الموسوعة الفقهية الكويتية (24 / 317 : 323)
أن يكون المسروق محرزًا:
الحرز عند الفقهاء: الموضع الحصين الذي يحفظ فيه المال عادة، بحيث لا يعد صاحبه مضيعًا له بوضعه فيه.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن حد السرقة لا يقام إلا إذا أخذ السارق النصاب من حرزه؛ لأن المال غير المحرز ضائع بتقصير من صاحبه.
واستدل الجمهور بما رواه أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها، فقال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، قال: يا رسول الله، فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع، إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن.
وذهب بعض الفقهاء وطائفة من أهل الحديث إلى عدم اشتراط الحرز لإقامة حد السرقة؛ لعموم قوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38].
والحرز نوعان:
حرز بنفسه، ويسمى حرزًا بالمكان، وهو: كل بقعة معدة للإحراز، يمنع الدخول فيها إلا بإذن، كالدار والبيت.
وحرز بغيره، ويسمى حرزًا بالحافظ، وهو: كل مكان غير معد للإحراز، لا يمنع أحد من دخوله، كالمسجد والسوق.
ولما كان ضابط الحرز وتحديد مفهومه يرجع إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان ونوع المال المراد حفظه، وباختلاف حال السلطان من العدل أو الجور، ومن القوة أو الضعف، فقد اختلف الفقهاء في الشروط الواجب توافرها ليكون الحرز تامًّا، وبالتالي يقام الحد على من يسرق منه.
فذهب الحنفية إلى أن الحرز نفسه: كل بقعة معدة للإحراز بمنع دخولها إلا بإذن، كالدور والحوانيت والخيم والخزائن والصناديق والجرن وحظائر الماشية، سواء كان الباب مغلقًا أو مفتوحًا، أو لا باب لها؛ لأن هذه الأبنية قصد بها الإحراز كيفما كان.
ولا يشترط في الحرز بنفسه عندهم وجود الحافظ، ولو وجد فلا عبرة بوجوده، ويترتب على ذلك: أن الحرز بنفسه إذا اختل، بأن أذن للسارق في دخوله، فلا يقام حد السرقة، ولو كان فيه حافظ، وعلى هذا لا يقام حد السرقة على الضيف؛ لأن الإذن له بالدخول أحدث خللًا في الحرز، ولا على الخادم؛ لأن فعله يوصف بالخيانة، وليس على الخائن قطع، ولا على من يسرق من الحوانيت في فترات الإذن بالدخول، بخلاف ما لو سرق في وقت غير مأذون فيه.
والسرقة من الحرز بنفسه لا تشمل سرقة الحرز نفسه؛ لأن السرقة تقتضي الإخراج من الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز، فلا إخراج، وبناء على ذلك لو سرق باب الدار، أو حائط الحانوت، أو الخيمة المضروبة، فلا يقام عليه الحد عند الحنفية؛ لأنه سرق نفس الحرز، ولم يسرق من الحرز.
أما الحرز بغيره: فهو كل مكان غير معد للإحراز، يدخل إليه بدون إذن، ولا يمنع منه، كالمساجد والطرق والأسواق، وهي لا تعتبر حرزًا إلا إذا كان عليها حافظ، أي: شخص ليس له من مقصد سوى الحراسة والحفظ، فإن كان له مقصد آخر فلا يكون المال محرزًا به.
وبناء على ذلك لا يقام الحد عند الحنفية على من يسرق الماشية من المرعى، ولو كان الراعي معها؛ لأن عمل الراعي هو الرعي، والحراسة تحصل تبعًا له، بخلاف ما لو كان مع الراعي حافظ يختص بالحراسة، ففي هذه الحالة تكون الماشية محرزة بالحافظ، فيقام الحد.
ولا يقام الحد على من سرق متاعًا تركه صاحبه في المسجد؛ لأن المسجد لا يعتبر من الأماكن المعدة لحفظ الأموال، ويدخل إليه بلا إذن، فأما إذا سرق المتاع حالة وجود الحافظ، فيقام عليه الحد؛ لما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق خميصة صفوان، وكان نائمًا عليها في المسجد، ولا يقام الحد على من يسرق الحرز بالحافظ، كمن يسرق بعيرًا وراكبه نائم فوقه؛ لأن البعير محرز بالحافظ، فإذا أخذهما جميعًا صار كمن يسرق نفس الحرز.
وعند الحنفية: يعتبر المكان محرزًا بالحافظ كلما كان الشيء واقعًا تحت بصره، مميزًا أم غير مميز؛ لأنه وجد للحفظ ويقصده، وعلى ذلك فإن ما يلبسه الإنسان أو يحمله أو يركبه أو يقع تحت بصره من متاع أو غيره يعتبر محرزًا بحافظ، يقام الحد على من يسرق منه ما يبلغ النصاب.
ويرى الحنفية أن المسجد يعتبر حرزًا بالحافظ، فإذا لم يكن به حارس، وسرق شخص شيئًا مما يلزم المسجد ضرورة، كالحصر والقناديل، أو للزينة كالعلم والمشكاة، أو للانتفاع به كالمصحف وكتب العلم، فلا يقام عليه الحد؛ لانعدام الحرز، بخلاف ما لو كان للمسجد حارس، فإنه يكون محرزًا به.
وذهب المالكية إلى أن الحرز بنفسه: كل مكان اتخذه صاحبه مستقرًّا له، أو اعتاد الناس وضع أمتعتهم به، سواء أكان محاطًا أم غير محاط، كالبيوت والحوانيت والخزائن، وكالجرين الذي يجمع فيه الحب والتمر، وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق، وكالأماكن التي يضع التجار بضائعهم فيها، في السوق أو في الطريق دون تحصين، وكالأماكن التي تراح فيها الدواب دون بناء، أو التي تناخ فيها الإبل للكراء.
ولا يرى المالكية ما يمنع من اعتبار الحرز بنفسه حرزًا بالحافظ، بحيث إنه إذا اختل الحرز بنفسه، بأن أذن للسارق في دخوله، صار حرزًا بالحافظ إن كان به من يحفظه. وعلى ذلك يقام الحد على الضيف إذا سرق من منزل مضيفه، سواء كان المضيف نائمًا أو مستيقظًا، ما دام الشيء المسروق يقع تحت بصره.
كما يرون إقامة الحد على من يسرق من أفنية الحوانيت وقت الإذن بدخولها، ولو لم يكن عليها حافظ؛ لأنها تحفظ عادة بأعين الجيران وملاحظتهم.
ويقام الحد عندهم على من يسرق الحرز نفسه؛ لأن نفس الحرز يعتبر محرزًا بإقامته، فالحائط محرز ببنائه، والباب محرز بتثبيته، والفسطاط محرز بإقامته.
أما الحرز بغيره فهو المكان الذي لم يتخذه صاحبه مستقرًّا له، ولم تجر العادة بوضع الأمتعة فيه، كالطريق والصحراء، وهو يكون حرزًا بصاحب المتاع إن كان قريبًا من متاعه عرفًا، بشرط أن يكون حيًّا عاقلًا مميزًا؛ ولذا لا يقام الحد عند المالكية على من يسرق متاعًا بحضرة ميت أو مجنون أو صبي غير مميز.
ويستثني المالكية من ذلك سرقة الغنم في المرعى، ولو كان معها راعيها فلا قطع على سارقها؛ لتشتت الغنم، وعدم ضبطها أثناء الرعي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل"، وقريب من ذلك عندهم: سرقة الثياب المنشورة، ولو بحضرة الحافظ؛ لأن آخذه خائن أو مختلس.
ولا يقام الحد على من يسرق متاعًا وضعه صاحبه في المسجد؛ لأنه لم يعد لحفظ المال أصلًا، إلا إذا كان هناك حارس يلاحظه؛ لأنه في هذه الحالة يصير حرزًا بالحافظ. ولا يقام الحد كذلك على من يسرق الحرز بالحافظ، كمن يسرق بعيرًا وراكبه نائم فوقه؛ لأن يد الحافظ لم تزل عن البعير، فإذا استيقظ الراكب بعد ذلك كان الفعل اختلاسًا إذا أزيلت يده عن البعير.
وعند المالكية روايتان في حكم سارق المسجد: تذهب الأولى إلى إقامة الحد على من يسرق من بناء المسجد، كالحائط أو الباب أو السقف، وعلى من يسرق من أدواته المعدة للاستعمال فيه كالحصر أو البسط أو القناديل؛ لأنها محرزة بنفسها.
أما الرواية الأخرى: فتفرق في أدوات المسجد بين ما هو مثبت كالبلاط. أو ما هو مسمر كالقناديل المشدودة بالسلاسل، أو ما شد بعضه إلى بعض كالبسط المخيط بعضها في بعض، وهذه يقام الحد على سارقها، وبين غير المثبت أو المسمر أو المشدود بعضه إلى بعض فلا يقام الحد على سارقها.
وعند الشافعية: لا يكون حرزًا بنفسه إلا المكان المغلق المعد لحفظ المال داخل العمران، كالبيوت والحوانيت وحظائر الماشية، فإن كان المكان غير مغلق بأن كان بابه مفتوحًا، أو ليس له باب، أو كان حائطه متهدمًا أو به نقب، فلا يكون حرزًا بنفسه، وإن كان المكان غير معد لحفظ المال كالسوق والمسجد والطريق، فإنه لا يعتبر حرزًا بنفسه، وإن كان المكان خارج العمران بأن كان منفصلًا عن مباني القرية أو البلدة ولو ببستان، فلا يكون حرزًا بنفسه.
ولا يرى الشافعية ما يمنع من اعتبار الحرز بنفسه حرزًا بالحافظ إذا اختل الحرز بالمكان، بأن أذن للسارق بالدخول، أو فتح الباب، أو أحدث به نقب، وعلى ذلك يقام الحد عندهم على الضيف إذا سرق من غير المكان الذي نزل به؛ لأنه سرق مالًا محرزًا لا شبهة له فيه، بخلاف ما لو سرق من المكان الذي نزل به؛ لاختلال الحرز بالإذن، إلا إذا كان بالمكان الذي نزل فيه حافظ يقع بصره عليه، فإن المكان يعتبر حرزًا بالحافظ، ولو كان الحافظ نائمًا اختل الحرز، إلا إذا سرق الضيف شيئًا يلبسه النائم، أو يتوسده، أو يتكئ عليه، أو يلتف به، فيقطع بسرقته.
ويقام الحد عند الشافعية على من يسرق نفس الحرز؛ لأنه محرز بإقامته، وعلى ذلك يقطع من يسرق حجارة الحائط أو باب البيت أو خشب السقف.
أما الحرز بغيره: فهو كل مكان لم يعد لحفظ المال، أو كان خارج العمران، أو غير مغلق، وهو لا يكون حرزًا إلا بملاحظ يقوم بحراسة المال، بحيث لا يعتبر العرف صاحبه مقصرًا عند سرقته، فالملاحظة يختلف مداها باختلاف نوع الحرز، فإن كان المال في مكان لا حصانة له كصحراء أو مسجد أو شارع، اشترط الشافعية لاعتباره محرزًا: دوام ملاحظته من المالك، أو ممن استحفظه المالك، ولا يقطع هذا الدوام الفترات العارضة في العادة التي يغفل فيها الملاحظ، فيقام الحد على من يسرق أثناءها؛ ولذلك لا يعتبر هذا المكان حرزًا، إذا كان الملاحظ بعيدًا عرفًا عن المال، أو كان نائمًا أو أعطاه ظهره، أو كان ثمة ازدحام يحول بين الملاحظ وبين المال.
ودوام الملاحظة يقتضي أن يكون الملاحظ قادرًا على منع السارق من السرقة بقوة من نفسه، أو بقوة من غيره كاستغاثة، فإن كان ضعيفًا لا يقدر على دفع السارق، والموضوع بعيد عن الغوث، فإن المال لا يعتبر محرزًا به.
ويعتبر المرعى من الأماكن التي تحتاج إلى لحاظ دائم فلا يعتبر حرزًا للماشية، إلا إذا كان معها حافظ يراها ويسمع صوتها إذا بعدت عنه.
وإن كانت الماشية مقطورة يقودها قائد فلا تكون محرزة به، إلا إذا كان يلتفت إليها كل ساعة، بحيث يراها، فإن كانت غير مقطورة، أو كان القائد لا يستطيع رؤية بعضها لحائل، اختل الحرز، ويدرأ الحد عن السارق.
وإن كان المال في مكان محصن، كدار وحانوت وإصطبل، كفى لحاظ معتاد، فإن كان هذا المكان متصلا بالعمران، وله باب مغلق، اعتبر حرزًا، سواء كان الحافظ قويًّا أو ضعيفًا نائمًا أو يقظًا، في النهار أو في الليل، وسواء أكان الزمن زمن أمن، أم كان زمن خوف، وإن لم يكن به حافظ فلا يعتبر حرزًا إلا إذا كان الباب مغلقًا والوقت نهارًا والزمن زمن أمن، وإلا فلا.
وإن كان هذا المكان بعيدًا عن العمران، وبه حافظ قوي يقظان، اعتبر حرزًا، سواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا، والأصح عندهم أنه يكون حرزًا إذا كان به شخص قوي نائم، والباب مغلق، فإن لم يكن بالمكان أحد، أو كان به شخص ضعيف، فلا يعتبر حرزًا لما فيه، حتى لو كان الباب مغلقًا.
والمذهب أن المسجد يعتبر حرزًا بنفسه فيما جعل لعمارته كالبناء والسقف، أو لتحصينه كالأبواب والشبابيك، أو لزينته كالستائر والقناديل المعلقة للزينة.
فأما ما أعد لانتفاع الناس به كالحصر والقناديل التي تسرج فيه والمصاحف، فالأصح أنه لا يقام الحد على سارقها إذا كان له حق الانتفاع؛ لوجود الشبهة، ومقابل الأصح: وجوب إقامة الحد على سارق الحصر والقناديل.
ويتفق الحنابلة مع الشافعية في أن الحرز بنفسه: هو كل موضع مغلق معد لحفظ المال داخل العمران كالبيوت والحوانيت وحظائر الماشية.
فإن لم يكن مغلقًا: بأن كان بابه مفتوحًا أو به نقب، فلا يعتبر حرزًا بنفسه، وإن لم يكن معدًّا لحفظ المال كالسوق والمسجد، فلا يعتبر حرزًا بنفسه. وإن كان خارج العمران فلا يعتبر حرزًا بنفسه.
ولا يرى الحنابلة مانعًا من اعتبار الحرز بنفسه حرزًا بالحافظ إذا اختل الحرز بالمكان، بأن أذن للسارق بالدخول، أو كان الباب مفتوحًا، أو أحدث بالمكان نقب؛ ولهذا لا يقام الحد عندهم على الضيف إذا سرق من الموضع الذي أذن له بدخوله؛ لاختلال الحرز بالإذن.
فأما إذا سرق من موضع لم يؤذن له بدخوله، فإن الحكم يختلف باختلاف معاملة الضيف، فإن كان المضيف قد منعه قراه فسرق بقدره لا يقام الحد عليه، وإن لم يكن منعه قراه يقام عليه حد السرقة.
ويذهب الحنابلة إلى إقامة الحد على من يسرق نفس الحرز؛ لأنه محرز بإقامته، وعلى ذلك يقطع من يسرق حجارة من حائط الدار، أو بابه، أو نحوه.
أما الحرز بغيره: فهو الموضع الذي لم يعد لحفظ المال دون حافظ في العادة، كالخيام والمضارب، أو الموضع المنفصل عن العمران، كالبيوت في البساتين والطرق والصحراء، مغلقة كانت أو مفتوحة، فلا تكون حرزًا إلا بحافظ أيًّا كان، صغيرًا أو كبيرًا، قويًّا أو ضعيفًا، ما دام لم يفرط في الحفظ بنحو نوم، أو يشتغل عن الملاحظة بنحو لهو، وعلى ذلك تحرز الماشية في المرعى بملاحظة الراعي لها، بأن يراها ويبلغها صوته، فإن نام أو غفل عنها أو استتر بعضها عنه فلا تكون محرزة، أما الإبل فإنها تحرز وهي باركة إذا عقلت، وكان معها حافظ ولو نائمًا.
وعند الحنابلة رأيان في حكم السرقة من المسجد، أحدهما: أن المسجد ليس حرزًا بنفسه إلا فيما جعل لعمارته أو لزينته، كالسقف والأبواب ونحوها، فأما ما أعد لانتفاع الناس به، كالحصر أو البسط أو قناديل الإضاءة، فلا يقام الحد على سارقها، ولو كانت محرزة بحافظ؛ لأن حق السارق في الانتفاع بها يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد، والرأي الآخر: لا يقام الحد على من يسرق من المسجد، سواء كان المسروق لعمارته وزينته، أو كان معدًّا لانتفاع الناس به؛ لأن المسجد لا مالك له من المخلوقين، ولأنه معد لانتفاع المسلمين به فكان ذلك شبهة تدرأ الحد، سواء اعتبرت السرقة من حرز بنفسه أو من حرز بالحافظ.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10 / 145 : 152)
من شروط إقامة حد السرقة: أن تكون السرقة من حرز.
• المراد بالمسألة:
أولًا: تعريف الحرز لغة واصطلاحًا:
الحرز لغة: قال ابن فارس: "الحاء والراء والزاء: أصلٌ واحد، وهو من الحِفْظ والتَّحفظ، يقال: حَرَزْتُه واحترزَ هو: أي تحفَّظَ، وناسٌ يذهبون إلى أنّ هذه الزّاءَ مبدلةٌ مِن سين، وأنَّ الأصل: الحَرْس، وهو وجهٌ".
وقال الفيومي: "الحِرْز: المكان الذي يحفظ فيه، والجمع: أَحْرَازٌ، مثل: حِمْل وأحمال، وأَحْرَزْتُ المتاع: جعلته في الحرز، ويقال: حِرْزٌ حَرِيزٌ: للتأكيد، كما يقال: حصن حصين".
الحرز اصطلاحًا: اختلفت عبارات الفقهاء في ضابط الحرز.
قال السرخسي من الحنفية: "كل مكان معد لحفظ الأمتعة فهو حرز".
وعرفه المالكية بأنه: "ألا يُعد الواضع فيه مضيعًا عرفًا".
وقال الرملي من الشافعية: "ضابط الحرز: ما لا يُنسب المودَع بوضع الوديعة فيه إلى تقصير".
وقال ابن قدامة من الحنابلة: "الحرز ما عد حرزًا في العرف".
ويتحصل مما سبق أن الحرز عند الفقهاء هو: ما نُصب لحفظ أموال الناس عادة، كالدار، والصندوق، وما أشبه ذلك، وتحديد الحرز يرجع إلى العرف، فهو يختلف باختلاف المال، والزمان، والمكان، والسلطان، كما صرح بذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
• ثانيًا: صورة المسألة
لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فإن من شرط إقامة الحد: أن يكون السارق أخذ المال من الحرز الذي يحفظ فيه المال، وأخرجه من الحرز، فإن كان المال غير محرز فلا قطع.
ويتبين مما سبق أنه لو أخذ المال من الحرز بأن جمعه ولم يخرجه، فإنها غير مسألة الباب، وهي مسألة سبق ذكرها في الفصل الأول.
• من نقل الإجماع:
قال ابن المنذر: "أجمعوا أن القطع يجب على من سرق ما يجب فيه القطع من الحرز".
وقال الجصاص: "لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في القطع".
وقال ابن عبد البر: "واتفق الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار وأتباعهم على مراعاة الحرز في ما يسرقه السارق، فقالوا: ما سرقه السارق من غير حرز فلا قطع عليه، بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع أم لم يبلغ".
وقال ابن العربي: "والأمة متفقة على اعتبار الحرز في القطع في السرقة؛ لاقتضاء لفظها، ولا تضمن حكمتها وجوبه، ولم أعلم من ترك اعتباره من العلماء، ولا تحصَّل لي من يهمله من الفقهاء، وإنما هو خلاف يذكر، وربما نسب إلى من لا قدر له؛ فلذلك أعرضت عن ذكره".
وقال ابن هبيرة: "وأجمعوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع"، ونقله عنه ابن قاسم.
وقال ابن قدامة: "هذا قول أكثر أهل العلم –أي: اشتراط الحرز-، وهذا مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولًا حكي عن عائشة، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز"، ثم تعقب المخالف بأن المسألة محل إجماع، فلا يعتد بمن خالف، وكذا بعد هذه المسألة ذكر ابن قدامة مسألة أنه لا بد من إخراج المتاع من الحرز، وأشار في هذه المسألة إلى أن الحرز محل إجماع.
وقال أبو العباس القرطبي: "لا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع، إلا ما شذَّ فيه الحسن، وأهل الظاهر".
وقال القرطبي: "اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا جمع الثياب في البيت قطع، وقال الحسن بن أبي الحسن أيضًا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم، فصار اتفاقًا صحيحًا".
وقال ابن الهمام: "الإخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم، وعن عائشة، والحسن، والنخعي، أن من جمع المال في الحرز قطع، وإن لم يخرج به، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وعن داود لا يعتبر الحرز أصلًا، وهذه الأقوال غير ثابتة عمن نقلت عنه، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا، فهو كالإجماع".
وقال ابن حجر الهيتمي في معرض ذكره لشروط القطع في السرقة: "الرابع: كونه محرزًا، إجماعًا"، وذكره الخطيب الشربيني كذلك في مغني المحتاج: "إجماعًا".
وقال الرملي في معرض ذكره لشروط القطع في السرقة: "الرابع: كونه محرزًا، بالإجماع".
وقال ابن قاسم: "الإجماع على أن الحرز معتبر في وجوب القطع".
وقال المطيعي: "الشرط في وجوب هذا الحد فهو الحرز، وذلك أن جميع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وأصحابهم متفقون على اشتراط الحرز في وجوب القطع".
• مستند الإجماع:
استدل القائلون باشتراط الحرز في وجوب القطع بأدلة، منها:
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة).
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن).
• المخالفون للإجماع:
يتبين مما سبق ممن نقل الإجماع أن ثمة مخالفًا لوجوب الحرز في القطع، وهو مذهب الظاهرية، فإنهم لم يشترطوا الحرز، وذهبوا إلى أن من سرق ولو من غير حرز وجب عليه القطع، فلو أخذ المتاع ثم قبض قبل أن يخرجه من الدار وجب عليه الحد، ونقله ابن حزم عن عائشة رضي الله عنها، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري.
لكن ثمة مسألة حاصلها:
هل من نَقل عنهم ابن حزم القول بعد اشتراط الحرز يرون عدم شرطية الحرز جملة، أم أنهم يرون عدم اشتراط إخراج المال من الحرز، وإن كانوا يرون الحرز في أصله؟
ظاهر كلام ابن حزم عدم الاشتراط جملة، فإنه استدل بأقوالهم على انتفاء شرطية الحرز، لكن ظاهر نصوصهم أنهم لم يشترطوا الإخراج، ولم يذكروا مسألة كونه محروزًا أم لا؛ ولذا تجد جماعة من أهل العلم لما نقلوا الخلاف في المسألة فصلوا بين قول الظاهرية، وقول عائشة ومن تبعها.
وعلى كل فابن حزم يُعتبر مخالفًا للجمهور في مسألة اشتراط الحرز، وأما عائشة ومن تبعها فإن النقل عنهم في عدم اشتراط الحرز بالكلية، فيه تردد، لا سيما أن جماعة من أهل العلم كابن المنذر وغيره يرون أنه لا يصح في هذا الباب شيء عن السلف، واللَّه تعالى أعلم.
• دليل المخالف:
استدل ابن حزم لمسألة الباب أنه ليس ثمة دليل شرعي صحيح من كتاب أو سنة أو قول صاحب على اشتراط الحرز.
كما استدل على المسألة من حيث اللغة، فنقل الإجماع على أن السرقة تطلق على الآخذ بخفية، وليس في لغة العرب أن يكون المال محرزًا، فقال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته".
النتيجة:
يظهر لي -واللَّه أعلم- أن عامة أهل العلم على اشتراط الحرز، لكن المسألة ليست محل إجماع متحقق؛ ولذا تجد أن جماعة من أهل العلم كابن عبد البر، وابن قدامة وغيرهما مع نقلهم للإجماع ذكروا مخالفًا في المسألة، لكنهم لم يعتدُّوا بخلافه، وجعلوه من قبيل الشاذ الذي لا عبرة به.
لكن ثمة جملة من أهل العلم اعتبروا المخالف في المسألة، وجعلوا اشتراط الحرز هو قول الجمهور، كما فعله ابن حجر، حيث قال: "والسرقة: الأخذ خفية، وعرفت في الشرع: بأخذ شيء خفية ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحرز -وهم الجمهور- زاد فيه: من حرز مثله".
وكذا سبقه ابن عبد البر في بعض المواضع، حيث قال: "وجمهور أهل العلم على أن السارق لا قطع عليه إلا أن يسرق شيئًا محروزًا يخرجه من حرزه، وعلى ذلك جماعة الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار"، واللَّه تعالى أعلم.
المغني لابن قدامة (12/ 426 : 439)
أن يَسْرِقَ مِن حِرْزٍ:
الشَّرْط الرابع، أن يَسْرِقَ مِن حِرْزٍ، ويُخْرجَه منه، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وهذا مذهبُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبي الأسْودِ الدُّؤَلِيِّ، وعمرِ بنِ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيِّ، وعمرو بنِ دينارٍ، والثَّوريِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِي، وأصحابِ الرَّأْي، ولا نعلمُ عن أحدٍ من أهلِ العلم خلافَهم، إلَّا قولًا حُكِيَ في عائشةَ، والحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، فيمَن جمعَ المتاعَ، ولم يَخْرُجْ به من الحِرْزِ، عليه القَطْعُ.
وعن الحسَنِ مثلُ قولِ الجماعَةِ، وحُكِيَ عن داودَ أنَّه لا يَعْتَبِرُ الحِرْزَ؛ لأنَّ الآيةَ لا تَفْصِيلَ فيها، وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ غيرُ ثابِتَةٍ عَمَّن نُقِلَتْ عنه.
قال ابن المُنْذِرِ: وليس فيه خَبَرٌ ثابِتٌ، ولا مَقالٌ لأهلِ العلمِ، إلَّا ما ذكَرْنَاه، فهو كالإِجماعِ، والإِجماعُ حُجَّةٌ عَلَى من خالَفَه. ورَوَى عمرو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن رجلًا من مُزَيْنَةَ سألَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن الثِّمارِ، فقال: "مَا أُخِذَ في غيرِ أكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ، فَفِيهِ قِيمَتُه وَمِثْلُه مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِي الْجَرِينِ، فَفِيهِ القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ". روَاه أبو داود، وابنُ ماجَه، وغيرُهما، وهذا الخبرُ يَخُصُّ الآيةَ، كما خَصَصْنَاها في اعْتبارِ النِّصَابِ.
إذا ثَبَتَ اعْتبارُ الحِرْزِ، والحِرْزُ ما عُدَّ حِرْزًا في العُرْفِ، فإنَّه لمَّا ثَبَتَ اعتبارُه في الشَّرْعِ من غيرِ تَنْصِيصٍ على بيانِهِ عُلِمَ أنَّه رَدَّ ذلك إلى أهلِ العُرْفِ؛ لأنَّه لا طريقَ إلى معرفَتِه إلَّا مِن جِهَتِه، فيُرْجَعُ إليه، كما رَجَعْنَا إليه في معرفَةِ القَبْضِ والفُرْقَةِ في البيعِ، وأشْباهِ ذلك.
إذا ثبتَ هذا فإنَّ مِن حِرْزِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والجواهِرِ الصَّنَادِيقُ تحتَ الأغْلَاقِ والأقْفالِ الوَثِيقةِ في العُمْرانِ، وحِرْزُ الثِّيَابِ، وما خَفَّ من المتاعِ، كالصُّفْرِ والنُّحَاسِ والرَّصاصِ، في الدَّكاكينِ، والبيوتِ الْمُقْفَلَةِ في العُمْرَانِ، أو يكونُ فيها حافظٌ، فيكون حِرْزًا، وإن كانَتْ مفتوحةً، وإن لم تكنْ مُغْلَقةً، ولا فيها حافظٌ، فليستْ بحِرْزٍ، وإن كانتْ فيها خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ فالخزائنُ حِرْزٌ لما فيها، وما خَرَجَ عنها فليس بمُحْرَزٍ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ في البيتِ الذي ليس عليه غَلقٌ، يَسْرِقُ منه: "أرَاهُ سارِقًا"، وهذا محمولٌ على أنَّ أهلَه فيه، فأمَّا البُيُوتُ التي في البساتينِ أو الطُّرُقِ أو الصَّحْرَاءِ، فإن لم يكن فيها أحَدٌ، فليستْ حِرْزًا، سواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مفتوحةً؛ لأنَّ من تَرَكَ مَتَاعَه في مكانٍ خالٍ من الناسِ والعُمْرانِ، وانصرفَ عنه، لا يُعَدُّ حافِظًا له، وإن أغْلَقَ عليه، وإن كان فيها أهلُها أو حافِظٌ فهي حِرْزٌ، سواءٌ كانتْ مُغْلَقَةً أو مَفْتُوحَةً.
وإذا كان لاِبسًا للثَّوبِ، أو مُتوسِّدًا له، نائمًا، أو مستيقِظًا، أو مفتَرِشًا له، أو مُتكِئًا عليه، في أيِّ مَوْضعٍ كان من البلدِ، أو بَرِّيَّةٍ، فهو مُحْرَزٌ؛ بدليلِ أن رِدَاءَ صَفْوانَ سُرِقَ وهو مُتَوَسِّدٌ له، فقَطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سارِقَه، وإن تدَحْرَجَ عن الثَّوبِ زالَ الحِرْزُ إن كان نائِمًا، وإن كان الثَّوْبُ بينَ يدَيْه، أو غيرُه من المتاعِ، كَبَزِّ البَزَّازِين، وقُماشِ الباعَةِ، وخُبْزِ الخَبَّازِينَ، بحيثُ يُشاهِدُه، وينْظُرُ إليه، فهو مُحْرَزٌ، وإن نامَ، أو كانَ غائبًا عن مَوْضع مُشاهدَتِه فليس بِمُحْرَزٍ، وإن جعلَ المتاعَ في الغَرائرِ، وعَلَّمَ عليها، ومعها حافِظٌ يُشاهِدُها، فهي مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا.
فصل: والخَيْمَةُ والخَرْكاةُ إن نُصِبَتْ، وكان فيها أحَدٌ نائمًا أو مُنْتَبِهًا، فهي مُحْرَزَةٌ وما فيها؛ لأنَّها هكذا تُحْرَزُ في العادَةِ، وإن لم يكُنْ فيها أحَدٌ، ولا عندَها حافِظٌ، فلا قَطْعَ على سارقِها، وممَّن أوْجبَ القَطْعَ في السَّرِقَةِ من الفُسْطاطِ الثَّورِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأيِ، إلَّا أنَّ أصحابَ الرَّأْي قالوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ من الفُسْطَاطِ، دُونَ سارِقِ الفُسْطَاطِ.
ولَنا: أنَّه مُحْرَزٌ بما جَرَتْ به العادَةُ، أشْبَهَ ما فيه.
فصل: وحِرْزُ البَقْلِ، وقُدورِ الباقِلَّاءِ، ونحوِها بالشَّرائجِ من القَصَبِ أو الخَشَبِ، إذا كان في السُّوقِ حارِسٌ، وحِرْزُ الخَشَبِ والحَطَبِ والقَصَبِ في الحظائِرِ، وتَعْبِئَةُ بعضِه على بعضٍ، وتَقييدُه بِقَيْدٍ، بحيثُ يَعْسُرُ أخْذُ شيءٍ منه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، إلَّا أنْ يكونَ في فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عليه، فيكونُ مُحْرَزًا وإن لم يُقَيَّدْ.
فصل: والإِبِلُ على ثلاثَةِ أضْرابٍ: بارِكَةٌ، وراعِيَةٌ، وسائِرَةٌ، فأمَّا البارِكَةُ فإن كانَ معها حافِظٌ لها، وهي معقولَةٌ فهي مُحْرَزَةٌ، وإن لم تكُنْ مَعْقُولَةً، وكان الحافِظُ ناظرًا إليها، أو مُسْتيقِظًا بحيثُ يرَاها، فهي مُحْرَزَةٌ، وإن كان نائِمًا أو مَشْغُولًا عنها فليسَتْ مُحْرَزَةً؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الرُّعَاةَ إذا أرادوا النَّومَ عَقَلُوا إبلَهم، ولأنَّ حَلَّ المعقُولَةِ يُنَبِّهُ النَّائِمَ والمُشْتَغِلَ، وإن لم يكُنْ معها أحَدٌ فهي غيرُ مُحْرَزَةٍ، سَواءٌ كانتْ معقولَةً أو لم تكُنْ، وأمَّا الرَّاعِيَةُ فحِرْزُها بنَظَرِ الرَّاعِي إليها، فما غابَ عن نَظَرِه، أو نامَ عنه، فليس بمُحْرَزٍ؛ لأنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّما تُحْرَزُ بالرَّاعِي ونَظَرِه، وأمَّا السائِرَةُ فإن كان معها مَن يسوقُها، فحِرْزُها نَظَرُه إليها، سواءٌ كانت مَقْطُورةً أو غيرَ مَقْطَورةٍ، وما كانَ منها بحيثُ لا يرَاه فليس بمُحْرَزٍ، وإن كان معها قائِدٌ فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالتفاتَ إليها، والمُراعاةَ لها، ويكونَ بحيثُ يَراهَا إذا الْتفَتَ، وبهذا قالَ الشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُحْرِزُ القائِدُ إلَّا التي زمامُها بيدِه؛ لأنَّه يُولِيها ظهرَه، ولا يراها إلَّا نادرًا، فيُمْكِنُ أخْذُها من حيثُ لا يشْعُرُ.
وَلنا: أنَّ العادةَ في حِفْظِ الإِبلِ المَقْطُورةِ بِمُراعاتِها بالالْتفاتِ، وإمْساكِ زِمامِ الأوَّلِ، فكان ذلك حِرْزًا لها، كالتي زِمامُها في يدِه، فإن سَرَقَ من أحْمالِ الجمالِ السائرةِ المُحْرَزَةِ مَتاعًا قيمتُه نصَابٌ، قُطِعَ، وكذلك إن سَرَقَ الْحِمْلَ، وإن سرَق الجملَ بما عليه، وصاحِبُه نائِمٌ عليه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه في يدِ صاحِبِه، وإن لم يكُنْ صاحِبُه نائِمًا عليه، قُطِعَ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ ما في الحِمْلِ مُحْرَزٌ به، فإذا أَخَذَ جميعَه لم يَهْتِكْ حِرْزَ المَتاعِ، فصَارَ كما لو سَرَقَ أجْزاءَ الحِرْزِ.
ولَنا: أن الجَمَلَ مُحْرَزٌ بصاحِبِه؛ ولهذا لو لم يكُنْ معه لم يكنْ مُحْرَزًا، فقد سَرَقَه من حِرْزِ مِثْلِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ المتاعَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ سَرِقَةَ الحِرْزِ مِنْ حِرْزِهِ لا تُوجِبُ القَطْعَ، فإنَّه لو سَرَقَ الصُّنْدُوقَ بما فيه من بَيْتٍ هو مُحْرَزٌ فيه وجبَ قَطْعُه.
وهذا التَّفْصيلُ في الإِبلِ التي في الصَّحْراءِ، فأمَّا التي في البيوتِ والمكانِ المُحْصَنِ، على الوجْه الذي ذكرْنَاه في الثِّيابِ فهي مُحْرَزَةٌ، والحُكْمُ في سائرِ المواشِي كالحُكْمِ في الإِبِل، على ما ذكَرْنا من التَّفْصيلِ فيها.
فصل: وإذا سَرَق من الْحَمَّامِ، ولا حافِظَ فيه، فلا قَطْعَ عليه، في قولِ عامَّتِهم، وإن كان ثَمَّ حافِظٌ فقال أحمدُ: ليس على سارِقِ الحَمَّامِ قَطْعٌ، وقال في روايةِ ابنِ منصورٍ: لا يُقْطَعُ سارِقُ الحَمَّامِ، إلَّا أن يكونَ على المتاعِ قاعِدٌ، مثلَ ما صُنِعَ بصَفْوانَ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مأذونٌ للناسِ في دُخولِه، فجرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ من البيتِ المَأْذونِ له في دُخولِه، ولأنَّ دُخولَ الناسِ إليه يَكْثُرُ، فلا يتَمَكَّنُ الحافِظُ من حِفْظِ ما فيه، قال القاضي: وفيه روايةٌ أُخْرَى أنَّه يَجِبُ القَطْعُ إذا كانَ فيه حافِظٌ، وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه متاعٌ له حافِظٌ، فيجبُ قَطْعُ سارِقِهِ، كما لو كان في بَيْتٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، وهذا يُفارِقُ ما في البيتِ من الوَجْهين اللَّذين ذكرْناهما، فأمَّا إن كان صاحبُ الثِّيَابِ قاعِدًا عليها، أو متوسِّدًا لها، أو جالِسًا وهى بين يدَيْه يَحْفَظُها، قُطِعَ سارِقُها بكلِّ حالٍ، كما قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوانَ من المسجِدِ، وهو متوسِّدٌ له. وكذلك إن كان نائبُ صاحِبِ الثِّيابِ، إمَّا الحَمَّامِىُّ وإمَّا غيرُه، حافظًا لها على الوَجْهِ، قُطِعَ سارقُها؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ. وإن لم تكن كذلك، فقال القاضي: إن نَزَعَ الداخِلُ ثيابَه، على ما جرَتْ به العادَةُ، ولم يَسْتَحْفِظْها لأحَدٍ، فلا قَطْعَ على سارقِها، ولا غُرْمَ على الحَمَّامِيِّ؛ لأنَّه غيرُ مُودَعٍ فيَضْمَنُ، ولا هي مُحْرَزةٌ فَيُقْطَعُ سارِقُها، وإن اسْتحفَظَها الحَمَّامِيَّ، فهو مُودَعٌ يَلْزَمه مُراعاتُها بالنَّظَرِ والحِفْظِ، فإن تشاغَلَ عنها، أو تركَ النَّظَرَ إليها، فسُرِقَتْ، فعليه الغُرْمُ لتَفْرِيطِه، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ؛ لأنَّه لم يسْرِقْ من حِرْزٍ، وإن تعاهدَها الْحَمَّامِيُّ بالحِفْظِ والنَّظَرِ، فسُرِقَتْ، فلا غُرْمَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِي، وظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ أنَّه لا قَطْعَ عليه في هذه الصُّورَةِ أيضًا؛ لِمَا تقدَّمَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ: أرجْوُ أن لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه مَأْذونٌ للنَّاسِ في دُخولِه، ولو اسْتَحْفَظَ رَجلٌ آخرَ مَتاعَه في المسجدِ، فسُرِقَ، فإن كان قد فَرَّطَ في مُراعاتِه ونَظَرِه إليه، فعليه الغُرْمُ إذا كان الْتَزمَ حِفْظَه، وأجابَه إلى ما سألَه، وإن لم يُجِبْه، لكنْ سكتَ، لم يلزَمْه غُرْمٌ؛ لأنَّه ما قَبِلَ الاسْتيداعَ، ولا قَبَضَ المتاعَ، ولا قَطْعَ على السَّارِق فِي الموضِعَيْن؛ لأنَّه غيرُ مُحْرَزٍ، وإن حَفِظَ المتاعَ بِنَظَرِه إليه، وقُرْبِه منه، فسُرِقَ، فلا غُرْمَ عليه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ من حِرْزٍ، ويُفارِقُ المتاعَ في الْحَمَّامِ، فإنَّ الحِفْظَ فيه غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّ النَّاسَ يَضَعُ بعضُهم ثيابَه عندَ ثيابِ بعضٍ، ويَشْتَبِهُ على الحَمَّاميِّ صاحبُ الثيابِ، فلا يُمْكِنُه مَنْعُ أخْذِها؛ لعَدَمِ علْمِه بمالِكِها.
فصل: وحِرْزُ حائِطِ الدارِ كَوْنُه مَبْنِيًّا فيها، إذا كانتْ في العُمْرانِ، أو كانتْ في الصَّحْرَاءِ وفيها حافِظٌ، فإنْ أَخَذَ من أجْزاء الحائِطِ أو خَشَبِهِ نِصَابًا في هذه الحالِ، وَجَبَ قَطْعُه؛ لأنَّ الحائِطَ حِرْزٌ لغيرِه، فيكونُ حِرْزًا لنفسِه، وإن هَدَمَ الحائِطَ ولم يأخُذْه، فلا قَطْعَ عليه فيه، كما لو أتْلَفَ المتاعَ في الحِرْزِ ولم يَسْرِقْه، وإن كانتِ الدَّارُ بحيثُ لا تكونُ حِرْزًا لما فيها، كدارٍ في الصَّحْرَاءِ، لا حافِظَ فيها، فلا قَطْعَ على من أَخَذَ من حائِطِها شيئًا؛ لأنَّها إذا لم تكُنْ حِرْزًا لما فيها، فلنَفْسِها أوْلَى، وأمَّا بابُ الدَّارِ، فإن كان منصوبًا في مَكانِه، فهو مُحْرَزٌ، سواءٌ كان مُغْلَقًا أو مَفْتُوحًا؛ لأنَّه هكذا يُحْفَظُ، وعلى سارِقِه القَطْعُ إذا كانتِ الدَّارُ مُحْرَزَةً بما ذكرْناه، وأمَّا أبوابُ الْخَزائِنِ في الدَّارِ، فإن كان بابُ الدارِ مُغْلَقًا، فهي مُحْرَزَةٌ، سواءٌ كانتْ مَفْتُوحةً أو مُغْلَقَةً، وإن كان مفتوحًا لم تكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أن تكونَ مُغْلَقَةً، أو يكونَ في الدارِ حافِظٌ، والفرقُ بينَ باب الدَّارِ وبابِ الخِزَانَةِ أنَّ أبوابَ الخَزَائِنِ تُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ، وبابُ الدَّارِ لا يُحْرَزُ إلَّا بِنَصْبِهِ، ولا يُحْرَزُ بغيرِه، وأمَّا حَلْقَةُ البَابِ فإن كانت مَسْمُورَةً فهي مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّها تُحْرَزُ بتَسْمِيرِها.
فصل: وإن سَرَقَ بابَ مَسْجِدٍ منصوبًا، أو بابَ الكعبةِ المنْصوبَ، أو سَرَقَ من سَقْفِه شيئًا، أو تأزِيرهُ، ففيه وَجْهان، أحدُهما: عليه القَطْعُ، وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ، وأبي القاسم صاحبِ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مثلُه، لا شُبْهَةَ له فيه، فَلَزِمَه القَطْعُ، كبابِ بيتِ الآدَمِيِّ، والثاني: لا قَطْعَ عليه، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه لا مالِكَ له من المخلُوقين، فلا يُقْطَعُ فيه، كحُصُرِ المسجدِ وقَنَاديلِه، فإنَّه لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذلك، وجهًا واحدًا؛ لكَوْنِه ممَّا يَنْتَفِعُ به الناسُ، فيكونُ له فيه شُبْهَةٌ، فلم يُقْطَعْ به، كالسَّرِقَةِ من بيتِ المالِ، وقال أحمدُ: لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتارَةِ الكعبةِ الخارجةِ منها، وقال القاضِي: هذا محمولٌ على ما ليستْ بِمَخِيطَةٍ؛ لأنَّها إنَّما تُحْرَزُ بخياطَتِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ فيها بحالٍ؛ لما ذكرْنا في البابِ.
فصل: وإذا أجَرَ دارَه، ثم سَرَقَ منها مالَ الْمُسْتأْجِرِ، فعليه القَطْعُ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وقال صاحباه: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ المنفعةَ تحدُثُ في مِلْكِ الآجِرِ، ثم تنْتَقِلُ إلى الْمُسْتأجِرِ.
ولَنا: أنَّه هَتَكَ حِرْزًا، وسَرَقَ منه نصِابًا لا شُبْهَةَ له فيه، فوَجَبَ القَطْعُ، كما لو سَرَقَ من مِلْكِ المُسْتأْجِرِ، وما قالَاه لا نُسَلِّمُه، ولو استعارَ دارًا فَنَقَبَهَا الْمُعِيرُ، وسَرَقَ مالَ المُسْتَعِيرِ منها، قُطِعَ أيضًا، وبهذا قالَ الشَّافِعِيُّ، في أحد الوجْهَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ المنْفعةَ مِلْكٌ له، فما هَتَكَ حِرْزَ غيرِه، ولأنَّ له الرُّجوعَ متى شاءَ، وهذا يكونُ رُجُوعًا.
ولَنا: ما تقدَّمَ في التي قبلَها، ولا يَصِحُّ ما ذكره؛ لأنَّ هذا قد صارَ حِرْزًا لمالِ غيرِه، لا يجوزُ له الدُّخولُ إليه، وإنَّما يجوزُ له الرُّجُوعُ في العارِيَّةِ، والمطالَبَةُ بِرَدِّه إليه.
فصل: وإن غَصَبَ بَيْتًا، فأحْرَزَ فيه مالَه، فَسَرَقَه منه أجْنَبِيٌّ، أو المغصوبُ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِحِرْزِه إذا كان مُتَعدِّيًا به، ظالِمًا فيه.
فصل: وإذا سَرَقَ الضَيْفُ من مالِ مُضِيفِه شيئًا، نَظَرْتَ؛ فإن سَرَقَه من المَوْضِعِ الذي أنْزَلَه فيه، أو مَوْضِعٍ لم يُحْرِزْهُ عنه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه لم يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ، وإن سَرَقَ من مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دونَه، نَظَرْتَ؛ فإن كانَ مَنَعَه قِرَاهُ، فَسَرقَ بقدْرِه، فلا قَطْعَ عليه أيضًا، وإن لم يَمْنَعْهُ قِرَاهُ، فعليه القَطْعُ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا قَطْعَ على الضَّيفِ. وهو محمولٌ على إحْدَى الحالَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه بحالٍ؛ لأنَّ الْمُضِيفَ بَسَطَه في بَيْتِه ومالِه، فأشْبَهَ ابنَه.
ولَنا: أنَّه سَرَقَ مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فَلَزِمَه القَطْعُ، كالأجْنَبِيِّ.
وقولُه: "إنَّه بسَطَه فيه" لا يَصِحُّ، فإنَّه أحْرَزَ عنه هذا المالَ، ولم يبْسُطْهُ فيه، وتَبَسُّطُه في غيرِه لا يُوجِبُ تَبَسُّطَه فيه، كما لو تَصَدَّقَ على مِسْكِينٍ بصَدقَةٍ، أو أهْدَى إلى صَديقِه هَدِيَّةً، فإنَّه لا يَسْقُطُ عنه القَطْعُ بالسَّرِقَةِ من غيرِ ما تَصَدَّقَ به عليه، أو أهْدَى إليه.
فصل: وإذا أحْرَزَ المُضارِبُ مالَ المُضارَبَةِ، أو الوديعَةِ، أو العارِيَّةِ، أو المالَ الذي وُكِّلَ فيه، فسَرَقَه أجْنَبِيٌّ، فعليه القَطْعُ، لا نعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يَنُوبُ مَنابَ المالِكِ في حِفْظِ المالِ وإحْرازِه، ويَدُه كَيدِه، وإن غَصَبَ عينًا وأحْرَزَها، أو سَرَقهَا وأحْرَزَها، فسَرَقهَا سَارِقٌ، فلا قَطْعَ عليه.
وقال مالِكٌ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا من حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه.
وللشَّافِعِيِّ قولانِ، كالمذْهَبَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في السَّارِقِ، كقولِهِم في الغاصِب.
ولَنا: أنَّه لم يَسْرِقِ المالَ من مالِكِهِ، ولا مِمَّنْ يقُومُ مَقَامَه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَه ضائِعًا فأخَذَه، وفارقَ السَارِقَ من المالِكِ أو نائِبِهِ، فإنَّه أزال يَدَهُ، وسَرَقَ من حِرْزه .
فصل: وإن سَرَقَ نِصابًا أو غَصبَه فأحْرَزَه، فجاءَ المالِكُ، فهَتَكَ الْحِرْزَ، وأخذَ مالَه، فلا قَطْعَ فيه عندَ أحدٍ، سَواءٌ أخذَه سَرِقَةً أو غيرَها؛ لأنَّه أخذَ مالَه، وإن سَرَقَ غيرَه ففيه وَجهان، أحدهما: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ له شُبْهَةً في هَتْكِ الحِرْزِ، وأخْذِ مالِه، فصارَ كالسَّارقِ من غيرِ حِرْزٍ، ولأنَّ له شُبْهَةً في أخذِ قَدْرِ مالِه؛ لذَهابِ بعضِ أهلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أخْذِ الإِنسانِ قدرَ دَيْنِه من مالِ مَنْ هو عليه. والثاني: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا من حِرْزِهِ لا شُبْهَةَ له فيه، وإنَّما يجوزُ له أخْذُ قَدْرِ مالِه إذا عَجَزَ عن أخْذِ مالِه، وهذا أمْكَنَه أخذُ مالِه، فلم يَجُزْ له أخذُ غيرهِ، وكذلك الحُكْمُ إذا أَخَذَ مالَه، وأَخَذَ من غيرِه نِصَابًا مُتَمَيِّزًا عن مالِه، فإنْ كان مُخْتلِطًا بمالِه غيرَ مُتَمَيِّزٍ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَه الذي له أخْذُه، وحَصَّلَ غيرَه مأْخوذًا ضَرُورةَ أخْذِه، فيجبُ أنْ لا يُقْطعَ فيه، ولأنَّ له في أخْذِه شُبْهَةً، والحَدُّ يُدْرأُ بالشُّبُهاتِ.
فأمَّا إن سَرَقَ منه مالًا آخرَ من غيرِ الْحِرْزِ الذي فيه مالُه، أو كان له دَيْنٌ على إنسانٍ، فسَرَقَ من مالِه قَدْرَ دَيْنِه من حِرْزِه، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان الغاصِبُ أو الغَرِيمُ باذِلًا لِمَا عليه، غيرَ مُمْتَنِعٍ من أدائهِ، أو قَدَرَ المالكُ على أخْذِ مالِه فتَرَكَه وسرقَ مالَ الغاصِبِ أو الْغَرِيمِ، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، وإن عَجَزَ عن اسْتِيفاءِ دَيْنِه، أو أرْشِ جِنَايَتِه، فسَرَقَ قَدْرَ دَيْنهِ، أو حَقِّه، فلا قَطْعَ عليه.
وقال القاضي: عليه القَطْعُ، بِناءً على أصْلِنا في أنَّه ليس له أَخْذُ قَدْرِ دَيْنِه.
ولَنا: أنَّ هذا مُخْتَلَفٌ في حِلِّه، فلم يجبِ الحَدُّ به، كالوَاطِئ في نِكاحٍ مُخْتلَفٍ في صِحَّتِه، وتحريمُ الأخْذِ لا يَمْنَعُ الشُّبْهَةَ الناشِئَةَ عن الاخْتلافِ، والحُدودُ تُدْرأُ بالشُّبُهاتِ، فإن سَرَقَ أكثرَ من دَينْهِ، فهو كالمَغْصُوبِ منه إذا سرقَ أكثرَ من مالِه، على ما مضَى.
فصل: ولا بُدَّ من إخْراجِ الْمَتاعِ من الحِرْزِ؛ لِمَا قَدَّمْنا من الإِجْماعِ على اشتراطِه، فمتى أخْرَجَه من الحِرْزِ، وَجَبَ عليه القَطْعُ، سواءٌ حَمَلَه إلى مَنْزلِه، أو تَرَكَهُ خارجًا من الحِرْزِ، وسواءٌ أخْرَجَه بأنْ حَمَلَه، أو رَمَى به إلى خارج الحِرْزِ، أو شَدَّ فيه حَبْلًا ثم خرجَ فَمدَّه به، أو شَدَّه على بهيمَةٍ ثم ساقهَا به حتى أخْرَجَها، أو تَرَكَهُ في نَهْرٍ جارٍ، فخرجَ به، ففي هذا كلِّه يجبُ القَطْعُ؛ لأنَّه هو المُخْرِجُ له، إمَّا بنفسِه، وإمَّا بآلتِه، فوجبَ عليه القَطْعُ، كما لو حَمَلَه فأخْرَجَه، وسواءٌ دَخَلَ الحِرْزَ فأخْرَجَه، أو نَقَبَه ثم أدْخلَ إليه يدَه أو عَصًا لها شُجْنَةٌ فاجْتَذَبه بها، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه، إلَّا أنْ يكونَ البيتُ صغيرًا لا يُمْكِنُه دُخولُه؛ لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ بما أمْكَنَه، فأشْبَهَ المُخْتَلِسَ.
وَلنا: أنَّه سَرَقَ نِصابًا من حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وهو من أهلِ القَطْعِ، فوجَبَ عليه، كما لو كان البيتُ ضَيِّقًا، ويُخالِفُ المُخْتَلِسَ، فإنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، وإن رَمَى المتاعَ، فأطارتْه الرِّيحُ فأخرجَتْه، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه متى كان ابتداءُ الفعلِ منه، لم يُؤثِّرْ فعلُ الرِّيحِ، كما لو رَمَى صَيْدًا، فأعَانَتِ الريحُ السَّهْمَ حتى قتلَ الصَّيْدَ، حَلَّ، ولو رَمَى الجِمارَ فأعانَتْها الرِّيحُ حتى وقَعتْ في المَرْمَى، احْتُسِبَ به، وصارَ هذا كما لو تَرَكَ المَتْاعَ في الماءِ فَجَرَى به فأخْرجَه، ولو أمرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ، فأخْرجَ المتاعَ، وجبَ عليه القَطْعُ؛ لأنَّه آلةٌ له، فأمَّا إن تركَ المتاعَ على دابَّةٍ، فَخرجَتْ بنفسِها من غيرِ سَوْقِها، أو ترَكَ المتاعَ في ماءٍ راكدٍ، فانْفتحَ فخرَجَ المتاعُ، أو على حائِطٍ في الدَّارِ فأطارتْه الرِّيحُ، ففي ذلك وَجْهانِ، أحدُهما: عليه القَطْعُ؛ لأنَّ فِعْلَه سببُ خَروجهِ، فأشْبَهَ ما لو ساقَ البهيمةَ، أو فتحَ الماءَ، وحلَّقَ الثوبَ في الهواء، والثاني: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ الماءَ لم يكُنْ آلةً للإِخْراجِ، وإنَّما خرجَ المتاعُ بسببٍ حادثٍ من غيرِ فِعْلِه، والبهيمةُ لها اختيارٌ لنفسِها.
فصل: وإذا أخْرَجَ المتاعَ من بيتٍ في الدَّارِ أو الخانِ إلى الصَّحْنِ، فإن كان بابُ البيتِ مُغْلَقًا، ففَتحَه أو نَقَبَه، فقد أخْرَجَ المتاعَ من الحِرْزِ، وإن لم يكُنْ مُغْلقًا، فما أخرجَه من الحِرْزِ.
وقد قال أحمدُ: إذا أخْرجَ المتاعَ من البيتِ إلى الدَّار، يُقْطَعُ، وهو محمولٌ على الصُّورَةِ الأُولَى.
فصل: قال أحمدُ: الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ، وإن اخْتلَسَ لم يُقْطَعْ، ومعنى الطَّرَّارِ: الذي يَسْرِقُ من جَيْبِ الرَّجُلِ أو كُمِّه أو صُفْنِه، وسواءٌ بَطَّ ما أخَذَ منه المسروقَ، أو قَطَعَ الصُّفْنَ فأخذَه، أو أدخلَ يدَه في الجيبِ فأخذَ ما فيه، فإنَّ عليه القَطْعَ، ورُوِيَ عن أحمدَ في الذي يأخذُ من جَيْبِ الرَّجُلِ وكُمِّه: لا قَطْعَ عليه، فيكونُ في ذلك رِوَايتان.
فصل: وإذا دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا، فاحْتلبَ لَبَنًا من ماشِيَةٍ، وأخْرَجَه، فعليه القَطْعُ، وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه من الأشياءِ الرَّطْبَةِ، وقد مضَى الكلامُ معه في هذا، وإن شَرِبَه في الحِرْزِ، أو شَرِبَ منه ما يَنْقُصُ النِّصَابَ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْ من الحِرْزِ نِصابًا، وإن ذَبَحَ الشاةَ في الحِرْزِ، أو شَقَّ الثَّوْبَ، ثم أخْرَجَهما، وقيمتُهما بعدَ الشَّقِّ والذَّبْحِ نِصَابٌ، فعليه القَطْعُ، وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه في الشَّاةِ؛ لأنَّ اللحمَ لا يُقْطَعُ عنده بِسَرِقَتِه، والثَّوْبُ إن شُقَّ أكْثَرُه، فلا قَطْعَ فيه؛ لأنَّ صاحبَه مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يُضَمِّنَه قيمةَ جَميعِه، فيكونَ قد أخرجَه وهو مِلْكٌ له، وقد تقدَّمَ الكلامُ معه في هذه الأُصولِ. وإن دخلَ الحِرْزَ فابْتلعَ جَوْهَرَةً وخرَجَ، فلم تَخْرُجْ؛ فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أتلفَها في الحِرْزِ، وإن خرجَتْ، ففيه وَجْهان، أحدهما: يجبُ؛ لأنَّه أخرجَها في وعائِها، فأشْبَهَ إخْراجَها في كُمِّه. والثاني: لا يجبُ؛ لأنَّه ضَمِنَها بالبَلْعِ، فكان إتْلافًا لها، ولأنَّه مُلْجَأٌ إلى إخْراجِها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الخروجُ بدونِها.
وإن تطيَّبَ في الحِرْزِ بطِيبٍ، وخَرَجَ، ولم يَبْقَ عليه من الطِّيبِ ما إذا جُمِعَ كان نِصابًا، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ ما لا يجتَمِعُ قد أتْلفَه باسْتعمالِه، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعَامَ، وإن كان يبْلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه أخرجَ نِصابًا. وذُكِرَ فيه وَجْهٌ آخَرُ، فيما إذا كان ما تطيَّبَ به يبلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ وإن نَقَصَ ما يجْتمِعُ عن النِّصَابِ؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا، والأوَّلُ أَوْلَى.
وإن جَرَّ خَشَبَةً فألْقاها بعدَ أن أخْرجَ بعضَها من الحِرْزِ، فلا قَطْعَ عليه، سَواءٌ خرَجَ منها ما يُساوِى نِصابًا أو لم يكُنْ؛ لأنَّ بعضَها لا يَنْفَرِدُ عن بعضٍ، وكذلك لو أمْسَكَ الغاصِبُ طَرَفَ عمامَتِه، والطرفُ الآخرُ في يدِ مالِكِها، لم يَضْمَنْها، وكذلك إذا سرق ثوبًا أو عمامَةً، فأخْرَجَ بعضَهما.
فصل: وإذا نَقَبَ الحِرْزَ، ثم دخلَ فأخْرجَ ما دونَ النِّصَابِ، ثم دخلَ فأخرجَ ما يتمُّ به النِّصَابُ، نَظَرْتَ؛ فإن كان في وَقْتَيْنَ مُتباعِدَيْن، أو ليلتَيْن، لم يجبِ القَطْعُ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ منهما سَرِقَةٌ مُفْرَدَةٌ لا تبلُغُ نِصابًا. وكذلك إن كانا في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ وبينَهما مُدَّةٌ طويلَةٌ. وإن تقارَبا، وجب قَطْعُه؛ لأنَّها سَرِقَةٌ واحِدَةٌ، وإذا بُنِىَ فِعْلُ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على فعلِ شَرِيكِه، فبِناءُ فعلِ الواحِدِ بعضِه على بعضٍ أوْلَى.
مسألة، قال: (إلَّا أنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أوْ كَثَرًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ).
يعني به: الثَّمَرَ في البُسْتانِ قبلَ إدْخالِه الحِرْزَ، فهذا لا قَطْعَ فيه عندَ أكثرِ الفقهاءِ، وكذلك الكَثَرُ المأْخُوذُ من النَّخْلِ، وهو جُمَّارُ النَّخْلِ، رُوِيَ معنى هذا القولِ عن ابن عمرَ، وبه قال عَطَاءٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْر: إن كان من ثمرٍ أو بُسْتانٍ مُحْرَزٍ ففيه القَطْعُ، وبه قال ابنُ المُنْذِرِ إن لم يَصِحَّ خَبَرُ رافِع، قال: ولا أَحْسَبُه ثَابِتًا.
واحْتجَّا بظاهِرِ الآيةِ، وبقياسهِ على سائرِ المُحْرَزَاتِ.
ولَنا: ما رَوَى رَافعُ بنُ خَدِيجٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"، أخرجه أبو داود، وابنُ ماجَه.
وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، عن رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَنْ أصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ومَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ والْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أن يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ"، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآية، ولأنَّ البُسْتانَ ليس بحِرْزٍ لغيرِ الثَّمرَ، فلم يكُنْ حِرْزًا له، كما لو لم يكُنْ مَحُوطًا، فأمَّا إن كانتْ نَخْلةٌ أو شجرةٌ في دارٍ مُحْرَزَةٍ، فسَرَقَ منها نِصابًا، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ من حِرْزٍ، واللَّه أعلمُ.
فصل: وإن سَرَقَ من الثَّمرِ المُعلَّق، فعليه غَرَامةُ مِثْلَيْهِ، وبه قال إسحاقُ؛ للخبرِ المذكور.
قال أحمدُ: لا أعلَمُ شيئًا يَدْفَعُه.
وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا يَجِبُ فيه أكثرُ من مِثْلِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلمُ أحدًا من الفُقَهاءِ قال بوُجوبِ غَرَامةِ مِثْلَيْه.
واعْتذرَ بعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ عن هذا الخبَرِ، بأنَّه كان حين كانتِ العقوبةُ في الأمْوالِ، ثم نُسِخَ ذلك.
ولَنا: قولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو حُجَّةٌ لا تجوزُ مُخالَفَتُه، إلَّا بمُعارضَةِ مِثْلِه أو أقْوَى منه، وهذا الذي اعْتذَرَ به هذا القائلُ دَعْوَى للنَّسْخِ بالاحْتمالِ من غيرِ دليلٍ عليه، وهو فاسِدٌ بالإِجماعِ، ثم هو فاسِدٌ من وَجْهٍ آخَرَ؛ لقولِه: "وَمَنْ سَرَقَ مِنه شَيْئًا بَعْدَ أنْ يُؤْويَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ"، فقد بَيَّنَ وُجوبَ القَطْعِ مع إيجاب غَرامَةِ مِثْلَيْه، وهذا يُبْطِلُ ما قالَه.
وقد احتجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ أغْرَمَ حاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعةَ حينَ انْتَحَرَ غِلمانُه ناقةَ رَجُلٍ من مُزَيْنَةَ مِثْلَيْ قيمَتِها.
وروَى الأثْرَمُ الحديثَيْنِ في "سُنَنِه".
قال أصحابُنا: وفي الماشيةِ تُسْرَقُ من المرْعَى، من غيرِ أن تكونَ مُحْرَزَةً مِثْلَا قيمتِها؛ للحديثِ، وهو ما جاء في سياقِ حديثِ عمروِ بنِ شُعَيْبِ، أنَّ السائِلَ قال: الشَّاةُ الحَرِيسةُ مِنْهُنَّ يا نَبِيَّ اللهِ؟ قال: "ثَمَنُها وَمِثْلُهُ مَعَهُ، والنَّكالُ، ومَا كَانَ في الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ مَا يأْخُذُه مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ"، هذا لَفْظُ روايةِ ابنِ ماجَه، وما عَدَا هذين لا يُغْرَمُ بأكثرَ من قِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا، هذا قولُ أصحابِنا وغيرِهم، إلَّا أبا بكرٍ، فإنَّه ذَهَبَ إلى إيجابِ غَرامَةِ المسْروقِ من غيرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْه؛ قياسًا على الثَّمَرِ المُعَلَّقِ وحَرِيسَةِ الجبلِ، واستدْلالًا بحديثِ حاطِبٍ.
ولَنا: أنَّ الأصْلَ وُجوبُ غَرامَةِ المِثْلِيِّ بمِثْلِه، والمُتقوَّمِ بقِيمَتِه؛ بدليلِ المُتْلَفِ والمغْصُوبِ، والمنتَهَبِ والمختلَسِ، وسائرِ ما تجبُ غرامتُه، خُولِفَ في هذين المَوْضِعَيْنِ للأثَرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (11/ 219: 222)
شرط الحزر للقطع في السرقة:
وأخبرنا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبْراهيمَ، قال: حدَّثنا وهيبٌ، عن ابن طاوس، عن أبيهِ، عن صَفْوانَ، أنَّهُ قيل لهُ: إنَّهُ لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا من قد هاجَرَ، فقال: لا أدخلُ مَنْزِلي حتّى آتيَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأتاهُ برَجُل، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ هذا سرَقَ خَمِيصةً لي، والرَّجُلُ مَعهُ، فأمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَطْعِهِ، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي قد وَهْبتُها لهُ، قال: "فَهلّا قبل أن تأتيني به"، قال: فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنَّهُم يقولونَ: لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا من قد هاجَرَ، فقال: "لا هِجْرةَ بعد فتح مكَّةَ، ولكِنْ جِهادٌ ونيَّةٌ، وإذا اسْتُنفِرتُم فانفِرُوا"، وطاوس سماعُهُ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ مُمكِنٌ؛ لأنَّهُ أدركَ زَمَنَ عُثمانَ.
وذكَرَ يحيى القَطّانُ، عن زُهيرٍ، عن لَيْثٍ، عن طاوس، قال: أدركتُ سبعينَ شيخًا من أصْحابِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل: إنَّ طاوسًا تُوُفِّي وهُو ابن بضع وسبعينَ سنةً، في سنةِ سِتٍّ ومائةٍ، فإن كان سِنُّهُ هذا، فغيرُ مُمكِنٍ سماعُهُ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ؛ لأنَّ صفوانَ تُوفِّي سنةَ سِتٍّ وثلاثينَ.
وقيل: كانت وفاتُهُ بمكَّةَ، عندَ خُرُوج النّاسِ إلى الجَمَل.
وقد رُوي هذا الحديثُ، عن طاوس، وعِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، ذكَرهُ البزّارُ من حديثِ الأشْعَثِ بن سوّارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ.
ومن حديثِ زكريّا بن إسحاقَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن طاوس، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا لفظُ حَديثِ الأشْعَثِ: عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كان صَفْوانُ بن أُميَّةَ نائمًا في المسجِدِ، فجاءَهُ رجُلٌ، فأخَذَ رِداءَهُ من تحتِ رأسِهِ، فاتَّبعهُ فأدركَهُ، فأتى به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سَرَقَ رِدائي من تحتِ رأسي، فأمرَ به أن يُقْطَعَ، فقال: إنَّ رِدائي لم يَبلُغْ أن يُقطَعَ فيه هذا، قال: "أفلا قبلَ أن تأتِيَني به"، قال البزّارُ: "ورواهُ جماعةٌ عن عِكْرِمةَ مُرسلًا".
وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عُثمانَ بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عَمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطٌ، عن سِماكٍ، عن حُميدٍ ابن أُختِ صَفْوانَ، عن صَفْوانَ بن أُميَّةَ، قال: كُنتُ نائمًا في المسجِدِ على خَمِيصةٍ لي، ثمنُها ثلاثُونَ دِرهمًا، فجاءَ رجُلٌ فاخْتَلسها منِّي، فأُخِذَ الرَّجُلُ، فأُتي به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأمرَ به أن يُقطَعَ، فأتيتُهُ فقلتُ: تَقْطعُهُ من أجْلِ ثلاثينَ دِرهمًا؟ أنا أُمتعهُ ثمنها، قال: "فهلّا كان قبلَ أن تأتِيَني به".
وفي حديثِ مالكٍ من الفِقْهِ والمعاني: أنَّ الِهجْرةَ كانت قبلَ الفتح مُفْتَرضةً.
وفيه: إباحةُ النَّوم في المسجِدِ.
وفيه: توطُّؤُ الثِّياب وتَوسُّدُها.
وفيه: أنَّ ما جَعلهُ الإنسانُ تحت رأسِهِ، فهُو حِرزٌ لهُ، وما سُرِقَ من حِرزٍ، فيه القَطْعُ.
واختلَفَ العُلماءُ في السّارِقِ من حِرْزٍ، فأمّا فُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، فإنَّهُمُ اعتبرُوا جميعًا الحِرْزَ في وُجُوبِ القَطْع، باتِّفاقٍ منهُم على ذلكَ، وقالوا: من سرقَ من غيرِ حِرْزٍ، فلا قطعَ عليه، بلَغَ المِقدار أو زادَ.
والحُجَّةُ لما ذهَبَ إليه الفُقهاءُ في ذلكَ: قولُهُ صلى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ في حَرِيسةِ جَبَل، حتّى يأويها المُراحُ"، وأجمعُوا أنَّ السَّارِق من مالِ المُضاربةِ والوَدِيعةِ لا قطعَ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا قطعَ على خائنٍ ولا مُختلِسٍ"، وأجمعُوا على ذلكَ.
وفي إجْماعِهِم على أن لا قطعَ على خائنٍ ولا مخُتلِس دليلٌ على مُراعاةِ الحِرْزِ.
وقال أهلُ الظّاهِرِ، وبعضُ أهلِ الحديثِ، وأحمدُ بن حَنْبل في رِوايةٍ عنهُ: كلُّ سارِقٍ يُقطعُ، سرقَ من حِرزٍ، وغيرِ حِرْزٍ؛ لأنَّ الله أمرَ بقطع السّارِقِ أمرًا مُطْلقًا، وبيَّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المِقْدار، ولم يذكُرِ الحِرْزَ.
قال أبو عُمرَ: الحُجَّةُ عليهم ما ذكرنا، وبالله توفيقُنا.
واختلفَ الفُقهاءُ في أبوابٍ من معاني الحِرْزِ يطُولُ ذِكْرُها، فجُملةُ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأصحابِهِم: أنَّ السّارِق من غيرِ حِرْزٍ لا قطعَ عليه.
وجُملةُ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ في الحِرْزِ: أنَّ الحِرْزَ كلُّ ما يُحرِزُ به النَّاسُ أموالهُم، إذا أرادُوا التَّحفُّظَ بها، وهُو يختلِفُ باخْتِلافِ الشَّيءِ المحرُوزِ، واختِلافِ المَواضِع، فإذا ضُمَّ المتاعُ في السُّوقِ إلى مَوْضِع، وقعدَ عليه صاحِبُهُ، فهُو حِرْزٌ، وكذلك إذا جُعِل في ظَرْفٍ، فأُخرِجَ منهُ، وعليه من يُحرِزُهُ، أو كانت إبِلٌ قُطِرَ بعضُها إلى بعضٍ، أو أُنيخت في صَحْراءَ حيثُ يُنظرُ إليها، أو كانت غنمًا في مُراحِها، أو متاعًا في فُسْطاطٍ، أو بَيْتًا مُغلقًا على شيءٍ، أو مقفُولًا عليه، وكلُّ ما تنسُبُهُ العامَّةُ إلى أنَّهُ حِرْزٌ، على اخْتِلافِ أزْمانِها وأحوالِها.
قال الشّافِعيُّ: ورِداءُ صفوان كان مُحرزًا باضطِجاعِهِ عليه، فقطَعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سارِقهُ.
قال: ويُقطعُ النَّبَاشُ إذا أخرجَ الكفنَ من جميع القبرِ؛ لأنَّ هذا حرزُ مثلهِ.
ومذهبُ المالكيِّين، والشّافِعيِّين في هذا البابِ مُتقارِب جِدًّا.
ولا سَبِيلَ إلى إيرادِ مَسائلِ السَّرِقةِ، على اخْتِلافِ أنواع الحِرْزِ، وقد ذَكَرنا هاهُنا جُملًا تكفي، ومن أرادَ الوُقوفَ على الفُرُوع نظرَ في كُتُبِ الفُقهاءِ، وبانَ لهُ ما ذكَرْناهُ، وبالله التَّوفيقُ.