الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 338)
محل القطع في السرقة:
اتفق الفقهاء على أن عقوبة السارق: قطع يده؛ لقوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38]، وهو الحد الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم على من سرق في عهده، كما تواترت الأخبار بذلك، وجرى عليه عمل الخلفاء الراشدين، دون اعتراض عليهم، وأجمعت عليه الأمة.
واختلف الفقهاء في أمور تتعلق بمحل القطع، ومقداره، وكيفيته، وتكرره، مع تكرر السرقة ونحو ذلك.
محل القطع:
من المتفق عليه عند الفقهاء: وجوب قطع اليد اليمنى إذا ثبتت السرقة الأولى؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع اليد اليمنى، وكذلك فعل الأئمة من بعده، ولقراءة عبد الله بن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، وهي قراءة مشهورة عنه، ولم يجمع على أنها قرآن؛ لمخالفتها للمصحف الإمام، فكانت خبرًا مشهورًا، فيقيد إطلاق النص، ولو كان الإطلاق مرادًا، والامتثال للأمر في الآية يحصل بقطع اليمين، أو الشمال؛ لما قطع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اليسار على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن جريًا على عادته صلى الله عليه وسلم في: "أنه ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا".
فإذا كانت يد السارق اليمنى غير صحيحة، بأن كانت شلاء، أو ذهب أكثر أصابعها، فقد اختلف الفقهاء في محل القطع.
فالحنفية: يرون أن القطع يتعلق أولًا باليد اليمنى؛ لعموم آية السرقة، فإنها لم تفرق بين الصحيحة وغيرها؛ لأنه إذا تعلق الحكم بالسليمة فإنها تقطع، فلأن تقطع المعيبة من باب أولى.
ويرى المالكية: أن قطع المعيبة لا يجزئ؛ لأن مقصود الحد إزالة المنفعة التي يستعان بها على السرقة، والشلاء وما في حكمها لا نفع فيها، فلا يتحقق مقصود الشرع بقطعها؛ لأن منفعتها التي يراد إبطالها باطلة من غير قطع؛ ولذلك ينتقل القطع إلى الرجل اليسرى.
أما الشافعية: فإنهم يفصلون القول في قطع اليد اليمنى إذا كانت معيبة على النحو التالي:
يجزئ في حد السرقة قطع اليد اليمنى إذا كانت شلاء، إلا إذا خيف من قطعها ألا يكف الدم، فلو قرر أهل الخبرة أن عروقها لن تنسد، وأن دمها لن يجف فلا تقطع، وينتقل بالقطع إلى الرجل اليسرى، أما إذا كانت اليد اليمنى قد ذهب بعض أصابعها، فإنهم متفقون على أنه يجزئ قطعها، ولو كان بها أصبع واحد، فإذا نقصت الأصابع كلها فالأصح عندهم: الاكتفاء بقطعها؛ لأن اسم اليد يطلق عليها، مع نقصان الأصابع كلها، والقول الثاني في ناقصة الخمس: أنها لا تجزئ في تمام الحد، فلا تقطع، وينتقل إلى الرجل اليسرى.
وعند الحنابلة روايتان: تكتفي أولاهما بقطع اليد اليمنى ولو كانت شلاء، إذا رأى أهل الخبرة أنها لو قطعت رقأ دمها، وانحسمت عروقها، والرواية الأخرى: يمنع قطع اليد الشلاء؛ لأنها لا نفع فيها ولا جمال لها، وينتقل القطع إلى الرجل اليسرى، وإذا كانت اليد اليمنى مقطوعة الأصابع ففي المذهب رأيان:
أولهما: الاكتفاء بقطع اليد اليمنى، ولو ذهبت كل أصابعها.
والثاني: عدم الاكتفاء بقطع اليمنى إذا ذهب معظم نفعها؛ لأنها تكون في حكم المعدومة، وينتقل القطع إلى الرجل اليسرى.
واختلف الفقهاء فيما لو تعلق القطع باليد اليمنى، وكانت اليد اليسرى قد ذهبت منفعتها، أو كانت مقطوعة في قصاص أو بآفة سماوية.
فعند الحنفية: لا تقطع اليد اليمنى؛ لأن قطعها يؤدي إلى تفويت منفعة الجنس كلية، والحد إنما شرع زاجرًا لا مهلكًا، وبهذا قال أحمد في إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى تتفق مع ما قال به المالكية والشافعية من وجوب القطع في هذه الحالة؛ لأن اليد اليسرى محل للقطع أيضًا إذا تكررت السرقة، ولا يختلف الحكم إذا تعلق القطع بالرجل اليسرى، وكانت الرجل اليمنى قد قطعت أو ذهبت منفعتها.
واختلفوا كذلك فيما لو تعلق القطع باليد اليمنى، وكانت مقطوعة:
فذهب الحنفية إلى انتقال القطع إلى الرجل اليسرى إذا كان ذهاب اليد اليمنى قد حدث قبل السرقة، أو بعدها وقبل المخاصمة؛ لأن الحد لم يتعلق بالعضو الذاهب، فلا يسقط بذهابه، بخلاف ما لو ذهبت اليد اليمنى بعد المخاصمة وقبل القضاء، أو بعد المخاصمة والقضاء، فلا ينتقل الحد إلى الرجل اليسرى، بل يسقط؛ لأن المخاصمة تؤدي إلى تعلق القطع باليد اليمنى، فإذا ذهبت سقط الحد؛ لذهاب محله.
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى انتقال القطع إلى الرجل اليسرى إذا ذهبت اليد اليمنى قبل السرقة. وإلى سقوط الحد إذا ذهبت بعد السرقة، سواء كان ذهابها قبل الخصومة أو بعدها، وقبل القضاء أو بعده، بآفة أو جناية، أو قصاص؛ لأنه بمجرد السرقة تعلق القطع باليد اليمنى، فإذا ذهبت زال ما تعلق به القطع فسقط.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10 / 272: 276)
حد السارق: قطع يده اليمنى:
• المراد بالمسألة:
إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكانت يده اليمنى صحيحة غير شلاء، ولا ناقصة، وكان سليم اليد اليسرى، والرجل اليمنى، ولم يكن السارق أعسرَ، فإن صفة إقامة الحد عليه أن تقطع يده اليمنى، وذلك على سبيل الوجوب.
ويتحصل مما سبق: أن اليد اليمنى لو كانت شلاء، أو ناقصة، فإن ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو كانت يده اليسرى شلاء أو ناقصة، أو كانت رجله اليمنى كذلك، أو كان أعسرَ، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب.
• من نقل الإجماع:
قال الجصاص: "لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين".
وقال القاضي أبو محمد: "لا خلاف أنه أول ما يقطع يمنى يديه، ثم يسرى رجليه"، نقله عنه أبو الوليد الباجي.
وقال ابن حزم: "واتفقوا أن من سرق فقطعت يده اليمنى أنه قد أقيم عليه الحد".
وقال ابن عبد البر: "اختلف العلماء من السلف والخلف فيما يقطع من السارق إذا قطعت يده اليمنى بسرقة يسرقها، ثم عاد فسرق أخرى، بعد إجماعهم أن اليد اليمنى هي التي تقطع منه أولًا".
وقال البغوي: "اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى"، نقله القاري.
وقال ابن هبيرة: "أجمعوا على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة، وهو صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف".
وقال ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى".
وقال القرطبي: "لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولًا".
وقال النووي: "أجمعوا على أنه إذا سرق أولًا قطعت يده اليمنى".
وقال شمس الدين ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى".
وقال ابن تيمية: "أما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب، والسنة، والإجماع".
وقال ابن كثير في بيان قراءة ابن مسعود لآية السرقة: "عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما"، وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها".
وقال ابن حجر: "أطلق في الآية اليد، وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة".
وقال ابن مفلح المقدسي: "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف بلا خلاف، وفي قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما) روي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة".
وقال الخطيب الشربيني: "قُطع يمينه، أي: يده اليمني أولًا، وإن كان أعسر، بالإجماع".
وقال البهوتي: "إذا وجب القطع قطعت يده اليمنى؛ لقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، ولأنه قول أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما من الصحابة".
وقال الصنعاني: "الواجب قطع اليمين في السرقة الأولى إجماعًا".
وقال الخرشي: "السارق المكلف مسلمًا كان أو كافرًا، حرًّا كان أو رقيقًا، ذكرًا كان أو أنثى، إذا سرق، ويمينه صحيحة، فإنها تقطع من كوعها إجماعًا".
وقال الرحيباني: "إذا أوجب القطع قطعت يده اليمنى؛ لقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"...، ولأنه قول أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما من الصحابة".
وقال الجزيري: "اتفق الأئمة -رحمهم اللَّه تعالى- على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة له، وأول حد يقام عليه بالسرقة، وكان صحيح الأطراف، فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف".
• مستند الإجماع:
احتجوا في ذلك بما يلي:
- قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38]، حيث كان ابن مسعود يقرأها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما".
• وجه الدلالة: أن هذه القراءة إما أن تكون صحيحة فتكون من كلام اللَّه سبحانه، وإما حيث أن تكون شاذة فتكون من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، وهي من باب التفسير الذي لا يقال بمجرد الرأي.
- ما روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع"، ولا مخالف لهما في الصحابة.
من النظر:
- أن البطش باليمين أقوى عند غالب الناس، فكانت البداية بها أردع.
- أن اليمنى هي آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدامها.
• المخالفون للإجماع:
ذهب ابن حزم إلى أن قطع اليمين ليس بواجب، فيباح قطع اليمين أو الشمال، لكن يستحب أن تكون اليمين، وليس ذلك على سبيل الوجوب.
وكذا ظاهر كلام قتادة في أن قطع الشمال مجزئ مطلقًا، يقتضى أنه لا يتحتم قطع اليمين.
• دليل المخالف:
استدل المخالف بما يلي:
- قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38].
• وجه الدلالة: أن الآية عامة، ولم تحدد يمينًا من شمال.
- أخرج ابن حزم عن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "سرق سارق بالعراق في زمان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقدم ليقطع يده، فقدم السارق يده اليسرى -ولم يشعروا- فقطعت، فأخبر علي بن أبي طالب خبره فتركه ولم يقطع يده الأخرى".
وجه الدلالة: اكتفاء علي رضي الله عنه بقطع الشمال عن اليمين يدل على عدم وجوب اليمين؛ إذ لو وجب قطع اليمين لما أجزأ عن ذلك قطع الشمال.
النتيجة:
يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف قتادة، وابن حزم فيها، وقد نفى ابن حزم الإجماع، فقال: "قال قائلون: تقطع اليمنى...، وادعوا إجماعًا، وهو باطل، يرده قطع علي الشمال عن اليمين، واكتفاؤه بذلك".
المغني لابن قدامة (12/ 439- 440)
محل القطع في السرقة:
مسألة، قال: (وابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ: أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى).
لا خِلافَ بينَ أهل العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، من مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكوعُ، وفى قِرَاءَةِ عبد اللَّه بن مسعود: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا)، وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تفسيرٌ.
وقد رُويَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وعمرَ، رضي الله عنهما، أنَّهما قالا: "إذا سَرَقَ السَّارِقُ فاقْطَعُوا يَمِينَه من الكُوعِ"، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابة، ولأنَّ البَطْشَ بها أقْوَى فكانتِ البدايةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ فناسبَ عُقوبتَه بإعْدامِ آلتِها.
الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 338- 339)
موضع القطع، ومقداره:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى أن قطع اليد يكون من الكوع، وهو مفصل الكف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق من الكوع، ولقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع".
وذهب بعض الفقهاء إلى أن موضع القطع من اليد: المنكب؛ لأن اليد اسم للعضو من أطراف الأصابع إلى المنكب، وذهب بعضهم إلى أن موضع القطع: مفاصل الأصابع التي تلي الكف.
وموضع قطع الرجل هو: مفصل الكعب من الساق، فعل ذلك عمر رضي الله عنه.
وذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم، وهو رواية عن أحمد، والرواية الأخرى عنه أن موضع القطع: أصول أصابع الرِّجْل، وبهذا قال بعض الفقهاء؛ لما روي من أن عليًّا رضي الله عنه كان يقطع من شطر القدم، ويترك للسارق عقبه يمشي عليها.
كيفية القطع:
من المتفق عليه بين الفقهاء: مراعاة الإحسان في إقامة الحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، وعلى ذلك ينبغي أن يتخير الحاكم الوقت الملائم للقطع، بحيث يجتنب الحر والبرد الشديدين، إن كان ذلك يؤدي إلى الإضرار بالسارق، ولا يقيم الحد أثناء مرض يرجى زواله، ولا يقيم الحد على الحامل أو النفساء، ولا على العائد في السرقة قبل أن يندمل الجرح السابق، كما ينبغي أن يساق السارق إلى مكان القطع سوقًا رفيقًا، فلا يعنف به، ولا يعير، ولا يسب، فإذا وصل إلى مكان القطع (يُجلس، ويُضبط؛ لئلا يتحرك فيجني على نفسه، وتشد يده بحبل، ويجر حتى يبين مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة، أو توضع على المفصل وتمد مدة واحدة، وإن عُلم قطعٌ أوْحى من ذلك – أي: أسرع - قطع به).
ولا خلاف بين الفقهاء على حسم موضع القطع، وذلك باستعمال ما يسد العروق، ويوقف نزف الدم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيمن ثبتت عليه السرقة: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه".
ولكن الخلاف بينهم في حكم الحسم:
فمذهب الحنفية والحنابلة: أنه واجب عيني على من قام بالقطع؛ لأن صيغة الأمر في الحديث تفيد الوجوب.
وذهب المالكية - في المشهور عنهم - إلى أن الحسم واجب على الكفاية، فلا يلزم واحدًا بعينه، فإذا قام به القاطع أو المقطوع أو غيرهما فقد حصل المطلوب.
والأصح عند الشافعية: أن الأمر بالحسم يحمل على الندب، لا الوجوب؛ لأنه حق للمقطوع، لا لتمام الحد، فيجوز للإمام أن يتركه، وحينئذ يندب للإمام ولغيره أن يفعله؛ لما فيه من مصلحة السارق وحفظه من الهلاك، ولا يمنع ذلك من وجوبه على السارق إذا لم يقم به أحد، فإذا تعذر على المقطوع فعل الحسم، لإغماء ونحوه، وترتب على تركه تلف محقق، فلا يجوز للإمام إهماله، بل يجب عليه فعله، كما قاله البلقيني وغيره، ومقابل الأصح عندهم: أن الحسم تتمة للحد، فيجب على الإمام فعله، ولا يجوز أن يهمله.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 276: 281 )
محل القطع: هو مفصل الكف:
• المراد بالمسألة:
أولًا: تعريف مفصل الكف: المفصل: قال ابن فارس: "الفاء والصاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على تمييز الشَّيء من الشَّيء وإبانته عنه".
وقال ابن منظور: "الفَصْل: بَوْنُ ما بين الشيئين، والفَصْل من الجسد: موضع المَفْصِل...، والمَفْصِل: واحد مَفاصِل الأَعضاء، والانْفصال: مطاوع فصَل، والمَفْصِل: كل ملتقى عظمين من الجسد".
الكف: هي راحة يد الإنسان مع أصابعه، سميت بذلك؛ لأنها تكُف الأذى عن البدن، وهو مؤنث، قال الفيومي: "وزعم من لا يوثق به أن الكَفَّ مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كَفٌّ خضب، فعلى معنى ساعد مخضب، وجمعها: كُفُوفٌ، وأَكُفٌ".
مفصل الكف: المراد بمفصل الكف: هو المفصل الفاصل بين الكف والساعد، وهو ما يُسمى بالرِّسغ.
ويعبر عنه آخرون بالكوع، ولا منافاة، فإن الرسغ هو مفصل الكف، وله طرفان، هما عظمان، فالذي يلي الإبهام كوع، والذي يلي الخنصر كرسوع.
• ثانيًا: وصورة المسألة:
إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، فإن محل القطع هو: مفصل الكف، وهو الرسغ.
وهذا الحكم عام، سواء في الرجل والمرأة، وفي الحر والعبد.
• من نقل الإجماع:
قال الجصاص: "ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل، وإنما خالف فيه الخوارج، وقطعوا من المنكب؛ لوقوع الاسم عليه، وهم شذوذ لا يعدون خلافًا".
وقال ابن هبيرة: "أجمعوا أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة، وهو صحيح الأطراف، فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف"، ونقله عنه ابن قاسم.
وقال ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع"، وحكاه عنه الزركشي.
وقال شمس الدين ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع".
وقال الزيلعي: "كل من قطع من الأئمة قطع من الرسغ، فصار إجماعًا فعلًا، فلا يجوز خلافه".
وقال ابن الهمام: "وأَخرج –أي: ابن أبي شيبة- عن عمر وعلي أنهما قطعا من المفصل، وانعقد عليه الإجماع".
وقال ابن مفلح المقدسي: "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف بلا خلاف"، ونقله عنه البهوتي، وابن قاسم.
وقال البهوتي: "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف؛ لقول أبي بكر وعمر: "تقطع يمين السارق من الكوع"، ولا مخالف لهما من الصحابة".
وقال الخرشي: "السارق المكلف مسلمًا كان أو كافرًا، حرًّا كان أو رقيقًا، ذكرًا كان أو أنثى، إذا سرق ويمينه صحيحة، فإنها تُقطع من كوعها، إجماعًا".
وقال الجزيري: "اتفق الأئمة -رحمهم اللَّه تعالى- على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة له، وأول حد يقام عليه بالسرقة، وكان صحيح الأطراف، فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف".
• مستند الإجماع:
استدل القائلون بالقطع بما يلي:
- قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38].
• وجه الدلالة: في الآية أمر بقطع اليد، واليد تطلق على ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وتطلق على ما بين الرسغ إلى أطراف الأصابع، لكن بينت السنة أن المراد هو الثاني.
من الأثر:
جاءت آثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع السارق من مفصل الكف، لكنها لا تخلو من مقال، فمنها:
- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان صفوان بن أمية بن خلف نائمًا في المسجد، ثيابه تحت رأسه، فجاء سارق فأخذها، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر السارق، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فقال صفوان: يا رسول اللَّه، أيقطع رجل من العرب في ثوبي؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (أفلا كان هذا قبل أن تجيء به؟)، ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (اشفعوا ما لم يتصل إلى الوالي، فإذا أوصل إلى الوالي فعفا فلا عفا اللَّه عنه) ثم أمر بقطعه من المفصل".
- أخرج البيهقي وابن عدي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: "قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقًا من المفصل".
- عن عمرو بن دينار، قال: "كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقطع السارق من المفصل".
- وكذا روي عن علي رضي الله عنه نحوه.
- روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع".
قال ابن قدامة: "وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق، فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة".
من النظر:
- أن البطش بالكف أقوى عند غالب الناس، فكانت البداية بها أردع.
- أن الكف هي آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدامها.
• المخالفون للإجماع:
خالف في المسألة ثلاث طوائف، فذهبت طائفة إلى أن اليد تقطع من المرفق أو المنكب، وهو مروي عن الزهري، ومحكي عن الخوارج.
وذهبت طائفة إلى أن القطع من الأصابع فقط، وهو مروي عن علي رضي الله عنه.
وذهبت طائفة ثالثة إلى أن اليد تقطع من مفصل الكف في الحر، أما العبد فلا تقطع يده إلا من أطراف أصابعه، وبه قال ابن حزم.
• دليل المخالف:
استدل الفريق الأول القائلون بالقطع من المنكب أو المرفق بعموم قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38]، فإن اليد في لغة العرب تطلق على ما بين المنكب إلى أطراف الأصابع.
واستُدل للقول الثاني بكون القطع من الأصابع فقط، بأن بطش السارق كان بالأصابع، فتقطع أصابعه؛ ليزول تمكنه من البطش بها، ولأن في قطع يده من المفصل تعطل لمنفعة اليد بالكلية، فتقطع من الأصابع ليبقى شيء من منفعة اليد.
أما الفريق الثالث الذين فرقوا بين الحر والعبد، فاستدلوا بعموم قول اللَّه تعالى في الإماء: { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25]، والمراد بالمحصنات في الآية: الحرائر.
النتيجة:
يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم.
ولعلَّ من نقل الإجماع في المسألة لم يعتبر قول المخالف، وجعله من قبيل الشاذ، كما صرح به أبو العباس القرطبي، فقال: "قيل: تقطع اليد إلى المرفق، وقيل: إلى المنكب: وهما شاذان".
وقال ابن الهمام: "ما نُقل عن شذوذ من الاكتفاء بقطع الأصبع؛ لأن بها البطش، وظن الخوارج من أن القطع من المنكب؛ لأن اليد اسم لذلك، واللَّه أعلم بصحته، وبتقدير ثبوته هو خرق للإجماع، وهم لم يقدحوا في الإجماع قبل الفتنة".
المغني لابن قدامة (12/ 440)
القطع في السرقة من مَفْصِلِ الكَفِّ:
لا خِلافَ بينَ أهل العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، من مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكوعُ، وفى قِرَاءَةِ عبد اللَّه بن مسعود: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا)، وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تفسيرٌ.
وقد رُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وعمرَ، رضي الله عنهما، أنَّهما قالا: "إذا سَرَقَ السَّارِقُ فاقْطَعُوا يَمِينَه من الكُوعِ"، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابة، ولأنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانتِ البدايةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ فناسبَ عُقوبتَه بإعْدامِ آلتِها.
الموسوعة الفقهية (3/ 237)
الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 340-342)
السرقة بعد القطع:
اختلف الفقهاء في حكم السارق إذا قطعت يمينه، ثم عاد للسرقة، على النحو التالي:
ذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن من قطعت يمينه في السرقة الأولى، ثم سرق بعد ذلك، فإنه يضرب ويحبس؛ إذ لا قطع إلا في السرقة الأولى؛ لقول الله تبارك وتعالى: { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38]، أي: اليد اليمنى، كما جاء في قراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، ولو شاء الله لأمر بقطع الرجل، { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم: 64].
وذهب ربيعة وبعض الفقهاء إلى أن من قطعت يمينه في السرقة الأولى، ثم سرق مرة ثانية، تقطع يده اليسرى، فإن عاد إلى السرقة بعد ذلك، فليس عليه قطع، بل يعزر؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بقطع الأيدي، وهي تشمل اليمنى واليسرى، وإدخال الأرجل في القطع زيادة على النص.
وذهب الحنفية، والحنابلة في إحدى الروايتين، وهي المذهب، إلى أن من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى، تقطع رجله اليسرى، فإن عاد بعد ذلك فليس عليه قطع، بل يحبس ويضرب حتى تظهر توبته أو يموت، ونقل هذا عن عمر وعلي رضي الله عنهما، والشعبي والثوري والزهري والنخعي والأوزاعي وحماد؛ لما روي من قول علي رضي الله عنه: "إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرًا، إني لأستحيي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها".
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الأخرى إلى أن من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى في السرقة الأولى، تقطع رجله اليسرى، فإن عاد للمرة الثالثة قطعت يده اليسرى، فإن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى، فإن عاد بعد ذلك حبس حتى تظهر توبته أو يموت؛ لما رواه أبو هريرة من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله".
وقد فعل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال به إسحاق وقتادة وأبو ثور.
روي عن عثمان وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وعمر بن عبد العزيز، وعن بعض أصحاب مالك أن من سرق بعد قطع أطرافه الأربعة يقتل حدًّا، وهو ما ذهب إليه الشافعي في القديم.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل سارق - في المرة الخامسة - قال جابر: فانطلقنا به، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة.
قال الخطابي: وفي إسناده مقال، وقد عارضه الحديث الصحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، قال: ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/288: 293)
من سرق مرة ثانية بعد قطع يده:
من سرق مرة ثانية بعد قطع يده فحده قطع رجله اليسرى:
• المراد بالمسألة:
لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وقطعت يده اليمنى، ثم سرق عينًا أخرى توجب الحد فحده قطع رجله اليسرى.
يتبين مما سبق أنه لو سرق نفس العين مرة أخرى فذلك غير مراد من مسألة الباب.
• من نقل الإجماع:
قال ابن أبي شيبة: "كان علي يقول في السارق: "إذا سرق قطعت يده، فإن عاد قطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن".
وعن حجاج، عن سماك، عن بعض أصحابه، أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي".
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي: "لا خلاف أنه أول ما يقطع يمنى يديه، ثم يسرى رجليه"، نقله عنه أبو الوليد الباجي.
وقال الماوردي: "تقطع في السرقة الثانية رجله اليسرى، وهو قول الجمهور من الفقهاء...، ولأنه فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وليس لهما في الصحابة مخالف، فكان إجماعًا".
وقال البغوي: "اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى"، ونقله القاري.
وقال ابن هبيرة: "أجمعوا على أنه إذا عاد فسرق ثانيًا، ووجب عليه القطع أن تقطع رجله اليسرى"، ونقله ابن قاسم.
وقال الزيلعي "ورجله اليسرى إن عاد...، وعليه إجماع المسلمين".
وقال ابن المرتضى: "إن ثنَّى فالرجل اليسرى...، وقال به علي رضي الله عنه، وأبو بكر، وعمر، ولم يخالفوا".
وقال ابن الهمام (ت 861 هـ): "وإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، بالإجماع".
وقال إبراهيم: "ورجله اليسرى إن عاد...، وعليه إجماع المسلمين".
وقال ابن قاسم: "الأصل في قطع الرِّجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله"، وهو قول أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما من الصحابة، فكان إجماعًا، ولا نزاع في ذلك يعتد به".
• مستند الإجماع:
يدل على مسألة الباب أنه المروي عن جماعة من الصحابة، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ويعلى بن أمية، رضي اللَّه عن الجميع، بل حكي عليه إجماع الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، كما سبق.
• المخالفون للإجماع:
سبق في المسألة الثالثة فيمن سرق فقطعت يده، ثم سرق مرة أخرى فهل يقطع أم لا؟، أن ابن حزم أشار إلى أن ثمة خلافًا في المسألة، فقال: "واختلفوا فيمن سرق ثانية أيجب عليه القطع أم لا".
وأشار ابن حزم في الخلاف إلى قول عطاء بن أبي رباح؛ فإنه يرى أن الواجب على السارق قطع يده في السرقة الأولى فقط، ثم لا يقطع منه شيء، كما أخرجه ابن حزم فقال: "عن ابن جريج قلت لعطاء: سرَق الأولى؟ قال: تقطع كفه، قلت: فما قولهم: أصابعه؟ قال: لم أدرك إلا قطع الكف كلها، قلت لعطاء: سرق الثانية؟ قال: ما أرى أن تقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط، قال اللَّه تعالى: { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } [المائدة: 38]، ولو شاء أمر بالرجل، ولم يكن اللَّه تعالى نسيًّا".
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء ما يخالف ذلك، فقال في مصنفه: "عن عبد الملك، عن عطاء، سئل: أيقطع السارق أكثر من يده ورجله؟ قال: لا، ولكنه يحبس"، وظاهر هذا الأثر أن عطاء يرى الحبس فيما إذا سرق ثالثة، بعد قطع اليد والرجل.
وذهب ربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود إلى أن من سرق ثانية فالواجب قطع يده الثانية، ولا تقطع الأرجل، وهذا الرأي نقله ابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح.
وقرر ابن حزم أنه قول ابن عباس، فقال في "المحلى": "عن عمرو بن دينار قال: كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس: السارق يسرق فتقطع يده، ثم يعود فتقطع يده الأخرى، قال اللَّه تعالى: { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38]، قال ابن عباس: بلى، ولكن يده ورجله من خلاف، قال عمرو بن دينار: سمعته من عطاء منذ أربعين سنة".
قال أبو محمد، رحمه الله: هذا إسناد في غاية الصحة، ويحتمل قول ابن عباس هذا وجهين:
أحدهما: بلى، إن اللَّه تعالى قال هذا، ولكن الواجب قطع يده ورجله.
ويحتمل أيضًا: بلى، إن اللَّه تعالى قال هذا -وهو الحق- ولكن السلطان يقطع اليد والرجل.
وهذا الوجه الثاني هو الذي لا يجوز أن يحمل قول ابن عباس على غيره البتة؛ لأنه لا يجوز أن يكون ابن عباس يحقق أن هذا قول اللَّه تعالى ثم يخالفه ويعارضه؛ إذ لا يحل ترك أمر اللَّه تعالى إلا لسنة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة لما في القرآن، واردة من عند اللَّه تعالى بالوحي إلى نبيه عليه السلام، فمن الباطل الممتنع أن يخالف قول ابن عباس قول اللَّه تعالى برأيه، أو بتقليده لرأي أحد دون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أبعد الناس من ذلك، وقد دعاهم إلى المباهلة في العول وغيره، وقال في أمر متعة الحج وفسخ بعمرة: "ما أراكم إلا سيخسف اللَّه بكم الأرض أقول لكم: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر"؟
ومن المحال أن يكون عنده عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة في ذلك ولا يذكرها، وقد أعاذه اللَّه تعالى من ذلك، ومن المحال أن يسمعه عطاء ويفهم عنه أن عنده في قطع الرجل سنة ينبغي لها ترك القرآن، ثم يأبى عطاء من قطع الرجل في السرقة، ويتمسك بالقرآن في ذلك، ويقول: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم: 64] لو شاء اللَّه تعالى أمر بالرِّجل".
فصح يقينًا أن ابن عباس لم يرد بقوله: "بلى، ولكن اليد والرجل" إلا لتصحيح قطع اليدين فقط، على حكم اللَّه تعالى في القرآن، وأن قوله: "ولكن اليد والرجل" إنما أخبر عن فعل أهل زمانه فقط".
• دليل المخالف:
قال اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقطع اليد، ولم يأمر بقطع الرجل، وكذا جميع نصوص السنة إنما دلت على قطع اليد، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في قطع الأرجل.
النتيجة:
يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل الحلم؛ لوجود خلاف عن أبي ثور، وربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود.
ومن نقل الإجماع لعله لم يعتبر قول المخالف، وجعله من قبيل الشاذ، كما وصفه ابن عبد البر، فقال: "وشذ قوم عن الجمهور فلم يروا قطع رجل السارق، ولم نعده خلافًا، فتركناهم، روي ذلك عن ربيعة، وبه قال أصحاب داود"، وتبعه على ذلك ابن قدامة، فقال: "هذا شذوذ، يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم".
المغني لابن قدامة (12/ 440- 441)
سَرَقَ ثانيًا بعد قطع اليمنى:
وإذا سَرَقَ ثانيًا قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى، وبذلك قال الجماعةُ، إلَّا عَطاءً، حُكِيَ عنه أنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُسْرَى؛ لقَوْلِه سبحانه: { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38]، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ والبَطْشِ، فكانتِ العقوبةُ بقَطْعِها أوْلَى، ورُوِيَ عن رَبِيعَةَ، وداودَ، وهذا شُذُوذٌ يخالِفُ قَوْلَ جماعَةِ فُقهاءِ الأمصارِ من أهِل الفِقْهِ والأثرِ، من الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، ومَن بعدَهم، وقولَ أبي بكرٍ وعمرَ، رضي الله عنهما.
وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في السَّارِقِ: "إذا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه".
ولأنَّه في المُحارَبَةِ المُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّما تُقْطَعُ يدُه ورِجْلُه، ولا تُقْطَعُ يَداهُ، فنقول: جنايةٌ أوْجَبَتْ قطعَ عُضْوَيْن، فكانا رِجْلًا ويدًا، كالمُحارَبَةِ.
ولأنَّ قَطْعَ يَدَيْه يفَوِّتُ مَنْفعةَ الجنْسِ، فلا تَبْقَى له يدٌ يأكلُ بها، ولا يتوضَّأُ، ولا يَسْتَطِيبُ، ولا يدفَعُ عن نفسِه، فيصيرُ كالهالِك، فكان قَطْعُ الرِّجْلِ الذي لا يشتَمِلُ على هذه المَفْسَدَةِ أوْلَى.
وأمَّا الآيةُ فالمُرادُ بها قَطْعُ يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما؛ بدليلِ أنه لا تُقْطَعُ اليَدَانِ في المرَّةِ الأولَى.
وفي قراءةِ عبدِ اللَّه: (فَاقْطَعُوْا أيْمَانَهُمَا)، وإنَّما ذُكِرَ بلفظِ الجمعِ؛ لأنَّ المُثَنَّى إذا أُضِيفَ إلى المُثَنَّى ذُكِرَ بَلفظِ الجمعِ، كقولِه تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [التحريم: 4].
إذا ثبت هذا فإنَّه تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لقول اللَّه تعالى: { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ } [المائدة: 33].
ولأنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أَرْفَقُ به؛ لأنَّه يُمْكِنُه المشْيُ على خَشَبَةٍ، ولو قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى لم يُمْكِنْه المشْيُ بحالٍ.
وتُقْطَعُ الرِّجْلُ من مَفْصِلِ الكعبِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وفعلَ ذلك عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، وكان عليٌّ -رَضِىَ اللَّه عنه- يَقْطَعُ من نصف القَدَمِ من مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، ويَدَعُ له عَقِبًا يَمْشِى عليها، وهو قولُ أبي ثَوْر.
وَلَنَا: أنَّه أحدُ العُضْوَيْنِ المَقْطوعَيْن في السَّرِقَةِ، فيُقْطَعُ من المَفْصِلِ كاليَدِ، وإذا قُطِعَ حُسِمَ، وهو أن يُغْلَى الزَّيْتُ، فإذا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُه في الزَّيْتِ؛ لتَنْسَدَّ أَفْواهُ العروقِ؛ لئلَّا ينْزِفَ الدمَ فيَمُوتَ.
وقد رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بسارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً، فقال: "اقْطَعُوهُ، واحْسِمُوهُ"، وهو حديثٌ فيه مَقالٌ، قالَه ابنُ المنذِرِ.
ومِمَّنِ اسْتَحَبَّ ذلك الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهما من أهلِ العلم.
ويكون الزَّيْتُ من بيتِ المالِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ به القاطِعَ، وذلك يقْتَضِى أن يكونَ من بيتِ المالِ، فإن لم يَحْسِمْ، فذَكَرَ القاضي أنَّه لا شَيْءَ عليه؛ لأنَّ عليه القَطْعَ، لا مُداوةَ المَحْدُودِ. ويُسْتحَبُّ للمقْطوعِ حَسْمُ نفسِه، فإن لم يفْعَلْ لم يَأْثَمْ؛ لأنَّه تَرَكَ التَّدَاويَ في المرضِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِي.
الموسوعة الفقهية الكويتية (24/240- 241)
السرقة بعد القطع:
اختلف الفقهاء في حكم السارق إذا قطعت يمينه، ثم عاد للسرقة، على النحو التالي:
ذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن من قطعت يمينه في السرقة الأولى، ثم سرق بعد ذلك، فإنه يضرب ويحبس؛ إذ لا قطع إلا في السرقة الأولى؛ لقول الله تبارك وتعالى: { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38]، أي: اليد اليمنى، كما جاء في قراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، ولو شاء الله لأمر بقطع الرجل، { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم: 64].
وذهب ربيعة وبعض الفقهاء إلى أن من قطعت يمينه في السرقة الأولى، ثم سرق مرة ثانية، تقطع يده اليسرى، فإن عاد إلى السرقة بعد ذلك، فليس عليه قطع، بل يعزر؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بقطع الأيدي، وهي تشمل اليمنى واليسرى، وإدخال الأرجل في القطع زيادة على النص.
وذهب الحنفية، والحنابلة في إحدى الروايتين، وهي المذهب، إلى أن من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى، تقطع رجله اليسرى، فإن عاد بعد ذلك فليس عليه قطع، بل يحبس ويضرب حتى تظهر توبته أو يموت، ونقل هذا عن عمر وعلي رضي الله عنهما، والشعبي والثوري والزهري والنخعي والأوزاعي وحماد؛ لما روي من قول علي رضي الله عنه: "إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرًا، إني لأستحيي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها".
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الأخرى إلى أن من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى في السرقة الأولى، تقطع رجله اليسرى، فإن عاد للمرة الثالثة قطعت يده اليسرى، فإن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى، فإن عاد بعد ذلك حبس حتى تظهر توبته أو يموت؛ لما رواه أبو هريرة من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله".
وقد فعل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال به إسحاق وقتادة وأبو ثور.
روي عن عثمان وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وعمر بن عبد العزيز، وعن بعض أصحاب مالك أن من سرق بعد قطع أطرافه الأربعة يقتل حدًّا، وهو ما ذهب إليه الشافعي في القديم.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل سارق - في المرة الخامسة - قال جابر: فانطلقنا به، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة.
قال الخطابي: وفي إسناده مقال، وقد عارضه الحديث الصحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، قال: ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 294: 300)
لا يزاد على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى:
لا يزاد على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في حد السرقة:
• المراد بالمسألة:
لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فقطعت يده اليمنى، ثم سرق أُخرى ما يوجب الحد، فقطعت رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثة ما يوجب الحد، فإنه لا قطع عليه، ولكن يعزر بضرب أو حبس أو نحوه من العقوبات التعزيرية.
• من نقل الإجماع:
قال ابن أبي شيبة: "كان علي يقول في السارق إذا سرق: قُطعت يده، فإن عاد قُطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن، وعن سماك عن بعض أصحابه، أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي".
وقال أبو بكر الجصاص: "وهذا –أي: أثر ابن أبي شيبة- يقتضي أن يكون ذلك إجماعًا لا يسع خلافه؛ لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع".
وقال ابن فراموز: "تقطع يمين السارق...، ثم رجله اليسرى إن عاد، فإن عاد لا –أي: لا يقطع-، وحبس حتى يتوب، وعزر أيضًا، وقال الشافعي: يقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى... ولنا: إجماع الصحابة".
وقال الكاساني: "روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه أتي بسارق أقطع اليد والرجل، قد سرق نعالًا، يقال له: سدوم، وأراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي رضي الله عنه: إنما عليه قطع يد ورجل، فحبسه سيدنا عمر رضي الله عنه ولم يقطعه، وسيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر؛ فيكون إجماعًا من الصحابة رضي الله عنهم، ولنا أيضًا: دلالة الإجماع، وهي أنا أجمعنا على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى، بل إلى الرجل اليسرى، ولو كان لليد اليسرى مدخلًا في القطع لكان لا يعدل إلا إليها؛ لأنها منصوص عليها، ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره، فدل العدول إلى الرجل اليسرى لا إليها على أنه لا مدخل لها في القطع بالسرقة أصلًا".
وقال دامان: "إن سرق ثالثًا أو رابعًا لا تقطع اليد اليسرى، والرجل اليمنى عندنا، بل يحبس حتى يتوب... وعند الشافعي: يقطع في الثالث يده اليسرى، وفي الرابع رجله اليمنى... ولنا: الإجماع؛ لأن عليًّا رضي اللَّه تعالى عنه قال: "إني لأستحيي أن لا أدع له يدًا يبطش بها ورجلًا يمشي عليها"، وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم، أي/ غلبهم، فانعقد إجماعًا".
• مستند الإجماع:
يدل على مسألة الباب ما يلي:
- قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38].
• وجه الدلالة: أنه جاء بيان المراد بأيديهما، أي: اليمين، حيث كان ابن مسعود يقرأها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما"، فلا يجوز الزيادة عليه إلا بنص صريح صحيح، ولم يرد في ذلك شيء، وفي العدول عن قطع اليد اليسرى إلى الرجل اليسرى في السرقة الثانية دليل على أنها لا تقطع أصلًا؛ لأن الآية نصت على اليدين، فالعدول عن نص الآية إلى الرجل اليسرى دليل على أنها لا تُقطع.
- أنه مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بل حكي عليه إجماع الصحابة، كما سبق، ويؤيده ما نقله ابن حزم عن الزهري أنه قال: "فلم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل، لا يزاد على ذلك".
- لأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس، ولو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ لأنها آلة البطش كاليمنى، وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها؛ لأن ذلك بمنزلة الإهلاك؛ إذ لا يمكنه أن يتوضأ، أو يغتسل، أو يستنجي، أو يحترز من نجاسة، ولا يزيلها عنه، أو يدافع عن نفسه، أو يأكل أو غير ذلك من الأعمال التي قد يكون حث الشرع على فعلها، فضلًا عن حاجة العبد إليها، وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة، فوجب أن يمنع من قطعها، كما منع في المرة الثانية.
- أنه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ لأنها آلة البطش كاليمنى، وحينما لم تقطع في الثانية دل على أنها لا تقطع في الثالثة كذلك.
- أن المحارب مع عِظم جرمه فإنه لا يزاد على قطع إحدى يديه ورجليه، ولا تقطِع كلتا يديه، وإذا كان هذا في المحارب فالسارق من باب أولى؛ لأن فعله أخف من فعل الحرابة.
- أن السرقة في الثالثة نادرة الوقوع، فلا يسرق ويده ورجله مقطوعتان إلا نادرًا، والحد لا يُشرع إلا فيما يغلب وقوع؛ لأن مقصوده هو الزجر، وذلك يكون فيما يكثر وقوعه ويُخاف منه، لا في النادر.
• المخالفون للإجماع:
التحقيق: أن القول بأن السارق لا يزاد على قطع يده ورجله هو مذهب الحنفية، والحنابلة، وهو مروي عن جماعة من السلف كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والنخعي، والشعبي، والزهري، وحماد، والثوري.
والمسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن السارق تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، وهو مروي عن أبي بكر، وعمر، وقتادة، وأبي ثور، وابن المنذر.
وذهب ربيعة وابن حزم وبعض أصحاب داود إلى أنه لا تقطع الرجل أصلًا، وإنما تقطع اليدان، وعن عطاء إنه لا تقطع إلا يده اليمنى فقط، كما سبق الإشارة إليه.
دليل المخالف:
استدل القائلون بقطع اليد اليسرى في السرقة الثالثة بما يلي:
- قال تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38].
• وجه الدلالة: الآية عامة في اليدين، وجاءت على سبيل التثنية لليدين، فتشمل اليد اليمين واليسار، وقد تقرر قطع الرجل في السرقة الثانية، فبقي أن اليد اليسار تقطع في السرقة الثالثة.
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله".
- فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، حيث فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما من الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين من بعدي".
من النظر:
- أن اليد اليسرى أباح الشرع قتلها قودًا، فكذا لا مانع من إباحة قطعها من باب الحد.
- أن عقوبة الحد تتكرر بتكرر وقوعه متى ما كان الموضع قائمًا، كما في الزنى والقصاص، فإذا تكررت السرقة والعضو باق فإنه يقطع.
- أن حد السرقة شُرع للزجر، والسرقة تتأتى باليد اليسرى، وفي قطعها زجر لمن أراد فعل ذلك.
- أن السرقة الثالثة أولى بالحد من السرقة الأولى؛ لتقدم الزاجر فيها، فتكون أولى بشرع الحد فيها.
وأما القائلون بعدم قطع الرجل أصلًا فاستدلوا بعموم قول اللَّه تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً } [المائدة: 38].
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يذكر قطع الرجل.
النتيجة:
يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، وقتادة، وأبي ثور، وابن المنذر، وربيعة وابن حزم وبعض أصحاب داود.
المغني لابن قدامة (12/ 246: 448)
عاد السارق بعد القطع ثالثة:
مسألة، قال: (فَإنْ عَادَ حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ).
يعني: إذا عادَ فَسَرَقَ بعدَ قَطْعِ يدِه ورِجْلِه لم يُقْطَعْ منه شيءٌ آخَرُ، وحُبِسَ، وبهذا قال عليٌّ رَضِىَ اللهُ عنه، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
وعن أحمد أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يدُه اليُسْرَى، وفى الرَّابِعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهما قطَعا يدَ أقْطَعِ الْيَدِ والرِّجْلِ، وهذا قولُ قَتادَةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِي، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذرِ.
ورُوِيَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز أنَّه تُقْطَعُ يَدُه اليُسْرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأنَّ جابرًا قال: جيءَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، فقال: "اقْطَعُوهُ"، قال: فقُطِعَ، ثم جِيءَ به الثَّانِيةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، قال: فقُطِعَ، ثم جِيءَ به الثَّالِثَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سرقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، قال: ثم أُتِي به الرَّابِعَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، ثم أُتِيَ به الخامِسَةَ، قال: "اقْتُلُوهُ"، قال: فانطلَقْنَا به، فَقَتَلْنَاه، ثم اجْترَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ. رواه أبو دَاودَ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال في السَّارِقِ: "إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ".
ولأنَّ اليسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قطعُها في السَّرِقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فعلُ أبي بكرٍ، وعمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ".
ولَنا: ما رَوَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيد المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فقال لأصحابه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقطَعْهُ يا أميرَ المؤمنين، قال: قَتَلْتُه إِذَنْ، وما عليه القَتْلُ، بأيِّ شيءٍ يأكلُ الطَّعَامَ؟ بأيِّ شَيءٍ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ؟ بأي شيءٍ يَغْتَسِلُ من جَنَابَتِه؟ بأي شَيْءٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخرجَه، فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مِثْلَ قولِهِم الأوَّلِ، وقال لهم مِثْلَ ما قال أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: إنِّي لأسْتَحِي من اللهِ أنْ لا أَدَعَ له يدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشى عليها.
ولأنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفْويتَ مَنْفَعةِ الجنسِ، فلم يُشْرَعْ في حدٍّ، كالقَتْلِ.
ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثانيةِ؛ لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنما لم تُقْطَعْ للمَفْسدَةِ في قَطْعِها؛ لأنَّ ذلك بمنزلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأَ، ولا يَغْتَسِلَ، ولا يَسْتَنْجِيَ، ولا يَحْتَرِزَ من نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفعَ عن نفسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ، فوجبَ أن يَمْنَعَ قَطْعَها، كما مَنَعَه في المرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وأمَّا حديثُ جابِرٍ ففي حَقِّ شخصٍ استحقَّ القتلَ؛ بدليلِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ به في أَوَّلِ مَرَّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ، وفعَل ذلك في الخامِسَةِ. [وروَاه النَّسَائِيُّ، وقال: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ].
وأمَّا الحديثُ الآخَرُ، وفعلُ أبي بكرٍ وعمرَ، فقد عارضَه قولُ عليٍّ.
ورُوِيَ عن عمرَ أنَّه رَجَعَ إلى قولِ عليٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبد الرَّحمن بن عابدٍ، قال: أُتِيَ عمرُ بِرَجُلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فأمرَ به عمرُ أنْ تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال عليٌّ: إنَّما قال اللهُ تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } الآية [المائدة: 33]، وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورجْلَه، فلا يَنْبَغِي أن تَقْطَعَ رِجْلَه فتدعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، وإمَّا أن تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ، فاسْتَوْدَعَه السِّجْنَ.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد في حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (9/ 273)
عادَ السارق بعد القطع ثالثة:
ثُمَّ إن عادَ ضُرِبَ عَشَرةَ أسواطٍ أو أقلَّ، على قَدْرِ ما يَراهُ الحاكِمُ، اجتِهادًا لذنبِهِ، وردعًا للسّارقِ، ثُمَّ حَبَسَهُ.
وعلى هذا التَّرتيبِ في قَطْع اليَدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، ثُمَّ اليدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، على ما وصَفْنا مذهبُ جماعَةِ فُقهاءِ الأمْصارِ، أهلِ الفِقهِ والأثر، وهُو عَملُ الصَّحابةِ والتّابِعينَ بالمدينةِ، وغيرِها.
وشَذَّ قومٌ عن الجُمهُورِ، فلم يَرَوْا قطعَ رِجْلِ السّارِقِ، ولم نَعُدُّهُ خِلافًا، فتَرَكناهُم.
رُوي ذلكَ عن رَبِيعةَ، وبه قال أصحابُ داود.
الموسوعة الفقهية الكويتية ( 24/ 339)
الإحسان في القطع:
كيفية القطع:
من المتفق عليه بين الفقهاء مراعاة الإحسان في إقامة الحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم".
وعلى ذلك ينبغي أن يتخير الحاكم الوقت الملائم للقطع، بحيث يجتنب الحر والبرد الشديدين، إن كان ذلك يؤدي إلى الإضرار بالسارق، ولا يقيم الحد أثناء مرض يرجى زواله، ولا يقيم الحد على الحامل أو النفساء، ولا على العائد في السرقة قبل أن يندمل الجرح السابق.
كما ينبغي أن يساق السارق إلى مكان القطع سوقًا رفيقًا، فلا يعنف به، ولا يعير، ولا يسب.
فإذا وصل إلى مكان القطع (يُجلس، ويُضبط؛ لئلا يتحرك فيجني على نفسه، وتُشد يده بحبل، ويجر حتى يبين مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة، أو توضع على المفصل، وتمد مدة واحدة، وإن عُلم قطعٌ أوْحَى من ذلك – أي: أسرع - قطع به).
ولا خلاف بين الفقهاء على حسم موضع القطع، وذلك باستعمال ما يسد العروق، ويوقف نزف الدم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيمن ثبتت عليه السرقة: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه".
ولكن الخلاف بينهم في حكم الحسم:
فمذهب الحنفية والحنابلة: أنه واجب عيني على من قام بالقطع؛ لأن صيغة الأمر في الحديث تفيد الوجوب.
وذهب المالكية - في المشهور عنهم – إلى: أن الحسم واجب على الكفاية، فلا يلزم واحدًا بعينه، فإذا قام به القاطع أو المقطوع أو غيرهما فقد حصل المطلوب.
والأصح عند الشافعية: أن الأمر بالحسم يحمل على الندب، لا الوجوب؛ لأنه حق للمقطوع، لا لتمام الحد، فيجوز للإمام أن يتركه، وحينئذ يندب للإمام ولغيره أن يفعله؛ لما فيه من مصلحة السارق وحفظه من الهلاك، ولا يمنع ذلك من وجوبه على السارق إذا لم يقم به أحد، فإذا تعذر على المقطوع فعل الحسم لإغماء ونحوه وترتب على تركه تلف محقق، فلا يجوز للإمام إهماله، بل يجب عليه فعله، كما قاله البلقيني وغيره.
ومقابل الأصح عندهم: أن الحسم تتمة للحد، فيجب على الإمام فعله، ولا يجوز أن يهمله.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 302-303)
الإحسان في القطع:
مشروعية حسم يد السارق بعد قطعها:
• المراد بالمسألة:
أولًا: تعريف الحسم: قال ابن سيده: "أصْل الحَسْم: القَطْع، حَسَمته، أَحْسِمُه، وأحْسُمه، حَسْمًا"، وقال ابن منظور: "حَسَمَ العِرْقَ: قطعه، ثم كواه؛ لئلا يسيل دَمُهُ".
فالحسم: هو أن يقطع العضو، ثم يكويه؛ كيلا يسيل الدم.
• ثانيًا: صورة المسألة:
إذا أقيم حد السرقة على شخص، وقطعت يده أو رجله، فإنه يستحب بعد القطع حسم العضو المقطوع، وذلك بأن يكوى الجزء المقطوع بنار أو زيت أو نحوهما، بأن يُغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت؛ لتنسد أفواه العروق؛ لئلا ينزف الدم.
ويتحصل مما سبق أن المراد أن الحسم مما هو مستحب، أما الوجوب فمسألة أخرى غير مرادة في الباب.
• من نقل الإجماع:
قال ابن هبيرة: "أجمعوا على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة، وهو صحيح الأطراف، فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف، ثم تحسم الكف".
• مستند الإجماع:
يدل على مسألة الباب ما يلي:
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذا سرق، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (ما إخاله سرق)، فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم إيتوني به)، فقطع ثم أتي به، فقال: (تب إلى اللَّه)، فقال: تبت إلى اللَّه، فقال: (تاب اللَّه عليك).
- أن الحسْم طريق لأن ينكفَّ الدم، وإن استمرار سيلان الدم قد يؤدي إلى التلف، والحد إنما يراد به الزجر لا الإتلاف.
النتيجة:
لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.
المغني لابن قدامة (12/ 442 - 443)
الإحسان في قطع السارق:
فصل: ويُقْطَعُ السَّارِقُ بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ، فيُجْلَسُ، ويُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فيَجْنِىَ على نفسِه، وتُشَدُّ يَدهُ بحَبْلٍ، وتُجَرُّ حتى يَبينَ مَفْصِلُ الكَفِّ من مَفْصِلِ الذِّراعِ، ثم يُوضَعُ بينهمَا سِكِّينٌ حَادٌّ، ويُدَقُّ فوقَها بقُوَّةٍ لِيُقْطَعَ في مرَّةٍ واحِدَةٍ، أو تُوضَعُ السِّكِّينُ على المَفْصِلِ مَدَّةَ واحدةً، وإن عُلِمَ قَطْعٌ أوْحَى من هذا قُطِعَ به.
فصل: ولا تُقْطَعُ في شِدَّةِ حَرٍّ ولا بَرْدٍ؛ لأنَّ الزَّمَانَ رُبَّما أعانَ على قَتْلِه، والغرضُ الزَّجْرُ دُونَ القَتْلِ، ولا تُقْطَعُ حَامِلٌ حالَ حَمْلِها، ولا بعدَ وَضْعِها حتى يَنْقَضِيَ نِفاسُها؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى تَلَفِها وتَلَفِ ولدِها، ولا يُقْطعُ مرِيضٌ في مَرَضِه؛ لِئَلَّا يأْتيَ ذلك على نفسِه، ولو سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُه، ثم سرقَ قبلَ انْدمالِ يده لم يُقْطَعْ ثانيًا حتى يَنْدَمِلَ القَطْعُ الأَوَّلُ، وكذلك لو قُطِعَتْ رِجْلُه قِصَاصًا لم تُقْطَعِ اليَدُ في السَّرِقَةِ حتى تَبْرَأَ الرِّجْلُ.
فإن قِيلَ: أليس لو وجبَ عليه قِصاصٌ في اليدِ الأُخْرَى لَقُطِعَتْ قبلَ الانْدِمالِ، والمحارِبُ تُقْطَعُ يدُه ورِجْلُه دَفْعَةً واحِدَةً، وقد قُلْتُم في المريضِ الذي وَجَبَ عليه الجَلْدُ: لا يُنْتَظَرُ بُرْؤُه، فَلِمَ خَالَفْتُم ذلك ههُنا؟ قُلْنا: القِصاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ يُخافُ فَوْتُه، وهو مَبْنيٌّ على الضِّيقِ لحاجَتِه إليه، ولأنَّ القِصاصَ قد يجبُ في يَدٍ، ويجبُ في يَدَيْنِ وأكثرَ في حالةٍ واحِدَةٍ؛ فلهذا جازَ أن نُوالِيَ بينَ قِصَاصَيْنَ، ويُخالِف الحَدَّ؛ لأنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لها حَدٌّ مُقَدَّرٌ، لا تجوزُ الزِّيادَةُ عليه، فإذا والَى بين حَدَّيْن صار كالزِّيادَةِ على الْحَدِّ، فلم يَجُزْ، وأمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فإنَّ قَطْعَ اليدِ والرِّجْلِ حَدٌّ واحِدٌ، بخلافِ ما نحنُ فيه. وأمَّا تأخيرُ الحَدِّ للمَرَضِ ففيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْنا فإنَّ الجَلْدَ يُمْكِنُ تخْفِيفُه، فيَأْتِي به في المَرَضِ على وَجْهٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، والقَطْعُ لا يُمْكِنُ تخْفِيفُه.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 294)
التعزير في السرقة:
لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد فقطعت يده اليمنى، ثم سرق أُخرى ما يوجب الحد فقطعت رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثة ما يوجب الحد فإنه لا قطع عليه، ولكن يعزر بضرب أو حبس أو نحوه من العقوبات التعزيرية.
• من نقل الإجماع:
قال ابن أبي شيبة (ت 235 هـ): "كان علي يقول في السارق إذا سرق: قُطعت يده، فإن عاد قُطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن، وعن سماك عن بعض أصحابه، أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي".
وقال أبو بكر الجصاص (ت 370 هـ): "وهذا –أي: أثر ابن أبي شيبة- يقتضي أن يكون ذلك إجماعًا لا يسع خلافه؛ لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع".
المغني لابن قدامة (12/ 446- 447)
تعزير السارق:
مسألة، قال: (فَإنْ عَادَ حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ).
يعني: إذا عادَ فَسَرَقَ بعدَ قَطْعِ يدِه ورِجْلِه لم يُقْطَعْ منه شيءٌ آخَرُ، وحُبِسَ، وبهذا قال عليٌّ رَضِىَ اللهُ عنه، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
وعن أحمد أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يدُه اليُسْرَى، وفى الرَّابِعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهما قطَعا يدَ أقْطَعِ الْيَدِ والرِّجْلِ، وهذا قولُ قَتادَةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِي، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذرِ.
ورُوِيَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز أنَّه تُقْطَعُ يَدُه اليُسْرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأنَّ جابرًا قال: جيءَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، فقال: "اقْطَعُوهُ"، قال: فقُطِعَ، ثم جِيءَ به الثَّانِيةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، قال: فقُطِعَ، ثم جِيءَ به الثَّالِثَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سرقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، قال: ثم أُتِي به الرَّابِعَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ، قال: "اقْطَعُوهُ"، ثم أُتِيَ به الخامِسَةَ، قال: "اقْتُلُوهُ"، قال: فانطلَقْنَا به، فَقَتَلْنَاه، ثم اجْترَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ. رواه أبو دَاودَ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال في السَّارِقِ: "إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ".
ولأنَّ اليسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قطعُها في السَّرِقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فعلُ أبي بكرٍ، وعمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ".
ولَنا: ما رَوَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيد المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فقال لأصحابه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقطَعْهُ يا أميرَ المؤمنين، قال: قَتَلْتُه إِذَنْ، وما عليه القَتْلُ، بأيِّ شيءٍ يأكلُ الطَّعَامَ؟ بأيِّ شَيءٍ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ؟ بأي شيءٍ يَغْتَسِلُ من جَنَابَتِه؟ بأي شَيْءٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخرجَه، فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مِثْلَ قولِهِم الأوَّلِ، وقال لهم مِثْلَ ما قال أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: إنِّي لأسْتَحِي من اللهِ أنْ لا أَدَعَ له يدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشى عليها.
ولأنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفْويتَ مَنْفَعةِ الجنسِ، فلم يُشْرَعْ في حدٍّ، كالقَتْلِ.
ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثانيةِ؛ لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنما لم تُقْطَعْ للمَفْسدَةِ في قَطْعِها؛ لأنَّ ذلك بمنزلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأَ، ولا يَغْتَسِلَ، ولا يَسْتَنْجِيَ، ولا يَحْتَرِزَ من نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفعَ عن نفسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ، فوجبَ أن يَمْنَعَ قَطْعَها، كما مَنَعَه في المرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وأمَّا حديثُ جابِرٍ ففي حَقِّ شخصٍ استحقَّ القتلَ؛ بدليلِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ به في أَوَّلِ مَرَّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ، وفعَل ذلك في الخامِسَةِ. [وروَاه النَّسَائِيُّ، وقال: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ].
وأمَّا الحديثُ الآخَرُ، وفعلُ أبي بكرٍ وعمرَ، فقد عارضَه قولُ عليٍّ.
ورُوِيَ عن عمرَ أنَّه رَجَعَ إلى قولِ عليٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبد الرَّحمن بن عابدٍ، قال: أُتِيَ عمرُ بِرَجُلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فأمرَ به عمرُ أنْ تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال عليٌّ: إنَّما قال اللهُ تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } الآية [المائدة: 33]، وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورجْلَه، فلا يَنْبَغِي أن تَقْطَعَ رِجْلَه فتدعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، وإمَّا أن تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ، فاسْتَوْدَعَه السِّجْنَ.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد في حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (9/ 273)
تعزير السارق:
ثُمَّ إن عادَ ضُرِبَ عَشَرةَ أسواطٍ أو أقلَّ، على قَدْرِ ما يَراهُ الحاكِمُ، اجتِهادًا لذنبِهِ، وردعًا للسّارقِ، ثُمَّ حَبَسَهُ.
وعلى هذا التَّرتيبِ في قَطْع اليَدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، ثُمَّ اليدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، على ما وصَفْنا مذهبُ جماعَةِ فُقهاءِ الأمْصارِ، أهلِ الفِقهِ والأثر، وهُو عَملُ الصَّحابةِ والتّابِعينَ بالمدينةِ، وغيرِها.
الموسوعة الفقهية الكويتية (24 /345: 347)
ضمان السارق للمال:
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب رد المسروق إن كان قائمًا، إلى من سرق منه، سواء كان السارق موسرًا أو معسرًا، وسواء أقيم عليه الحد أو لم يقم، وسواء وجد المسروق عنده أو عند غيره؛ وذلك لما روي من أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد على صفوان رداءه، وقطع سارقه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي"، ولا خلاف بينهم كذلك في وجوب ضمان المسروق إذا تلف، ولم يقم الحد على السارق، لسبب يمنع القطع، كأخذ المال من غير حرز، أو كان دون النصاب، أو قامت شبهة تدرأ الحد، أو نحو ذلك، وحينئذ يجب على السارق أن يرد مثل المسروق إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان قيميًّا.
ولكنهم اختلفوا في وجوب الضمان، إذا تلف المسروق، وقد قطع فيه سارقه، على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم وجوب الضمان مطلقًا، سواء تلف المسروق بهلاك أو باستهلاك، وهذا هو المشهور عند الحنفية، وبه قال عطاء، وابن سيرين، والشعبي، ومكحول، وغيرهم.
لقوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38]، فقد سمى "القطع" جزاء، والجزاء يبنى على الكفاية، فلو ضم إليه الضمان لم يكن القطع كافيًا، فلم يكن جزاء، وقد جعل القطع كل الجزاء؛ لأنه - عز شأنه - ذكره ولم يذكر غيره، فلو أوجبنا الضمان لصار القطع بعض الجزاء.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد"، فالحديث ينص صراحة على نفي الضمان إذا قطع السارق، ومن هنا قالوا: لا يجتمع حد وضمان؛ لأن الحكم بالضمان يجعل المسروق مملوكًا للسارق، مستندًا إلى وقت الأخذ، فلا يجوز إقامة الحد عليه؛ لأنه لا يقطع أحد في ملك نفسه.
والثاني: ذهب المالكية إلى ضمان المسروق - إن تلف - بشرط أن يكون السارق موسرًا، من وقت السرقة إلى وقت القطع؛ لأن اليسار المتصل كالمال القائم بعينه، فلا تجتمع على السارق عقوبتان. فإن كان السارق موسرًا وقت السرقة، ثم أعسر بعدها، أو كان معسرًا وقت السرقة، ثم أيسر بعدها، فلا ضمان؛ لئلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده، وإتباع ذمته.
والثالث: ذهب الشافعية والحنابلة، والنخعي، وحماد، والبتي، والليث، وبه قال الحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، وابن شبرمة، وإسحاق إلى وجوب الضمان مطلقًا، سواء كان السارق موسرًا أو معسرًا، وسواء تلف المسروق بهلاك أو استهلاك، وسواء أقيم الحد على السارق أو لم يقم، فالقطع والضمان يجتمعان؛ لأن القطع لحق الله تعالى، والضمان لحق العبد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي".
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 66)
ضمان السارق للمال المسروق:
من سقط عنه القطع فهنا عليه رد العين المسروقة أو ضمانها إن كانت تالفة بإجماع أهل العلم؛ لعدم المخالف، إلا في صورة واحدة، وهي من ثبتت سرقته بإقراره، ثم سقط عنه الحد بموجب رجوعه عن إقراره، فهنا ضمان العين المسروقة مع سقوط الحد ليست محل إجماع محقق؛ لوجود الخلاف عن بعض الشافعية.
المغني لابن قدامة (12/ 453: 454)
ضمان السارق للمال المسروق:
مسألة، قال: (وَإذَا قُطِعَ، فَإنْ كَانَتِ السَّرِقَةُ بَاقِيَةً، رُدَّتْ إلى مَالِكِها، وَإنْ كَانَتْ تالِفَةً، فَعَلَيْه قِيمَتُهَا [مُوسِرًا كَانَ أوْ مُعْسِرًا] لا يخْتلِفُ أهلُ العلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَيْنِ المَسْروقَةِ على مالِكِها إذا كانتْ باقِيةً، فأمَّا إن كانتْ تالِفَةً، فعلَى السَّارِقِ رَدُّ قِيمَتِها، أو مِثْلِها إن كانتْ مِثْليَّةً، قُطِعَ أو لم يُقْطَعْ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وحَمَّادٍ، والْبَتِّيِّ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفةَ: لا يجتَمِعُ الغُرْمُ والقَطْعُ، إن غَرِمَها قبلَ القَطْعِ سَقَطَ القَطْعُ، وإن قُطِعَ قبلَ الغُرْمِ سَقَطَ الغُرْمُ.
وقال عطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ: لا غُرْمَ علي السَّارِقِ إذا قُطِعَ، ووافَقَهم مالِكٌ في المُعْسِرِ، ووافَقْنَا في المُوسِرِ.
قال أبو حنيفةَ في رَجُلٍ سَرَقَ مَرَّاتٍ، ثم قُطِعَ: يَغْرَمُ الكُلَّ، إلَّا الأخيرةَ.
وقال أبو يوسفَ: لا يَغْرَمُ شيئًا؛ لأنَّه قُطِعَ بالكُلِّ، فلا يَغْرَمُ شيئًا منه، كالسَّرِقَةِ الأخيرَةِ.
واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عن رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: "إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ".
ولأنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والمِلْكُ يَمْنَعُ القَطْعَ، فلَا يُجْمَعُ بينَهما.
ولَنا: أنَّها عَيْنٌ يجبُ ضَمانُها بالرَّدِّ لو كانت باقِيةً، فيجبُ ضَمانُها إذا كانتْ تَالِفَةً، كما لو لم يُقْطَعْ.
ولأنَّ القَطْعَ والغُرْمَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لمُسْتَحِقَّين، فجازَ اجْتماعُهما، كالجزَاءِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الْحَرَمِىِّ المَمْلوكِ.
وحديثُهم يَرْوِيه سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن منصورٍ، وسعدُ بنُ إبراهيمَ مجهولٌ، قالَه ابنُ المُنْذِرِ، وقال ابنُ عبد البَرِّ: الحديثُ ليس بالْقَوِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ليس عليه أُجْرَةُ القاطِعِ، وما ذكَرُوه فهو بِناءٌ على أُصولِهم، ولا نُسَلِّمُها لهم.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد في حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (9/ 273- 274)
وُجُوبِ الغُرْم على السّارِقِ:
واختَلفُوا في وُجُوبِ الغُرْم على السّارِقِ إذا قُطِعَ، وفاتت السَّرِقةُ عندَهُ، فقال الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّينَ: إذا قُطِع السّارِقُ فلا غُرمَ عليه، وهُو قولُ الطَّبَريِّ.
وحجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ: حديثُ المِسوَرِ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوف.
وبَعضُهُم يَرْويهِ عن المِسْوَرِ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ رسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أُقِيمَ على السّارِقِ الحدُّ فلا غُرْمَ عليه".
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ليسَ بالقويِّ، ولا تقومُ به حُجَّةٌ.
وقد قال الطَّبريُّ: القياسُ أنَّ عليه غُرْمَ ما اسْتهلكَ، ولكِنْ تَرَكنا ذلكَ، اتِّباعًا للأثَرِ في ذلك، يعني: الحديثَ الذي ذكَرْنا عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ.
قال أبو عُمر: تركُ القياسِ لضَعْفٍ الأثرِ غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الضَّعيفَ لا يُوجِبُ حُكْمًا.
وقال مالكٌ وأصحابُهُ: إن كان مُوسِرًا غَرِمَ، وإن كان مُعسِرًا لم يُتْبَعْ به دينًا، ولم يكُن عليه شيءٌ.
ويُروى مِثلُ ذلك عن الزُّهريِّ.
وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وهُو قولُ الحَسَنِ، وحمّادِ بن أبي سُليمان: يُغرَمُ السّارِقُ قِيمَةَ السَّرِقةِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا، وتكونُ دينًا عليه مَتَى أيسر أدّاهُ.
وقال الشّافِعيُّ، رحمه الله: أُغرِّمُ السّارِقَ ما سرَقَ، قُطِع أو لم يُقطَعْ، وكذلك إذا قطَعَ الطَّريق.
قال: والحدُّ للّه عز وجل، فلا يُسقِطُ حدَّ اللّه غُرْمُ ما أتلَفَ للعِبادِ.