الموسوعة الفقهية الكويتية (8/ 135: 139)
واجب الإمام نحو البغاة:
- قبل القتال:
ينبغي للإمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة، والدخول في طاعته رجاء الإجابة، وقبول الدعوة، لعل الشر يندفع بالتذكرة؛ لأنه ترجى توبتهم، ويسألهم عن سبب خروجهم، فإن كان لظلم منه أزاله، وإن ذكروا علة يمكن إزالتها أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها؛ لأن الله سبحانه بدأ الأمر بالإصلاح قبل القتال، فقال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [الحجرات: 9]، ولأن المقصود كفهم ودفع شرهم، لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال؛ لما فيه من الضرر بالفريقين، ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلا أن يخاف شرهم، وإن طلبوا الإنظار - وكان الظاهر من قصدهم الرجوع إلى الطاعة - أمهلهم.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: يُنظرهم إلى مدة قريبة، كيومين أو ثلاثة.
وإن أصروا على بغيهم بعد أن بعث إليهم أمينًا ناصحًا لدعوتهم، نصحهم ندبًا بوعظ ترغيبًا وترهيبًا، وحسن لهم اتحاد كلمة الدين، وعدم شماتة الكافرين، فإن أصروا آذنهم بالقتال.
وإن قاتلهم بلا دعوة جاز؛ لأن الدعوة ليست بواجبة.
وعند المالكية: يجب إنذارهم ودعوتهم، ما لم يعاجلوه.
وكون المبعوث إليهم عارفًا فطنًا واجبٌ إن بعث للمناظرة وكشف الشبهة، وإلا فمستحب.
وفصَّلَ الكاساني، فقال: إن علم الإمام أنهم يجهزون السلاح، ويتأهبون للقتال، فينبغي له أن يأخذهم، ويحبسهم حتى يتوبوا، وإن لم يعلم بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال، فينبغي له أن يدعوهم إلى الرجوع إلى رأي الجماعة أولًا، فإن الإمام عليًّا رضي الله عنه لما خرج عليه أهل حروراء، ندب إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ ليدعوهم إلى العدل، فإن أجابوا كف عنهم، وإن أبوا قاتلهم...، وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك؛ لأن الدعوة قد بلغتهم، فهم مسلمون في دار الإسلام.
وقد أسند النسائي في سننه الكبرى إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، فقلت لعلي أمير المؤمنين: لَعَلِّي أكلمُ هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك، قلت: كلا، فلبست ثيابي، ومضيت إليهم، حتى دخلت عليهم وهم مجتمعون، وقلت: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عند ابن عم النبي وصهره، وعليهم نزل القرآن، وهم أعرف بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، وقلت: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله وختنه، قالوا: ثلاث، أنه حكَّمَ الرجالَ في دين الله، وقد قال الله تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [الأنعام: 57 ]، وأنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنم، فإن كانوا كفارًا فقد حلت لنا نساؤهم وأموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علينا دماؤهم، وأنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه يكون أمير الكافرين، قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم هذا، ترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم: إنه حَكَّمَ الرجال في دين الله فأنا أقرأ عليكم أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في أرنب ثمنها ربع درهم، قال الله تعالى: { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } [المائدة: 95] إلى قوله تعالى: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } [المائدة: 95]، وقال الله تعالى في المرأة وزوجها: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } [النساء: 35] أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات البين أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟
وأما قولكم: إنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، أتسبون أمَّكُم عائشة، فتستحلون منها ما تستحلون من غيرها، وهي أمكم؟ لئن فعلتم لقد كفرتم، فإن قلتم: ليست أُمَّنا فقد كفرتم؛ لأن الله تعالى يقول: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } [الأحزاب: 6].
وأما قولكم: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشًا يوم الحديبية، على أن يكتب بينه وبينهم كتابًا، فقال لكاتبه: "اكتب: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله"، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، يا علي، اكتب: محمد بن عبد الله"، فرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محو ذلك محوًا من النبوة. فرجع منهم ألفان، وبقي سائرهم، فقوتلوا.
ويصرح الآلوسي أنه يجب قبل القتال إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، ودعوة البغاة إلى الرجوع إلى الجماعة، والدخول في طاعة الإمام.
قتال البغاة:
إذا ما دعا الإمام البغاة إلى الدخول في طاعته، وكشف شبهتهم، فلم يستجيبوا، وتحيزوا مجتمعين، وكانوا متهيئين للقتال فإنه يحل قتالهم، ولكن هل نبدؤهم بالقتال، أم لا نقاتلهم إلا إذا أظهروا المغالبة؟ هناك اتجاهان:
الاتجاه الأول: جواز البدء بالقتال؛ لأنه لو انتظرنا قتالهم ربما لا يمكن الدفع، وهو ما نقله خواهر زاده، قال الزيلعي: وهو المذهب عند الحنفية؛ لأن النص جاء غير مقيد بالبداءة منهم في قوله تعالى: { فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي... } [الحجرات: 9]،
وقول علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة".
ولأن الحكم يدار على علامته، وهي هنا: التحيز والتهيؤ، فلو انتظرنا حقيقة قتالهم لصار ذريعة لتقويتهم، فيدار الحكم على الإمارة ضرورة دفع شرهم؛ ولأنهم بالخروج على الإمام صاروا عصاة، فجاز قتالهم، إلى أن يقلعوا عن ذلك.
وما نقل عن علي رضي الله عنه، من قوله في الخوارج: "لن نقاتلكم حتى تقاتلونا" معناه: حتى تعزموا على قتالنا.
ولو أمكن دفع شرهم بالحبس بعدما تأهبوا فعل ذلك، ولا نقاتلهم؛ لأنه أمكن دفع شرهم بأهون منه.
وإلى القول بحل بدئهم بالقتال اتجه فقهاء الحنابلة، جاء في كشاف القناع: إن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم بالقتال، فإن رجعوا إلى الطاعة تركهم، وإلا لزمه قتالهم إن كان قادرا؛ لإجماع الصحابة على ذلك.
الاتجاه الثاني: نقل القدوري أنه لا يبدؤهم بالقتال حتى يبدءوه، وهو ما رواه الكاساني والكمال.
قال الكاساني: لأن قتالهم لدفع شرهم، لا لشر شركهم؛ لأنهم مسلمون، فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم الإمام؛ إذ لا يجوز قتال المسلم إلا دفعًا، بخلاف الكافر؛ لأن نفس الكفر قبيح، وهو ما استظهره بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، وقول أحمد بن حنبل؛ لأن عليًّا أمر أصحابه ألا يبدءوا من خرجوا عليه بالقتال، وإن أمكن دفعهم دون القتل لم يجز القتل، ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلا أن يخاف شرهم، كالصائل.
وقال ابن تيمية: "الأفضل تركه حتى يبدءوه" أي: القتال.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (10/ 411)
ماهية الحد الواجب بالبغي:
من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة: وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين بالمعروف؛ إذ لا تجتمع الكلمة، ولا تتحقق المصالح العامة إلا بذلك، بل إن كثيرًا من الشعائر الإسلامية لا تؤدى إلا بإذن إمام المسلمين، كالجهاد، وإقامة الحدود، ونصب القضاة، وغير ذلك، وفي الخروج على الإمام مفاسد عظيمة في هلاك النفس والمال، ومن مقاصد الشريعة حفظ هذين الأمرين؛ لذا حرم الإسلام الخروج على الإمام، وأوجب على المسلمين قتالهم، ودفع شرِّهم، فإذا خرج جماعةٌ على إمام المسلمين فيجب على الإمام أولًا مراسلتهم، وإزالة شبههم، وما يدعون من المظالم، فإذا ذكروا مظلمةً أزالها، وإن ذكروا شبهةً كشفها؛ لأن ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به في الآية.
فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم؛ عملًا بقوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الحجرات: 9].
ويجب على رعية الإمام معونته، فإذا ترك البغاة القتال حرُم قتلهم، وقتْل مدبرهم وجريحهم؛ لأن المقصود قتالهم، لا قتلهم، ولا يغنم مالهم، ولا تسبى ذراريهم، ويجب رد ذلك إليهم؛ لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنما أبيح قتالهم لردهم إلى الطاعة.
ويغسل قتلاهم، ويصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون، كما سيأتي بيان ذلك مفصلًا بأدلته.
المغني لابن قدامة (12 /242: 247)
أحكام البغاة:
(وإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامٍ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَطْلبُ مَوْضِعَه، حُورِبُوا، ودُفِعُوا بأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُونَ بِهِ).
وجملةُ الأمرِ: أَنَّ مَن اتَّفَقَ المسلمون على إمامَتِه وبَيْعَتِه، ثَبَتَتْ إمامَتُه، ووجَبَتْ مَعونَتُه؛ لما ذَكَرْنَا من الحديثِ والإِجْماعِ، وفي مَعناه مَنْ ثَبَتَتْ إمامتُه بَعْهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو بِعَهْدِ إمامٍ قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكر ثَبَتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصحابةِ على بَيْعَتِه، وعُمَرَ ثَبَتَتْ إمامتُه بَعْهدِ أبي بكرٍ إليه، وأجْمَعَ الصَّحابةُ على قَبولِهِ. ولو خرجَ رجلٌ على الإِمامِ، فقهرَه، وغلَبَ الناسَ بسيفهِ حتى أَقرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعتِه، وبَايَعُوه، صارَ إمامًا يَحْرُمُ قِتالُه، والخروجُ عليه؛ فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ خرج على ابنِ الزُّبَيْرِ، فقَتلَه، واستَوْلَى على البلادِ وأهلِها، حتى بايَعُوه طَوْعًا وكَرْهًا، فصارَ إمامًا يحْرُمُ الخروجُ عليه؛ وذلك لما في الخُروجِ عليه من شَقِّ عَصَا المسلمين، وإراقة دِمائِهم، وذَهابِ أمْوالِهم، ويدْخُلُ الخارجُ عليه في عُمومِ قولِه عليه السلام: "مَنْ خَرَجَ على أُمَّتِي وهُمْ جَمِيعٌ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كانَ"، فمن خَرَجَ على مَنْ ثَبَتَتْ إمامَتُه بأَحَدِ هذه الوُجُوهِ باغِيًا وجبَ قِتالُه.
ولا يجوزُ قتالُهم حتى يَبْعَثَ إليهم من يَسْأَلُهم، ويَكْشِفَ لهم الصوابَ، إلَّا أَنْ يخافَ كَلَبَهم؛ فلا يُمْكِنُ ذلك في حَقِّهم. فأَمَّا إنْ أمْكَنَ تَعْرِيفُهم عَرَّفَهُم ذلك، وأزالَ ما يذكرُونَه مِن المَظالمِ، وأزاحَ حُجَجَهم، فَإِنْ لَجُّوا، قَاتلَهم حينئذٍ؛ لأَنَّ اللهَ تعالى بدأَ بالأمرِ بالإِصْلاحِ قبلَ القتالِ، فقال سبحانَه: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } [الحجرات: 9].
ورُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه، راسلَ أهلَ البصرَةِ قبلَ وَقْعَةِ الجملِ، ثم أمرَ أصحابَه أنْ لا يَبْدَؤوهم بالقتالِ، ثم قال: إنَّ هذا يومٌ من فَلَجَ فيه فَلَجَ يومَ القيامةِ، ثم سَمِعَهم يقولون: اللهُ أكبرُ، يا لَثاراتِ عثمانَ، فقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ قَتَلَةَ عثمانَ لوُجُوهِهم.
ورَوَى عبدُ اللَّه بنُ شَدَّادِ بنِ الهادِ أنّ عليًّا لمَّا اعتزلَتْهُ الحَرُورِيَّةُ، بعثَ إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيامٍ، فرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ، فإنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ، وعَظَهم، وَخَوَّفَهم القِتالَ، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ المقصودَ كَفُّهم، ودَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم، فإذا أمْكَنَ بمُجَرَّدِ القَوْلِ كان أوْلَى مِن القِتالِ؛ لما فيه مِن الضَّرَرِ بالفَرِيقَيْن.
فإنْ سَألُوا الإِنْظارَ نَظَرَ في حالهم، وبَحَثَ عن أمْرِهم، فإنْ بانَ له أنَّ قصدَهم الرُّجوعُ إلى الطَّاعةِ، ومَعْرِفةُ الحقِّ، أمْهَلَهم.
قالَ ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ، وإنْ كان قصْدُهم الاجْتماعَ على قِتالِه، وانتظارَ مَدَدٍ يَقْوَوْنَ بِه، أو خَديعةَ الإِمامِ، ليأْخُذُوه على غِرَّةٍ، ويفترقَ عَسْكرُه، لم يُنْظِرْهم، وعاجَلَهم؛ لأنَّه لا يأْمنُ أنْ يصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهْرِ أهلِ العَدْلِ، ولا يجوزُ هذا، وإنْ أَعْطَوهُ عليه مالًا؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يأخذَ المالَ على إقرارِهم على ما لا يجوزُ إقْرارُهم عليه.
وإن بُذِلَ له رَهائنُ على إنْظارِهم لم يَجُزْ أخْذُها لذلك؛ ولأنَّ الرّهائنَ لا يجوزُ قَتْلهُم لغَدْرِ أهلهم، فلا يُفِيدُ شيئًا.
وإن كان في أَيْدِيهم أَسْرَى من أهلِ العَدْلِ، وأعْطَوا بذلك رَهائِنَ منهم، قَبِلَهم الإِمامُ، واسْتَظْهَرَ للمسلمينَ، فإن أطْلَقوا أسْرَى المسلمين الذين عِندَهمِ أُطْلِقَتْ رَهائِنُهم، وإن قتَلُوا مَنْ عِندَهم لم يَجُزْ قَتْلُ رَهائِنهِم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلون بِقَتْلِ غَيْرِهم، فإذا انْقَضَتِ الْحَربُ خَلَّى الرَهائنَ كما تُخَلَّى الأسَارَى منهم.
وإن خافَ الإِمامُ على الفِئَةِ العادلَةِ الضَّعْفَ عنهم أَخَّرَ قِتالَهم إلى أنْ تُمْكِنَه القُوَّةُ عليهم؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ الاصْطِلامُ والاسْتِئْصالُ، فيُؤخِّرُهم حتى تَقْوَى شَوْكَةُ أهلِ العَدْلِ، ثم يُقَاتِلُهم.
وإن سَأَلُوه أن يُنْظِرَهم أبَدًا، ويدَعَهم وما هُمْ عليه، ويَكُفُّوا عن المسلمين، نَظَرْتَ، فإِن لم يَعْلَمْ قُوَّتَه عليهم، وخافَ قَهْرَهم له إن قاتَلَهم، تَرَكَهم، وإن قَوِيَ عليهم، لم يَجُزْ إقْرارُهم على ذلك؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يتركَ بعضُ المسلمين طاعةَ الإِمامِ، ولا تُؤْمَنُ قُوَّةُ شَوْكَتِهم، بحيثُ يُفْضِي إلى قَهْرِ الإِمام العادلِ ومَن معه.
ثم إنْ أمْكنَ دَفْعهُم بدونِ القَتْلِ لم يَجُزْ قَتْلُهم؛ لأنَّ المقصودَ دَفْعُهم، لا قَتْلُهم، ولأنَّ المقصودَ إذا حَصَلَ بدُونِ القَتْلِ لم يَجُز القَتْلُ من غيرِ حاجةٍ، وإن حَضَرَ معهم مَنْ لا يُقاتِلُ لم يَجُزْ قَتْلُه.
وقال أصحابُ الشافِعيِّ: فيه وَجْهٌ آخَرٌ، يجوزُ؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه، نَهَى أصحابَه عن قتلِ محمدِ بنِ طلحةَ السَّجَّادِ، وقال: إيَّاكم وصاحبَ البُرْنُسِ، فقتلَه رجلٌ، وأنشأ يقولُ:
وأشْعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ رَبِّه *** قليلِ الأذَى فيما تَرى العينُ مُسْلمِ
هَتَكْتُ له بالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِه *** فَخَرَّ صَرِيعًا لليدَيْنِ وللْفَمِ
على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعًا *** عَلِيًّا ومَنْ لم يَتْبَعِ الحقَّ يَظْلِمِ
يُناشِدُني حم والرُّمْحُ شَاجِرٌ *** فهلَّا تَلَا حم قبلَ التَّقَدُّمِ
وكان السَّجَّادُ حاملَ رايةِ أبيهِ، ولم يكُنْ يُقاتِلُ، فلم يُنْكِرْ عليٌّ قتْلَه، ولأنَّه صارَ رِدْءًا لهم.
ولَنا: قولُ اللَّه تعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } [النساء: 93].
والأخبارُ الواردةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المسْلمِ، والإِجماعُ على تحْريمِهِ، وإنما خُصَّ مِن ذلك ما حَصَلَ ضَرُورةَ دَفْعِ الباغِي والصائِلِ، ففيما عداهُ يَبْقَى على العُمومِ والإِجْماعِ فيه؛ ولهذا حَرُمَ قتلُ مُدْبِرهِم وأسيرِهم، والإِجْهَازُ على جَرِيحهِم، مع أنَّهم إنَّما تَركُوا القتالَ عَجْزًا عنه، ومتى ما قَدَرُوا عليه، عادُوا إليه، فَمنْ لا يُقاتِلُ تَوَرُّعًا عنه مع قُدْرَتِه عليه ولا يُخافُ منه القتالُ بعدَ ذلك أَوْلَى، ولأنَّه مُسْلِمٌ، لم يَحْتَجْ إلى دَفْعِه، ولا صدَر منه أَحدُ الثلاثَةِ، فلم يَحِلَّ دَمُه؛ لِقولِه عليه السلام: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإِحْدَى ثَلاثٍ". فأمَّا حديثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه في نَهْيهِ عن قتلِ السَّجَّادِ، فهو حُجَّةٌ عليهم، فإنَّ نَهْيَ عليٍّ رضي الله عنه أَوْلَى مِنْ فِعْلِ مَنْ خَالَفَه، ولا يَمْتَثِلُ قولَ اللَّه تعالى، ولا قولَ رسولِه، ولا قولَ إِمامِه.
وقولُهم: لم يُنْكِرْ قَتْلَه، قُلْنا: لم يُنْقَلْ إلينا أَنَّ عَلِيًّا عَلِمَ حَقِيقَةَ الحالِ في قَتْلِه، ولا حَضَرَ قَتْلَه، فيُنْكِرَه، وقد جاءَ أنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه، حينَ طافَ في القَتْلَى رآهُ، فقال: "السَّجَّادُ، ورَبِّ الكعبَةِ، هذا الذي قَتلَه بِرُّه بأبيه"، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَشْعُرْ بِقَتْلِه، ورأَى كَعْبَ بن سُورٍ، فقال: يَزْعُمونَ أَنَّما خَرَجَ إلينا الرِّعاعُ، وهذا الْحَبْرُ بينَ أظْهُرِهم!
ويجوزُ أن يكونَ تَرْكُه الإِنْكارَ عليهم؛ اجْتزاءً بالنَّهْيِ المتقدِّمِ؛ ولأَنَّ القَصْدَ من قتالِهِم كَفُّهم، وهذا كافٍ لنَفْسِه، فلم يَجُزْ قتلُه كالمُنْهَزِمِ.
الموسوعة الفقهية (3/ 247)
أحكام البغاة:
ما يجب على إمام المسلمين:
إمام المسلمين يجب أن يكون من الرجال، لا من النساء، فلن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة.
ويلزم الإمام حماية بلاد الإسلام، وحفظ الدين، وتنفيذ أحكام الله، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجباية الصدقات، والحكم بالعدل، وجهاد الأعداء، والدعوة إلى الله، ونشر الإسلام.
يجب على الإمام أن ينصح لرعيته، ولا يشق عليهم، وأن يرفق بهم في سائر أحوالهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". متفق عليه.