موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 227-228).
يقتص بكل جرح ينتهي إلى عظم، وقد تكون في الرأس والوجه.
وجوب القصاص في الجروح في كل ما يتأتى فيه القصاص:
• المراد من المسألة:
أن الجراح التي يمكن معها استيفاء القصاص من غير حيف ولا تعدٍّ؛ فإن القصاص فيها واجب، وإذا كان يخشى معها التعدي ولم يُؤمن الحيف فالقصاص ممتنع.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الشافعي (ت 204 هـ): "ولم أعلم مخالفًا في أن القصاص بين الحرّين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستقاد منه من موضع القود".
0 وقال الإمام أشهب (ت 204 هـ): "أجمع العلماء أن لا قود في المخوف".
0 وقال الإمام الجَصّاص (ت 370 هـ): "لا نعلم خلافا بين الفقهاء في إيجاب القصاص في الجراحات التي يمكن القصاص فيها بأي شيء جرح".
0 وقال الإمام ابن هُبيرة (560 هـ): "واتفقوا على أن الجروح قصاص في كل ما يتأتّى فيه القصاص".
0 وقال الإمام ابن رشد (ت 595 هـ): "لا خلاف أن الواحد إذا قطع عضو إنسان واحد اقتص منه إذا كان مما فيه القصاص".
0 قال الإمام قاضي صَفَد (ت بعد 780 هـ): "اتفق الأئمة على أن الجروح قصاص في كل ما يتأتّى فيه القصاص".
0 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): "والقصاص في الجراح أيضًا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، بشرط المساواة".
وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
0 وقال الإمام الشنقيطي (ت 1393 هـ): "أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف ولا زيادة؛ فيه القصاص المذكور في الآية في قوله تعالى: { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } [المائدة: 45]، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد والرجل من مفصليهما".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية.
• مستند الإجماع:
1- قول اللَّه تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194].
وقوله سبحانه وتعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126].
• وجه الدلالة: أن اللَّه أباح لنا أن نفعل مثل ما فُعل بنا، فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بحيف لم نفعل مثل ما فُعل بنا، بل زدنا عليه، فلم نتق اللَّه، كما في الجناية المبتدأة.
2- قول اللَّه تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
• وجه الدلالة: يعني إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها، ودلّ به على نفي القصاص فيما لا يمكن استيفاء المثل فيه؛ لأن قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45] يقتضي أخذ المثل سواء، ومتى لم يكن مثله فليس بقصاص.
النتيجة:
صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف في المسألة.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 79-80).
القسم الأول: الجراح على الوجه والرأس (الشجاج):
الجناية على ما دون النفس قد لا تكون بالقطع والإبانة، بل بالجرح، وهو نوعان:
أ- الجراح الواقعة على الرأس والوجه، وتسمى: الشجاج.
ب- والجراح الواقعة على سائر البدن.
أولًا: الشجاج
الشجاج أقسام، أشهرها ما يلي:
1- الحارصة: وهي التي تشق الجلد قليلًا، نحو الخدش، ولا يخرج الدم، وتسمى: الحرصة أيضًا.
2- الدامية: وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، هكذا نص عليه الشافعي وأهل اللغة، وتأتي بعدها عند الشافعية: الدامعة، وهي ما يسيل منها الدم، أما عند الحنفية فالدامية ما تخرج الدم وتسيله، وتأتي عندهم بعد الدامعة، وهي: التي تظهر الدم كالدمع ولا تسيله.
والدامية تسمى عند بعض الفقهاء البازلة؛ لأنها تبزل الجلد، أي: تشقه، وانظر مصطلح: (بازلة).
3- الباضعة: وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي: تقطعه، وقيل: التي تقطع الجلد، (انظر مصطلح: باضعة).
4- المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم، وتسمى: اللاحمة أيضًا.
5- السمحاق: وهي التي تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، وقد تسمى هذه الشجة عند بعض الفقهاء: الملطى، والملطاة، واللاطئة.
6- الموضحة: وهي التي تخرق السمحاق، وتوضح العظم.
7- الهاشمة: وهي التي تهشم العظم، أي: تكسره، سواء أوضحتْه أم لا عند الشافعية.
8- المنقلة: بتشديد القاف وفتحها، أو كسرها، وهي التي تكسر العظم وتنقله من موضع إلى موضع، سواء أوضحته وهشمته أم لا.
9- المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي: خريطة الدماغ المحيطة به، ويقال لها: الآمَّة أيضًا. (انظر مصطلح آمة).
10- الدامغة: وهي التي تخرق الخريطة، وتصل الدماغ.
فهذه الأقسام العشرة هي المشهورة، وذكر فيها ألفاظ أخرى تؤول إلى هذه الأقسام.
وتتصور جميع هذه الشجاج في الجبهة كما تتصور في الرأس، وكذلك تتصور ما عدا المأمومة والدامغة في الخد، وفي قصبة الأنف، واللحي الأسفل.
والتسميات السابق ذكرها تكاد تكون محل اتفاق بين المذاهب، وإن كان هناك خلاف يسير في ترتيبها، فمرده الاختلاف في تحديد المعنى اللغوي.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 231-233).
القسم الأول: الجراح على الوجه والرأس (الشجاج):
الموضحة تكون في الوجه، والرأس فقط.
• المراد من المسألة:
المُوَضِّحة: من الوَضَح، وهي الجراح التي تبدي وَضَح العظم، أي: بياضه، والجمع: المواضح، أو من الإيضاح: هي التي توضّح العظم، أي: تظهره، ولا تسمى مُوَضِّحة إلا إذا كانت في الوجه أو الرأس، فإن كانت في غير هذا الموضع لا تسمى موضحة باتفاق.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن المنذر (ت 317 هـ): "وأجمع أهل العلم على أن الموضّحة تكون في الوجه والرأس".
0 وقال الإمام الجوهري (ت حوالي 350 هـ): "وأجمعوا أن الموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس إلا الليث -رضي اللَّه عنه- فإنه قال: وقد تكون في الفخذ أيضًا".
0 وقال الإمام الصنعاني (ت 1182 هـ): "وموضحة الوجه والرأس سواء بالإجماع".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
1- ما روي أن أبا بكر الصديق وعمر -رضي اللَّه عنهما- قالا: "الموضِّحة في الرأس والوجه سواء".
وهذا يدلّ على أن باقي الجسد بخلافه، ولأن الشَّين فيما في الرأس والوجه أكثر وأخطر مما في سائر البدن فلا يلحق به.
• من خالف الإجماع:
خالف هذا الإجماع المنقول: الليث، والأوزاعي، وعطاء، فذهبوا إلى أن الموضحة كما تكون في الرأس، فإنها تكون كذلك في باقي الجسد.
وحجتهم: ما رواه ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال: "قضى عمر بن الخطاب في الموضِّحة التي تكون في جسد الإنسان ليست في رأسه، فقضى أن كل عظم كان له نذر مسمى أن في موضحته نصف عشر نذرها ما كان، فإذا كانت الموضحة في اليد، فهي نصف عشر نذرها ما لم تكن في الأصابع، فإذا كانت في الأصابع موضحة، فهي نصف عشرها؛ وذلك أن الأصابع يفترق نذرها، فكانت كل إصبع عشرًا من الإبل وما كان فوق الأصابع من الكف فنذره مثل نذر الذراع والعضد، وقضى في الرجل بمثل ما قضى به في اليد من النذر في أصابعها وموضحتها".
الترجيح:
عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لوجود المخالف.
تنبيه:
مذهب المالكية أن الموضّحة تختص بعظم الرأس والوجه دون الأنف واللحي الأسفل.
المغني -ابن قدامة- (8/ 323)
القسم الأول: الجراح على الوجه والرأس (الشجاج):
فصل: وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة، وسواء في ذلك ما دون الموضحة، كالحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، وما فوقها، وهي الهاشمة والمنقلة والآمة.
وبهذا قال الشافعي.
فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير، أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه، وممن قال به عطاء، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف ذلك، ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما، أشبها المأمومة والجائفة، وأما ما دون الموضحة فقد روي عن مالك وأصحاب الرأي أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق.
ولنا: أنها جراحة لا تنتهي إلى عظم، فلم يجب فيها قصاص، كالمأمومة، ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام، وبيان ذلك: أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق أفضى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقه، ولأننا لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها، فكذلك في غيرها، وبهذا قال الحسن وأبو عبيد.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 402-403).
القسم الأول: الجراح على الوجه والرأس (الشجاج):
يجب القصاص فيها دون النفس في شيئين: الجروح والأعضاء، والجروح ضربان، جرح في الرأس والوجه، وجرح فيما سواهما من البدن.
فأما الجروح في الرأس والوجه، وتسمى: الشجاج، قال الشافعي رضي الله عنه: وهي عشرة:
أولها: الحارصة، وهي التي تكشط الجلد كشطًا لا يدمي، ومنه يقال: حرص القصار الثوب: إذا كشط درنه ووسخه.
وبعدها الدامية، وهي التي كشطت الجلد وخرج منها الدم.
وبعدها الباضعة، وهي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
وبعدها المتلاحمة، وهي التي تنزل في اللحم ولا تصدع العظم.
وبعدها السمحاق، وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة السمحاق.
وبعدها الموضحة، وهي التي أوضحت عن العظم، وكشفت عنه.
وبعدها الهاشمة، وهي التي هشمت العظم.
وبعد المنقلة، قال الشيخ أبو حامد: ولها تأويلان، أحدهما: أن ينقل العظم من موضع إلى موضع، والثاني: أنه في تداويه لا بد من إخراج شيء من العظم منه.
وبعدها المأمومة، وتسمى: الآمة بالمد، اسم فاعل، والمأمومة اسم مفعول، وجمع الآمة: أوام، مثل دابة ودواب، وجمع المأمومة على لفظها مأمومات، وهي التي تصل إلى أم الدماغ.
وقال في البيان: وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ، وبعده الدامغة وهي التي بلغت الدماغ.
وحكي عن أبي العباس ابن سريج أنه زاد: الدامغة بعد الدامية، وقال: الدامية التي يخرج منها الدم، ولا يجري، والدامغة: ما يخرج منها الدم ويجري.
قال الأزهري: الدامغة قبل الدامية، وهي التي يخرج منها الدم بقطعه، والدامية: هي التي يخرج منها أكثر.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 81-82).
القسم الثاني: الجراح في البدن
اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة"، ولأنها جراح لا تؤمن الزيادة فيها، فلم يجب فيها قصاص، ككسر العظام.
والجائفة: هي التي تصل إلى الجوف، والمواضع التي تنفذ فيها الجراحة إلى الجوف هي الصدر والظهر، والبطن، والجنبان، والدبر، ولا تكون في اليدين والرجلين، ولا في الرقبة جائفة؛ لأن الجرح لا يصل إلى الجوف.
وروي عن أبي يوسف: أن ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه من الشراب فطره، تكون جائفة؛ لأنه لا يفطر إلا إذا وصل إلى الجوف.
أما غير الجائفة: فيرى الشافعية والحنابلة بأن ما لا قصاص فيه إذا كان على الرأس والوجه، لا قصاص فيه إذا كان على غيرهما.
وأما الموضحة: التي توضح عظم الصدر، ففي وجوب القصاص فيها وجهان عند الشافعية، الأصح: أنه يجب، فعند الشافعية: يجب القصاص في الجراحة على أي موضع كانت، بشرط أن تنتهي إلى عظم ولا تكسره، وذهب الحنفية إلى أن الجراحات التي في غير الوجه والرأس لا قصاص فيها، بل فيها حكومة عدل إذا أوضحت العظم وكسرته، وإذا بقي لها أثر، وإلا فلا شيء فيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد: يلزمه قيمة ما أنفق إلى أن يبرأ.
وعند المالكية: يقتص من جراح الجسد وإن كانت هاشمة.
قال ابن الحاجب: في جراح الجسد من الهاشمة وغيرها القود، بشرط أن لا يعظم الخطر كعظم الصدر، والعنق، والصلب، والفخذ، ويكون القصاص في الجراح بالمساحة طولًا، وعرضًا، وعمقًا، إن اتحد المحل.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 233-234).
القسم الثاني: الجراح في البدن
الجائفة في الجسد في الظهر أو الصدر، دون الرأس.
• المراد من المسألة:
الجائفة: من الجَوْف، وهو جوف الإنسان، فالجائفة: الطَعنة التي تبلغ الجوف، ولا تسمى جائفة إلا إذا كانت في البطن أو الصدر، وأما إذا كانت في الرأس فلا تسمى جائفة، باتفاق.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن رشد (ت 595 هـ): "وأما الجائفة فاتفقوا على أنها من جراح الجسد، لا من جراح الرأس، وأنها لا يقاد منها، وأن فيها ثلث الدية، وأنها جائفة متى وقعت في الظهر والبطن.
وقد نقله عنه الإمام الصنعاني (ت 1821 هـ).
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم الظاهري.
• مستند الإجماع: يمكن الاستدلال بما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وفيه: "وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقّلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السنّ خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل".
• وجه الدلالة:
أنه جاء ذكر جراح الرأس مستقلًّا وهو المأمومة، ثم جاء ذكر الجائفة بعده، ولو كان اسم الجائفة يشمل جراح الرأس، لاقتصر عليه، ولما كان هناك حاجة لذكر لفظ المأمومة.
النتيجة:
صحة الإجماع في المسألة؛ لعدم وجود المخالف.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 405).
القسم الثاني: الجراح في البدن
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فينظر فيها، فإن وصلت إلى عظم؛ وجب فيه القصاص.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب فيها القصاص؛ لأنها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش خالفتها في وجوب القصاص، والمنصوص هو الأول؛ لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف، فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا إن كانت في موضع عليه شعر كثير، فالمستحب أن يحلق موضعها، ويعلم على موضعها سواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس.
وإن كانت الجراحة في العضد فزيد قدرها على عضد الجاني لم ينزل في الزيادة على عالي الساعد، وإن كانت في الفخذ وزاد قدرها على فخذ الجاني لم ينزل في الزيادة إلى الساق، وإن كانت في الساق وزاد قدرها على ساق الجاني لم ينزل في الزيادة إلى القدم، كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا، وإن كانت فيما دون الموضحة لم يجب فيها القصاص، على المشهور من المذهب؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيه.
وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد، وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس في الوجه يكون ههنا مثله، وإن كانت الجراحة جائفة أو كسر عظم لم يجب القصاص فيها؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيها، ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع وصلت إلى عظم ثم كسرت أو أجافت وجب القصاص فيها إلى العظم، ووجب الأرش فيما زاد.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 80).
أحكام القصاص في الجراح:
(1) لا خلاف في وجوب القصاص في الموضحة:
اتفق الفقهاء على أن القصاص واجب في الموضحة؛ لقوله تعالى: { وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، ولتيسير ضبطها واستيفاء مثلها؛ لأنه يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة، وقد قضى عليه الصلاة والسلام في الموضحة بالقصاص.
ونص المالكية والشافعية على أنه لا يشترط في الموضحة ما له بالٌ واتساعٌ، فيقتص وإن ضاق كقدر مغرز إبرة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 234-236).
أحكام القصاص في الجراح:
(1) لا خلاف في وجوب القصاص في الموضحة:
ثبوت القصاص في الموضِّحة:
• المراد من المسألة:
أن الموضِّحة التي توضّح العظم يجب فيها القصاص.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن هُبيرة (ت 560 هـ): "وأجمعوا على أن الموضِّحة فيها القصاص إذا كانت عمدًا".
وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
0 وقال الإمام قاضي صَفَد (ت بعد 780 هـ): "وأجمعوا على أن في الموضِّحة القصاص إن كان عمدًا".
0 وقال الإمام الكاساني (ت 587 هـ): "وأما الشِّجَاج فلا خلاف في أن الموضّحة فيها القصاص...، ولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة".
0 وقال الإمام المرداوي (ت 885 هـ): "(ويعتبر قدر الجرح بالمساحة، فلو أوضح إنسانًا في بعض رأسه مقدارُ ذلك البعض جميعُ رأس الشاج وزيادة، كان له أن يوضِّحه في جميع رأسه) بلا نزاع أعلمه".
وقد نقل قريبًا من هذا النص الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية، والشافعية، وابن حزم الظاهري.
• مستند الإجماع:
1- عموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
2- قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "كتاب اللَّه القصاص".
• وجه الدلالة من النَّصَّيْن: أن القصاص يقصد به المماثلة، والموضحة جرح يمكن القصاص فيه بالمماثلة.
• من خالف الإجماع:
نُقل عن الإمام مالك، في قول مرجوح: أنه لا قود في الموضّحة.
وحجته في ذلك: أنه جرح مخوف يتعذر فيه المماثلة عند القصاص.
الترجيح:
صحة الإجماع في المسألة، والخلاف المروي عن الإمام مالك إنما هو قول مرجوح، والمشهور عنه هو القول بوقوع القصاص في الموضحة، كما قال به بقية الفقهاء، وهذا ما ذكره الإمام ابن رشد، دون أن يرى لهذا القول المرجوح عن الإمام مالك تأثيرًا على هذا الإجماع.
قال ابن رشد الحفيد: واختلف العلماء في موضع الموضحة من الجسد بعد اتفاقهم على ما قلنا، أعني: على وجوب القصاص في العمد، ووجوب الدية في الخطأ منها؛ فقال مالك: لا تكون الموضحة إلا في جهة الرأس والجبهة والخدين واللحي الأعلى، ولا تكون في اللحي الأسفل؛ لأنه في حكم العنق ولا في الأنف.
وأما الشافعي وأبو حنيفة: فالموضحة عندهم في جميع الوجه والرأس.
المغني -ابن قدامة- (8/ 318).
أحكام القصاص في الجراح:
(1) لا خلاف في وجوب القصاص في الموضحة:
ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة خلافًا، وهي: كل جرح ينتهي إلى العظم في الرأس والوجه؛ وذلك لأن الله تعالى نص على القصاص في الجروح، فلو لم يجب هاهنا لسقط حكم الآية، وفي معنى الموضحة: كل جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه، كالساعد، والعضد، والساق، والفخذ، في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي.
وقال بعض أصحابه: لا قصاص فيها؛ لأنه لا يقدر فيها. وليس بصحيح؛ لقول الله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، ولأنه أمكن استيفاؤها بغير حيف ولا زيادة؛ لانتهائها إلى عظم، فهي كالموضحة، والتقدير في الموضحة ليس هو المقتضي للقصاص، ولا عدمه مانعًا، وإنما كان التقدير في الموضحة لكثرة شينها، وشرف محلها؛ ولهذا قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه، ولا قصاص فيه، وكذلك الجائفة أرشها مقدر، لا قصاص فيه.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 403).
أحكام القصاص في الجراح:
(1) لا خلاف في وجوب القصاص في الموضحة:
أما الموضحة: فيجب فيها القصاص؛ لأن المماثلة فيها ممكنة من غير حيف، فيقدر الموضحة بالطول والعرض، ويعلم عليه بخيط أو سواد، ولا يعتبر العمق؛ لأنه يأخذ إلى العظم.
وإن كانت الشجة في الرأس وعلى موضعها في رأس الجاني شعر فالمستحب أن يحلق ذلك الشعر؛ لأنه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر جاز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 80).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة):
اتفق الفقهاء على أن القصاص واجب في الموضحة؛ لقوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، ولتيسير ضبطها واستيفاء مثلها؛ لأنه يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة، وقد قضى عليه الصلاة والسلام في الموضحة بالقصاص.
ونص المالكية والشافعية على أنه لا يشترط في الموضحة ما له بالٌ واتساعٌ، فيقتص وإن ضاق كقدر مغرز إبرة.
اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص فيما فوق الموضحة، وهي الهاشمة، والمنقلة، والآمَّة؛ لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيما بعدها؛ لأن كسر العظم وتنقله لا يمكن المساواة فيها.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 236-238).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة):
لا قصاص فيما بعد الموضحة:
• المراد من المسألة:
أنّ كل جرح يزيد على الموضّحة في شدّة الجراحة، فإنّ القصاص فيه لا يجب.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام الكاساني (ت 587 هـ): "وأما الشِّجاج فلا خلاف في أن الموضحة فيها القصاص...، ولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة".
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه".
ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (ت 1392 هـ).
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية في المشهور، والشافعية.
• مستند الإجماع:
أنّ القصاص في الجراح التي فوق الموضّحة يتعذر فيها الاستيفاء على وجه المماثلة؛ إذ لا يؤمن معها الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضه.
• من خالف الإجماع:
نقل الخلاف عن الصحابي عبد اللَّه بن الزبير، رضي اللَّه عنهما، في المأمومة، والمنقلة، وأنه أقاد منهما، فقد روي عنه أنه اقتص من المأمومة، ونقل عن الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه وجوب القصاص في المنقّلة.
وذهب الإمام ابن حزم من الظاهرية، إلى وجوب القصاص من جميع الجراح كلّها، ما قبل الموضحة وما بعدها، واحتج بعموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، حيث قال: "فلو علم اللَّه تعالى أن شيئًا من ذلك لا تمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص في الجروح جملة، ولم يخصّ شيئًا، فنحن نشهد بشهادة اللَّه تعالى التامة الصادقة، ونقطع قطع الموقن المصدق بكلام ربه تعالى، أن ربنا عز وجل لو أراد تخصيص شيء من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبيّنها لنا.
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 241-243).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة):
لا قصاص في المأمومة:
• المراد من المسألة:
أن المأمومة والآمَّة - وهي الجرح الذي يخرق العظم ويبلغ الدماغ حتى يبقى بينها وبين الدماغ جلد رقيق - لا قصاص ولا قود فيه.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن المنذر (ت 317 هـ): "وأجمعوا ألّا قود في المأمومة".
0 وقال الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): "لا أعلم أحدًا قال في المأمومة قود، ولا في الجائفة".
0 وقال الإمام ابن رشد الجدّ (ت 520 هـ): "وأما المأمومة وهي التي تخرق العظم وتبلغ الدماغ، وهو أم الرأس، ففيها ثلث الدية، في العمد أيضًا والخطأ؛ إذ لا قصاص فيها؛ لأنها من المتالف، ولا خلاف فيها بين أهل العلم.
0 وقال الإمام ابن رشد الحفيد (ت 595 هـ): "وأما المأمومة فلا خلاف أنه لا يقاد منها، وأن فيها ثلث الدية إلا ما حكي عن ابن الزبير".
0 وقال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "المأمومة شجاج الرأس...، والجائفة في البدن...، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدًا قص منها قبل ابن الزبير".
0 وقال شمس الدين ابن قدامة (ت 682 هـ): "ولا قصاص في المأمومة من شجاج الرأس ولا في الجائفة، والمأمومة: هي التي تصل إلى جلدة الدماغ، والجائفة: هي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية.
• مستند الإجماع:
1- عن العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقِّلة".
2- عن علي رضي اللَّه عنه، أنه قال: "ليس في الجائفة، والمأمومة، ولا المنقلة قصاص".
3- أن المأمومة جُرح لا تؤمن الزيادة فيه، فلم يجب فيها قصاص ككسر العظام، وكسر العظام لا قصاص فيه".
• من خالف الإجماع:
خالف في هذه المسألة: الصحابي عبد اللَّه بن الزبير، رضي اللَّه عنهما، فقد روي عنه أنه اقتص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدًا اقتص منها قبل ابن الزبير.
وذهب ابن حزم من الظاهرية إلى وجوب القصاص من جميع الجراح: المنقلة، والمأمومة وغيرهما، واحتج بعموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، حيث قال: "فلو علم اللَّه تعالى أن شيئًا من ذلك لا تمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص في الجروح جملة، ولم يخص شيئًا، فنحن نشهد بشهادة اللَّه تعالى التامة الصادقة، ونقطع قطع الموقن المصدق بكلام ربه تعالى، أن ربنا عز وجل لو أراد تخصيص شيء من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبينها لنا".
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 243-245).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة)
لا قصاص في المنقِّلة:
• المراد من المسألة:
أن المنقِّلة وهي ما ينقل العظم عن موضعه من الجراح؛ لا يجب فيها قود ولا قصاص.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن المنذر (ت 317 هـ): "وأجمعوا على أن المنقِّلة لا قود فيها، وانفرد ابن الزبير، فرُوِّينا أنه أقاد منها".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع المنقول: الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
1- عن العباس بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا قَوَد في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقِّلة".
2- ما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ".
والمنقِّلة جرح من جراح العظم، كما تقدم.
3- أن القصاص في المنقِّلة ممتنع؛ لتعذر إمكان المماثلة الذي يبنى عليه القصاص.
• من خالف الإجماع:
خالف في هذه المسألة: الصحابي عبد اللَّه بن الزبير، رضي اللَّه عنهما، فقد روي عنه أنه اقتص من المنقلة، والإمام مالك في إحدى الروايتين عنه.
واحتُجّ له بأن المنقّلة أمرها أخفّ من المأمومة؛ لأن أكثر ما فيها رضّ العظم مع بقاء الصفاق، وذلك لا يكون منه التلف غالبًا؛ لأن أكثر ما فيه القود.
وذهب ابن حزم من الظاهرية إلى وجوب القصاص من جميع الجراح، المنقلة، والمأمومة وغيرهما، واحتج بعموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، حيث قال: "فلو علم اللَّه تعالى أن شيئًا من ذلك لا تمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص في الجروح جملة، ولم يخص شيئًا، فنحن نشهد بشهادة اللَّه تعالى التامة الصادقة، ونقطع قطع الموقن المصدق بكلام ربه تعالى، أن ربنا عز وجل لو أراد تخصيص شيء من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبينها لنا.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف في المسألة.
المغني -ابن قدامة- (8/ 323).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة)
مسألة: قال: (وليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص).
المأمومة: شجاج الرأس، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى تلك الجلدة: أم الدماغ؛ لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى: مأمومة وآمَّة؛ لوصولها إلى أم الدماغ، والجائفة في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما، أنه قص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدًا قص منها قبل ابن الزبير.
وممن لم ير في ذلك قصاصًا: مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن علي رضي الله عنه: لا قصاص في المأمومة. وقاله مكحول، والزهري، والشعبي.
وقال عطاء، والنخعي: لا قصاص في الجائفة.
وروى ابن ماجه في سننه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة».
ولأنهما جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما، فلم يجب فيهما قصاص، ككسر العظام.
المغني -ابن قدامة- (8/ 323).
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة)
فصل: وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص، سوى الموضحة، وسواء في ذلك ما دون الموضحة، كالحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، وما فوقها، وهي الهاشمة والمنقلة والآمَّة، وبهذا قال الشافعي.
فأما ما فوق الموضحة: فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما، أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه.
وممن قال به عطاء، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف ذلك.
ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما، أشبها المأمومة والجائفة.
وأما ما دون الموضحة: فقد روي عن مالك وأصحاب الرأي أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق.
ولنا: أنها جراحة لا تنتهي إلى عظم، فلم يجب فيها قصاص، كالمأمومة، ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام، وبيان ذلك: أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق أفضى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقه، ولأننا لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها، فكذلك في غيرها، وبهذا قال الحسن وأبو عبيد.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 80-81).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
واختلفوا فيما دون الموضحة، فذهب الحنفية في ظاهر المذهب، وهو الأصح عندهم، والمالكية، وهو رواية عن الشافعية في الباضعة والمتلاحمة والسمحاق، إلى وجوب القصاص فيما قبل الموضحة أيضًا.
واستدلوا بقوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45].
ولأنه يمكن اعتبار المساواة فيما قبلها بمعرفة قدر الجراحة، فيستوفى منه مثل ما فعل.
واستثنى الشرنبلالي من الحنفية السمحاق؛ فلا يقاد فيها كالهاشمة، والمنقلة.
ويرى الشافعية عدم وجوب القصاص في الحارصة مطلقًا، وفي الباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق على المذهب، والدامية كالحارصة عندهم، وقيل: كالباضعة.
وأما الحنابلة فلا قصاص عندهم فيما دون الموضحة مطلقًا.
ولم يذكر محمد بن الحسن الحارصة، والدامية، والدامغة؛ لأن الحارصة والدامية لا يبقى لهما أثر في العادة، والشجة التي لا يبقى لها أثر لا حكم لها في الشرع. والدامغة لا يعيش معها عادة، فلا معنى لبيان حكم الشجة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 238-239).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
لا قصاص لمن ذهب ضوء عينه بشجة دون الموضحة:
• المراد من المسألة:
أن الشجة إذا وقعت على العين، وكانت دون الموضّحة، وذهب بها ضوء العين، فإن القصاص فيها لا يجب، فلا تشج عين الجاني بقصد إذهاب بصره.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن قدامة (ت 620 هـ): "وإن شجّه شجة دون الموضحة، فأذهب ضوء عينه؛ لم يقتص منه مثل شجته، بغير خلاف نعلمه".
0 وقال ابن مفلح (ت 884 هـ): "(وإذا أوضح إنسانًا) أو شجّه دون موضحة، أو لطمه (فذهب ضوء عينه، أو سمعه، أو شمه، فإنه يوضحه) أي: فعل به، كما فعل؛ لأنه يمكن القود منه من غير حيف؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه، (فإن ذهب ذلك، وإلا استعمل فيه ما يذهبه)؛ لأنه يستوفي حقه من غير زيادة، فيطرح في العين كافورًا، أو يقرّب منه مرآة، أو يَحمي له حديدة أو مرآة ثم يقطر عليها ماء، ثم يقطر منه في العين؛ ليذهب بصرها، ولا يقتص منه مثل شَجّته، بغير خلاف علمنا".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
• مستند الإجماع:
أن الشَّجّة فيما دون الموضِّحة لا قصاص فيها إذا لم يذهب ضوء العين، فكذلك إذا ذهب.
• من خالف الإجماع:
خالف الإمام ابن حزم من الظاهرية، فأوجب القصاص من الشجة ومن ذهاب العين.
وحجته: قول اللَّه تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194]، قال: وهذا اعتداء منه بفعلين: شجه، وإذهاب عينه، فلا بد من القودين كليهما".
النتيجة:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 245-248).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
ثبوت الحكومة في جراح الخطأ فيما دون الموضحة بعد الاندمال.
• المراد من المسألة:
إذا جنى أحد على آخر بجراحة دون الموضحة من إحدى الجراحات الخمس، وهي: الحارِصة، والبازِلة، والباضِعة، والمتلاحمة، والسِّمحاق، فإن القصاص فيها لا يجب باتفاق، وإنما الواجب فيها حكومة، ومحلّ تقديرها بعد اندمال الجرح.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام مالك (ت 179 هـ): "الأمر عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحة، وإنما العَقل في الموضّحة فما فوقها، وذلك أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- انتهى إلى الموضحة، في كتابه لعمرو بن حزم، فجعل فيها خمسًا من الإبل، ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث فيما دون الموضحة بعقل".
0 وقال الإمام ابن رشد (ت 595 هـ): "اتفقوا على أنه ليس فيما دون الموضحة خطأ عقل، وإنما فيها حكومة".
0 وقال الإمام ابن هُبيرة (ت 560 هـ): "وأجمعوا على أن في كل واحد منها حكومة بعد الاندمال".
0 وقال الإمام قاضي صَفَد (ت بعد 780 هـ): "وأجمعوا على أن في كل واحدة من هذه الخمسة حكومة بعد الاندمال".
• من وافق الإجماع:
وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية.
• مستند الإجماع:
أن هذه الجراحات التي دون الموضِحة ليس فيه أرش مقدر شرعًا، ولا يمكن إهداره، فوجب اعتباره بحكم العدل.
• من خالف الإجماع:
الخلاف في هذه المسألة مروي عن زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه-، وعمر، وعثمان، رضي اللَّه عنهما، وعلي -رضي اللَّه عنه-، حيث روي عن زيد أنه قضى في الدامية ببعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاث من الإبل، وفي السمحاق أربع، وروي عن عمر وعثمان رضي اللَّه عنهما أنهما قضيا في الملطاة -وهي السمحاق- نصف دية الموضحة، وروي عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قضى في السِمحاق بأربع من الإبل.
وأخذ أبو العباس بن سُرَيج بقول زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه-، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهناك وجه آخر حكي عن الإمام الشافعي، وهو أن يعتبر قدر ما انتهت إليه تلك الجراحة في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتى وصلت إلى العظم إذا أمكن، فإذا عُرف مقداره من ربع، أو ثلث، أو نصف، كان فيه بقدر ذلك من ديّة الموضحة، فإن عُلم أنه النصف وشُكّ في الزيادة اعتبر شكّه بتقويم الحكومة، فإن زاد على النصف وبلغ الثلثين زال حكم الشك في الزيادة بإثباتها، وحُكم بها، ولزم ثلثا دية الموضحة، وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها وحكم بنصف الدية، وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة، وثبت حكم النصف، فإن لم يُعلم مقدار ذلك من الموضحة عُدل حينئذ إلى الحكومة التي يتقدّر الأرش فيها بالتقويم.
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
ويفهم من عبارة الشافعي في ذلك أنه قد خالف فيها بعض أهل العلم؛ فإنه قال: "ولم أعلم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى فيما دون الموضحة من الشجاج بشيء، وأكثر قول من لقيت أنه ليس فيما دون الموضحة أرش معلوم، وأن في جميع ما دونها حكومة"، قال: "وبهذا نقول".
تنبيه:
محل الاتفاق عند من رأى الحكومة فيما دون الموضّحة بعد الاندمال إذا برئت على شين، وأما إذا برئت على غير شين فقد اختلف فيها.
قال ابن رشد: ومالك يعتبر في إلزام الحكومة فيما دون الموضحة أن تبرأ على شين، والغير من فقهاء الأمصار يلزم فيها الحكومة برئت على شين أو لم تبرأ، فهذه هي أحكام ما دون الموضحة.
المغني -ابن قدامة- (8/ 317).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
الثالث [من شروط القصاص]: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126]، وقال: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194].
ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، فيحرم استيفاؤه بعد الجناية، كتحريمه قبلها، ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه.
وممن منع القصاص فيما دون الموضحة: الحسن، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي.
ومنعه في العظام: عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والنخعي، والزهري، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
المغني -ابن قدامة- (8/ 323).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
فصل: وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة، وسواء في ذلك ما دون الموضحة، كالحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، وما فوقها، وهي الهاشمة والمنقلة والآمة.
وبهذا قال الشافعي.
فأما ما فوق الموضحة: فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير، أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه.
وممن قال به عطاء، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف ذلك.
ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما، أشبها المأمومة والجائفة.
وأما ما دون الموضحة: فقد روي عن مالك وأصحاب الرأي أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق.
ولنا: أنها جراحة لا تنتهي إلى عظم، فلم يجب فيها قصاص، كالمأمومة، ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام، وبيان ذلك: أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق أفضى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقه، ولأننا لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها، فكذلك في غيرها، وبهذا قال الحسن وأبو عبيد.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 403).
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة:
قال في الأم: "لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج"، ونقل المزني: لو جرحه فلم يوضحه اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة.
واختلف أصحابنا فيه، فقال الخراسانيون: هل يجب القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج؟ فيه قولان، قال أكثر أصحابنا البغداديين: لا يجب القصاص فيما دون الموضحة، وما نقله المزني فيه سهو؛ لأن القصاص هو المماثلة، ولا يمكن المماثلة فيما دون الموضحة، فلو أوجبنا فيها القصاص لم يأمن أن تؤخذ موضحة بمتلاحمة؛ لأنه قد يكون رأس المجني عليه غليظ الجلد كثير اللحم، ويكون رأس الجاني رقيق الجلد قليل اللحم، فإذا قدرنا العمق في المتلاحمتين ورأس المجني عليه، وأوجنا قدره في رأس الجاني، فربما بلغت إلى العظم، وذلك لا يجوز.
وقال الشيخ أبو حامد: يمكن عندي القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج، على ما نقله المزني بأن يكون في رأس المجني عليه موضحة، وفي رأس الجاني موضحة، فينظر إلى المتلاحمة التي في رأس المجني عليه، وينظر كم قدرها من الموضحة، فإن كان قدر نصفها نظر كم قدر الموضحة التي في قدر رأس الجاني فنقص منه نصف موضحته التي في رأسه، والمشهور أنه لا قصاص في ذلك.
الموسوعة الفقهية الكويتية (15/ 82-84).
(4) اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لعدم التماثل، وأما غير الجائفة فاختلفوا:
الجائفة لغة: الجراحة التي وصلت الجوف، فلو وصلت إلى جوف عظم الفخذ لم تكن جائفة؛ لأن العظم لا يعد مجوفًا.
ولا يخرج معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهي الجرح الذي ينفذ ويصل إلى جوف، كبطن، وصدر، وثغرة نحر، وجنبين، وخاصرة، ومثانة، وعجان، وكذا لو أدخل من الشرج شيئًا فخرق به حاجزًا في البطن.
ولو نفذت الطعنة أو الجرح في البطن وخرجت من محل آخر فجائفتان.
وتحصل الجائفة بكل ما يفضي إلى باطن جوف، فلا فرق بين أن يجيف بحديدة أو خشبة محددة، ولا بين أن تكون الجائفة واسعة أو ضيقة ولو قدر إبرة.
الحكم الإجمالي:
2- اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة، وأن فيها ثلث الدية، سواء أكانت عمدًا أم خطأً؛ لحديث عمرو بن حزم في كتابه، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، الذي فيه: "وفي الجائفة ثلث الدية"، وعليه الإجماع، ولأنه لا تؤمن الزيادة فيها فلم يجب فيها قصاص، ولحديث ابن عباس رضي الله عنه: "لا قود في المأمومة ولا الجائفة".
واتفقوا في الجائفة إذا نفذت من جانب لآخر أنها جائفتان في كل منهما ثلث الدية.
وإن خرقت جائفة البطن الأمعاء، أو لذعت كبدًا أو طحالًا، أو كسرت جائفة الجنب الضلع، ففيها مع الدية حكومة عدل.
ومن مات بجائفة فيتعين القتل بالسيف على الجاني (عند من لا يرى القود إلا بالسيف)؛ لتعذر المماثلة فيه، وهو المعتمد عند الحنابلة، وفي قول: يفعل به كفعله، أي: يجاف مع قتله بالسيف، وهو المعتمد عند الشافعية، ويذكرون أحكامًا فيمن أجاف شخصًا جائفتين بينهما حاجز، وفيمن التحمت جائفته ففتحها آخر، وفيمن وسع جائفة غيره في أبواب الديات من كتب الفقه.
3- وذهب جمهور الفقهاء إلى أن من داوى جائفة بدواء، فوصل إلى جوفه، فإنه يفسد صومه، وعليه القضاء، وإن لم يصل الدواء إلى باطن الأمعاء؛ وذلك لأنه أدخل شيئًا إلى جوفه باختياره.
وذهب المالكية وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية وابن تيمية إلى أن صومه لا يفسد، ولا شيء عليه، سواء أكان الدواء مائعًا أم غير مائع؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب.
4- وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تثبت الحرمة بالرضاع بإقطار اللبن في الجائفة ما لم يصل اللبن إلى المعدة لخرق في الأمعاء مثلًا؛ لأن وصول اللبن إلى الجوف لا يحصل به التغذي، والحرمة إنما تثبت بما ينبت به اللحم، وينشز به العظم، ويندفع به الجوع.
وذهب بعض الحنفية والشافعية في القول الآخر إلى أنه يحصل التحريم بوصول اللبن إلى جوف الرضيع، ولو من جائفة.
وتوقف العلامة الأجهوري من المالكية في اللبن الواصل للجوف من ثقبة، في حين رجح الشيخ النفراوي التحريم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (11/ 239-241).
(4) اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لعدم التماثل، وأما غير الجائفة فاختلفوا:
لا قصاص في الجائفة:
• المراد من المسألة:
أن الجناية في الجائفة لا يجب فيها قصاص.
• من نقل الإجماع:
0 قال الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): "لا أعلم أحدًا قال: في المأمومة قود، ولا في الجائفة".
0 وقال الإمام ابن رشد (ت 595 هـ): "وأما الجائفة: فاتفقوا على أنها من جراح الجسد، لا من جراح الرأس، وأنها لا يقاد منها".
وقد نقله عنه الإمام الصنعاني (ت 1182 هـ).
0 وقال موفق الدين ابن قدامة (ت 620 هـ): "المأمومة: شِجاج الرأس، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ؛ لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى: مأمومة وآمة؛ لوصولها إلى أم الدماغ، والجائفة في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قصّ من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدًا قص منها قبل ابن الزبير".
0 وقال شمس الدين ابن قدامة (ت 682 هـ): "ولا قصاص في المأمومة من شجاج الرأس، ولا في الجائفة، والمأمومة هي التي تصل إلى جلدة الدماغ، والجائفة هي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه".
• من وافق الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية.
• مستند الإجماع:
1- عن العباس بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقِّلة".
2- عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قال: "ليس في الجائفة، والمأمومة، ولا المنقلة قصاص".
3- أن القصاص في الجائفة لا يؤمن معه التعدّي، والقصاص لا يجب إلا فيما يتأتّى فيه القصاص، ولا يخشى معه التلف.
• من خالف الإجماع:
خالف في هذه المسألة: الإمام ابن حزم من الظاهرية، فذهب إلى وجوب القصاص من الجائفة ومن جميع الجراح، واحتج بعموم قوله تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، حيث قال: "فلو علم اللَّه تعالى أن شيئًا من ذلك لا تمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص في الجروح جملة، ولم يخصّ شيئًا، فنحن نشهد بشهادة اللَّه تعالى التامة الصادقة، ونقطع قطع الموقن المصدق بكلام ربه تعالى، أن ربنا عز وجل لو أراد تخصيص شيء من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبيّنها لنا".
الترجيح:
عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف في المسألة.
المغني -ابن قدامة- (8/ 323).
(4) اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لعدم التماثل، وأما غير الجائفة فاختلفوا:
مسألة: قال: (وليس في المأمومة، ولا في الجائفة قصاص).
المأمومة: شجاج الرأس، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى تلك الجلدة: أم الدماغ؛ لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى: مأمومة وآمة؛ لوصولها إلى أم الدماغ، والجائفة في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما، أنه قص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدًا قص منها قبل ابن الزبير.
وممن لم ير في ذلك قصاصًا: مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن علي رضي الله عنه: لا قصاص في المأمومة، وقاله مكحول، والزهري، والشعبي.
وقال عطاء، والنخعي: لا قصاص في الجائفة.
وروى ابن ماجه في سننه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة»، ولأنهما جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما، فلم يجب فيهما قصاص، ككسر العظام.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (18/ 405).
(4) اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لعدم التماثل، وأما غير الجائفة فاختلفوا:
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فينظر فيها، فإن وصلت إلى عظم وجب فيه القصاص.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب فيها القصاص؛ لأنها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش خالفتها في وجوب القصاص، والمنصوص هو الأول؛ لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف، فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا إن كانت في موضع عليه شعر كثير، فالمستحب أن يحلق موضعها، ويعلم على موضعها سواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس.
وإن كانت الجراحة في العضد فزيد قدرها على عضد الجاني لم ينزل في الزيادة على عالي الساعد، وإن كانت في الفخذ وزاد قدرها على فخذ الجاني لم ينزل في الزيادة إلى الساق، وإن كانت في الساق وزاد قدرها على ساق الجاني لم ينزل في الزيادة إلى القدم، كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا، وإن كانت فيما دون الموضحة لم يجب فيها القصاص على المشهور من المذهب؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيه.
وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد، وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس في الوجه يكون ههنا مثله، وإن كانت الجراحة جائفة أو كسر عظم لم يجب القصاص فيها؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيها، ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع وصلت إلى عظم ثم كسرت أو أجافت وجب القصاص فيها إلى العظم، ووجب الأرش فيما زاد.