الموسوعة الفقهية الكويتية (33/ 11)
شروط القاذف:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في القاذف: البلوغ، والعقل، والاختيار، وسواء أكان ذكرًا أم أنثى، حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو غير مسلم.
واختلف الفقهاء في شروط، منها:
- الإقامة في دار العدل، وهو شرط عند الحنفية؛ احترازًا عن المقيم في دار الحرب.
- النطق، وهو شرط عند الحنفية، فلا حد على الأخرس.
- التزام أحكام الإسلام، وهو شرط عند الشافعية، فلا حد على حربي؛ لعدم التزامه أحكام الإسلام.
- العلم بالتحريم، وهو شرط عند الشافعية، وهو احتمال عند الحنفية، فلا حد على جاهل بالتحريم؛ لقرب عهده بالإسلام، أو بعده عن العلماء.
- عدم إذن المقذوف، وهو شرط عند الشافعية، فلا حد على من قذف غيره بإذنه، كما نقله الرافعي عن الأكثرين.
- أن يكون القاذف غير أصل للمقذوف، وهو شرط عند الحنفية، والمذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، وفي قول عند المالكية: يحد الأب بقذف ابنه.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (9/ 584: 591)
شروط القاذف لإقامة الحد عليه:
يشترط لإقامة حد القذف: أن يكون القاذف بالغًا عاقلًا.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، فلا يقام حد القذف إلا بتوفر وصفين:
الوصف الأول: أن يكون عاقلًا يعي ما يقوله حين قذفه، فأما إن كان مجنونًا، أو في غير وعيه بحيث لا يدري ما يقوله كالنائم، والمغمى عليه، فإنه غير مؤاخذ بالقذف، ولا يقام عليه الحد بموجب قذفه.
ويتبيَّن من ذلك أن فاقد العقل كالمجنون إن كان يفيق أحيانًا ويفقد العقل أحيانًا، وكان قذفه حال وعيه، فذلك غير مراد.
وكذا السكران، كشارب الخمر ونحوه فقذفه غير مراد في المسألة.
الوصف الثاني: أن يكون بالغًا، فأما إن كان صبيًّا لم يَبلغ فإنه لا يُقام عليه الحد.
من نقل الإجماع:
قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن الصبي إذا قذف امرأته، أنه لا يضرب، ولا يلاعن".
وقال ابن حزم: "إجماعهم على أن من هذى فلا حد عليه ولو كفر، أو قذف".
وقال ابن رشد الحفيد: "فأما القاذف فإنهم اتفقوا على أن من شرطه وصفين، وهما: البلوغ والعقل، وسواء أكان ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو غير مسلم"
• الموافقون على الإجماع:
وافق على الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
الدليل الأول: عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل).
• وجه الدلالة: الحديث ظاهر أن العقل والبلوغ شرطان للتكليف، وأن المجنون والصبي مرفوع عنهما القلم، فلا يؤاخذان بالعقوبات الشرعية؛ لفقدان شرط العقل.
الدليل الثاني: أن الصبي والمجنون لا يُحد أحدهما إذا ارتكب ما يوجب حد الزِّنَى، فمن باب أولى ألَّا يُحد إذا قذف شخصًا بالزِّنَى، فإن ارتكاب الزِّنَى أعظم من القذف به.
الدليل الثالث: أن الصبي والمجنون إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي؛ فلأن يسقط عنه الحد الذي مبناه على الدرء والإسقاط من باب أولى.
الدليل الرابع: أن الحد عقوبة محضة، فتستدعي جناية محضة، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالجناية فلا حد عليه؛ لعدم الجناية منه.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
يشترط لإقامة حد القذف على القاذف: عدم إقرار المقذوف بما قُذف به.
• المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، وأقر المقذوف بذلك الزِّنَى، فإن حد القذف يسقط عن القاذف؛ لأن من شرط إقامة الحد على القاذف: ألا يُقر المقذوف بما قُذف به.
من نقل الإجماع:
قال ابن قدامة في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف...، ولا نعلم خلافًا في هذا كله".
وقال شمس الدين ابن قدامة في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "ولذلك يشترط عدم إقرار المقذوف...، ولا نعلم في هذا كله خلافًا".
الموافقون على الإجماع:
وافق على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
مستند الإجماع:
يستند الإجماع إلى أن سبب إقامة الحد على القاذف هو تكذيبه، ودفع المعرَّة عن المقذوف، فإذا اعترف المقذوف بما رُمي به، كان القاذف صادقًا، والمقذوف قد أثبت على نفسه المعرَّة.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
يشترط لإقامة حد القذف على القاذف: ألا يقيم بينة على قذفه.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بما يوجب حد القذف، فإنه يطالب بالبيِّنة على ما قاله، أو يُقام عليه حد القذف، فإن أقام البيِّنة بالشهود فإنه يسقط عنه حد القذف.
من نقل الإجماع:
قال ابن حزم: "واتفقوا أن القاذف إذا أتى ببينة على ما ذَكر، أن الحد سقط عنه".
وقال ابن قدامة في شروط إقامة حد القذف على القاذف "الثاني: ألا يأتي ببيِّنة...، ولا نعلم خلافًا في هذا كله".
وقال شمس الدين ابن قدامة في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "الثاني: أن لا يأتي ببينة...، ولا نعلم في هذا كله خلافًا".
الموافقون على الإجماع:
وافق على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والظاهرية.
مستند الإجماع:
الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 4].
وجه الدلالة: الآية دلت على أن من قذف محصنة، ولم يأت بأربعة شهداء، فإن عليه القذف، وهي تدل بمفهومها على أن من أتى بأربعة شهداء فإنه لا حد عليه.
الدليل الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك).
وجه الدلالة: في الحديث بيان أن من قذف آخر بالزِّنَى، فإما أن يأتي بالبيِّنة ليسقط عنه الحد، أو لا يأتي بالبينة ويُقام عليه الحد.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
المغني لابن قدامة (12 / 385)
شَرائطُ الإِحْصانِ في القذف:
وشَرائطُ الإِحْصانِ الذي يجبُ الحَدُّ بقَذْفِ صاحبِه خمسةٌ: العقلُ، والحُرِّيَّةُ، والإِسلامُ، والعِفَّةُ عن الزِّنَى، وأن يكونَ كبيرًا يُجِامِعُ مِثْلُه، وبه يقولُ جماعةُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، سِوَى ما رُوِيَ عن داودَ أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العبدِ، وعن ابن المسيَّبِ، وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، ولها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ مَنْ لا يُحَدُّ قاذفُه إذا لم يكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ ولَه ولدٌ، كالمجنونةِ.
واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِيَ عنه، أنَّه شَرْطٌ، وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَي التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ حدًّا، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجنونِ. والثانية: لا يُشْتَرطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقِلٌ عفيفٌ يتعيَّرُ بهذا القولِ المُمْكنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ، وهذا قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ، فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بُدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عشرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ.
الموسوعة الفقهية الكويتية (33/ 12)
شروط المقذوف:
كون المقذوف محصنًا:
يشترط في المقذوف - الذي يجب الحد بقذفه من الرجال والنساء - أن يكون محصنًا.
وشروط الإحصان في القذف: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعفة عن الزِّنَى، فإن قذف صغيرًا أو مجنونًا لم يجب عليه الحد؛ لأن ما رمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد، فلم يجب الحد على القاذف، كما لو قذف عاقلًا بما دون الوطء، وإن قذف كافرًا لم يجب عليه الحد؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن، وإن قذف مملوكًا لم يجب عليه الحد؛ لأن نقص الرق يمنع كمال الحد، فيمنع وجوب الحد على قاذفه، وإن قذف زانيًا لم يجب عليه الحد؛ لقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [النور: 4]، فأسقط الحد عنه إذا ثبت أنه زنى، فدل على أنه إذا قذفه وهو زان لم يجب عليه الحد.
وقال مالك في الصبية التي يجامع مثلها: يحد قاذفها، خصوصًا إذا كانت مراهقة، فإن الحد بعلة إلحاق العار، ومثلها يلحقه.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (9/ 570: 577)
شروط إقامة الحد على القاذف:
يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزِّنَى.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، فإن من شرط إقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزِّنَى، بمعنى أنه لم يأت بزنًى قبل ذلك، ولم يُحد في زنًى، فإن زنى الشخص أو أقيم عليه حد الزِّنَى، ولم يتب من ذلك فإنه لا يكون عفيفًا، ولا حد على قاذفه.
ويُنبه هنا إلى أمرين:
الأول: المراد أنه لا حد على من قذفه بذلك الزِّنَى، أما إن قذفه بزنى آخر، فهذه مسألة أخرى غير مرادة.
الثاني: المسألة مقيَّدة بما إذا لم يتب الزاني، فإن زنى أو أقيم عليه الحد، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح فهذه مسألة غير مرادة.
من نقل الإجماع:
قال ابن رشد الحفيد: "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزِّنَى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف لم يجب الحد"، ونقله عنه ابن قاسم.
وقال ابن قدامة: "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنَى، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال بهاء الدين المقدسي: "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًّا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع، وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال شمس الدين ابن قدامة: "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله...، فهذه الخمسة شروط الإحصان، وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال العيني: "(أن يكون المقذوف حرًّا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزِّنَى) هذا باتفاق العلماء". وقال المطيعي عند مسألة أن من قذف زانيًا فلا حد عليه: "هذا ما لا خلاف فيه في حالة ثبوت الزِّنَى".
الموافقون على الإجماع:
وافق على ذلك: الظاهرية.
مستند الإجماع:
الدليل الأول: قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } [النور: 4].
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الحد على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء، فأسقط الحد إذا ثبت أنه زنى، وهو يدل على أن من ثبت عليه الزِّنَى فانه لا حد على من قذفه.
الدليل الثاني: قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور: 23].
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذم القذف في حق المحصنات أي العفيفات، وهو يدل على أن قذف غير العفيفة لا يدخل في الوعيد، ولا يجب به الحد.
الدليل الثالث: أن غير العفيف لا يلحقه العار بنسبته إلى الزِّنَى؛ لأنه قد لحقه قبل ذلك، والقاذف لم يكذب فيما قاله، بل هو صدق وحق، وحد القذف إنما يقام لدفع العار وبيان كذب القاذف.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف عاقلًا، بالغًا.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، فإن من شرط إقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف بالغًا حين القذف، وأن يكون عاقلًا، فلا حد على من قذف الصبي أو الصبية اللذين لم يبلغا، ولا حد على من قذف المجنون.
• من نقل الإجماع:
قال ابن رشد الحفيد (ت 595 هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف، وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزِّنَى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد"، ونقله عنه ابن قاسم.
وقال ابن قدامة: "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنَى، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال بهاء الدين المقدسي: "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًّا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع، وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال ابن الهمام: "وأما العقل والبلوغ ففيه إجماع، إلا ما عن أحمد أن الصبي الذي يجامع مثله محصن فيحد قاذفه".
وقال شمس الدين ابن قدامة: "والمحصن هو: الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله...، فهذه الخمسة شروط الإحصان، وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال العيني: "(أن يكون المقذوف حرًّا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزِّنَى)، هذا باتفاق العلماء".
• الموافقون على الإجماع:
وافق على الإجماع: الشافعية، والحنابلة في رواية.
• مستند الإجماع:
الدليل الأول: عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل).
• وجه الدلالة: أن البلوغ والعقل شرطان للتكليف، والصبي أو المجنون إن ثبت زناه فلا يجب عليه الحد، فلا يجب الحد بقذفه.
الدليل الثاني: أن حد القذف المراد منه دفع المعرَّة عن المقذوف، ولا معرة على غير البالغ؛ لأن فعله للوطء لا يوصف بأنه زنًى.
• المخالفون للإجماع:
المخالفون في المسألة على قولين:
القول الأول: لا يشترط لإقامة حد القذف أن يكون المقذوف بالغًا، فمتى كان الصبي أو الصبية يطيق أحدهما الوطء، فعلى من قذفه الحد، وهو قول المالكية، والحنابلة، وبهذا يتبين أن أصحاب هذا القول قيدوه بإطاقة الوطء.
القول الثاني: أن قذف من لم يبلغ يوجب الحد مطلقًا، أطاق الوطء أو لم يطقه، وكذا قذف المجنون يوجب الحد، وهو قول الظاهرية.
دليل المخالف: أما من قال بأن شرط المقذوف إطاقته للوطء فعلل ذلك بأن المقصود من الحد دفع المعرَّة التي لحقت المقذوف بالقذف، وبيان كذب القاذف، ومن كان غير مطيق للوطء لا يحتاج إلى ذلك؛ للعلم بكذب القاذف بكونه لا يطيق الوطء.
وأما من أوجب الحد مطلقًا على من قذف الصغير أو المجنون فاستدل بـ: قول اللَّه تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 4].
• وجه الدلالة: عموم الآية تدل على وجوب الحد على من قذف المحصنة، والإحصان في اللغة: هو بمعنى المنع، فكل من منعت نفسها من الحرام فتشملها هذه الآية.
النتيجة:
ثمة مسألتان:
الأولى: يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف بالغًا:
فهذه المسألة - فيما يظهر - ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، والظاهرية، والحنابلة في رواية.
وفي نقل الإجماع في المسألة تساهل، خصوصًا من ابن رشد، رحمه الله.
الثانية: يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف عاقلًا:
فهذه المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية، ومن نقل الإجماع لم يعتبر قولهم في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف مسلمًا.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، وكان المقذوف كافرًا، سواء كان ذميًّا، أو حربيًّا، أو غير ذلك، فإن هذا القذف غير موجب للحد.
من نقل الإجماع:
قال ابن عبد البر: "إجماعهم أنه ليس على من قذف ذمية أو مملوكة حد".
وقال ابن رشد الحفيد: "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف، وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزِّنَى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد"، ونقله عنه ابن قاسم.
وقال ابن قدامة: "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنَى، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال بهاء الدين المقدسي: "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًّا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع، وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال ابن القطان: "ولم يختلفوا أن من قذف مملوكة أو كافرة أنه لا يُحد للقذف".
وقال ابن الهمام: " قَوْلُهُ: (ومن قذف عبدًا أو أمة أو أم ولد أو كافرًا بالزِّنَى عزر) بالإجماع".
وقال شمس الدين ابن قدامة: "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله...، فهذه الخمسة شروط الإحصان، وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد".
وقال العيني: "(أن يكون المقذوف حرًّا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزِّنَى)، هذا باتفاق العلماء".
• الموافقون على الإجماع:
وافق على ذلك: الشافعية، والظاهرية.
• مستند الإجماع:
الدليل الأول: قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور: 23].
الدليل الثاني: قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 4].
الدليل الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: "من أشرك باللَّه فليس بمحصن".
• وجه الدلالة من الآية والأثر: أن الآية شرطت في حد القذف: أن يكون المقذوف محصنًا، وقد بيَّن الأثر أن الكافر ليس بمحصن، وعلى ذلك فلا يكون قذفه داخلًا في الآية الموجبة للحد.
الدليل الرابع: أن الكافر لا حرمة له، فكما لا تؤخذ نفس المسلم بنفس الكافر، فكذا لا يؤخذ عرضه بعرضه.
الدليل الخامس: أن الحد إنما وجب بالقذف؛ دفعًا لعار الزِّنَى عن المقذوف، وما في الكافر من عار الكفر أعظم.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
يشترط لإقامة الحد على القاذف: أن يكون المقذوف معه آلة الزِّنَى.
المراد بالمسألة:
إذا قذف شخص آخر بالزِّنَى، وكان المقذوف لا يمكن أن يحصل منه زنى؛ لفقد آلة الزِّنَى، كأن يكون الرجل مقطوع الذكر، أو تكون المرأة رتقاء، أو نحو ذلك فحينئذٍ، لا يقام حد القذف على من قذف فاقد آلة الزِّنَى.
• من نقل الإجماع:
قال ابن رشد الحفيد: "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف، وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزِّنَى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد"، ونقله عنه ابن قاسم.
• الموافقون على الإجماع:
وافق على ذلك: الحنفية، والشافعية.
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع إلى أن المقصود من حد القذف دفع العار، وبيان كذب القاذف، وهذا ظاهر فيمن ليس معه آلة الزِّنَى؛ لاستحالة الزِّنَى في حقه.
• المخالفون للإجماع:
ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف من ليس معه آلة الزِّنَى فإنه يُحد، وهو قول الحنابلة، والظاهرية.
• دليل المخالف:
استدل من أوجب الحد على من قذف من ليس معه آلة الزِّنَى بعموم قول اللَّه تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 4].
• وجه الدلالة: عموم الآية تدل على وجوب الحد على من قذف المحصنة، والإحصان في اللغة: هو بمعنى المنع، فكل من منعت نفسها من الحرام فتشملها هذه الآية.
النتيجة:
المسألة - فيما يظهر - ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، والظاهرية.
ونقْلُ ابن رشد للاتفاق في المسألة لعلَّه وهْمٌ، واللَّه تعالى أعلم.
المغني لابن قدامة (12/ 386)
شروط المقذوف في حد القذف:
مسألة، قال: (إذَا طَالبَ الْمَقْذُوفُ، ولمْ يَكُنْ لِلْقاذِفِ بَيِّنَةٌ).
وجملتُهُ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ لإِقامةِ الحَدِّ بعدَ تمامِ القَذْفِ بشُروطِه شَرْطان:
أحدُهما: مُطالَبةُ المقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طلبِه، كسائرِ حُقوقِه.
والثاني: أن لا يأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّه تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } [النور: 4]، فشَرَطَ في جَلْدِهم عَدَمَ البَيِّنَةِ، وكذلك يُشْتَرَطُ عدمُ الإِقْرارِ من المقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ، وإن كان القاذِفُ زوجًا، اعْتُبِرَ شرطٌ ثالثٌ، وهو امْتناعُه من اللِّعانِ، ولا نعلمُ خلافًا في هذا كلِّه، وتُعْتَبرُ اسْتدامةُ الطالبِ إلى إقامةِ الحَدِّ، فلو طلبَ ثم عفَا عن الحَدِّ، سَقَطَ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْر، وقال الحسن، وأصْحابُ الرَّأْي: لا يسْقُطُ بعَفْوهِ؛ لأنَّه حَدٌّ، فلم يسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحدودِ.
ولَنا: أنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالبةِ الآدَمِيِّ باسْتيفائِه، فسَقطَ بعَفْوِه، كالقِصَاصِ، وفارقَ سائرَ الحُدودِ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ في إقامتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها، وحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّما تُعْتَبَرُ فيه المطالَبَةُ بالمَسْروقِ، لا باسْتيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دعواه، ويُسْتحْلَفُ فيه، ويحكمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ، فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِيٍّ.