الموسوعة الفهية الكويتية (6/ 49: 53)
شروط الإقرار
المقر من صدر منه الإخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه وتشترط فيه أمور:
الشرط الأول: المعلومية.
أول ما يشترط لاعتبار الإقرار والأخذ به أن يكون المقر معلوما حتى لو قال رجلان: لفلان على واحد منا ألف درهم لا يصح، لأنه إذا لم يكن معلوما لا يتمكن المقر له من المطالبة، وكذلك إذا قال أحدهما: غصب واحد منا، أو زنا، أو سرق، أو شرب، أو قذف، لأن من عليه الحق غير معلوم ويجبران على البيان.
الشرط الثاني: العقل:
ويشترط في المقر أن يكون عاقلا. فلا يصح إقرار الصبي غير المميز والمجنون والمعتوه والنائم والسكران على تفصيل يأتي بيانه.
إقرار المعتوه:
لا يصح إقرار المعتوه ولو بعد البلوغ، لأن حكمه حكم الصبي المميز، فلا يلتزم بشيء فيه ضرر إلا إذا كان مأذونا له فيصح إقراره بالمال، لكونه من ضرورات التجارة: كالديون، والودائع، والعواري، والمضاربات، والغصوب، فيصح إقراره. لالتحاقه في حقها بالبالغ العامل. بخلاف ما ليس من باب التجارة: كالمهر، والجناية، والكفالة، حيث لا يصح إقراره بها لأنها لا تدخل تحت الإذن .
إقرار النائم والمغمى عليه:
النائم والمغمى عليه إقرارهما كإقرار المجنون لأنهما حال النوم والإغماء ليسا من أهل المعرفة والتمييز، وهما شرطان لصحة الإقرار.
إقرار السكران:
السكران من فقد عقله بشرب ما يسكر، وإقرار السكران جائز بالحقوق كلها إلا الحدود الخالصة، والردة بمنزلة سائر التصرفات. وهذا عند الحنفية والمزني من الشافعية وأبي ثور إذا كان سكره بطريق محظور، لأنه لا ينافي الخطاب، إلا إذا أقر بما يقبل الرجوع كالحدود الخالصة حقا لله تعالى، لأن السكران يكاد لا يثبت على شيء فأقيم السكر مقامه فيما يحتمل الرجوع فلا يلزمه شيء.
وإن سكر بطريق غير محرم، كمن شرب المسكر مكرها لا يلزمه شيء، وكذا من شرب ما لا يعلم أنه مسكر فسكر بذلك.
وقال المالكية: إن السكران لا يؤاخذ بإقراره، لأنه وإن كان مكلفا إلا أنه محجور عليه في المال. وكما لا يلزمه إقراره - لا تلزمه العقود، بخلاف جناياته فإنها تلزمه.
وقال جمهور الشافعية: إقرار السكران صحيح، ويؤاخذ به في كل ما أقر به، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله سبحانه أو على حق العبد، لأن المتعدي بسكره يجب أن يتحمل نتيجة عمله، تغليظا عليه وجزاء لما أقدم عليه وهو يعلم أنه سيذهب عقله.
أما من تغيب عقله بسبب يعذر فيه فلا يلزم بإقراره، سواء أقر بما يجب فيه الحد حقا لله خالصا أو ما فيه حق العبد أيضا.
وكذا فإنه لا يصح إقرار السكران في رواية عند الحنابلة، قال ابن منجا: إنها المذهب وجزم به في الوجيز وغيره. وجاء في أول كتاب الطلاق عند الحنابلة أن في أقوال السكران وأفعاله خمس روايات أو ستة، وأن الصحيح في المذهب: أنه مؤاخذ بعبارته.
(إقرار السفيه:
السفيه بعد الحجر عليه لا يصح إقراره بالمال، لأنه من التصرفات الضارة المحضة من حيث الظاهر، وإنما قبل الإقرار من المأذون للضرورة.
وإذا بلغ الصبي سفيها أو ذا غفلة وحجر عليه بسبب ذلك أو اعتبر محجورا عليه فإنه في تصرفاته المالية الضارة يأخذ حكم الصبي المميز، فإذا تزوج وأقر بأن المهر الذي قرره لها أكثر من مهر المثل فالزيادة باطلة، وهكذا فإن القاضي يرد كل تصرفاته المالية الضارة وعلى القول بأن الحجر عليه لا بد من الحكم به ولا يكون تلقائيا بسبب السفه فإن السفيه المهمل - أي الذي لم يحجر عليه - يصح إقراره.
ونص الشافعية على أنه لا يصح إقراره بنكاح، ولا بدين أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر، أو إلى ما بعده، ولا يقبل إقراره بعين في يده في حال الحجر، وكذا بإتلاف مال الغير، أو جناية توجب المال في الأظهر. وفي قول عندهم يقبل، لأنه إذا باشر الإتلاف يضمن، فإذا أقر به قبل إقراره، ويصح إقراره بالحد والقصاص لعدم تعلقهما بالمال، وسائر العقوبات مثلهما لبعد التهمة، ولو كان الحد سرقة قطع، ولا يلزمه المال.
وذكر الأدمي البغدادي من الحنابلة: أن السفيه إن أقر بحد أو قود أو نسب أو طلاق لزم - ويتبع به في الحال - وإن أقر بمال أخذ به بعد رفع الحجر عنه.
والصحيح من مذهب الحنابلة: صحة إقرار السفيه بالمال سواء لزمه باختياره أو لا، ويتبع به بعد فك الحجر عنه، وقيل: لا يصح مطلقا، وهو احتمال ذكره ابن قدامة في المقنع في باب الحجر، واختاره هو والشارح .
الشرط الثالث البلوغ.
أما البلوغ فإنه ليس بشرط لصحة الإقرار فيصح إقرار الصبي العاقل المأذون له بالدين والعين، لأن ذلك من ضرورات التجارة، ويصح إقراره في قدر ما أذن له فيه دون ما زاد، ونص الحنابلة على أنه المذهب وعليه جمهور الأصحاب، وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر: رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، ولأنه لا تقبل شهادته، وفي قول عند الحنابلة: إنه لا يصح إقرار المأذون له إلا في الشيء اليسير. إلا أنه لا يصح إقرار المحجور عليه، لأنه من التصرفات الضارة المحضة من حيث الظاهر. ويقبل إقرار الصبي ببلوغه الاحتلام في وقت إمكانه، إذ لا يمكن معرفة ذلك إلا من جهته، وكذا ادعاء الصبية البلوغ برؤية الحيض. ولو ادعى البلوغ بالسن قبل ببينة، وقيل: يصدق في سن يبلغ في مثلها، وهي تسع سنين، وقيل: عشر سنين، وقيل: اثنتا عشرة سنة، ويلزمه بهذا البلوغ ما أقر به.
وأفتى الشيخ تقي الدين: فيمن أسلم أبوه، فادعى أنه بالغ، بأنه إذا كان لم يقر بالبلوغ إلى حين الإسلام فقد حكم بإسلامه قبل الإقرار بالبلوغ. وذلك بمنزلة ما إذا ادعت انقضاء العدة بعد أن ارتجعها، وقال: هذا يجيء في كل من أقر بالبلوغ بعد حق ثبت في حق الصبي، مثل الإسلام، وثبوت أحكام الذمة تبعا لأبيه.
الشرط الرابع: فهم المقر لما يقر به.
لا بد للزوم الإقرار واعتباره - أن تكون الصيغة مفهومة للمقر فلو لقن العامي كلمات عربية لا يعرف معناها لم يؤاخذ بها، لأنه لما لم يعرف مدلولها يستحيل عليه قصدها، لأن العامي - غير المخالط للفقهاء - يقبل منه دعوى الجهل بمدلول كثير من ألفاظ الفقهاء، بخلاف المخالط فلا يقبل منه فيما لا يخفى على مثله معناه. وبالأولى لو أقر العربي بالعجمية أو العكس وقال: لم أدر ما قلت، صدق بيمينه، لأنه أدرى بنفسه، والظاهر معه .
الشرط الخامس: الاختيار.
ويشترط في المقر الاختيار، مدعاة للصدق، فيؤاخذ به المكلف بلا حجر، أي حال كونه غير محجور عليه. فإذا أقر الحر البالغ العاقل طواعية بحق لزمه. وقال الحنابلة: إنه يصح من مكلف مختار بما يتصور منه التزامه، بشرط كونه بيده وولايته واختصاصه، ولو على موكله أو مورثه أو موليه الشرط السادس: عدم التهمة.
ويشترط في المقر لصحة إقراره أن يكون غير متهم في إقراره، لأن التهمة تخل برجحان الصدق على جانب الكذب في إقراره، لأن إقرار الإنسان على نفسه شهادة. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم } والشهادة على نفسه إقرار. والشهادة ترد بالتهمة . ومن أمثلته: ما لو أقر لمن بينه وبينه صداقة أو مخالطة.
وممن يتهم في إقراره المدين المحجور عليه، لإحاطة الدين بماله الذي حجر عليه فيه، وهو ما يعبر عنه بالمفلس.
بل صرح المالكية أن هذا القيد - ألا يكون متهما - إنما يعتبر في المريض ونحوه والصحيح المحجور عليه، لإحاطة الدين بماله الذي حجر عليه فيه.
والصحيح: أن المفلس بالنسبة لما فلس فيه متهم في إقراره، فلا يقبل إقراره لأحد، حيث كان الدين الذي فلس فيه ثابتا بالبينة، لأنه متهم على ضياع مال الغرماء، ولا يبطل الإقرار، بل هو لازم يتبع به في ذمته، ويؤاخذ به المقر فيما يجد له من مال فقط، ولا يحاص المقر له الغرماء بالدين الذي أقر له به المفلس ونقل القاضي عن الإمام أحمد أن المفلس إذا أقر، وعليه دين ببينة، يبدأ بالدين الذي بالبينة، لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته، فوجب ألا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة، كغريم المفلس الذي أقر له بعد الحجر عليه، وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي.
وفصل الشافعية، فقالوا: لو أقر المفلس بعين أو دين وجب قبل الحجر، فالأظهر قبوله في حق الغرماء لانتفاء التهمة الظاهرة، وقيل: لا يقبل إقراره في حق الغرماء، لئلا يضرهم بالمزاحمة، ولأنه ربما واطأ المقر له.
وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر لم يقبل في حقهم، بل يطالب بعد فك الحجر. ولو لم يسند وجوبه إلى ما قبل الحجر ولا لما بعده، فقياس المذهب - على ما قاله الرافعي - تنزيله على الأقل، وهو جعله كالمسند إلى ما بعد الحجر.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 521 ، 530 ، 532 )
شروط الإقرار
من نقل الإجماع: ابن حزم حيث قال: (واتفقوا أن إقرار الحر البالغ العاقل غير المحجور عليه فيما يملك، إذا كان إقراره ذلك مفهوما غير مستثنى منه شيء، ولا متصل به ما يبطله، وكان غير سكران ولا مكره، ولا مفلس، ولم يوقن كذبه، فإنه مصدق، ومحكوم عليه، إذا صدقه المقر له). ابن رشد حيث قال: (وأما الإقرار إذا كان بينًا فلا خلاف في وجوب الحكم به) . . .
لا يصح إقرار المجنون
• المراد بالمسألة: أن المجنون لا يجوز إقراره بحال من الأحوال لأنه لا يعقل وكذلك الذي تنتابه حالات جنون وإفاقة إذا أقر وقت زوال العقل بالجنون، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: الشافعي حيث قال: (من أقر من البالغين غير المغلوبين على عقولهم بشيء يلزمه به عقوبة في بدنه من حد أو قتل أو قصاص أو ضرب أو قطع لزمه ذلك الإقرار حرًا كان أو مملوكا محجورا كان أو غير محجور عليه؛ لأن كل هؤلاء ممن عليه الفرض في بدنه، ولا يسقط إقراره عنه فيما لزمه في بدنه؛ لأنه إنما يحجر عليه في ماله لا بدنه، ولا عن العبد وإن كان مالا لغيره؛ لأن التلف على بدنه بشيء يلزمه بالفرض كما يلزمه الوضوء للصلاة وهذا ما لا أعلم فيه من أحد سمعت منه ممن أرضى خلافًا) .
ابن حزم حيث قال: (واتفقوا أن من أقر على نفسه في حد واجب، بقتل أو سرقة في مجلسين مفترقين، وهو حر عاقل بالغ غير سكران ولا مكره، وكان ذلك الإقرار في غير مجلس الحاكم بحضرة بينة عدول، وغاب بين الإقرارين عن المجلس حتى لم يروه، ثم ثبت على إقراره حتى يقتل أو يقطع -على ما نذكره في كتاب الحدود إن شاء اللَّه- فقد أقيم عليه الحد الواجب) .
عون الدين ابن هبيرة حيث قال: (واتفقوا على أن المجنون والصبي غير المميز والصغير غير المأذون له لا يقبل إقرارهم ولا طلاقهم ولا تلزم عقودهم) .
ابن قدامة حيث قال: (ولا يصح الإقرار إلا من عاقل مختار. فأما الطفل، والمجنون، والمبرسم، والنائم، والمغمى عليه، فلا يصح إقرارهم. لا نعلم في هذا خلافًا).
شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عبادته باتفاق العلماء. . . . ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته) . ابن مفلح حيث قال: (فأما الصبي والمجنون فلا يصح إقرارهما بغير خلاف نعلمه).
بدر الدين العيني حيث قال: (وركنه: ألفاظ فيما يجب به موجب الإقرار وشرطه: العقل والبلوغ بلا خلاف . . .
المغني لابن قدامة (7/ 262: 266)
شروط الإقرار
فصل: ولا يَصِحُّ الإِقْرَارُ إلَّا من عاقِلٍ مُخْتَارٍ. فأمَّا الطِّفْلُ، والمَجْنُونُ، والمُبَرْسَمُ ، والنائِمُ، والمُغْمَى عليه، فلا يَصِحُّ إقْرَارُهم. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا وقد قال عليه [الصَّلاةُ و] السَّلَامُ: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ" . فنَصَّ على الثَّلاثةِ، والمُبَرْسَمُ والمُغْمَى عليه في مَعْنَى المَجْنُونِ والنائِمِ. ولأنَّه قَوْلٌ من غائِبِ العَقْلِ، فلم يَثْبُتْ له حُكْمٌ، كالبَيْعِ والطَّلَاقِ. وأما الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فإن كان مَحْجُورًا عليه، لم يَصِحَّ إقْرَارُه، وإن كان مَأْذُونًا له، صَحَّ إقْرَارُه في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه. قال أحمدُ، في رِوايةِ مُهَنَّا، في اليَتِيمِ: إذا أُذِنَ له في التِّجارَةِ وهو يَعْقِلُ البَيْعَ والشِّرَاءَ، فبَيْعُه وشِرَاؤُه جائِزٌ. وإن أقَرَّ أنَّه اقْتَضَى شَيْئًا من مالِه، جَازَ بِقَدْرِ ما أَذِنَ له وَلِيُّه فيه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبي موسى: إنَّما يَصِحُّ إقْرَارُه فيما أُذِنَ له في التِّجَارَةِ فيه، في الشَّىْءِ اليَسِيرِ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ إقْرَارُه بحالٍ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، فأشْبَهَ الطِّفْلَ، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه ولا رِوَايَتُه، فأَشْبَهَ الطِّفْلَ. ولَنا، أنَّه عاقِلٌ مُخْتَارٌ، يَصِحُّ تَصَرُّفُه، فصَحَّ إقْرَارُه، كالبالِغِ، وقد دَلَّلْنَا على صِحَّةِ تَصَرُّفِه فيما مَضَى، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على رَفْعِ التَّكْلِيفِ والإِثْمِ. فإن أقَرَّ مُرَاهِقٌ غيرُ مَأْذُونٍ له، ثم اخْتَلَفَ هو والمُقَرُّ له في بُلُوغِه، فالقولُ قولُه، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِه؛ لأنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ. ولا يَحْلِفُ المُقِرُّ؛ لأنَّنا حَكَمْنَا بعَدَمِ بُلُوغِه، إلَّا أن يَخْتَلِفَا بعدَ ثُبُوتِ بُلُوغِه، فعليه اليَمِينُ أنَّه حِينَ أقَرَّ لم يكُنْ بَالِغًا. ومن زَال عَقْلُه بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، أو مَعْذُور فيه، فهو كالمَجْنُونِ، لا يُسْمَعُ إقْرَارُه. بلا خِلَافٍ. وإن كان بمَعْصِيَةٍ، كالسَّكْرَانِ، ومَن شَرِبَ ما يُزِيلُ عَقْلَه عامِدًا لغير حاجَةٍ، لم يَصِحَّ إقْرَارُه. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ بنَاءً على وُقُوعِ طَلَاقِه. وهو مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ أفعَالَه تَجْرِى مَجْرَى الصَّاحِى. ولَنا، أنَّه غيرُ عاقِلٍ، فلم يَصِحّ إقْرَارُه، كالمَجْنُونِ الذي سَبَّبَ جُنُونَهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، ولأنَّ السَّكْرَانَ لا يُوثَقُ بِصِحَّةِ ما يقولُ، ولا تَنْتَفِى عنه التُّهْمَةُ فيما يُخْبِرُ به، فلم يُوجَدْ مَعْنَى الإِقْرَارِ المُوجِبِ لِقَبُولِ قَوْلِه. وأمَّا المُكْرَهُ فلا يَصِحُّ إقْرَارُه بما أُكْرِهَ على الإِقْرَارِ به. وهذا مذهبُ الشّافِعِىَّ؛ لقولِ رَسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" . ولأنَّه قَوْلٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ. وإن أقَرَّ بغيرِ ما أُكْرِه عليه، مثل أن يُكْرَهَ على الإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فأقَرَّ لغيرِه، أو بِنَوْعٍ من المالِ، فيُقِرَّ بغيرِه، أو على الإِقْرَارِ بطَلَاقِ امْرَأةٍ، فأَقَرَّ بطَلَاقِ أُخْرَى، أو أقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكْرَهْ عليه، فصَحَّ، كما لو أقَرَّ به ابْتِدَاءً. ولو أُكْرِهَ على أدَاءِ مالٍ، فبَاعَ شيئا من مالِه ليُؤَدِّىَ ذلك، صَحَّ بَيْعُه. نَصَّ عليه؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على البَيْعِ. ومن أقَرَّ بحَقٍّ، ثم ادَّعَى أنَّه كان مُكْرَهًا، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ، سواءٌ أقَرَّ عند السُّلْطانِ أو عندَ غيرِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ، إلَّا أن يكونَ هناك دَلَالَةٌ على الإِكْرَاهِ، كالقَيْدِ والحَبْسِ والتَّوْكِيلِ به، فيكونُ القولُ قولَه مع يَمِينهِ؛ لأن هذه الحال تَدُلُّ على الإِكْرَاهِ. ولو ادَّعَى أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ حال إِقْرَارِه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ السَّلَامَةُ حتى يُعْلَمَ غيرُها. ولو شَهِدَ الشُّهُودُ بإِقْرَارِه، لم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادةِ إلى أن يَقُولُوا طَوْعًا في صِحَّةِ عَقْلِه؛ لأنَّ الظاهِرَ سَلَامَةُ الحالِ وصِحَّةُ الشَّهَادَةِ. وقد ذَكَرْنا حُكْمَ إِقْرَارِ السَّفِيهِ والمُفْلِسِ والمَرِيضِ في أبْوابِه. وأمَّا العَبْدُ فيَصِحُّ إقْرَارُه بالحَدِّ والقِصَاصِ فيما دون النَّفْسِ؛ لأنَّ الحَقَّ له دُون مَوْلَاهُ. ولا يَصِحُّ إقْرَارُ المَوْلى عليه؛ لأنَّ المَوْلَى لا يَمْلِكُ من العَبْدِ إلَّا المالَ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إقْرَارُ المَوْلَى عليه بما يُوجِبُ القِصاصَ، ويَجِبُ المالُ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّ المالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه، وهى مالُ السَّيِّدِ، فصَحَّ إقْرَارُه به، كجِنايَةِ الخَطَإِ. وأمَّا إقْرَارُه بما يُوجِبُ القِصَاصَ في النَّفْسِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يُقْبَلُ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ. وبه قال زُفَرُ، والمُزَنِىُّ، ودَاوُدُ، وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِىّ؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِه بإقْرَارِه، فأَشْبَهَ الإِقْرَارَ بقَتْلِ الخَطَإِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في أنَّه يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عنه، ويَسْتَحِقَّ أخْذَه، فيَتَخَلَّصُ بذلك من سَيِّدِه. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَصِحُّ إقْرَارُه به. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فصَحَّ إقْرَارُه به، كما دُونَ النَّفْسِ. وبهذا الأَصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ الأَوَّلِ. ويَنْبَغِى على هذا القَوْلِ أن لا يَصِحَّ عَفْوُ وَلِىِّ الجِنَايةِ على مالٍ إلَّا باخْتِيَارِ سَيِّدِه، لئلَّا يُفْضِىَ إلى إِيجَابِ المالِ على سَيِّدِه بإقْرَارِ غيرِه، فلا يُقْبَلُ إقْرَارُ العَبْدِ بجِنايَةِ الخَطَإِ، ولا شِبْهِ العَمْدِ، ولا بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُها المالُ، كالجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ ، لأنَّه إِيجَابُ حَقٍّ في رَقَبَتِه، وذلك يَتَعَلَّقُ بحَقِّ المَوْلَى. ويُقْبَلُ إقْرَارُ المَولى عليه؛ [لأنَّه إيجَابُ حَقًّ في مالِه. وإن أقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُوجِبُها المالُ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه، ويُقْبَلُ إقْرَارُ المَوْلَى عليه] (14)؛ لما ذَكَرْنَا. وإن كان مُوجِبُها القَطْعُ والمالُ، فأقَرَّ بها العَبْدُ، وَجَبَ قَطْعُه، ولم يَجِب المالُ، سواءٌ كان ما أقَرَّ بِسَرِقَتِه باقِيًا، أو تَالِفًا في يَدِ السَّيِّدِ أو يَدِ العَبْدِ. قال أحمدُ، في عَبْدٍ أقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ في يَدِه أنَّه سَرَقَها من رَجُلٍ، والرَّجُلُ يَدَّعِى ذلك، وسَيِّدُه يُكَذِّبُه: فالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِه، ويُقْطَعُ العَبْدُ، ويُتْبَعُ بذلك بعد العِتْقِ. وللشّافِعِىِّ في وُجُوبِ المالِ في هذه الصُّورَةِ وَجْهَانِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ القَطْعُ؛ لأنَّ ذلك شُبْهَةٌ، فيُدْرَأَ بها القَطْعُ، لكَوْنِه حَدًّا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ وذلك لأنَّ العَيْنَ التي يُقِرُّ بِسَرِقَتِها لم يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقَةِ فيها، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ القَطْعِ بها. وإن أقَرَّ العَبْدُ بِرِقِّه لغيرِ مَن هو في يَدِه، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه بالرِّقِّ ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ بالرِّقِّ إقْرَارٌ بالمِلْكِ، والعَبْدُ لا يُقْبَلُ إِقْرَارُه بحالٍ، ولأنَّنا لو قَبِلْنَا إقْرَارَه، أضْرَرْنَا بِسَيِّدِه، لأنَّه إذا شَاءَ أقَرَّ لغيرِ سَيِّدِه، فأَبْطَلَ مِلْكَه. وإن أقَرَّ به السَّيِّدُ لِرَجُلٍ، وأقَرَّ هو لآخَرَ، فهو للذى أقَرَّ له السَّيِّدُ؛ لأنَّه في يَدِ السَّيِّدِ، لا في يَدِ نَفْسِه، ولأنَّ السَّيِّدَ لو أقَرَّ به مُنْفَرِدًا قُبِلَ. ولو أقَرَّ العَبْدُ مُنْفَرِدًا لم يُقْبَلْ، فإذا لم يُقْبَلْ إقْرَارُ العَبْدِ مُنْفَرِدًا فكيف يُقْبَلُ مع [مُعَارَضَتِه لإِقْرَارِ] السَّيِّدِ. ولو قُبِلَ إقْرَارُ العَبْدِ، لَما قُبِلَ إقْرَارُ السَّيِّدِ، كالحَدِّ وجِنَايَةِ العَمْدِ. وأمَّا المُكَاتَبُ فحُكْمُه حُكْمُ الحُرِّ في صِحَّةِ إقْرَارِه. ولو أقَرَّ بجِنَايَةِ خَطَأ صَحَّ إقْرَارُه، فإن عَجَزَ بِيعَ فيها إن لم يَفْدِهِ سَيِّدُه. وقال أبو حنيفةَ: يُسْتَسْعَى في الكِتابَةِ، وإن عَجَزَ بَطلَ إقْرَارُه بها، سَوَاءٌ قُضِىَ بها أو لم يُقْضَ. وعن الشّافِعِىّ كقَوْلِنا. وعنه أنَّه مُرَاعًى إن أَدَّى لَزِمَهُ، وإن عَجَزَ بَطلَ. ولَنا، أنَّه إقْرَارٌ لَزِمَه في كِتَابَتِه، فلا يَبْطُلُ بعَجْزِه، كالإِقْرَارِ بالدَّيْنِ. وعلى الشّافِعِىِّ، أنَّ المُكَاتَبَ في يَدِ نَفْسِه، فصَحَّ إقْرَارُه بالجِنَايَةِ، كالحُرِّ.