الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 157)
التصرف في السبي:12 - يعتبر السبي (النساء والذراري) من الغنائم، والأصل في أسرى الغنائم أن الإمام مخير فيها بما هو أصلح للمسلمين من قتل أو من أو فداء أو استرقاق، إلا أن السبي يختلف في بعض أحكامه عن الأسرى من الرجال المقاتلين وبيان ذلك فيما يلي:أ - حكم قتلهم:
13 - إذا سبي النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم؛ لأنه لا يجوز قتلهم أثناء القتال فلا يجوز قتلهم بعد السبي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوا امرأة ولا وليدا. وروي أنه عليه الصلاة والسلام رأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: هاه ما أراها قاتلت فلم قتلت؟ ونهى عن قتل النساء والصبيان. ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا يقتلون، وهذا عام في جميع السبي عند الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الحكم عند الشافعية إن كان السبي أهل كتاب، وفي الوثنيات عندهم خلاف.لكن قال الحنفية: لا يقتل الصبي ولو شارك في القتال لأنه ليس من أهل العقوبة، إلا إذا كان ملكا فإنه يجوز قتله؛ لأن في قتل الملك كسر شوكة الأعداء، كما يجوز عند الحنفية قتل المرأة إذا كانت ملكة ولو لم تقاتل.
ب - المفاداة:
15 - جاء في الدر المختار من كتب الحنفية: لا يفادى بنساء وصبيان إلا لضرورة؛ لأن الصبيان يبلغون فيقاتلون والنساء يلدن فيكثر نسل الكفار، لكن قال ابن عابدين: لعل المنع فيما إذا كان البدل مالا وإلا فقد جوزوا دفع أسراهم فداء لأسرانا، مع أنهم إذا ذهبوا إلى دارهم يتناسلون.
وقال محمد بن الحسن: الصبيان من المشركين إذا سبوا ومعهم الآباء والأمهات فلا بأس بالمفاداة بهم، وأما إذا سبي الصبي وحده، أو خرج إلى دار الإسلام فلا تجوز المفاداة به بعد ذلك، وكذلك إن قسمت الغنيمة في دار الحرب فوقع في سهم رجل أو بيعت الغنائم، فقد صار الصبي محكوما له بالإسلام تبعا لمن تعين ملكه فيه بالقسم أو الشراء.
ثم في المفاداة يشترط رضا أهل العسكر، فلو أبوا ذلك ليس للأمير أن يفاديهم.
16 - وأجاز المالكية الفداء مطلقا سواء أكان بمال أم بأسرى. فإن كان الفداء بمال يأخذه الإمام من الكفار ويضمه للغنيمة. وإن حصل الفداء برد الأسرى فيحسب القدر الذي يفك به الأسرى من عندهم من الخمس.
17 - والأصل عند الشافعية على ما جاء في مغني المحتاج أن الإمام غير مخير في السبي، ويتعين الرق فيهم بمجرد السبي وبذلك يمتنع الفداء.
لكن قال الماوردي في الأحكام السلطانية: إن فادى السبي على مال جاز؛ لأن هذا الفداء بيع ويكون مال فدائهم مغنوما مكانهم، ولا يلزمه استطابة نفوس الغانمين، وإن أراد أن يفادى بهم عن أسرى المسلمين في أيدي قومهم عوض الغانمين عنهم من سهم المصالح.
18 - والأصل كذلك عند الحنابلة أن النساء والصبيان يصيرون رقيقا بمجرد سبيهم، قال ابن قدامة: النساء والصبيان يصيرون رقيقا بالسبي، ثم قال: ومنع أحمد من فداء النساء بالمال لأن في بقائهن تعريضا لهن للإسلام لبقائهن عند المسلمين، وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع. ولأن في ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه فاحتمل تفويت ما يرجى من إسلامها المظنون، ولا يلزم من ذلك احتمال فواتها لتحصيل المال، فأما الصبيان فقال أحمد: لا يفادى بهم، وذلك لأن الصبي يصير مسلما بإسلام سابيه فلا يجوز رده إلى المشركين، وإن كان الصبي غير محكوم بإسلامه كالذي سبي مع أبويه لم يجز فداؤه بمال، وهل يجوز فداؤه بمسلم؟ يحتمل وجهين. وفي الأحكام السلطانية لأبي يعلى: وإنما لم يجز الفداء لأن حقهم ثابت في السبي فلم تجر المعاوضة عليه، ولأن من أصلنا أنه لا يجوز بيع السبي من أهل الذمة، فالفداء كذلك لأنه معاوضة.
وإذا فادى الإمام بالأسارى عوض الغانمين من سهم المصالح .
ج - المن:
19 - اختلف الفقهاء في حكم المن على السبي من النساء والصبيان، فمنعه الحنفية وهو ما جاء في أغلب كتب المالكية والشافعية والحنابلة. ففي شراح خليل من كتب المالكية كالدسوقي وغيره أنه ليس للإمام في النساء والذراري إلا الاسترقاق أو الفداء، لكن قال ابن جزي: وأما النساء والصبيان فيخير الإمام فيهم بين المن والفداء والاسترقاق، ومثل ذلك جاء في حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني. وفي كتب الشافعية أن نساء الكفار وصبيانهم إذا أسروا رقوا، وأنه لا يجوز فداؤهم أو المن عليهم. لكن قال الماوردي: إن أراد الإمام المن عليهم لم يجز إلا باستطابة نفوس الغانمين عنهم، إما بالعفو عن حقوقهم منهم، وإما بمال يعوضهم عنهم، فإن كان المن عليهم لمصلحة عامة جاز أن يعوضهم من سهم المصالح، وإن كان لأمر يخصه عاوض عنهم من مال نفسه. ومن امتنع من الغانمين لم يستنزل عنه إجبارا حتى يرضى، وخالف ذلك حكم الأسرى ففيهم لا يلزمه استطابة نفوس الغانمين لأن قتل الرجال مباح وقتل السبي محظور، فصار السبي مالا مغنوما لا يستنزلون عنه إلا باستطابة النفوس. فإن هوازن لما سبيت وغنمت أموالها بحنين استعطفت النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه وفودها وقد فرق الأموال وقسم السبي فذكروه حرمة رضاعه فيهم من لبن حليمة وطلبوا أن يرد عليهم نساءهم وأبناءهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وردت قريش والأنصار من كان عندهم وأبى غيرهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض ( . فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم فردوا.
وفي كتب الحنابلة كذلك ما يفيد عدم جواز المن على النساء والصبيان قال ابن قدامة: الإمام لا يملك المن على الذرية إذا سبوا، ومن سبي فإنه يصير رقيقا بنفس السبي ومثل ذلك في غيره من الكتب.
لكن قال أبو يعلى: إن أراد الإمام المن على السبي لم يجز إلا باستطابة نفوس الغانمين بالعفو عنهم أو بمال يعوضهم من سهم المصالح، ومن امتنع من الغانمين عن ترك حقه لم يجبر.
د - الاسترقاق:
20 - إذا سبي النساء والصبيان صاروا رقيقا بنفس السبي كما يقول الشافعية والحنابلة، وذهب المالكية والحنفية إلى أن الإمام في السبي بالخيار بين المفاداة أو الاسترقاق. ويعرف ذلك بالقول أو بالتصرف فيهم كما يتصرف في الرقيق أو بدلالة الحال.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة مؤلفين (6/ 113)
[46/ 25] تحريم قتل نساء العدو وصبيانهم إذا لم يقاتلوا:• المراد بالمسألة: بيان أنه لا يجوز قتل نساء العدو وصبيانهم إذا لم يقاتلوا، وقد حكي إجماع العلماء على ذلك.
• وممن نقل الإجماع: الجصاص (370 هـ) حيث قال: (لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور) وابن حزم (456 هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه لا يحل قتل صبيانهم ولا نسائهم الذين لا يقاتلون) .
وابن عبد البر (463 هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على القول بذلك، ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين، ولا أطفالهم، لأنهم ليسوا ممن يقاتل في الأغلب) . وقال أيضا عقب حديث بريدة في تحريم الغلول والغدر والمثلة: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة ولا قتل الأطفال في دار الحرب) .
والقاضي عياض (544 هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) .
وابن رشد (595 هـ) حيث يقول: (وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم، ما لم تقاتل المرأة والصبي. . .) .
والنووي (676 هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) .
وابن دقيق العيد (704 هـ) حيث يقول: (هذا حكم مشهور متفق عليه فيمن لا يقاتل. . .) .
وشيخ الإسلام ابن تيمية (728 هـ) حيث يقول: (ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء) .
وابن جماعة الكناني (733 هـ) حيث يقول: (والأصح: أن الراهب والشيخ الضعيف والأعمى والمزمن، يقتلون أيضا بكل حال، وقيل: إن لم يكن لهم رأي في الحرب، ولم يقاتلوا، أما إذا قاتلوا أو كان لهم رأي في الحرب قتلوا بلا خلاف) والحطاب (954 هـ) حيث يقول: (وأما النساء فإن كففن أذاهن عن المسلمين ولزمن قعر بيوتهن فلا خلاف في تحريم قتلهن) .
• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
• مستند الإجماع على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا:
1 - قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) [البقرة: 190].
• وجه الدلالة: حيث قال بعض السلف: ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان وأشباههم، لأنهم لا مقاتلة منهم في العادة فلا يقاتلون .
2 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان" .
• وجه الدلالة: أن الحديث نص صريح على النهي عن قتل النساء والصبيان، لكونهم يعتزلون الحرب، ولا يقاتلون في الغالب.
3 - أن النساء والصبيان ليسوا في العادة ممن يقاتلون فلا يقتلون، وليس من غرض الشارع قصد إتلاف النفوس، وإنما غرضه إصلاح العالم، وذلك يحصل بقتل المقاتلين، أما من لا يقاتلون فلا نفع بقتلهم، ولا ضرر باستبقائهم، بل استبقاؤهم فيه نفع راجح.
4 - أن النساء والصبيان غنيمة للمسلمين ينتفع بهم رقيقا وخدما وفداء، فلا ينبغي قتلهم إذا اعتزلوا القتال .
• الخلاف في المسألة: أورد الحازمي (584 هـ) قولا بجو از قتل النساء والصبيان، ولم يعزه لأحد .
قال الحافظ ابن حجر: (وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب ، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب) .
النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، لعدم المخالف المعتبر.
وأما ما حكاه الحازمي فلا يقدح في الإجماع لأمور:
1 - أنه قول لا يعرف قائله.
2 - أن الأئمة: الجصاص، وابن حزم، وابن عبد البر قد حكوا الإجماع، وهم متقدمون على الإمام الحازمي، فالقول الذي نقله الحازمي مردود، لأنه محجوج بالإجماع المنعقد قبله، وحكاه ابن رشد، وابن هبيرة، وهما في عصر الحازمي.
3 - أن حديث الصعب محمول على حال البيات وهو مستثنى من عدم جواز قتلهم كما سيأتي بيانه فيما يأتي.
• ذكر الفقهاء حالات يجوز فيها قتل النساء والصبيان، وإن لم يقاتلوا، ومن ذلك:
1 - أنه يجوز قتل النساء والصبيان في البيات ، لكن من غير تعمد وتقصد لهم، وهذا قول جمهور العلماء ، بل قال الإمام أحمد رحمه الله: (لا نعلم أحدا كره بيات العدو" .
2 - إذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم فيتوقى قتلهم، فإن لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز قتلهم على قول جمهور العلماء.
3 - إذا كانت المرأة ملكة، أو الصبي ملكا، جاز قتلهما، ولو لم يباشرا القتال على مذهب الحنفية، وذلك لعظم ضررهم، ولتفريق جمعهم، وكسر شوكتهم .
أما إذا باشر النساء والصبيان القتال، جاز قتلهم، وهو قول الجمهور، بل حكى غير واحد من العلماء الإجماع على هذا ؛ وذلك لأن العلة التي منعت من قتلهم هي عدم قتالهم، فإذا وجد منهم القتال وجدت علة إباحة قتلهم لأن الحاجة داعية إلى دفع مضرتهم .
وكذلك يجوز قتلهم إذا كانوا يلتقطون لهم السهام أو يحرضونهم على القتال أو كان لهم رأي في الحرب؛ لأن ذلك بمعنى المقاتلة
الإنجاد في أبواب الجهاد للقرطبي (ص257)
فصل: في الأسرى وأحكامهم، وما يجوز من التصرف فيهم
أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عاما، في الرجال والنساء والذرية، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجز عن ذلك؛ كالمرضى والزمنى وغيرهم، إلا خلافا في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذى بتدبير ولا غيره؛ فذهب قوم إلى أنه لا يعرض لهم بأسر، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم، وهو قول مالك،
ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها ، ثم اختلفوا بعد فيما يفعل بالأسرى من الرجال على أقوال:
فذهب قوم إلى قتلهم ولا بد، وقوم إلى استحيائهم، والمنع من قتلهم، وفرق قوم بين الأسر بعد الإثخان، وهو استمرار القتل، فأجازوا هناك الأسر للمن والفداء والاسترقاق، وبين الأسر قبل الإثخان؛ فمنعوا هناك الاستحياء، وأوجبوا فيهم القتل، وكذلك فرق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين؛ فلم يجيزوا في الوثنيين إلا القتل، وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام مخير في الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك،
وما الناسخ منها من المنسوخ، أو: هل ذلك كله محكم، والجمع بينه ممكن
الإنجاد في أبواب الجهاد للقرطبي (ص345)
ومما جاء في المن على السبي -النساء والذرية- ما رواه أبو عبيد في كتاب «الأموال» قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة الآف من سبي هوازن -من النساء والصبيان والرجال- إلى هوازن حين أسلموا … الحديث؛ وفيه قال: وزعم عروة، أن مروان ابن الحكم، والمسور بن مخرمة أخبراه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي؛ وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم» . قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتظرهم بضع عشرة ليلة، حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: نختار سبينا.
فإذا تقرر ذلك، فيجيء على مذهب من رأى تخيير الإمام في الأسرى، منهم: مالك، وغيره، وهو الذي تقدم ترجيحه بالأدلة: أنه متى حكم الإمام باسترقاقهم، توجهت عليهم أحكام الغنائم في القسم والتخميس، هذا لا إشكال فيه، ومهما قتل الإمام من رأى قتله من الرجال، خرج من جملة الغنيمة، وكان له حكم الاستثناء والتخصيص في عموم الآية في القسم والتخميس بما تقرر وثبت من الأدلة المتقدمة: أن الإمام مخير في ذلك واختلف في الوجوه الثلاثة: من المن، والمفاداة به، والإقرار على ضرب الجزية؛ إذا رأى الإمام واحدا منها:
فقيل: يكون ذلك كالقتل، يخرجه من جملة الغنيمة.
وقيل: بل يصير له بالاستحياء حكم الغنيمة الواجب قسمها، فإذا فعل ذلك الإمام احتسب به من الخمس، بخلاف القتل، وكلا القولين لأصحاب مذهب مالك.
وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس الأخذ، أو حتى تقسم؟ وقد كان يجب أن لا يختلفوا أن ذلك كله واحد في خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فرق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك مخير فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحق -أيضا- في أصناف سماهم الله عز وجل، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء؟!
ومن الدليل على خروج ذلك من جملة الغنمية، ما خرجه البخاري ، عن محمد بن جبير، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» . فهذا سبيل المن عليهم من الجملة، وكذلك بوب عليه البخاري: (باب المن على الأسرى من غير أن يخمسوا) .
المغني لابن قدامة (13/ 44: 47)
1634 - مسألة؛ قال: (وإذا سبى الإمام فهو مخير، إن رأى قتلهم، وإن رأى من عليهم وأطلقهم بلا عوض، وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، وإن رأى فادى بهم، وإن رأى استرقهم، أى ذلك رأى فيه نكاية للعدو، وحظا للمسلمين، فعل)
وجملته أن من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب؛ أحدها، النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم، ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبى؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان. متفق عليه . وكان عليه الصلاة والسلام يسترقهم إذا سباهم. الثاني، الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية، فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء؛ القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم. الثالث، الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية، فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء؛ القتل، أو المن، والمفاداة، ولا يجوز استرقاقهم. وعن أحمد، جواز استرقاقهم. وهو مذهب الشافعى. وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور. وعن مالك كمذهبنا. وعنه لا يجوز المن بغير عوض؛ لأنه لا مصلحة فيه ، وإنما يجوز للإمام فعل ما فيه المصلحة. وحكى عن الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، كراهة قتل الأسرى. وقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر. ولأن الله تعالى قال: (فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) . فخير بعد الأسر بين هذين لا غير. وقال أصحاب الرأى: إن شاء ضرب أعناقهم، وإن شاء استرقهم، لا غير، ولا يجوز من ولا فداء؛ لأن الله تعالى قال: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) . بعد قوله: (فإما منا بعد وإما فداء). وكان عمر بن عبد العزيز، وعياض بن عقبة، يقتلان الأسارى. ولنا، على جواز المن والفداء قول الله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء). وأن النبي صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال ، وأبى عزة الشاعر ، وأبى العاص بن الربيع ، وقال في أسارى بدر: "لو كان مطعم بن عدى حيا، ثم سألنى في هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له" . وفادى أسارى بدر، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا، كل رجل منهم بأربعمائة ، وفادى يوم بدر رجلا برجلين ، وصاحب العضباء برجلين . وأما القتل؛ فلأن النبى صلى الله عليه وسلم قتل رجال بنى قريظة، وهم بين الستمائة والسبعمائة ، وقتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، صبرا ، وقتل أبا عزة يوم أحد. وهذه قصص عمت واشتهرت، وفعلها النبى صلى الله عليه وسلم مرات، وهو دليل على جوازها. ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأى في المسلمين، يرجى إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم، والدفع عنهم، فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته، ويؤمن شره، فاسترقاقه أصلح، كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة، فينبغى أن يفوض ذلك إليه، وقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) عام لا ينسخ به الخاص، بل ينزل على ما عدا المخصوص، ولهذا لم يحرموا استرقاقه، فأما عبدة الأوثان، ففى استرقاقهم روايتان؛ إحداهما، لا يجوز. وهو مذهب الشافعى. وقال أبو حنيفة: يجوز في العجم دون العرب، بناء على قوله في أخذ الجزية منهم . ولنا، أنه كافر لا يقر بالجزية، فلم يقر بالاسترقاق كالمرتد، وقد ذكرنا الدليل عليه. إذا ثبت هذا، فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد، لا تخيير شهوة، فمتى رأي المصلحة في خصلة من هذه الخصال، تعينت عليه، ولم يجز العدول عنها، ومتى تردد فيها، فالقتل أولى. قال مجاهد في أميرين؛ أحدهما يقتل الأسرى: هو أفضل. وكذلك قال مالك. وقال إسحاق: الإثخان أحب إلى، إلا أن يكون معروفا يطمع به في الكثير