الموسوعة الفقهية الكويتية (31/ 306)
مكان قسمة الغنيمة:
17 - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الغنيمة تقسم في دار الحرب؛ تعجيلا لمسرة الغانمين، وذهابهم لأوطانهم، ونكاية للعدو.
وقيد المالكية هذا بما إذا أمنوا كثرة العدو وكان الغانمون جيشا " وأما إن كانوا سرية من الجيش. فلا يقتسمون حتى يعودوا إلى الجيش.
ويكره تأخير التقسيم لبلد الإسلام بلا عذر عند الشافعية، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع من غزوة فيها مغنم إلا خمسه وقسمه قبل أن يرجع، فقد قسم غنائم خيبر بخيبر، وغنائم أوطاس بأوطاس، وغنائم بني المصطلق في ديارهم . "
والتقسيم راجع عندهم إلى نظر الإمام واجتهاده، فإذا رأى أن المسلمين آمنون من كر العدو عليهم فلا يؤخر القسمة عن الموضع الذي غنم فيه " وإن كانت بلاد الحرب أو كان يخاف كرة العدو عليهم أو كان منزله غير رافق بالمسلمين. تحول عنه إلى أرفق بهم منه وآمن لهم من عدوهم، ثم قسمه وإن كانت بلاد شرك وانفرد الحنفية برأي في قسمة الغنائم، فجعلوا هذه القسمة ضربين:
قسمة الحمل: وتكون في حالة ما إذا عزت الدواب ولم يجد الإمام حمولة، فإنه يفرق الغنائم على الغزاة، فيحمل كل رجل على قدر نصيبه إلى دار الإسلام، ثم يستردها منهم فيقسمها.
قسمة الملك: وهي لا تجوز في دار الحرب.
وهذا الاختلاف مبني على أصل. وهو أن الملك هل يثبت في الغنائم في دار الحرب للغزاة؟
فعند الحنفية لا يثبت الملك أصلا فيها. لا من كل وجه ولا من وجه، ولكن ينعقد سبب الملك فيها على أن تصير علة عند الإحراز بدار الإسلام، وهو تفسير حق الملك أو حق التملك عند الحنفية.
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيع الغنائم في دار الحرب ، والقسمة بيع معنى، فتدخل تحته
وعند غير الحنفية: الغنيمة تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب، لأنها مال مباح، فملكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات ومجرد الاستيلاء وإزالة أيدي الكفار عنها كاف.
والدليل على تحقق الاستيلاء أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على المحل، وقد وجد ذلك حقيقة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة مؤلفين (6/ 176)
[78/ 8] ملكية الغنيمة تستقر بالقسمة الصحيحة:
• المراد بالمسألة: بيان ما تستقر به الغنيمة ملكا للغانمين، فقد نقل الإجماع أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين لها إلا بعد القسمة الصحيحة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (456 هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الغنيمة تملك بالقسمة الصحيحة)
• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية ، والمالكية .• مستند الإجماع: عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" .• وجه الدلالة: حيث دل الحديث أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة، ولو كان يستقر ملكهم بالأخذ لاستأذن صلى الله عليه وسلم الغانمين، فلما لم يفعل دل أن ملكهم لم يستقر بعد.• الخلاف في المسألة: يرى الشافعية ، والحنابلة أن الغنائم لا تملك إلا بالأخذ والاستيلاء.وحجتهم: أن الغنيمة مال مباح فتملك بالاستيلاء كسائر المباحات فتفيد الملك، كالاستيلاء على الحشيش والحطب، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح، لأنه مال كافر محارب وهو مباح.النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الغنيمة تملك بالقسمة الصحيحة، لوجود الخلاف المعتبر بين أصحاب المذاهب المتبعة، والله تعالى أعلم.هذا ويترتب على الخلاف في هذه المسألة عدة مسائل، منها:إذا مات أحد الغانمين بعد الاستيلاء وقبل القسمة. لا يورث نصيبه عند الحنفية والمالكية، ويورث على القول الثاني.أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم وحملوها مع الجيش إلى بلاد الإسلام فإنهم يشاركونهم عند الحنفية والمالكية، ولا يشاركونهم على القول الثاني.إذا أتلف أحد الغانمين شيئا من الغنيمة، لا يضمن عند الحنفية والمالكية، ويضمن على القول الثاني
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة مؤلفين (7/ 157)
[63/ 3]: جواز قسمة الغنائم فى دار الحرب.
• المراد بالمسألة: إذا غنم المسلمون في غزواتهم أو حروبهم أو سراياهم شيئا، فيجوز لهم اقتسامه في دار الحرب قبل عودتهم إلى دار الإسلام، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: حمد بن الحسن الجوهري (350 هـ) حيث قال (وأجمعوا على إباحة قسمة الغنائم في دار الحرب بل استحبوا ذلك) .
الفخر الرازي (606 هـ): حيث قال عند شرح قوله تعالى: (فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين) [الأنفال: 41]. . (دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب. . وذلك جائز بالاتفاق) .
أبو الحسن بن القطان (628 هـ) حيث قال: (أجمعوا على إباحة قسمة الغنائم في دار الحرب) .
• مستند الإجماع: ما رواه البخاري عن قتادة أن أنسا رضي الله عنه أخبره قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته" .
• وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم قبل العودة إلى دار الإسلام.
ما روى أبو إسحاق الفزاري: قال: قلت للأوزاعي هل قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه إنما كان الناس يتبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم ولم يقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وخيبر ولأن كل دار صحت القسمة فيها جازت كدار الإسلام .
- أن الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة:
أحدها: أن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فإننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولي فيثبت الملك كما في المباحات.
الثاني: أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا يصح تصوفهم فيها، ولم يزل ملكهم إلا غير مالك إذ ليست في هذه الحال مباحة علم أن ملكها زال إلى الغانمين.
الثالث: أنه لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره • الموافقون على نقل الإجماع: وافق على الحكم بعض الأحناف ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الحنفية، حيث يرون أن الغنائم لا ينبغي قسمتها في دار الحرب حتى يعودوا إلى دار الإسلام. نقل ذلك ابن عبد البر حيث قال: (واختلف الفقهاء في قسمة الغنائم في دار الحرب. فذهب مالك والشافعي والأوزاعي وأصحابهم: إلى أن يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب. قال مالك: وهم أولى بها منه. وقال أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم في دار الحرب) .
ونقل الخلاف في المسألة ابن المنذر حيث قال: (واختلفوا في قسم الغنائم في دار الحرب، فكان مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور يقولون: يقسمها الإمام فى دار الحرب إن شاء، وقال أصحاب الرأي: لا ينبغي لإمام المسلمين إذا أصابوا غنائم في دار الحرب، أن يقسموا شيئا من ذلك، حتى يحرزوه إلى دار الإسلام) .
• دليل هذا القول: ما رواه الزيلعي في نصب الراية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب) .
• وجه الدلالة: والبيع في معنى القسمة، فكما لا يجوز البيع كذلك لا تجوز القسمة 2 - أن الملك لا يتم عليها بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بإحرازها في دار الإسلام، وتمام الاستيلاء يحصل بإحرازها بأيدي المسلمين .
النتيجة: عدم تحقق ما نقل من الإجماع على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب وذلك لوجود المخالف
الإنجاد في أبواب الجهاد للقرطبي (ص346)
....وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس
الأخذ، أو حتى تقسم؟ وقد كان يجب أن لا يختلفوا أن ذلك كله واحد في خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فرق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك مخير فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحق -أيضا- في أصناف سماهم الله عز وجل، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء
الإنجاد في أبواب الجهاد للقرطبي (ص405)
فأما موضع قسم الغنائم، فاختلف: هل يكون في دار الحرب أو الإسلام؟ فذهب مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأصحابهم: إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب إن شاء. قال مالك : وهم أولى برخصها هنالك.
وذهب أبو حنيفة إلى أن لا تقسم الغنائم في دار الحرب . وقال أبو يوسف: «أحب إلي أن لا تقسم الغنائم في دار الحرب، إلا أن لا يجد حمولة، فيقسمها هنالك» .
وحجة ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ومن قال بقولهما: ما ثبت أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم حنين بالجعرانة ، وكانت يومئذ من دار الحرب، كذلك استدل ابن عبد البر .
قال أبو بكر بن المنذر في الاستدلال هنا: «وذلك للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قسم يوم خيبر: للفرس سهمين؛ ولصاحبه سهما» . وجعل ابن المنذر حديث قسم غنائم حنين بالجعرانة دليلا على أن للإمام أن يؤخر القسم إن شاء حتى يرجع إلى بلد الإسلام، ولأنه بالخيار في ذلك، على حسب ما يرجوه من المصلحة، ويراه من الاجتهاد، ويتمكن له من التفرغ.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا أعلم ما وجه ما ذهب إليه، إلا أن يريد أنهم ماداموا في دار الحرب، فلم يستقر لهم ملك الغنيمة بعد؛ لإمكان كرة العدو ونحو ذلك، فكان الأمر على مثل حال المدافعة، ولهذا كان من مذهبه أن من لحق الجيش من مدد ونحوهم، بعد انقضاء القتال، وحرز الغنيمة، وقبل الخروج من دار الحرب؛ فإنه يسهم له مع الجيش، وهم في ذلك شركاء، ما لم يكن لحاقهم بهم بعد أن خرجوا من دار الحرب ، فلا يكون لهم حينئذ شيء.
وإذا قيل بالقسم في دار الحرب فذلك إنما يكون حيث يأمن الجيش، ولا يمنع منه خوف عدو، ولا عدم فوت للمقام على القسم إن احتيج فيه إلى إقامة
المغني لابن قدامة (13/ 105)
فصل: وإن لحقهم المدد بعد تقضى الحرب، وقبل حيازة الغنيمة، أو جاءهم أسير، فظاهر كلام الخرقى، أنه يشاركهم؛ لأنه جاء قبل إحرازها. وقال القاضى: تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل [حيازة الغنيمة] . فعلى هذا، لا يسهم لهم . وإن حازوا الغنيمة، ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم، فأدركهم المدد، فقاتلوا معهم، فقد نص أحمد، على أنه لا شيء للمدد، فإنه قال: إذا غنم المسلمون غنيمة، فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد، فقاتلوا العدو معهم [حتى سلموا الغنيمة] ، فلا شىء لهم فى الغنيمة؛ لأنهم إنما قاتلوا عن أصحابهم، ولم يقاتلوا عن الغنيمة؛ لأن الغنيمة قد صارت فى أيديهم وحووها. قيل له: فإن أهل المصيصة غنموا ثم استنقذ منهم العدو، فجاء أهل طرسوس ، فقاتلوا معهم حتى استنقذوه؟ فقال: أحب إلى أن يصطلحوا، [أعجب إلى أن يصطلحوا] . أما فى الصورة الأولى، فإن الأولين قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتهم، فكانت لهم دون من قاتل معهم. أما فى الصورة الثانية، فإنما حصلت الغنيمة بقتال الذين استنقذوها فى المرة الثانية، فينبغى أن يشتركوا فيها، لأن الإحراز الأول قد زال بأخذ الكفار لها، [ويحتمل أن الأولين قد ملكوها بالحيازة الأولى، ولم يزل ملكهم بأخذ الكفار لها] منهم، فلهذا أحب أحمد أن يصطلحوا عليها.........
فصل: يجوز قسمة الغنائم فى دار الحرب. وبهذا قال مالك، والأوزاعى، والشافعى، وابن المنذر، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأى: لا تقسم إلا فى دار الإسلام، لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها فى دار الإسلام. وإن قسمت أساء قاسمها، وجازت قسمته؛ لأنها مسألة مجتهد فيها، فإذا حكم الإمام فيها بما يوافق قول بعض المجتهدين، نفذ حكمه. ولنا، ما روى أبو إسحاق الفزارى، قال، : قلت للأوزاعى: هل قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه ، إنما كان الناس يتبعون غنائمهم، ويقسمونها فى أرض عدوهم، ولم يقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بنى المصطلق، وهوازن، وخيبر. ولأن كل دار صحت القسمة فيها جازت، كدار الإسلام، ولأن الملك ثبت فيها بالقهر والغلبة والاستيلاء، فصحت قسمتها، كما لو أحرزت بدار الإسلام. والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة؛ أحدها، أن سبب الملك الاستيلاء التام، وقد وجد، فإننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة، وقهرناهم، ونفيناهم عنها، والاستيلاء يدل على حاجة المستولى، فيثبت به الملك، كما فى المباحات. الثانى، أن ملك الكفار قد زال عنها، بدليل أنه لا ينفذ عتقهم فى العبيد الذين حصلوا فى الغنيمة، ولا يصح تصرفهم فيها، ولم يزل ملكهم إلى غير مالك، إذ ليست فى هذه الحال مباحة، فعلم أن ملكهم زال إلى الغانمين. الثالث، أن لو أسلم عبد الحربى، ولحق بجيش المسلمين، صار حرا، وهذا يدل على زوال ملك الكافر، وثبوت الملك لمن قهره، وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه