء بالمشيئة مبطلًا.
ثانيهما: ما لو قصَدَ التبرُّك بذكر المشيئة، أو قصد الإخبار بأنَّ هذا الأمر يحصل بمشيئة الله تعالى، ففي هذه الحال لا تبطل اليمين، بل تبقى منعقدة، وكذا لو لم يقصد شيئًا، بأن قصد مُجرَّد النطق بلفظ الاستثناء بنوعيه من غير أن ينوي تخصيص اليمين وحلها.
وقد اتفق المالكية على أن قصد الاستثناء إن كان مع اليمين من أولها، أو في أثنائها صح الاستثناء، فإن كان بعد الفراغ من النطق باليمين صحَّ على المشهور، فعليه لو حلف، فذكَّره إنسان قائلًا: قل: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله أو نحو ذلك، فقاله بغير فصل، ولم يكن في نيته من قبل فإنه يصحُّ، ولم يذكر الحنفية هذه الشريطة.
والشافعية والحنابلة شرطوا القصد مع العلم بالمعنى، وشرطوا كون القصد قبل الفراغ من اليمين، وقالوا: لو لم يقصد الاستثناء إلا بعد الفراغ من اليمين لم يصح؛ لأنه يلزم عليه رفع اليمين بعد انعقادها، وقالوا أيضًا: يصحُّ تقديم الاستثناء وتوسيطه.
- (الشريطة الرابعة): أن يكون حلفه في غير توثُّق بحق.
وهذه الشريطة نص عليها المالكية. وإيضاحها: أنَّه يُشترَط في صحة الاستثناء أن يكون الحلف الذي ذكر معه الاستثناء في غير توثُّق بحق، كما لو شرط عليه في عقد نكاح ألَّا يضر زوجته في عشرة، أو لا يخرجها من بلدها، وكأن يشرط عليه في بيع أن يأتي بالثمن في وقت كذا، وطلب منه يمين على ذلك، فحلف واستثنى سرًّا لم يفده الاستثناء عند سحنون وأصبغ وابن المواز؛ لأن اليمين على نية المستحلف عند هؤلاء، وهذا هو المشهور عند المالكية، خلافًا لما قاله ابن القاسم في العتبية من أنه ينفع الاستثناء فيما ذكر، فلا تلزمه الكفارة، لكن يحرُم عليه بمنعه حق الغير.
والذي يتصفح كتب المذاهب الأخرى يجد أنَّه ما من مذهب إلا يرى أصحابه أن اليمين تكون على نية المستحلف في بعض الصور - وسيأتي ذلك - فيمكن التعبير عن هذه الشريطة بأن يقال: يشترط في صحة الاستثناء ألا يكون على خلاف نية المستحلف، في الصُّوَر التي يجب فيها مراعاة نيته.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (7/ 434)
اشتراط التلفظ بالاستثناء:
• المراد بالمسألة: إذا أراد الحالف أن يستثني من حلفه فعليه أن يستثني بلسانه، ولا يكفيه الاستثناء بالقلب، وقد نقل نفي الخلاف في ذلك.
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: (ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفًا).
بدر الدين العيني (855 هـ) حيث قال: (الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا يكفي فيه النية، وهو قول الأئمة الأربعة والعلماء كافة).
الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: (وفي قوله: (فقل: إن شاء الله) دليل على أنه لا يكفي في الاستثناء النية، وهو قول كافة العلماء).
عبد الرحمن بن قدامة (682 هـ) حيث قال: (ويشترط أن يستثنن بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب، في قول عامة أهل العلم. . . ولا نعلم فيه مخالفًا) .
أبو عبد الله المواق (897 هـ) حيث قال: (وإن حدثت له نية الاستثناء قبل تمام لفظه باليمين، أو بعد إلا أنه لم يصمت حتى وصل بها الاستثناء أجزاه. . . . وقد أجمعوا على ذلك) .
• مستند نفي الخلاف: ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ». فقال أبو هريرة يرويه قال: "لو قال إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا في حاجته". وقال مرة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوِ اسْتَثْنَى".
ما روي عن عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» . وما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى».
ما روي عن أبي هريرة قال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ» . . وما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ».
• وجه الدلالة: أن القول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء.
• الموافقون على نفي الخلاف: الأحناف، المالكية، والشافعية والحنابلة والشوكاني.
النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على اشتراط التلفظ بالاستثناء في اليمين، وذلك لعدم وجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (7/ 438: 440)
اشتراط النية في الاستثناء:
• المراد بالمسألة: أن الاستثناء لا يصح ما لم ينو الحالف، ويعقد العزم على أن يستثني بما تلفظ به، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
ابن حزم (456 هـ) حيث قال: (واتفقوا أن من حلف باسم من أسماء الله عز وجل. . . .، ثم قال بلسانه: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، أو نحو ذلك، متصلًا بيمينه، ونوى في حين لفظه أن يستثني قبل تمام لفظه باليمين، أنه كفارة، وأنه لا يحنث إن خالف ما حلف عليه متعمدًا أو غير متعمد).
ابن رشد (520 هـ) حيث قال: (وإن قول الرجل: إذا حلف، وقال: إن شاء الله. لا يكون استثناء إلا أن ينوي به الاستثناء، ويقصد به إلى حل اليمين صحيح، ليس مما يختلف فيه) .
أبو العباس القرطبي (656 هـ) حيث قال: (اليمين بالله تعالى إذا قرن بها "إن شاء الله" لفظًا منويًّا، لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها، ولا خلاف في ذلك).
ابن حجر (852 هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء الله، إذا قصد به التبرك فقط، ففعل يحنث، وإن قصد الاستئناء فلا حنث).
• مستند الإجماع: أن اليمين ينعقد في حق صاحبة بانعقاد العزم، فكذلك الاستثناء لا يصح ما لم ينو الحالف ويعقد العزم على أن يستثني بما تلفظ به .
• الموافقون على نقل الإجماع: الأحناف، المالكية، والشافعية، والحنابلة، والشوكاني.
النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على اشتراط النية في الاستثناء وذلك لعدم وجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (7/ 431: 434)
اشتراط الاتصال في الاستثناء في اليمين:
• المراد بالمسألة: أن الاستثناء الذي يحل اليمين يجب أن يكون متصلًا باليمين، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: سفيان الثوري (161 هـ) حيث قال: (إن اتصل الكلام فله استثناؤه، وإن قطعه وسكت ثم استثنى، فلا استثناء له، والناس عليه).
أبو عيسى الترمذي (279 هـ) حيث قال: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم، ولا نعلم لهم مخالفًا أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق).
الخطابي (338 هـ) حيث قال: (لم يختلف العلماء في أن استثناءه إذا كان متصلا بيمينه، فإنه لا يلزمه كفارة).
ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: (وأجمعوا أن الاستثناء إن كان في نسق الكلام دون انقطاع بين في اليمين بالله، أنه جائز). وقال في موضع آخر: (وأجمع العلماء على أن الحالف إذا وصل يمينه بالله باستثناء، وقال: إن شاء الله، فقد ارتفع الحنث عليه، ولا كفارة عليه لو حنث).
البزدوي (482 هـ) حيث قال: (الاستثناء: إنما يصح ذلك موصولًا، ولا يصح مفصولًا، على هذا أجمع الفقهاء).
الحسين بن مسعود البغوي (516 هـ) حيث قال: (والعمل عند عامة أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين، فلا حنث عليه).
ابن رشد (520 هـ) حيث قال: (ويسقط الكفارة -عمن حلف بهذه اليمين فحنث فيها- الاستثناء بمشيئة الله تعالى، إذا وصل ذلك بآخر كلامه، وقصد به حل يمينه، بإجماع أهل العلم).
النووي (676 هـ) حيث قال: (والعمل على هذا عند عامة أصحاب العلم: أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين، فلا حنث عليه). وقال في موضع آخر: (لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أن الاستثناء لا بد أن يكون موصولًا باليمين).
الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: (أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلًا).
القنوجي (1357) حيث قال: (وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه).
• مستند الإجماع: قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنِثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 44]. وقوله تعالى: { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } [الكهف: 24].
• وجه الدلالة: في الآيات دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكمًا إذا كان متراخيًا.
ما روي عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ».
ما روي عن عبد الله بن عمر قال، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى» . . وكذلك ما روي عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ» . . وما روي عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ».
• وجه الدلالة: أنه -صلى الله عليه وسلم- رتب الاستثناء بعد الحلف بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والفور، فدل ذلك على أن من وصل يمينه بالاستثناء فلا كفارة عليه.
• الموافقون على نقل الإجماع: الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والشوكاني.
النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على اشتراط الاتصال في الاستثناء لعدم وجود المخالف.