الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 275).
القصاص في الجروح والأطراف أمر مقرر في الشريعة؛ لقوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، إلا أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس إمكان استيفاء المثل من غير حيف، ولا زيادة مع الأمن من السراية؛ لقوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126]، ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ لتحريمه قبلها، ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، وهكذا كل ما كان فيه القود فيما دون النفس متلفًا، فلا قود فيه، كما أنه لا يستوفى القصاص بآلة يخشى منها الزيادة، كأن تكون سامة أو كالة؛ لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
ولخوف التلف يؤخر القصاص فيما دون النفس للحر المفرط والبرد المفرط، ومرض الجاني، وحتى تضع الحامل، وهذا باتفاق الفقهاء في الجملة.
وكذلك الأمر بالنسبة لإقامة حد الجلد؛ إذ يشترط ألا يكون في إقامة حد الجلد خوف الهلاك؛ لأن هذا الحد شرع زاجرًا لا مهلكًا، وعلى ذلك فلا يقام حد الجلد في الحر الشديد والبرد الشديد، ولا على مريض حتى يبرأ، ولا على حامل حتى تضع.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 64-69).
تكون الجناية على ما دون النفس موجبة للقصاص إذا تحققت فيها الشروط الآتية:
(1) أن يكون الفعل عمدًا:
4- اتفق الفقهاء على أن العمد شرط من شروط وجوب القصاص في الجناية على ما دون النفس.
واختلفوا فيما وراء ذلك:
فذهب فقهاء الحنفية، وأبو بكر، وابن أبي موسى من فقهاء الحنابلة إلى أنه ليس فيما دون النفس شبه عمد، فما كان شبه عمد في النفس فهو عمد فيما دون النفس؛ لأن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون آلة عادة فاستوت الآلات كلها في الدلالة على القصد، فكان الفعل عمدًا محضًا.
ويشترط المالكية للقصاص فيما دون النفس أن يكون الجرح ناتجًا عن قصد الضرب عداوة، فالجرح الناتج عن اللعب، أو الأدب لا قصاص فيه.
وعند الشافعية: كما يعتبر في القتل أن يكون عمدًا محضًا، يعتبر ذلك في الطرف أيضًا، فلا يجب القصاص بالجراحات وإبانة الأطراف إذا كانت خطأ أو شبه عمد، ومن صور شبه العمد: أن يضرب رأسه بلطمة أو حجر لا يشج غالبًا؛ لصغره، فيتورم الموضع، ويتضح العظم.
وذهب جمهور الحنابلة إلى أن شبه العمد لا يوجب القصاص في الجناية على ما دون النفس، وهو أن يقصد ضربه بما لا يفضي إلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا توضح مثلها، فلا يجب القصاص؛ لأنه شبه عمد.
(2) أن يكون الفعل عدوانًا:
5- اتفق الفقهاء على أن العدوان شرط من شروط وجوب القصاص في الجناية على ما دون النفس، كما هو شرط في الجناية على النفس، فإن لم يكن الجاني متعديًا في فعله، فلا يقتص منه، كأن يكون الجاني:
أ - غير أهل للعقوبة؛ لأن الأهلية هي مناط التكليف، ويعتبر الشخص كامل الأهلية بالعقل والبلوغ.
ب - إذا كان ارتكاب الفعل الضار بحق أو شبهة.
فلا يقتص ممن أقام الحد، أو نفذ التعزير، سواء أكان قتلًا أم قطعًا، ولا من الطبيب بشروطه؛ لأن الغرض من فعل الطبيب هو شفاء المريض، لا الاعتداء عليه، ولا ممن وجب عليه دفع الصائل بشروطه، ولا ممن ارتكب الجناية بأمر من المجني عليه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فمن قال لآخر: "اقطع يدي، ولا شيء عليك"، فقطع؛ فلا شيء عليه مع الإثم عليهما.
ويرى المالكية أنه يجب القصاص إن لم يستمر المقطوع على إبراء القاطع، بأن رجع عنه بعد القطع، أما إن استمر على الإبراء فليس على القاطع إلا الأدب، وقيل: عليه الأدب مطلقًا من غير تفصيل بين استمرار المقطوع على الإبراء والرجوع عنه.
(3) كون المجني عليه مكافئا للجاني في الصفات الآتية على الخلاف والتفصيل الآتيين:
أ- التكافؤ في النوع (الذكورة والأنوثة):
6- ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يشترط التكافؤ بين الجاني والمجني عليه في النوع، فيجري القصاص بين الذكور والإناث بنفس أحكام القصاص في النفس.
ويرى الحنفية في المشهور والمعتمد أنه يجب أن يكافئ المجني عليه الجاني في النوع؛ لأنه يشترط للتكافؤ أن يكون أرش كل من الجاني والمجني عليه مساويًا للآخر، فيجري القصاص عندهم فيما دون النفس إذا كانا ذكرين أو أنثيين، فإن كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى، فلا قصاص؛ لأن المماثلة في الأروش شرط وجوب القصاص فيما دون النفس.
وفي الواقعات: لو قطعت المرأة يد رجل كان له القود، إذا رضي بالقود عن الأرش.
ونص محمد على جريان القصاص بين الرجل والمرأة في الشجاج التي يجري فيها القصاص؛ لأنه ليس في الشجاج تفويت منفعة، وإنما هو إلحاق شين، وقد استويا فيه، وفي الطرف تفويت المنفعة، وقد اختلفا فيه.
ب- التكافؤ في الدين:
7- اختلفت آراء الفقهاء في اشتراط التكافؤ في الدين:
فذهب الحنفية إلى أنه يجري القصاص فيما دون النفس بين المسلم والذمي؛ لتساويهما في الأرش، وكذا بين المسلمة والكتابية.
وعند المالكية على المشهور من المذهب: أنه لا يقتص من الكافر للمسلم؛ لأن جناية الناقص على الكامل، كجناية ذي يد شلاء على صحيحة في الجراح، ويلزمه للكامل ما فيه من الدية، وإلا فحكومة عدل إن برئ على شين، وإلا فليس على الجاني إلا الأدب.
ويرى الشافعية أنه لا يشترط في قصاص الطرف التساوي في البدل، فيقطع الذمي بالمسلم، ولا عكس فيه.
وكذلك قال الحنابلة: من لا يقتل بقتله لا يقتص منه فيما دون النفس له أيضًا كالمسلم مع الكافر؛ لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه، فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن.
ج - التكافؤ في العدد:
8- ذهب المالكية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة: إلى أن الجماعة إذا اشتركوا في جرح موجب للقصاص وجب القصاص على جميعهم؛ لما روي أن شاهدين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده، ثم جاءا بآخر، فقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا في الأول، فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما"، فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمد؛ ولأنه أحد نوعي القصاص، فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس.
هذا إذا لم يتميز فعل كل واحد.
أما لو تميز بأن قطع هذا من جانب، وهذا من جانب، حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعض اليد، وأبانها الآخر، فلا قصاص على واحد منهما عند الشافعية والحنابلة، ويلزم كل واحد منهما حكومة عدل تليق بجنايته، وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد.
والأظهر عند المالكية: أنه يقتص من الكل إذا كانوا ثلاثة: قلع أحدهم عينه، والآخر قطع يده، والثالث رجله، ولم يعلم من الذي فقأ العين، وقطع الرجل أو اليد، ولا تمالؤ بينهم؛ اقتص من كل بفقء عينه، وقطع يده ورجله، وأما إن تميزت جناية كل واحد ولا تمالؤ بينهم، فيقتص من كل منهم كفعله بالمجني عليه.
وأما عند الحنفية والحنابلة في وجه فلا تقطع الأيدي باليد، وتجب الدية، كالاثنين إذا قطعا يد رجل، أو رجله، أو أذهبا سمعه أو بصره، أو قلعا سنًّا له، أو نحو ذلك من الجنايات التي على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد بها، فلا قصاص عليهما، بل عليهما الأرش نصفين، وإن كانوا أكثر من اثنين فعليهم الأرش على عددهم بالسواء؛ وهذا لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة، ولا مماثلة بين الأيدي ويد واحدة لا في الذات ولا في المنفعة ولا في الفعل، وبه قال الحسن، والزهري، والثوري، وابن المنذر.
(4) المماثلة في المحل:
9- لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط لوجوب القصاص في الجناية على ما دون النفس توافر التماثل بين محل الجناية، ومحل القصاص، فلا يؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله، فلا تؤخذ اليد إلا باليد؛ لأن غير اليد ليس من جنسها، فلم يكن مثلا لها؛ إذ التجانس شرط للمماثلة، وكذا الرجل، والإصبع، والعين، والأنف ونحوها. وكذا لا تؤخذ الأصابع إلا بمثلها، فلا تؤخذ الإبهام إلا بالإبهام، ولا السبابة إلا بالسبابة، وهكذا في الباقي؛ لأن منافع الأصابع مختلفة، فكانت كالأجناس المختلفة.
وكذلك لا تؤخذ اليمين باليسار في كل ما انقسم إلى يمين ويسار، كاليدين والرجلين، والأذنين والمنخرين وغيرها، وكذلك في الأسنان لا تؤخذ الثنية إلا بالثنية؛ لاختلاف منافعها، فإن بعضها قواطع، وبعضها ضواحك، واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين، ولا مماثلة عند اختلاف الجنس، وكذلك الحكم في الأعلى والأسفل من الأسنان؛ للتفاوت بين الأعلى والأسفل، وهو الحكم في كل ما انقسم إلى أعلى وأسفل.
(5) المماثلة في المنفعة:
10- اتفق الفقهاء على أنه يشترط لوجوب القصاص في الجناية على ما دون النفس: أن تتماثل منافعها عند الجاني وعند المجني عليه، وإذا اتحد الجنس في الأطراف كاليد والرجل لم يؤثر التفاوت في الصغر والكبر، والطول والقصر، والقوة والضعف، والضخامة والنحافة؛ لأن الاختلاف في الحجم لا يؤثر في منافعها.
واختلف الفقهاء في بعض الأعضاء على تفصيل يأتي عند الكلام عن أنواع الجناية على ما دون النفس من الأعضاء والأطراف.
إمكان الاستيفاء من غير حيف:
11- يتحقق هذا بأن يكون القطع من مفصل، فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف، وقد روى نمر بن جابر عن أبيه، أن رجلًا ضرب على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية، قال: "إني أريد القصاص"، قال: "خذ الدية، بارك الله لك فيها"، ولم يقض له بالقصاص.
وهذا ما لم يرض المجني عليه بالقطع من مفصل أدنى من محل الجناية، على ما سيأتي في الجناية على العظم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 180-182).
لا يقتص للعبد من الحر فيما دون النفس:
• المراد من المسألة:
أن الحر إذا جنى على عبد فيما دون النفس فإنه يجب القصاص.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن المنذر (ت 317 هـ): "وكل من نحفظ عنه من أهل العلم يمنع أن يقتص للعبيد من الأحرار فيما دون النفس".
0 وقال الإمام الماوردي (ت 450 هـ): "مسألة: قال المزني (ت 264 هـ) رحمه اللَّه تعالى: "وفي إجماعهم أن يده (الحر) لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد".
0 وقال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ): "وذهب عامة أهل العلم إلى أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فثبت بهذا الاتفاق أن الحديث عن سمرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جَدَع عبده جَدَعْناه، ومن أخصى عبده أخصيناه" محمول على الزجر والردع، أو هو منسوخ.
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "ولا يقطع طرف الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه بينهم".
0 وقال الإمام الرافعي (ت 623 هـ): "وبالاتفاق لا يقطع طرف الحر بطرف العبد".
0 وقال الإمام القرطبي (ت 671 هـ): وقال أبو ثور (ت 240 هـ): "لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض.
وقد نقله أيضًا الإمام ابن حجر (ت 852 هـ).
0 وقال الإمام الشربيني (ت 977 هـ): "(ولا يقتل حر بمن فيه رق)، ولخبر البيهقي: "لا يقاد حر بعبد"، وللاتفاق أنه لا يقطع طرف حر بطرف عبد".
0 وقال الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ): "وبالإجماع على أنه لا يقتص من الحر بأطراف العبد".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع المنقول: الحنفية.
• مستند الإجماع:
أن القصاص فيما دون النفس مبني على التساوي في المنافع والأروش، ولا مساواة بين هؤلاء في منافع الأطراف والأروش.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: ابن أبي ليلى، وداود الظاهري.
ومن حججهم:
1- عموم قوله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
2- ما رواه سمرة بن جندب -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه".
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في هذه المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 198-199).
المكافأة في الأعضاء والجراح واجبة في القصاص:
• المراد من المسألة:
أن المكافأة بين الجاني والمجني عليه كما هي مشروطة في الجناية على النفس هي أيضًا مشروطة في الجناية على ما دون النفس.
• من نقل الإجماع:
0 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): "ولهذا كانت المكافآت في الأعضاء والجروح معتبرة باتفاق العلماء".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
• مستند الإجماع:
1- قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
2- قوله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194].
3- قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126].
4- عن أنس -رضي اللَّه عنه- أنّ الرُبَيّع -وهي ابنة النضر- كسرت ثنية جارية، فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول اللَّه؟ لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها، فقال: "يا أنس، كتاب اللَّه القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه".
• وجه الدلالة: أن كتاب اللَّه قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، وهو أن يؤخذ العضو بنظيره، فهذا قصاص؛ لأنه مساواة.
النتيجة:
صحة الإجماع؛ وذلك لعدم وجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 203-204).
لا قصاص بين الكافر والمسلم فيما دون النفس:
• المراد من المسألة:
أن القصاص فيما دون النفس بين الكافر والمسلم لا يجب، فلو أن مسلمًا جنى على كافر جناية فيما دون النفس، فلا يقتص للكافر من المسلم.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): "وقد أجمعوا أنه لا يقاد الكافر من المسلم فيما دون النفس من الجراح فالنفس بذلك أحرى".
وقد نقله عنه الخطيب الشربيني (ت 977 هـ).
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنابلة.
• مستند الإجماع:
1- قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقتل مسلم بكافر".
• وجه الدلالة: أن الحديث نص في سقوط القصاص بين المسلم والكافر في النفس، فيقاس عليه في الجروح والأطراف؛ بجامع انتفاء المكافأة.
2- أن الكافر منقوص بالكفر، فلا مساواة بينهما.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: الحنفية.
وحجتهم: أن التساوي ثابت بينهما في الأرش؛ فلذا يثبت بينهما القصاص.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 209)
لا قصاص في كسر العظم:
• المراد من المسألة:
إذا وقعت الجناية على عظم من عظام المجني عليه، فإن القصاص لا يجب، فلا يكسر عظم الجاني بعظم المجني عليه.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الطحاوي (ت 321 هـ): "اتفقوا على أن لا قصاص في عظم الرأس، وكذلك سائر العظام".
وقد نقله عنه ابن حجر (ت 852 هـ)، والشوكاني (ت 1255 هـ).
0 وقال الإمام العِمراني (ت 558 هـ): "كسر العظم لا يثبت فيه القصاص بإجماع الأمة".
0 وقال الإمام ابن نُجيم (ت 970 هـ): "ولا قصاص في العظم بالإجماع".
0 وقال الإمام الصنعاني (ت 1182 هـ): "وأما العظم غير السن فقد قام الإجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه ذهاب النفس إذا لم تتأت فيه المماثلة بأن لا يوقف على قدر الذاهب".
0 وقال الإمام الشوكاني (ت 1255 هـ): "وقد حُكي الإجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه الهلاك".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع المنقول: الحنابلة، أما المالكية فعندهم في كسر العظام تفصيل، وهو: أنه ما كان من العظام يُخاف معه التلف عند القصاص فلا يُقتص منه كالصلب والضلع والفخذ ونحوه، وهنا وافقوا نصوص الإجماع في ذلك، وما كان غير متلف فيجب فيه القصاص كاليد من الساعد، أو الزند، أو الرجل من الساق، أو الترقُوة، ونحو ذلك مما لا يعظم معه الخطر.
• مستند الإجماع:
1- ما رواه نمر بن جابر، عن أبيه، أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص، قال: خذ الدية، بارك اللَّه لك فيها".
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يقض للمقطوعة يده من الساعد بالقصاص، بل اكتفى بالدية.
2- أنه لا يمكن المماثلة فيها، ولا تؤمن الزيادة عليها، ولا يمكن أن يستوفى أكثر من الحق فسقط القصاص، كما لو قتل من لا يكافئه، أو قطع صحيح اليد بشلاء أو ناقصة الأصابع.
• من خالف الإجماع:
خالف المالكية الإجماع من خلال التفصيل الذي ذُكر آنفًا في وجوب القصاص من العظام التي لا يخاف معها التلف، ولا يعظم معها الخطر.
ومراعاةً لاختلافهم لم يعمّم الطحاوي نقْلَه للإجماع في كل العظام، فقد نقل خلاف المالكية في كتابه، ثم أتبعه بإلزامهم بالقول بنفي القصاص في عظم الرأس أن يقولوا به فيما سواه من العظام.
وما حكاه الطحاوي من أن الإجماع فقط في عظم الرأس متعقَّب أيضًا بأن الخلاف في القصاص في المأمومة والمنقِّلة منقول عن عبد اللَّه بن الزبير، رضي اللَّه عنهما، وفي المنقِّلة فقط عن مالك في إحدى الروايتين عنه، وكلاهما من جراح الرأس.
وأما ابن حزم من الظاهرية فإنه يوجب القصاص من كسر العظام عمومًا.
وحجته: قوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [الأحزاب: 5].
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة، ولعل الخلاف بين من نقل عنه الخلاف وغيره في تحقيق المناط، وهو تحقّق خوف التلف، فمن رأى القصاص يرى إمكانه مع الأمن من التعدّي، ومن منعه إنما منعه خشية الوقوع في التلف، واللَّه أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 212)
لا يؤخذ شيء من أعضاء الجاني إلا بمثله من المجني عليه:
• المراد من المسألة:
أن القصاص في الجناية على الأطراف يشترط فيها المماثلة في الاسم والموضع، فمن جنى على شخص آخر، فقطع سبابته؛ لا يقتص له بقطع إبهام الجاني، ولو جنى عليه بقطع خنصره لا يقتص له بقطع سبابته، وهكذا.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الطحاوي (ت 321 هـ): "واتفقوا على أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني صحيحًا لم يكن للمجني عليه أن يتعدى ما قابله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا".
0 وقال الإمام الجصاص (ت 370 هـ): "لا خلاف أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني باقيًا لم يكن للمجني عليه استيفاء القصاص من غيره، ولا يعدو ما قبله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا به".
0 وقال الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): "أجمعوا على أن عين الفاقئ إذا كانت صحيحة لم يكن للمفقئ عينه أن يأخذ غيرها".
0 وقال الإمام العَيني (ت 855 هـ): "وأجمعوا أيضًا أن اليمنى لا تؤخذ باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، ولا يؤخذ شيء من الأعضاء إلا بمثله من القاطع، الإبهام بالإبهام، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، والخنصر بالخنصر، والبنصر بالبنصر.
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع المنقول: الشافعية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
1- قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
• وجه الدلالة: أن معنى القصاص: المماثلة، وهو: أن يفعل بالجاني مثل فعله؛ من قتل، أو قطع، أو ضرب أو جرح، ولا مماثلة في قطع السبابة بالإبهام، أو الثنية بالضرس.
2- أن القصاص يقتضي المساواة، والاختلاف في الاسم دليل على الاختلاف في المعنى.
3- أنها جوارح مختلفة المنافع، والأماكن فلم يؤخذ بعضها ببعض.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: ابن شبرمة، حيث قال: تؤخذ الثنية بالضرس، كما يؤخذ الضرس بالثنية.
وقال الحسن بن صالح: إذا قطع إصبعًا من كفّ، فلم يكن للقاطع من تلك الكف أصبع مثلها، قُطع مما يلي تلك الأصبع، ولا يُقطع أصبع كفٍّ بأصبع كفٍّ أخرى، وكذلك تُقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع سنٌّ مثلها وإن بلغ ذلك الأضراس، وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى، ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 214)
لا يقطع الأيمن من الأعضاء بالأيسر ولا الأيسر بالأيمن:
• المراد من المسألة:
أن الجناية إذا كانت على أحد العضوين يمينًا أو يسارًا، فإن القصاص لا يجوز أن يكون في العضو الآخر، فلا يؤخذ اليمين باليسار من أيّ عضو كان، وكذلك العكس، فلا يؤخذ اليسار باليمين من أيّ عضو كان.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن هُبيرة (ت 560 هـ): "واتفقوا على أنه لا تقطع يمين بيسار ولا يسار بيمين".
وحكاه عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
0 وقال الإمام العَيني (ت 855 هـ): "أجمعوا أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، وأجمعوا أيضًا أن اليمنى لا تؤخذ باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، ولا يؤخذ شيء من الأعضاء إلا بمثله من القاطع، الإبهام بالإبهام، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، والخنصر بالخنصر، والبنصر بالبنصر، وكذلك الأسنان الثنية بالثنية، والناب بالناب، والضرس بالضرس، ولا يؤخذ الأعلى بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، وكذلك الشجاج والجراحات، لا تقتضي فيما يجب القصاص منه إلا في موضع الشجة والجراحة في المشجوج والمجروح".
0 وقال الإمام قاضي صفَد (ت بعد 780 هـ): "واتفقوا على أنه لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا يمين بسار، ولا يسار بيمين".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: المالكية.
• مستند الإجماع:
1- أن اليمين واليسار يختلفان في المحل والمنفعة، والمقصود من القصاص: المساواة، ولا مساواة بينهما.
2- أن كل واحد منهما يختص باسم ينفرد به، فلا يؤخذ بغيره، كما لا تؤخذ اليد بالرجل.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: ابن شبرمة، حيث قال: "تفقأ العين اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، كما تؤخذ اليد اليمنى باليد اليسرى، واليد اليسرى باليد اليمنى".
وقال الحسن بن صالح: تفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى، ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى".
وحجتهم في ذلك: عموم قوله تعالى: { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } [المائدة: 45].
حيث أوجب اللَّه القصاص في الطرف عمومًا، فإذا حصل القصاص بين اليمين واليسار من الأعضاء فإنه يصدق عليه أنه أخذ العضو بالعضو.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 216)
لا يؤخذ الأصلي من الأصابع بالزائد، ولا الزائد بالأصلي:
• المراد من المسألة:
إذا وقعت الجناية على أصبع زائد ممن أصبع أصلية، أو العكس، فإن القصاص لا يجب، ولا تؤخذ الأصبع الأصلية من الجاني بالأصبع الزائدة من المجني عليه، وهكذا العكس.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام المرداوي (ت 885 هـ): "قوله (وإن تراضيا عليه لم يجز) يعني: إذا تراضيا على أن يأخذ الأصلية بالزائدة، أو عكسه، وهذا بلا نزاع".
ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
• مستند الإجماع:
1- عدم التساوي في المكان والمنفعة؛ إذ الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه، بخلاف الزائد.
2- أن قيمة الأصبع الزائدة حكومة عدل، وقيمة الأصبع الغير الزائدة أرش مقدر، فلا مساواة بينهما في القيمة.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: الإمام ابن حزم (ت 456 هـ)، فأجاز القصاص للأصبع الزائد من الأصبع الأصلي، واستند في ذلك إلى عموم الآية الدالة على القصاص في الأطراف: { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، فقال رحمه اللَّه: ومن كانت له سن زائدة أو إصبع زائدة فقطعها قاطع اقتص له منه، من أقرب سن إلى تلك السن، وأقرب إصبع إلى تلك الإصبع؛ لأنها سن وأصبع، ولا فرق بين أن يبقى المقتص منه ليس له إلا أربع أصابع، ويبقى لمقتص له خمس أصابع، وبين أن يقطع من ليست له إلا السبابة وحدها سبابة سالم الأصابع، لا خلاف في أن القصاص في ذلك، ويبقى المقتص ذا أربع أصابع، ويبقى المقتص منه لا أصبع له، وهكذا القول في الأسنان، ولا فرق.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 217)
لا يقطع الصحيح من اليد أو الرجل أو اللسان بالأشل:
• المراد من المسألة:
أن الجناية إذا كانت على يد أو رجل شلّاء أو لسان أشلّ، وهي صحيحة سليمة من الجاني، فإن القصاص لا يجب، فلا تؤخذ اليد أو الرجل الصحيحة بالشلّاء، كما لا يؤخذ اللسان الصحيح بالأشلّ.
• من نقل الإجماع:
0 قال الجصاص (ت 370 هـ): "والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع أخذ اليد الصحيحة بالشلاء".
0 وقال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ): "أما إذا اختلفت الأطراف في السلامة، فإن كانت يد المقطوع شلاء، ويد القاطع صحيحة، فلا قصاص بالاتفاق".
0 وقال الإمام ابن هُبيرة (ت 560 هـ): "واتفقوا على أنه لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء".
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "لا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بوجوب قطع يد أو رجل أو لسان صحيح بأشل، إلا ما حكي عن داود أنه أوجب ذلك؛ لأن كل واحد منهما مسمى باسم صاحبه، فيؤخذ به كالأذنين".
ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
0 وقال الإمام العَيني (ت 855 هـ): "أجمعوا أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء".
0 وقال الإمام قاضي صَفَد (ت بعد 780 هـ): "واتفقوا على أنه لا تُقطع اليد الصحيحة بالشلّاء".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: المالكية.
• مستند الإجماع:
1- عموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
• وجه الدلالة: أن معنى القصاص: المماثلة، وفي قطع الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر مما قطع، فلا مماثلة هنا.
2- أن الشلّاء ميتة، والنفس الحية لا تؤخذ بالنفس الميتة.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: الإمام داود الظاهري، حيث أجاز قطع الصحيح بالأشلّ.
وحجته في ذلك: أن كل واحد من الصحيح والأشلّ مسمى باسم صاحبه، فيؤخذ به كما تؤخذ الأذن الصحيحة بالشلّاء.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
• تنبيه:
اختلف الفقهاء في قطع الصحيح من الأذن والأنف بالأشلّ منها.
فقيل: لا يؤخذ به كسائر الأعضاء.
وقيل: يؤخذ به؛ لأن نفعه لا يذهب بشلله، فإن نفع الأذن جمع الصوت وردّ الهوام وستر موضع السمع، ونفعُ الأنف جمع الريح وردّ الهواء أو الهوام، فقد ساوى الصحيح في الجمال والنفع، فوجب أخذ كل واحد منهما بالآخر كالصحيح بالصحيح، بخلاف اليد والرجل.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 219)
إذا كان عضو المجني عليه سليمًا، وعضو الجاني أشلّ، خيّر المجني عليه بين القصاص وبين الدية:
• المراد من المسألة:
إذا وقعت الجناية على عضو صحيح، وكان مشلولًا في الجاني، فإن المجني عليه مخيّر بين استيفاء القصاص، وبين أخذ الدية.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ): "وإن كانت يد القاطع شلّاء ويد المقطوع سليمة، فالمقطوع يده له الخيار بالاتفاق، إن شاء اقتص من يده الشلّاء، ولا شيء له، وإن شاء ترك القصاص وأخذ دية يده".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة.
وأما المالكية فعندهم في ذلك تفصيل، فقالوا: أما إذا كانت جلّ منفعة يد الجاني المشلولة باقية فلا اختلاف في أن المجروح بالخيار بين أن يستقيد منها بنقصانها وبين أن يأخذ عقل يده.
وأما إذا كانت منفعتها كلها قد ذهبت أو جلّها فاختُلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه إن شاء اقتص وقطع الشلاء التي فيها حقه، وإن شاء تركها وأخذ العقل.
الثاني: أنه ليس له أن يقتص منها، وإن بقي فيها منفعة إذا كانت جلّ منفعتها قد ذهبت.
الثالث -وهو مذهبه في المدونة-: أنه إن كانت قد ذهبت منفعتها كلها فليس له أن يقتص، وإن كان بقي فيها منفعة وإن قَلّت، فهو بالخيار بين أن يأخذ العقل أو يقتص.
• مستند الإجماع:
أن المجني عليه -وهو صاحب اليد السليمة- عاجز عن استيفاء حقه في القصاص على الكمال.
• من خالف الإجماع:
خالف في ذلك: المالكية، على التفصيل الذي ذكرته آنفًا، ففي حالة ذهاب نفع اليد الشلّاء كلّه أو جلّه، فإنه في بعض أقوالهم لا يرون قطع الشلّاء بالصحيحة.
وحجتهم: أنهم يرون ذلك من العبث.
النتيجة:
صحة الإجماع في الحالة التي يتفق المالكية فيها مع بقية المذاهب، وهي أن يكون كل أو جلّ منفعة اليد المشلولة باقية، فهنا وقع الإجماع على جواز القصاص في اليد المشلولة إن رضي المجني عليه بذلك، أما ما عدا ذلك فلم يتحقق الإجماع فيه؛ لوجود الخلاف في ذلك على ما تقدم نقله، واللَّه أعلم.
• تنبيه:
محلّ التخيير بين القصاص والدية عند القائلين به إذا أُمن من قطع الشلّاء التلف، فإن لم يؤمن تعيّنت الدية.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 221)
إذا كان عضو المجني عليه سليمًا، وعضو الجاني أشلّ، واختار المجني علية الدية فإنه يستحقها كاملة:
• المراد من المسألة:
إذا كانت الجناية وقعت على عضو صحيح، وكان مشلولًا في الجاني، فإن المجني عليه مخيّر بين استيفاء القصاص وبين أخذ الدية، وإذا اختار القصاص فهل يؤخذ معه أرش النقص؟ فيه خلاف، بينما إذا اختار الدية فإنه يستحقها كاملة بلا خلاف، واستحقاق الدية هو محلّ الإجماع في هذه المسألة.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام العِمراني (ت 558 هـ): "وإن كانت كف المقطوع صحيحة الأصابع، وكف القاطع فيها إصبعان شلاوان، فالمجني عليه بالخيار بين يأخذ دية يده وبين أن يقتص من كف الجاني؛ لأنها أنقص من كفه، ولا شيء للمجني عليه؛ لنقصان كف الجاني بالشلل، أما إذا اختار الدية فله دية يده، لا نعلم فيه خلافًا.
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "مسألة: قال: (وإن كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فشاء المظلوم أخذها فذلك له ولا شيء له غيرها، وإن شاء عفا وأخذ دية يده) أما إذا اختار الدية فله دية يده لا نعلم فيه خلافًا".
0 وقال البرهان ابن مفلح (ت 884 هـ): "القاطع إذا كان أشلّ، والمقطوعة سالمة، فإن شاء المجني عليه أخذ الدية فله ذلك، بغير خلاف نعلمه".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية، والمالكية.
• مستند الإجماع:
1- أنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص، فكانت له الدية، كما لو لم يكن للقاطع يد.
2- القياس، وصورته: إذا أتلف رجل على آخر مالًا مثليًّا، فانقطع عن أيدي الناس، فلم يبق منه إلا هو ناقص الصفة عن المُتلَف، فصاحب الحق بالخيار إن شاء أخذ الموجود، وإن شاء عدل إلى القيمة؛ لأنه لم يقدر على استيفاء جنس حقه بكماله، فكذا هذا.
النتيجة:
صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف.
المعني -ابن قدامة (8/ 276-277).
مسألة: كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في الجراح.
مسألة: قال: (ومن كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في الجراح).
وجملته: أن كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم.
ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد، وبهذا قال مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الطرف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر، ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف؛ بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذا لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى.
ولنا: أن من جرى بينهما القصاص في النفس جرى في الطرف، كالحرين، وما ذكروه يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ معتبر؛ بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المماثلة قد وجدت وزيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع، وأما اليسار واليمين فيجريان مجرى النفس؛ لاختلاف محليهما؛ ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعًا، ولا العلة فيهما ذلك.
المعني -ابن قدامة (8/ 277).
فصل: يشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء.
فصل: ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يكون عمدًا محضًا، فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعًا؛ لأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس، وهي الأصل، ففيما دونها أولى، ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضربه بما لا يفضي إلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها، فتوضحه، فلا يجب به القصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القصاص إلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القصاص، ولا يراعى فيه ذلك؛ لعموم الآية.
الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح، وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله، كالحر المسلم مع الحر المسلم، فأما من لا يقتل بقتله فلا يقتص منه فيما دون النفس له، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد، والأب مع ابنه؛ لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه، فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه، كالمسلم مع المستأمن.
الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126]، وقال تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194].
ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، فيحرم استيفاؤه بعد الجناية، كتحريمه قبلها، ومن ضرورة المنع من الزيادة: المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه.
المغني -ابن قدامة- (8/ 321).
ويشترط لجريان القصاص فيها – أي: في الأطراف - شروط خمسة:
أحدها: أن يكون عمدًا، على ما أسلفناه.
والثاني: أن يكون المجني عليه مكافئًا للجاني بحيث يقاد به لو قتله.
والثالث: أن يكون الطرف مساويًا للطرف، فلا يؤخذ صحيح بأشل، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا أصلية بزائدة، ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ، والصغر والكبر، والصحة والمرض؛ لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص بالكلية.
والرابع: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا إصبع بمخالفة لها، ولا جفن أو شفة إلا بمثلها.
والخامس: إمكان الاستيفاء من غير حيف، وهو أن يكون القطع من مفصل، فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع، بغير خلاف نعلمه.
وقد روى نمر بن جابر، عن أبيه، أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية، فقال: "إني أريد القصاص"، قال: "خذ الدية، بارك الله لك فيها"، ولم يقض له بالقصاص. رواه ابن ماجه.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 399-400).
كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد الكافر بيد الكافر، ويد المرأة بيد المرأة، وهذا إجماع، وتقطع يد المرأة بيد الرجل، ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد عندنا، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا اختلف الشخصان في الدية لم يجر القصاص بينهما فيما دونهما، كالحرين المسلمين.
وإن اشترك جماعة في إبانة عضو أو جراحة يثبت بها القصاص، ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض، مثل أن أجرى جماعة سيفًا في أيديهم على يد رجل أو رجله فقطعوها أو على رأسه فأوضحوه؛ قطعت يد كل واحد منهم، وأوضح كل واحد منهم، وبه قال ربيعة ومالك وأحمد.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يقتص منهم، بل ينتقل حق المجني عليه إلى الدية.
دليلنا: ما روي أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بالسرقة، فقطع يده، ثم أتيا برجل آخر، وقالا: هذا الذي سرق، وأخطأنا في ذلك، فلم يقبل شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية ويد، وقال: "لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما"، وروي: "لقطعتكما"، ولا مخالف له في الصحابة، ولأن كل جناية وجب بها القصاص على الواحد وجب بها على الجماعة كالنفس، وإن قطع أحدهما بعض العضو وأبانه الثاني، أو وضع أحدهما السكين على المفصل ووضع الآخر عليه السكين من الجانب الآخر، ثم قطعاه وأباناه لم يجب على أحدهما قصاص في إبانة العضو؛ لأن جناية كل واحد منهما قطعة مميزة في بعض العضو، فلا يقتص منه في جميعه.