الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (40/ 146)
- نذر الطاعة:
- يقصد بنذر الطاعة التزام ما يعد طاعة لله تعالى، سواء شرعت على وجه العبادة كالصلاة والصوم والحج ونحوها، أو لم تشرع على هذا الوجه إلا أن الشارع رغب في تحصيلها، وقد يبتغى بها وجه الله تعالى كعيادة المرضى وإفشاء السلام بين المسلمين، وتشميت العاطس، وسواء نذر هذا مطلقا، أو مقيدا أو معلقا على شرط.أولا: نذر العبادات المقصودة:
- يقصد بهذه العبادات: ما شرعت للتقرب بها إلى الله تعالى مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصلاة والصيام والحج والاعتكاف والصدقة ونحوها. فمن نذر أيا من هذه العبادات مطلقا، أو معلقا على شرط لزمه الوفاء به بإجماع أهل العلم كما نقله النووي وابن قدامة، أو في مقابل نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها .
وقد استدل الفقهاء على وجوب الوفاء بنذر هذه العبادات بعموم قوله تعالى: وليوفوا نذورهم الدال على الوفاء بالنذر مطلقا.
وبما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ووجه الدلالة في هذا الحديث أن من نذر قربة لله تعالى كالصلاة أو الصدقة أو العمرة أو غيرها فإن نذره هذا هو في طاعة الله سبحانه، وقد أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من نذر مثل ذلك أن يفي بنذره، فدل هذا الحديث على وجوب الوفاء بهذا النذر.
وقالوا: إن العلماء أجمعوا على وجوب وفاء الناذر بما التزمه من العبادة المقصودة لذاتها، سواء التزمها قربة لله تعالى من غير شرط، أو التزمها شكرا لله تعالى على نعمة حدثت أو نقمة ذهبت، وقد حكى هذا الإجماع النووي وابن قدامة
ثانيا: نذر القرب غير المقصودة:
- يقصد بهذه القرب: ما لم يشرع عبادة، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشارع فيها لعظم فائدتها، وقد يبتغى بها وجه الله تعالى، وذلك مثل: بناء المساجد، وتشييع الجنائز، وتشميت العاطس ونحو ذلك مما ليس له أصل في الفروض.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التزامها بالنذر على مذهبين: المذهب الأول: يرى أصحابه أنه يصح التزام أي من هذه القرب بالنذر ويلزم الوفاء به. وإلى هذا ذهب المالكية والحنابلة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية.
واستدلوا على صحة التزام هذه القرب بالنذر ووجوب الوفاء به بعموم الآيات الدالة على ذلك وقد سبق ذكرها، كما استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه وبحديث عمر رضي الله عنه أنه قال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين بالوفاء بالنذر إذا كان في طاعة الله سبحانه، ومن التزم قربة من القرب السابقة بالنذر فقد نذر أن يطيع الله فيلزمه الوفاء بما نذر من ذلك.
واستدلوا كذلك بالقياس من حيث إن الشارع قد رغب في هذه القرب وحض على تحصيلها، والعبد يتقرب بها إلى الله تعالى، فهي بمثابة العبادات المقصودة .
وأضافوا: إن هذه القرب وإن لم يكن لها أصل في الفروض، إلا أنه يصح التزامها بالنذر ويجب الوفاء بها قياسا على ما لو ألزم الناذر نفسه أضحية أو أوجب هديا أو اعتكافا أو عمرة، فإن هذه يصح التزامها بالنذر اتفاقا، وليست من الفروض
وقالوا أيضا إن الناذر قد ألزم نفسه قربة على وجه التبرر فتلزمه بالنذر، قياسا على التزامه ما له أصل في الفروض، والذي هو موضع إجماع العلماء
المذهب الثاني: يرى من ذهب إليه أنه لا يصح التزام أي من هذه القرب بالنذر، ولا يصح النذر بها، وإليه ذهب الحنفية، وهو وجه في مذهب الشافعية
واستدل هؤلاء بأن هذه القرب ليس لها أصل في الفروض، فلا يصح التزامها بالنذر، إذ النذر إيجاب العبد، فيعتبر بإيجاب الله تعالى، إذ لا ولاية له على الإيجاب ابتداء وإنما صححنا إيجابه في مثل ما أوجبه الله تعالى تحصيلا للمصلحة المتعلقة بالنذر، كما أن هذه القرب ليست على أوضاع العبادات فلا يصح التزامها بالنذر .
المغني - ابن قدامة - (13/ 622)
مسألة ؛ قال : ( ومن نذر أن يطيع الله - عز وجل ، لزمه الوفاء به ، ومن نذر أن يعصيه ، لم يعصه ، وكفر كفارة يمين ) .
ونذر الطاعة ؛ الصلاة ، والصيام ، والحج والعمرة ، والعتق ، والصدقة ، والاعتكاف ، والجهاد ، وما في هذه المعاني ، سواء نذره مطلقا بأن يقول : لله علي أن أفعل كذا وكذا .أو علقه بصفة مثل قوله : إن شفاني الله من علتي ، أو شفى فلانا ، أو سلم مالي الغائب .
أو ما كان في هذا المعنى ، فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك ، فعليه الوفاء به .
التمهيد – ابن عبد البر – (4/ 89، 90)
وأما من نذر شيئا لله فيه طاعة فواجب عليه الإتيان به كالصلاة، والصيام، والصدقة، والعتق، وما أشبه ذلك من طاعة الله، وهذا ما لا خلاف بين علماء المسلمين فيه، ويشد ذلك قول الله، عز وجل -: ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وتأويل ذلك: العقود التي لا معصية فيها، لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.فمن قال: لله علي نذر إن لم أشرب الخمر، ولم أقتل فلانا، فإنما هو رجل نذر نذرا لم يجعل له مخرجا، إن سلمه الله من قتل فلان، أو من شرب الخمر فعليه أن يفي بنذره.
وكل نذر لا مخرج له، ولا نية لصاحبه فكفارته كفارة يمين، ثبتت بذلك السنة، وعلى ذلك جمهور علماء الأمة فأغنى عن الإكثار فيه، وقد ذكرناه مجودا في باب ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، والحمد لله.وقد أثنى الله تعالى على قوم كانوا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا.
ومن نذر ما لا معصية فيه، ولا طاعة فقد اختلف الفقهاء في ذلك؛ فقال قوم: واجب عليه الإتيان بذلك، لأنه مباح.
وقال آخرون: لا يجب عليه من النذر إلا ما كان لله فيه طاعة، وقصة أبي إسرائيل من حديث جابر وابن عباس تدل على صحة هذا القول، وقد ذكرنا ذلك في باب ثور بن زيد من كتابنا هذا وبالله تعالى التوفيق.