الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 118)
آداب ما قبل الأكل:
أولًا: من آداب الأكل السؤال عن الطعام إذا كان ضيفًا على أحد ولا يعرفه، ولا يطمئن إلى ما قد يقدمه إليه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأكل طعامًا حتى يحدث، أو يسمى له، فيعرف ما هو، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة رضي الله عنها، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبًّا محنوذًا قدمت به أختها حفيدة ابن الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قلما يقدم يده لطعام حتى يحدث به، ويسمى له، وأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما قدمتن له هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله يده عن الضب، قال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي.
وشرحه الزركشي فقال: قال ابن التين: إنما كان يسأل؛ لأن العرب كانت لا تعاف شيئًا من المآكل؛ لقلتها عندهم، وكان هو صلى الله عليه وسلم قد يعاف بعض الشيء؛ فلذلك كان يسأل.
ويحتمل أنه كان يسأل؛ لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يحرمون منها شيئًا، وربما أتوا به مشويًّا أو مطبوخًا فلا يتميز من غيره إلا بالسؤال عنه.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 118)
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 119)
رابعًا: التسمية قبل الأكل:
- تستحب التسمية قبل الأكل، والمراد بالتسمية على الطعام قول: "بسم الله" في ابتداء الأكل، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: "بسم الله"؛ فإن نسي في أوله فليقل: "بسم الله في أوله وآخره".
ويرى النووي أن الأفضل أن يقول المرء: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإن قال: "بسم الله" كفاه، وحصلت السنة؛ لما روى عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 119)
خامسًا: آداب الأكل أثناء الطعام وبعده:
أ - الأكل باليمين:
- ينبغي للمسلم أن يأكل بيمينه، ولا يأكل بشماله؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها".
وهذا إن لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع الأكل أو الشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال.
والحديث يشير إلى أن الإنسان ينبغي أن يتجنب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 119، 120)
ب - الأكل مما يليه:
- يسن أن يأكل الإنسان مما يليه في الطعام مباشرة، ولا تمتد يده إلى ما يلي الآخرين، ولا إلى وسط الطعام؛ لأن أكل المرء من موضع صاحبه سوء عشرة وترك مروءة، وقد يتقذره صاحبه، لا سيما في الأمراق وما شابهها؛ وذلك لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه".
وكذلك ما روي عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، قال: كنت غلامًا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، قال: فما زالت تلك طعمتي بعد.
إلا أنه إن كان الطعام تمرًا أو أجناسًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 120)
ج - غسل اليد بعد الطعام:
- تحصل السنة بمجرد الغسل بالماء، قال ابن رسلان: والأولى غسل اليد بالأشنان أو الصابون أو ما في معناهما؛ فقد أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان حساس لحاس؛ فاحذروا على أنفسكم، من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه".
هذا، والغسل مستحب قبل الأكل وبعده، ولو كان الشخص على وضوء.
وروى سلمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده"، قال الطيبي: المراد بالوضوء: تنظيف اليد بغسلها، وليس الوضوء الشرعي.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 120)
د - المضمضة بعد الطعام:
- المضمضة بعد الفراغ من الطعام مستحبة؛ لما روى بشير بن يسار، عن سويد بن النعمان رضي الله عنه، أنه أخبره أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالصهباء - وهي على روحة من خيبر - فحضرت الصلاة، فدعا بطعام فلم يجده إلا سويقًا فلاك منه، فلُكنا معه، ثم دعا بماء فمضمض، ثم صلى وصلينا ولم يتوضأ.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 120، 121)
هـ - الدعاء للمضيف:
- فقد روى أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وصلت عليكم الملائكة".
وعن جابر رضي الله عنه، قال: صنع أبو الهيثم بن النبهان رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، فدعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، فلما فرغوا قال: أثيبوا أخاكم، قالوا: يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: "إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فادعوا له، فذلك إثابته".
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 121)
و - الأكل بثلاثة أصابع:
- السنة الأكل بثلاثة أصابع، قال عياض: والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب، ولأنه غير مضطر لذلك؛ لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث.
وإن اضطر إلى الأكل بأكثر من ثلاثة أصابع لخفة الطعام وعدم تلفيقه بالثلاث يدعمه بالرابعة أو الخامسة، هذا إن أكل بيده، ولا بأس باستعمال الملعقة ونحوها، كما يأتي.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 121)
ز - أكل اللقمة الساقطة:
- إذا وقعت اللقمة فليمط الآكل عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان؛ لأنه لا يدري موضع البركة في طعامه، وقد يكون في هذه اللقمة الساقطة، فتركها يفوت على المرء بركة الطعام؛ لما روي عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طعم طعامًا لعق أصابعه الثلاث، وقال: "وإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان".
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 121)
ج - عدم الاتكاء أثناء الأكل:
- وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، قال الخطابي: المتكئ هنا: الجالس معتمدًا على وطاء تحته، كقعود من يريد الإكثار من الطعام. وسبب الحديث المذكور: قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه، قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا...
واختلف في صفة الاتكاء، لكن مرادهم أن الإكثار من الطعام مذموم، ومراده صلى الله عليه وسلم ذم فعل من يستكثر الطعام، ومدح من لا يأكل إلا البلغة من الزاد؛ ولذلك قعد مستوفزًا.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 121)
ط - التسوية بين الحاضرين على الطعام:
- فقد روي عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعض حجر نسائه، فدخل، ثم أذن لي فدخلت الحجاب عليها، فقال: هل من غداء؟ فقالوا: نعم، فأُتي بثلاثة أقرصة، فوضعن على نبي (مائدة من خوص)، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرصًا فوضعه بين يديه، وأخذ قرصًا آخر فوضعه بين يدي، ثم أخذ الثالث فكسره اثنين، فحمل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي، ثم قال: هل من أدم؟ قالوا: لا، إلا شيء من خل، قال: هاتوه، فنعم الأدم هو.
والتسوية بين الحاضرين على الطعام مستحبة، حتى لو كان بعض الحاضرين أفضل من بعض.
هذا، ومن آداب الأكل أثناء الطعام إكرام الخبز؛ لحديث عائشة رضي الله عنه مرفوعًا: "أكرموا الخبز"، وعدم البصاق والمخاط حال الأكل إلا لضرورة.
ومن آدابه كذلك: الأكل مع الجماعة، والحديث غير المحرم على الطعام، ومؤاكلة صغاره وزوجاته، وألا يخص نفسه بطعام إلا لعذر كدواء، بل يؤثرهم على نفسه فاخر الطعام، كقطعة لحم وخبز لين أو طيب.
وإذا فرغ ضيفه من الطعام ورفع يده قال صاحب الطعام: "كُلْ"، ويكررها عليه، ما لم يتحقق أنه اكتفى منه، ولا يزيد على ثلاث مرات، وأن يتخلل، ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال، بل يرميه.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 122)
آداب الأكل بعد الفراغ منه:
- يسن أن يقول الآكل ما ورد من حمد الله والدعاء بعد تمام الأكل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع مائدته قال: " الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربَّنا"، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعامًا غير اللبن قال: " اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه "، وإذا شرب لبنًا قال: " اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه ".
وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه".
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 123)
آداب عامة في الأكل:
أ - عدم ذم الطعام:
- روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.
والمراد: الطعام المباح، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه.
وذهب بعضهم إلى أنه إن كان العيب من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره؛ لأن صنعة الله لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب، والذي يظهر التعميم؛ فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: من آداب الطعام المتأكدة: ألا يعاب كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج، وغير ذلك.
قال ابن بطال: هذا من حسن الآداب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 123)
ب - استعمال الملاعق والسكاكين وأدوات الطعام:
- يجوز استعمال السكين وما في معناه؛ لخبر الصحيحين عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة في يده، فدعي إلى الصلاة، فألقاها والسكين التي يحتز بها، ثم قام فصلى ولم يتوضأ.
وأما خبر: "لا تقطعوا اللحم بالسكين" فقد سئل عنه الإمام أحمد فقال: ليس بصحيح.
وقال ابن مفلح: أما تقطيع الخبز بالسكين فلم أجد فيه كلامًا.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (6/ 123، 124)
ج - تحري الأكل من الحلال:
- قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه".
قال الشافعي رحمه الله: أصل المأكول والمشروب إذا لم يكن لمالك من الآدميين، أو أحله مالكه، أنه حلال إلا ما حرم الله عز وجل في كتابه، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم في كتاب الله عز وجل أن يحرم، ويحرم ما لم يختلف المسلمون في تحريمه، وكان في معنى كتاب أو سنة أو إجماع.
فإن قال قائل: فما الحجة في أن كل ما كان مباح الأصل يحرم بمالكه، حتى يأذن فيه مالكه؟
فالحجة فيه: أن الله عز وجل قال: { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29]، وقال تبارك وتعالى: { وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } [النساء: 4]، وقال تعالى: { وَءَاتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 2]، مع آي كثيرة في كتاب الله عز وجل حظر فيها أموال الناس إلا بطيب أنفسهم.
ومما روي في تحريم مال الغير بغير إذنه: ما ورد عن عمير مولى أبي اللحم، قال: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة، حتى أن دنونا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة، وخلفوني في ظهرهم، قال: فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة، فقالوا لي: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها؟ فدخلت حائطًا، فقطعت منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط، فأتى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: أيهما أفضل؟ فأشرت له إلى أحدهما، فقال: خذه، وأعطى صاحب الحائط الآخر، وأخلى سبيلي، وفي هذا دليل على أن الحاجة لا تبيح الإقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به أو بقيمته، ولو كان مما تدعو حاجة الإنسان إليه، فإنه هنا أخذ أحد ثوبيه، ودفعه إلى صاحب النخل.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (5/ 451، 462)
زجر الصبي إذا رئي قاصدًا المنكر: [أثناء الطعام]
• المراد بالمسألة:
أجمع المسلمون على أن الصبي يزجر إذا رئي قاصدًا لمنكر.
• من نقل الإجماع:
ابن القطان (628 هـ)، قال: "اتفق الجميع على أن الصبي يزجر إذا رئي قاصدًا فعل ما لا يجب، كما يزجر البالغ إذا قصد لذلك".
الموافقون على الإجماع:
الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
ويستدل على ذلك بالكتاب والسنة:
• أولًا: الكتاب:
قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 6].
• وجه الدلالة: قال ابن كثير: "أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة".
• ثانيًا: السنة:
حديث عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنهما- قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، فما زالت تلك طعمتي بعد.
• وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة في تأديب الصبي، وزجره عن فعل ما لا يجب.
كما يستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا.
النتيجة:
صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.
المغني - ابن قدامة - (10/ 211)
فصل: في آداب الطعام
يستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء، قال المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه، وإذا رفع"، رواه ابن ماجه.
وروى أبو بكر بإسناده، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم" يعني به: غسل اليدين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام وفي يده ريح غمر، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه"، رواه أبو داود.
ولا بأس بترك الوضوء؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الغائط، فأتي بطعام، فقال رجل: يا رسول الله، ألا آتيك بوضوء؟ قال: لا أريد الصلاة. رواه ابن ماجه.
وعن جابر رضي الله عنه، قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعب الجبل، وقد قضى حاجته، وبين أيدينا تمر على ترس أو جحفة، فدعوناه فأكل معنا، وما مس ماء". رواه أبو داود.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحتز من كتف شاة في يده، فدعي إلى الصلاة، فألقاها من يده، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ. رواه البخاري.
ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين؛ لهذا الحديث.
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه نهشًا؛ فإنه أهنأ وأمرأ"، قال: ليس بصحيح، واحتج بهذا الحديث الذي ذكرناه.
المغني - ابن قدامة - (10/ 212: 214)
فصل: وتستحب التسمية عند الأكل، وأن يأكل بيمينه مما يليه؛ لما روى عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، قال: كنت يتيمًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك". متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره".
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا ورجل يأكل، فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله قاء ما في بطنه"، رواهن أبو داود.
وعن عكراش بن ذؤيب رضي الله عنه، قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجفنة كثيرة الثريد والودك، فأقبلنا نأكل، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: "يا عكراش، كل من موضع واحد؛ فإنه طعام واحد"، ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب، فجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق، وقال: "يا عكراش، كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد". رواه ابن ماجه.
ولا يأكل من ذروة الثريد؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها".
وفي حديث آخر: "كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها، يبارك فيها"، رواهما ابن ماجه.
المغني - ابن قدامة - (10/ 214، 215)
فصل: ويستحب الأكل بالأصابع الثلاث، ولا يمسح يده حتى يلعقها.
قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها، فذهب إلى ثلاث أصابع، فذكرت له الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل بكفه كلها، فلم يصححه، ولم ير إلا ثلاث أصابع.
وقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. رواه الخلال بإسناده.
ويكره الأكل متكئًا؛ لما روى أبو جحيفة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا آكل متكئًا". رواه البخاري.
ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها؛ لما روينا، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها"، رواه أبو داود.
وعن نبيشة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة". رواه الترمذي.
وعن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقعت اللقمة من يد أحدكم فليمسح ما عليها من الأرض، وليأكلها". رواه ابن ماجه.
المغني - ابن قدامة - (10/ 215: 217)
فصل: ويحمد الله تعالى إذا فرغ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها". رواه مسلم.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين. رواه أبو داود.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا رفع طعامه: "الحمد لله كثيرًا، مباركًا فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه، ربنا".
وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه، من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه". رواهن ابن ماجه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل طعامًا، هو وأبو بكر وعمر، ثم قال: "من قال في أوله: بسم الله، وبركة الله، وفي آخره: الحمد لله الذي أطعم وأروى وأنعم وأفضل، فقد أدى شكره".
ويستحب الدعاء لصاحب الطعام؛ لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: صنع أبو الهيثم رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعامًا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما فرغ قال: "أثيبوا صاحبكم"، قالوا: يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: "إن الرجل إذا دخل بيته، وأكل طعامه، وشرب شرابه، فادعوا له، فذلك إثابته".
وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: فجاء بخبز وزيت، فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وصلت عليكم الملائكة". رواهما أبو داود.
المغني - ابن قدامة - (10/ 217، 218)
فصل: ولا بأس بالجمع بين طعامين؛ فإن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب.
ويُكره عيب الطعام؛ لقول أبي هريرة رضي الله عنه: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إذا اشتهى شيئًا أكله، وإن لم يشتهه تركه. متفق عليهما.
وإذا حضر فصادف قومًا يأكلون، فدعوه، لم يكره له الأكل؛ لما قدمنا من حديث جابر رضي الله عنه، حين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل معهم.
ولا يجوز أن يتحين وقت أكلهم، فيهجم عليهم ليطعم معهم؛ لقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } [الأحزاب: 53]،أي: غير منتظرين بلوغ نضجه.
وعن أنس رضي الله عنه، قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا في سكرجة، قال: فعلام كنتم تأكلون؟ قال: على السفر.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفس في الإناء.
وفي المتفق عليه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: "ولا يتنفس أحدكم في الإناء".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضعت المائدة فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة، ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ والقوم، وليعذر؛ فإن الرجل يخجل جليسه فيقبض يده، وعسى أن يكون له في الطعام حاجة". رواهن كلهن ابن ماجه.
المغني - ابن قدامة - (10/ 218، 219)
فصل: قال محمد بن يحيى: قلت لأبي عبد الله: الإناء يؤكل فيه، ثم تغسل فيه اليد؟ فقال: لا بأس.
وقيل لأبي عبد الله: ما تقول في غسل اليد بالنخالة؟ فقال: لا بأس به، نحن نفعله.
واستدل الخطابي على جواز ذلك بما روى أبو داود بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر امرأة أن تجعل مع الماء ملحًا، ثم تغسل به الدم من حيضة، والملح طعام، ففي معناه ما أشبهه، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب - محمد نجيب المطيعي - (16/ 405، 406)
فرع: في آداب الطعام
روي عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده" يريد بذلك: غسل اليد.
وروت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حضر الأكل إلى أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره".
وروى أبو جحيفة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل أحدكم فلا يأكل من أعلى القصعة، وإنما يأكل من أسفلها؛ فان البركة تنزل في أعلاها".
وروى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله؛ فان الشيطان يفعل ذلك".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.
وروى أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرضى على العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها".
ويستحب أن يدعو لصاحب الطعام؛ لما روى ابن الزبير رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عند سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: "أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، وأكل طعامَكم الأبرارُ"، والله تعالى الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.