الموسوعة الفقهية الكويتية (4/ 152).
شروط استيفاء القصاص:
استيفاء القصاص في النفس:
يشترط لاستيفاء القصاص في النفس: أن يكون الولي كامل الأهلية، فقد اتفق الفقهاء على أن ولي القصاص إذا كان كامل الأهلية واحدًا كان أو أكثر أن له طلب القصاص واستيفاءه، فإن طلبه أجيب إليه، ثم إن كان واحدًا أجيب إليه إذا طلبه مطلقًا، وإذا كانوا متعددين أجيبوا إليه إذا طلبوه جميعًا، فإذا أسقطه أحدهم سقط القصاص، كما تقدم.
فإذا كان ولي القصاص قاصرًا، أو كانوا متعددين، بعضهم كامل الأهلية وبعضهم ناقص الأهلية، فذهب الشافعية وأحمد في الظاهر والصاحبان من الحنفية إلى أنه ينتظر الصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق؛ لأنه ربما يعفو فيسقط القصاص؛ لأن القصاص عندهم يثبت لكل الورثة على سبيل الاشتراك؛ ولأن القصاص للتشفي، فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، فلا يحصل باستيفاء غيره من ولي أو حاكم أو بقية الورثة، إلا أنه يحبس القاتل حتى البلوغ والإفاقة، ولا يخلى بكفيل؛ لأنه قد يهرب فيفوت الحق.
وعند أبي حنيفة، وهو الصحيح في المذهب: يكون لكاملي الأهلية وحدهم حق طلب القصاص؛ لأن القصاص ثابت لكل منهم كاملًا - عنده - على سبيل الاستقلال، فإذا طلبوه أجيبوا إليه، ولا عبرة بالآخرين ناقصي الأهلية؛ لأن عفوهم لا يصح.
وذهب المالكية إلى أنه لا ينتظر صغير لم يتوقف الثبوت عليه، ولا ينتظر مجنون مطبق لا تعلم إفاقته، بخلاف من يفيق أحيانًا فتنتظر إفاقته.
فإذا كان أحد الأولياء كاملي الأهلية غائبًا انتظرت عودته بالاتفاق؛ لأن له العفو فيسقط به القصاص، ولأن القصاص للتشفي، كما سبق.
الموسوعة الفقهية الكويتية (4/191-192).
شروط استيفاء القصاص: أن يؤمن التعدي.
الإسراف في القصاص:
اتفق الفقهاء على أن مبنى القصاص على المساواة، فلا يجوز فيه الإسراف والزيادة، قال الله تعالى: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [الإسراء: 33]، قال المفسرون في تفسير هذه الآية: لا يسرف في القتل، أي: لا يتجاوز الحد المشروع فيه، فلا يقتل غير قاتله، ولا يمثل بالقاتل كعادة الجاهلية؛ لأنهم كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، وإذا قتل من ليس شريفًا لم يقتلوه، وقتلوا به شريفًا من قومه، فنهي عن ذلك.
وصرح الفقهاء أنه إذا وجب القصاص على حامل لم تقتل حتى تضع حملها، وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي ولدها اللبأ، فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى يجيء أوان فطامه؛ لما ورد في الحديث: "إذا قتلت المرأة عمدًا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها"، ولأن في قتل الحامل قتلًا لولدها، فيكون إسرافًا في القتل، والله سبحانه قال: { فَلَا يُسْرفْ فِي الْقَتْلِ } [الإسراء: 33]، ولأن في القصاص من الحامل قتلًا لغير الجاني وهو محرم؛ إذ { لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [النجم: 38].
ونشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحل والمقدار والصفة، بألا يكون العضو المقتص منه أحسن حالًا من العضو التالف، وإلا يعتبر إسرافًا كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، وإذا قتل من ليس شريفًا لم يقتلوه، وقتلوا به شريفًا من قومه، فنهي عن ذلك.
وصرح الفقهاء أنه إذا وجب القصاص على حامل لم تقتل حتى تضع حملها، وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي ولدها اللبأ، فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها، حتى يجيء أوان فطامه؛ لما ورد في الحديث: "إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها"، ولأن في قتل الحامل قتلًا لولدها، فيكون إسرافًا في القتل، والله سبحانه قال: { فلا يسرف في القتل } ، ولأن في القصاص من الحامل قتلًا لغير الجاني، وهو محرم؛ إذ { لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [النجم: 38].
ونشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحل والمقدار والصفة، بألا يكون العضو المقتص منه أحسن حالًا من العضو التالف، وإلا يعتبر إسرافًا منهيًّا عنه، فلا تؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، ولا رجل صحيحة برجل شلاء، ولا تؤخذ يد كاملة بيد ناقصة؛ لأنه ليس للمجني عليه أن يأخذ فوق حقه، ولو وجب له قصاص في أنملة فقطع أنملتين، فإن كان عامدًا وجب عليه القصاص في الزيادة، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء.
ولكي يؤمن الإسراف والتعدي، صرح الفقهاء أنه لا يستوفى القصاص فيما دون النفس إلا بحضرة السلطان أو نائبه؛ لأنه يفتقر إلى اجتهاده، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي، ويلزم ولي الأمر تفقد آلة الاستيفاء، والأمر بضبط المقتص منه في غير النفس؛ حذرًا من الزيادة واضطرابه، وإذا سلم الحاكم القاتل لولي الدم ليقتله نهى الحاكم الولي عن التمثيل بالقاتل والتشديد عليه في قتله.
وفي قصاص الأطراف يشترط إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة، بأن يكون القطع من مفصل، فإن كان القطع من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع؛ حذرًا من الإسراف.
ولأن الجرح الذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيف ولا زيادة هو كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة، اتفقت كلمة الفقهاء على أن فيها القصاص، واتفقوا كذلك على عدم القصاص فيما بعد الموضحة؛ لأنه يعظم فيه الخطر، أما في غيرها من الجروح فاختلفوا في ذلك؛ لاحتمال الزيادة والحيف؛ خوفًا من الإسراف، ولو زاد المقتص عمدًا في موضحة على حقه لزمه قصاص الزيادة لتعمده، كما نصوا على ذلك.
المغني -ابن قدامة- (8/ 352-353).
شروط استيفاء القصاص:
إن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين، لم يجب عليه قصاص، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الأخير: عليه القصاص؛ لأنه ممنوع من قتله، وبعضه غير مستحق له، وقد يجب القصاص بإتلاف بعض النفس؛ بدليل ما لو اشترك الجماعة في قتل واحد.
ولنا: أنه مشارك في استحقاق القتل، فلم يجب عليه القصاص، كما لو كان مشاركًا في ملك الجارية ووطئها، ولأنه محل يملك بعضه، فلم تجب العقوبة المقدرة باستيفائه كالأصل.
ويفارق إذا قتل الجماعة واحدًا، فإنا لا نوجب القصاص بقتل بعض النفس، وإنما نجعل كل واحد منهم قاتلًا لجميعها، وإن سلمنا وجوبه عليه لقتله بعض النفس، فمن شرطه المشاركة لمن فعله، كفعله في العمد والعدوان، ولا يتحقق هاهنا.
إذا ثبت هذا، فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية؛ لأن حقه من القصاص سقط بغير اختياره، فأشبه ما لو مات القاتل أو عفا بعض الأولياء، وهل يجب ذلك على قاتل الجاني، أو في تركة الجاني؟ فيه وجهان، وللشافعي قولان، أحدهما: يرجع على قاتل الجاني؛ لأنه أتلف محل حقه، فكان الرجوع عليه بعوض نصيبه، كما لو كانت له وديعة فأتلفها، والثاني: يرجع في تركة الجاني، كما لو أتلفه أجنبي، أو عفا شريكه عن القصاص، وقولنا: أتلف محل حقه، يبطل بما إذا أتلف مستأجره أو غريمه أو امرأته، أو كان المتلف أجنبيًّا، ويفارق الوديعة، فإنها مملوكة لهما، فوجب عوض ملكه، أما الجاني فليس بمملوك للمجني عليه، وإنما له عليه حق، فأشبه ما لو قتل غريمه، فعلى هذا يرجع ورثة الجاني على قاتله بدية مورثهم إلا قدر حقه منها، فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله، مثل امرأة قتلت رجلًا له ابنان، فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر، فللآخر نصف دية أبيه في تركة المرأة التي قتلته، ويرجع ورثتها بنصف ديتها على قاتلها، وهو ربع دية الرجل.
وعلى الوجه الأول، يرجع الابن الذي لم يقتل على أخيه بنصف دية المرأة؛ لأنه لم يفوت على أخيه إلا نصف المرأة، ولا يمكن أن يرجع على ورثة المرأة بشيء؛ لأن أخاه الذي قتلها أتلف جميع الحق، وهذا يدل على ضعف هذا الوجه، ومن فوائده أيضًا: صحة إبراء من حكمنا بالرجوع عليه، وملك مطالبته، فإن قلنا: يرجع على ورثة الجاني. صح إبراؤهم، وملكوا الرجوع على قاتل موروثهم بقسط أخيه العافي، وإن قلنا: يرجع على تركة الجاني، وله تركة، فله الأخذ منها، سواء أمكن ورثته أن يستوفوا من الشريك، أو لم يمكنهم. وإن قلنا: يرجع على شريكه لم يكن له مطالبة ورثة الجاني، سواء كان شريكه موسرًا أو معسرًا.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 452-453).
شروط استيفاء القصاص:
إذا وجب القصاص على امرأة حامل لم يجز قتلها قبل أن تضع؛ لقوله تعالى: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } [الإسراء: 33]، وفي قتلها في هذه الحالة إسراف؛ لأنه يقتل من قتل، ومن لم يقتل؛ لحديث عمران بن الحصين رضي الله عنه، أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها زنت وهي حبلى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم وليها أن يحسن إليها حتى تضع، فلما وضعت جيء بها فرجمت، وأمرهم فصلوا عليها.
وروى أن عمر رضي الله عنه، أمر بقتل امرأة بالزنا وهي حامل، فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على ما في بطنها"، يعني: حملها، فترك عمر قتلها، وقال: كاد النساء أن يعجزن أن يلدن مثلك يا معاذ.
فإذا ثبت هذا، فولدت؛ لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ لأنه لا يعيش إلا به، فإذا سقته اللبأ نظرت، فإن لم توجد امرأة راتبة ترضعه، وإنما وجد جماعة نساء يتناوبنه في الرضاع، أو وجدت بهيمة يسقى من لبنها، فالمستحب ألا يقتص حتى ترضعه أمه حولين؛ لأن على الولد ضررًا باختلاف لبن المرضعات، ولبن البهيمة يغير طبعه، فإن اقتص منها جاز؛ لأن بدنه يقوم بذلك، فإن لم يوجد من يرضعه، ولا وجدت بهيمة يسقى لبنها لم يجز للولي أن يقتص منها إلى وقت يستغني عن لبنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعامرية: "اذهبي حتى ترضعيه"، ولأنه إذا وجب تأخير القصاص لأجله وهو حمل، فلأن يجب تأخيره لأجله بعد الوضع أولى.
قال الشيخ أبو حامد: قال أصحابنا: فإن خالف الولي واقتص من الأم في هذه الحالة، ثم مات الطفل فهو قاتل عمد، وعليه القود؛ لأنه بمثابة من حبس رجلًا ومنعه الطعام والشراب حتى مات، فإنه قاتل عمد، ويجب عليه القود، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: إذا وجد من ترضعه فإن كان القتل لله؛ كالرجم في الزنا؛ لم تقتل حتى تنقضي مدة الرضاع، وإن كان للآدمي قتلت.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 477-478).
شروط استيفاء القصاص:
إذا كان القصاص لجماعة، فعفا بعضهم عن القود؛ سقط القود عن القاتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية"، وهؤلاء لم يحبوا؛ لأن فيهم من لم يحب.
وروى أن رجلًا قتل رجلًا، وأراد ورثة المقتول أن يقتصوا، فقالت زوجة القاتل، وكانت أخت المقتول: قد عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر رضي الله عنه: "نجا من القتل"، وكذلك روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولا مخالف لهما في الصحابة، فدل على أنه إجماع، ولأن القصاص يقع مشتركًا لا يتبعض، فإذا سقط بعضه سقط الجميع، وينتقل حق الباقين إلى الدية؛ لما ورد أن رجلًا دخل على امرأته، فوجد معها رجلًا فقتلها، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت، فقضى عمر لسائرهم بالدية، ولأن حقهم سقط من القصاص بغير اختيارهم، فانتقل حقهم إلى البدل مع وجوده، كما ينتقل حق الشريك في العبد إذا أعتقه شريكه إلى القيمة.
الموسوعة الفقهية الكويتية (33/ 271-272).
أولياء الدم هم:
ولي القصاص في النفس:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القصاص حق المجني عليه أولًا؛ لأن الجناية وقعت عليه، فكان الجزاء حقه، وعلى ذلك فإذا عفا المجني عليه بشروطه سقط القصاص، فإذا مات المجني عليه من غير عفو؛ انتقل القصاص إلى الورثة على سبيل الاشتراك بينهم، كل منهم حسب حصته في التركة، يستوي فيهم العاصب وصاحب الفرض، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، فإذا مات مدينًا بدين مستغرق، أو مات لا عن تركة فالقصاص لورثته أيضًا وإن لم يرثوا شيئًا؛ لأن فيهم قوة الإرث، وأنه لو كان له مال زائد عن الدين لورثوه منه، فكذلك القصاص.
وقال أبو حنيفة: المقصود من القصاص هو التشفي، وأنه لا يحصل للميت، ويحصل لورثته، فكان حقًّا لهم ابتداء، وثبت لكل واحد منهم على الكمال لا على الشركة، ولا يمنع ذلك أن للميت فيه حقًّا حتى يسقط بعفوه.
وذهب المالكية إلى أن استيفاء القصاص لعصبة المجني عليه الذكور فقط، سواء كانوا عصبة بالنسب كالابن، أو بالسبب كالولاء، فلا دخل فيه لزوج، ولا أخ لأم، أو جد لأم، يقدم فيه الابن، ثم ابن الابن، ويقدم الأقرب من العصبات على الأبعد، إلا الجد، فإنه يكون له مع الإخوة، بخلاف الأب، والمراد بالعصبة هنا: العصبة بنفسه؛ لاشتراط الذكورة فيه، فلا يستحقه عصبته بغيره أو مع غيره.
إلا أن المالكية نصوا على أن القصاص يكون للنساء بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون من ورثة المجني عليه، كالبنت والأخت.
والثاني: أن لا يساويهن عاصب، فإن ساواهن فلا قصاص لهن، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ؛ فإنه لا حق لهما في القصاص، والحق فيه للابن وحده، وللأخ وحده.
والشرط الثالث: أن تكون المرأة الوارثة ممن لو ذكرت عصبت، كالبنت والأخت الشقيقة أو لأب، فأما الزوجة والجدة لأم والأخت لأم... فلا قصاص لهن مطلقًا.
فإذا كان للمجني عليه وارث من النساء، وعصبته من الرجال أبعد منهن، كان حق استيفاء القصاص لهن وللعصبة الأبعد منهن.
وقد اتفق الفقهاء على أن لكل من الأولياء المنفردين والمتعددين توكيل واحد منهم أو من غيرهم في استيفاء القصاص.
والتفصيل في مصطلح (وكالة).
وللأب حق استيفاء القصاص عن ابنه عند الحنفية؛ لولايته عليه، أما غير الأب من أولياء النفس كالأخ والعم فله ذلك أيضًا عند أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف.
أما الوصي فليس له استيفاء القصاص عن القاصر المشمول بوصايته؛ لأن الوصاية على المال فقط، وليس القصاص منه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الولي لا يستوفي القصاص عمن يلي عليه، أبًا أو غيره.
فإذا لم يكن للمقتول وارث ولا عصبة، كان حق استيفاء القصاص للسلطان عند الجمهور؛ لولايته العامة، وقال أبو يوسف: لا ولاية للسلطان في استيفاء القصاص إذا كان المقتول في دار الإسلام.
وقال المالكية: حق القصاص للسلطان، وليس له أن يعفو.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 440-441).
أولياء الدم هم:
قال الشافعي رضي الله عنه: ولم يختلفوا في أن العقل موروث كالمال.
وجملة ذلك: أنه إذا قتل رجل رجلًا خطأً أو عمدًا، وعفي عنه على المال، فإن الدية تكون لجميع ورثة المقتول؛ لقوله تعالى: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } [النساء: 92]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن قَتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية"، لا فرق بين الذكران والإناث، إجماعًا لا خلاف فيه.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه، أنه لم يورث المرأة من دية زوجها، فقال له الضحاك بن سفيان: كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورثَ امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر رضي الله عنه.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يتوارث ملتان شتى، وترث المرأة من دية زوجها".
قال المصنف: ويُقضَى من الدية دينه، وتنفذ منه وصاياه.
وقال أبو ثور: لا يُقضى منها دينه، ولا تنفذ وصاياه.
والذي يقتضي المذهب: أن يبنى على القولين، متى تجب الدية؟
فإن قلنا بآخر جزء من أجزاء حياة المقتول؛ قضي منها دينه، ونفذت منها وصاياه.
وإن قلنا: يجب بعد موته؛ لم يقض منها دينه، ولم تنفذ منها وصاياه.
ولعله ذكر ذلك على الأصح عنده.
وأما إذا كان القتل يقتضي القصاص؛ فإن القصاص موروث، وفيمن يرثه من الورثة ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ، أحدها: أنه لا يرثه إلا العصبة من الرجال، وبه قال مالك والزهري؛ لأن القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات كولاية النكاح، فإن اقتصوا فلا كلام، وإن عفوا على مال؛ كان لجميع الورثة، والثاني: أنه يرثه من يرث بنسب دون سبب، فيخرج بذلك من يرث بالزوجية، وبه قال ابن شبرمة؛ لأن القصاص يراد للتشفي، والزوجية تزول بالموت، والثالث، وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخان أبو إسحاق الإسفراييني وأبو حامد المروروذي غيره؛ أنه يرثه جميع الورثة، من يرث بنسب، ومن يرث بسبب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعدُ قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وان أحبوا أخذو الدية"، والأهل: لغة تقع على الرجال والنساء، ولأنه يجعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أن الدية لجميع الورثة، فكذلك القود.
وروت عائشة رضي الله عنها، "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل القتيل أن ينحجزوا الأول فالأول، وإن كانت امرأة"، رواه أبو داود والنسائي.
قال أبو عبيد: معنى "أن ينحجزوا": يكفوا عن القصاص، ولو لم يكن للمرأة حق في القصاص لما جعل لها الكف عنه.
وروي أن رجلًا قتل رجلًا، فأراد أولياء الدم القود، فقالت أخت المقتول، وكانت زوجة القاتل: عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر رضي الله عنه: "الله أكبر، عتق من القتل".
الموسوعة الفقهية الكويتية (33/ 273-274).
هل ينتظر بالصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق؟
إذا كان ولي الدم واحدًا أو أكثر، وكانوا جميعًا عقلاء بالغين حاضرين، وطلبوا الاستيفاء أجيبوا.
أما إذا كان ولي الدم واحدًا صغيرًا أو مجنونًا، فقد ذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول للحنفية، إلى أنه ينتظر البلوغ أو الإفاقة؛ لاحتمال العفو آنئذ.
وذهب المالكية إلى أنه لا ينتظر، بل الاستيفاء لولي الصغير، والقيم على المجنون.
والقول الآخر للحنفية: أن الذي يستوفي القصاص في هذه الحال هو القاضي.
وللحنفية قول ثالث بأن الولي إذا كان أبًا أو جدًّا يستوفي القصاص عن الصغير، وليس ذلك للوصي.
أما إذا تعدد أولياء الدم، وكان فيهم كبار وصغار، فقد ذهب الشافعية وأبو يوسف، وهو رواية عن أحمد، إلى أنه ينتظر بلوغ الصغير.
وذهب المالكية وأبو حنيفة، وهو الرواية الثانية عن أحمد، إلى أنه يستوفيه الكبار.
أما إن كان بعض الأولياء غائبين؛ فإن انتظارهم واجب عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وفصل المالكية فقالوا: ينتظر الغائب إن كانت غيبته قريبة، دون الغائب غيبة بعيدة، وكذلك المجنون جنونًا غير مطبق فإنه ينتظر.
موسوعة الإجماع (11/143-145).
هل ينتظر بالصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق؟
وجوب تأخير استيفاء القصاص إلى البلوغ، إذا كان الأولياء كلهم صغارًا، وليس لهم أب:
• المراد من المسألة:
أن الفقهاء متفقون على أن أولياء القتيل إذا كانوا صغارا كلهم، وليس لهم أب؛ فإن القصاص يجب تأخيره إلى حين بلوغهم، ولا يجوز لأحد أن ينوب عنهم.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام المرداوي (ت 885 هـ): "(ويشترط له ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون مستحقه مكلفًا، فإن كان صبيًّا أو مجنونًا؛ لم يجز استيفاؤه، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون) بلا نزاع في الجملة".
0 وقال الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ): "وأما إذا كان ولي الدم صغيرًا؛ انتظر بلوغه إجماعًا".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الشافعية.
• مستند الإجماع:
1- قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "من قتل له قتيل فأهله بين خِيَرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية".
• وجه الدلالة: أنه أضاف القتل إلى اختيار جميع الأهل، والصغير من جملتهم، فإذا لم يوجد منه الاختيار لم يجز القتل.
2- أن القصد من القصاص: التشفي ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي.
3- أن الولي لا يملك إيقاع الطلاق بزوجة الصغير، فلا يملك استيفاء القصاص له.
• من خالف الإجماع:
1- ذهب بعض الحنفية إلى أن الأولياء إذا كانوا صغارًا فإن السلطان أو القاضي ينوب عنهم في استيفاء القصاص، وذهب آخرون إلى أنه ينتظر إلى بلوغهم، أو بلوغ أحدهم.
2- وذهب المالكية، وابن حزم من الظاهرية إلى جواز استيفاء الولي القصاص عن الصغير، سواء كان الولي أبًا أو غير ذلك.
وحجة المالكية: أن انتظار بلوغ الصبي يطول، وبذلك تضيع الدماء وتبطل.
وحجة ابن حزم: أن القود حق قد وجب بلا شك، ولا تجب الدية إلا برضا الوارث، وهو هنا الصبي الذي لم يبلغ، والصبي لا رضا له، فأصبح أخذ القود هنا واجب بكل حال، يأخذه له الولي.
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
موسوعة الإجماع (11/143-145).
هل ينتظر بالصغير حتى يكبر والمجنون حتى يفيق؟
وجوب تأخير القصاص إلى حضور الغائب من الأولياء.
• المراد من المسألة:
أن الفقهاء متفقون على أنه إذا قُتل شخص، وله وليّان حاضر وغائب، فأقام الحاضر البينة على القتل؛ لا يقتل القاتل قصاصًا حتى يعود الغائب.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الماوردي (ت 450 هـ): "أما إذا كان ورثة القتيل أهل رشد، لا ولاية على واحد منهم، فليس لبعضهم أن ينفرد بالقود دون شركائه، وعليه أن يستأذن من حضر، وينتظر من غاب، وهذا متفق عليه".
0 وقال الإمام ابن هُبيرة (ت 560 هـ): "واتفقوا على أنه إذا كان الأولياء صغارًا أو غُيَّبًا فإنه يؤخر القصاص...، فإن كان فيهم صغار أو غُيّبٌ أو مجنون، فقالوا كلهم: إن الغائب يُؤخَّر القصاص لأجله حتى يقدم".
0 وقال الإمام العِمراني (ت 558 هـ): "فإن كان القصاص لجماعة، وبعضهم حاضر وبعضهم غائب؛ لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب، بلا خلاف".
0 وقال الإمام ابن نُجيم (ت 970 هـ): "وأجمعوا على أنه لا يقضي بالقصاص ما لم يحضر الغائب".
0 وقال الإمام قاضي صَفَد (ت بعد 780 هـ): "اتفق الأئمة على أن القصاص يؤخر في مسألة الغائب".
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين، فإن كان بعضهم غائبًا انتظر قدومه، ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء بغير خلاف علمناه".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية.
• مستند الإجماع:
1- أن في استيفاء الحاضر القصاص افتئات على ما ليس بحق له؛ لاحتمال العفو من الغائب.
2- أن في اشتراط حضور الغائب رجاء العفو منه عند معاينة حلول العقوبة بالقاتل.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية؛ حيث لا يرى وجوب انتظار قدوم الغائب.
وحجته: أن القصاص حق قد وجب بيقين، فأخذه واجب على كل حال، يأخذه الولي الحاضر أو السلطان إن لم يكن هناك ولي.
وحكي في مذهب الحنابلة رواية، واختلف في ثبوتها، قال الزركشي الحنبلي (ت 772 هـ): "وحكى ابن حِمدان في رعايته الصغرى رواية بأن من حضر له الاستيفاء وعمّمها، وخصّها الشيخان ومن رأينا كلامه بالصبي والمجنون، وجعلوا الغائب أصلًا قاسوا عليه المذهب.
0 وقال المرداوي: "وحكى في الرعايتين ومن تابعه رواية: بأن للحاضر مع عدم العفو القصاص كالرواية التي في الصغير والمجنون الآتية، ولم نرها لغيره.
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
المغني -ابن قدامة- (8/ 349-351).
هل ينتظر بالصغير حتى يكبر والمجنون حتى يفيق؟
مسألة: قال: (وإذا قتل وله وليان؛ بالغ، وطفل أو غائب، لم يقتل، حتى يقدم الغائب ويبلغ الطفل).
وجملته: أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد، لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين، فإن كان بعضهم غائبًا، انتظر قدومه، ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء، بغير خلاف علمناه، وإن كان بعضهم صغيرًا أو مجنونًا، فظاهر مذهب أحمد - رحمه الله - أنه ليس لغيرهما الاستيفاء حتى يبلغ الصغير، ويفيق المجنون، وبهذا قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله.
وعن أحمد رواية أخرى: للكبار العقلاء استيفاؤه، وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة؛ لأن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قتل ابن ملجم قصاصًا، وفي الورثة صغار، فلم ينكر ذلك، ولأن ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير هذه الولاية.
ولنا: أنه قصاص غير متحتم، ثبت لجماعة معينين، فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالًا، كما لو كان بين حاضر وغائب، أو أحد بَدَلَي النفس، فلم ينفرد به بعضهم كالدية، والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور:
أحدها: أنه لو كان منفردًا لاستحقه، ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردًا، كولاية النكاح.
والثاني: أنه لو بلغ لاستحق، ولو لم يكن مستحقًّا عند الموت لم يكن مستحقًّا بعده، كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه.
والثالث: أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقًّا للقصاص لما استحق بدله، كالأجنبي.
والرابع: أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقًّا لم يرثه، كسائر ما لم يستحقه، فأما ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله بكفره؛ لأنه قتل عليًّا مستحلًّا لدمه، معتقدًا كفره، متقربًا بذلك إلى الله تعالى، وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد، وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، وهو إلى الإمام، والحسن هو الإمام؛ ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة، ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم، وإن قدر أنه قتله قصاصًا، فقد اتفقنا على خلافه، فكيف يحتج به بعضنا على بعض؟!
فصل: كان الوارث واحدًا صغيرًا
فصل: وإن كان الوارث واحدًا صغيرًا، كصبي قتلت أمه، وليست زوجة لأبيه، فالقصاص له، وليس لأبيه ولا غيره استيفاؤه، وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: له استيفاؤه، وكذلك الحكم في الوصي والحاكم، في الطرف دون النفس.
وذكر أبو الخطاب في موضع في الأب روايتين، وفي موضعٍ وجهين، أحدهما: كقولنا؛ لأن القصاص أحد بدلي النفس، فكان للأب استيفاؤه، كالدية.
ولنا: أنه لا يملك إيقاع الطلاق بزوجته، فلا يملك استيفاء القصاص له، كالوصي، ولأن القصد التشفي ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي.
ويخالف الدية؛ فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب له، فافترقا، ولأن الدية إنما يملك استيفاءها إذا تعينت، والقصاص لا يتعين، فإنه يجوز العفو إلى الدية، والصلح على مال أكثر منها وأقل، والدية بخلاف ذلك.
فصل: يحبس القاتل عند تأخير الاستيفاء
فصل: وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء، فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ويقدم الغائب، وقد حبس معاوية -رضي الله عنه- هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، في عصر الصحابة، فلم ينكر ذلك، وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص -رضي الله عنهم- لابن القتيل سبع ديات، فلم يقبلها.
فإن قيل: فلم لا يُخلَّى سبيله، كالمعسر بالدين؟ قلنا: لأن في تخليته تضييعًا للحق، فإنه لا يؤمن هربه.
والفرق بينه وبين المعسر من وجوه:
أحدها: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار، فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص هاهنا واجب، وإنما تعذر المستوفي.
الثاني: أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين، فلا يفيد، بل يضر من الجانبين، وها هنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس.
الثالث: أنه قد استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت نفسه جاز تفويت نفعه؛ لإمكانه.
فإن قيل: فلم يحبس من أجل الغائب، وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفًا رشيدًا؛ ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبًا لم يملك انتزاعه؟ قلنا: لأن في القصاص حقًّا للميت، وللحاكم عليه ولاية؛ ولهذا تنفذ وصاياه من الدية، وتقضى ديونه منها، فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئًا غصبًا، والوارث غائب، فإنه يأخذه.
ولو كان القصاص لحي في طرفه لم يتعرض لمن هو عليه، فإن أقام القاتل كفيلًا بنفسه ليخلي سبيله، لم يجز؛ لأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به كالحد، ولأن فيه تغريرًا بحق المولى عليه، فإنه ربما خلى سبيله فهرب، فضاع الحق.
المجموع شرح المهذب -تكملة- (18/ 443-444).
هل ينتظر بالصغير حتى يكبر والمجنون حتى يفيق؟
إذا كان القصاص لصغير أو مجنون أو لغير رشيد لم يستوف الولي له، وبه قال أحمد وأبو يوسف.
وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد: يجوز للأب والجد أن يستوفى له القصاص في النفس والطرف، ويجوز للوصي والحاكم أن يستوفى إلا في الطرف دون النفس.
دليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية"، فجعل الخيرة للأهل، فلو جعلنا للولي استيفاءه لفوتنا ما خير فيه، ولأنه لا يملك إيقاع طلاق زوجته، فلا يملك استيفاء القصاص في النفس، كالوصي.
فإذا ثبت هذا؛ فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويصلح المفسد؛ لأن في ذلك مصلحة للقاتل بأن يعيش إلى مدة ويتأخر قتله، وفيه مصلحة لولى المقتول؛ لئلا يهرب القاتل، ويفوت القصاص، فإن أراد الولي أن يعفو عن القود على مال، فإن كان المولى عليه له كفاية لم يجز، وإن كان محتاجًا إلى ذلك المال للنفقة ففيه وجهان، أحدهما: يجوز؛ لأنه محتاج إلى ذلك، والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يملك استيفاء حقه من القصاص، ونفقته في بيت المال، وإن وثب الصبي أو المجنون فاقتص فهل يصير مستوفيًا؟ فيه وجهان، أحدهما: يصير مستوفيًا، كما لو كانت له وديعة فأتلفها، والثاني: لا يصير مستوفيًا، وهو الأصح؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، وإن كان القصاص لغائب حبس القاتل إلى أن يقدم، كما قلنا فيه إذا كان لصغير أو مجنون، فإن قتل فهلا قلتم: لا يحبس للغائب؛ لأنه لا ولاية للحاكم على الغائب، كما لو كان لغائب مال مغصوب، فليس للحاكم أن يحبس الغائب، وينزع ماله المغصوب؟ فالجواب: أن القود ثبت للميت، وللحاكم على الميت ولاية، وليس كذلك الغالب إذا غصب ماله؛ لأنه لا ولاية له عليه، وهو رشيد، فوزانه أن يموت رجل، ويخلف مالًا وله وارث غائب، فجاء رجل وغصب ماله فللأم حبس الغاصب إلى أن يقدم الغائب.
فرع:
فإن كان القصاص لجماعة، وبعضهم حاضر وبعضهم غائب؛ لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب بلا خلاف، وإن كان الخلاف بين صغير وكبير أو بين عاقل ومجنون؛ لم يجز للكبير، والعاقل أن يستوفي القصاص حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ويأذن في الاستيفاء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو يوسف، وأحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز للكبير والعاقل أن يستوفي قبل بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، إلا أن أصحاب أبي حنيفة اختلفوا فيما يستوفيه، فمنهم من قال: يستوفي حقه وحق الصغير والمجنون، ومنهم من قال: يستوفي حقه، ويسقط حق الصغير والمجنون.
دليلنا: أنه قصاص موروث، فوجب أن لا يختص باستيفائه بعض ورثته، كما لو كان لحاضر وغائب وإذا ثبت هذا فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصغير، ويفيق المجنون، وقد حبس معاوية -رضي الله عنه- هدبة بن خشرم في قصاص حتى يبلغ ابن القتيل، وذلك في عصر الصحابة -رضوان الله عليهم- فلم ينكر ذلك.
وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص - رضي الله عنهم - لابن القتيل سبع ديات، فلم يقبلها.
فإن قيل: لم لا يخلَّى سبيله، كالمعسر بالدين.
قلنا: لأن تخليته تضييع، فإنه لا يؤمن هربه.
والفرق بينه وبين المعسر من وجوه:
1- أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار، فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص ههنا واجب، وإنما تعذر المستوفي.
2- أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين، فلا يفيد، بل يضر من الجانبين، وهاهنا الحق نفسه يفوت بالتخلية، لا بالحبس.
3- إنه قد استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت نفسه؛ جاز تفويت نفعه لإمكانه.
فإن قيل: فلم يحبس من أجل الغائب، وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفًا رشيدًا؛ ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبًا لم يملك انتزاعه؟ قلنا: لأن في القصاص حقًّا للميت، وللحاكم عليه ولاية؛ ولهذا تنفذ وصاياه من الدية، وتقضى ديونه منها، فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئًا غصبًا والوارث غائب فإنه يأخذه، ولو كان القصاص لحى في طرفه لم يتعرض لمن هو عليه، فإن أقام القاتل كفيلًا بنفسه ليخلي سبيله لم يجز؛ لأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به كالحد، ولأن فيه تغريرًا بحق المولى عليه، فإنه ربما خلى سبيله فهرب فضاع الحق، فإن وجب القصاص في قتل من لا وارث له غير المسلمين كان القصاص إلى الامام؛ لأنه نائب عنهم، وإن كان هناك من يرث البعض، ويرث المسلمون الباقي كان استيفاء القصاص إلى الإمام وإلى الوارث.