الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 237-239).
اليمين:
- من معاني اليمين في اللغة: القوة والقدرة، ثم أطلقت على الجارحة، والحلف، وسمي الحلف بالله يمينًا؛ لأن به يتقوى أحد طرفي الخصومة.
والفقهاء متفقون على أن اليمين من طرق القضاء، وأنها لا توجه إلا بعد دعوى صحيحة، وأنها تكون بالله تعالى، وأنها لا تكون إلا بطلب من الخصم، إلا في مسائل مستثناة، وتكون على العلم، وعلى البت، وأنها لا يجري فيها الاستخلاف إلا فيما استثني، وأنها تقطع الخصومة في الجملة، وأن صيغتها واحدة في الجملة بالنسبة للمسلم وغير المسلم، وأنها توجه في مجلس القضاء من القاضي والمحكم.
- وموضع توجيه اليمين: هو عند إنكار المدعَى عليه الحق المدعَى، وعدم تقديم بينة.
وهنا تفصيل:
فالحنفية والمالكية يرتبون طلب اليمين على عدم وجود بينة حاضرة في المجلس معلومة له، فإن كانت بعيدة فله طلب اليمين، أما إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة في المصر، ولكن أطلب يمين المدعى عليه، فأبو حنيفة ومحمد - فيما رواه الطحاوي عنه - يريان أنه لا حق له في طلب اليمين؛ لأن اليمين بدل عن البينة.
وذهب أبو يوسف ومحمد - فيما رواه الخصاف عنه - إلى أن للمدعي حق طلب اليمين؛ لأن ذلك حقه، فإذا طلبه يجاب إليه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للمدعي حق طلب اليمين ولو كانت له بينة حاضرة؛ لأنه مخير بين تقديم البينة أو طلب اليمين.
كما قال الحنفية: إن قال المدعى عليه: لا أقر ولا أنكر، لا يستحلف، بل يحبس ليقر أو ينكر، وكذا لو لزم السكوت بلا آفة عند أبي يوسف، ونقل عن البدائع: الأشبه أنه إنكار فيستحلف.
وتوجيه اليمين يكون من القاضي بطلب المدعي.
واستثنى الإمام أبو يوسف أربع مسائل يوجه فيها القاضي اليمين بلا طلب المدعي.
أولاها: الرد بالعيب، يحلف المشتري: بالله ما رضيت بالعيب.
والثانية: الشفيع: بالله ما أبطلت شفعتك.
وثالثها: المرأة إذا طلبت فرض النفقة على زوجها الغائب: بالله ما خلف لك زوجك شيئًا، ولا أعطاك النفقة.
ورابعها: يحلف المستحق: بالله ما بايعت.
- وفي دعوى الدَّيْن على الميت: أجمع أئمة المذاهب على تحليف المدعي مع البينة بلا طلب المدعى عليه، بأن يقول له القاضي: بالله ما استوفيت من المديون، ولا من أحد أداه إليك عنه، ولا قبضه له قابض بأمرك، ولا أبرأته منه، ولا شيئًا منه، ولا أحلت بشيء من ذلك أحدًا، ولا عندك منه، ولا بشيء منه رهن، وتسمى هذه اليمين: يمين الاستظهار، ويمين القضاء، والاستبراء.
وقال المالكية: إن الدعوى على الغائب، أو على اليتيم أو على الأحباس أو على المساكين وعلى كل وجه من وجوه البر وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئًا من الحيوان كذلك.
وزاد بعضهم لزوم ذلك في العقار والرباع.
وفقهاء المذاهب متفقون على أن التحليف يكون في المال وما يؤول إلى المال.
- واختلف أئمة الحنفية في التحليف في النكاح والرجعة والإيلاء والاستيلاد والرق والولاء والنسب، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم التحليف في الأمور المذكورة، وذهب الإمامان أبو يوسف ومحمد إلى التحليف، والفتوى على قولهما، ويستحلف السارق لأجل المال، فإن نكل ضمن ولم يقطع، ومحل الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيما ذكر: إذا لم يتضمن الحق المدعى مالًا، فإن تضمنه حلف لأجل المال عند الجميع.
وسبب الخلاف بين الإمام وصاحبيه في التحليف في النكاح وما تلاه: أن من وجهت عليه اليمين قد ينكل عن حلفها فيقضى للمدعي، والنكول يحتمل الإقرار والبذل عند الإمام، وهذه الأمور لا يتأتى فيها البذل، وعند الصاحبين: أن النكول إقرار فقط.
- والفقهاء متفقون على أن اليمين تبطل بها دعوى المدعي على المدعى عليه، أي: أنها تقطع الخصومة للحال.
لكنهم يختلفون في انقطاع الخصومة مطلقًا باليمين، على معنى أنه إذا حلف المدعى عليه اليمين هل للمدعي أن يعود إلى دعواه إذا وجد بينة؟
الصحيح عند الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة أن يمين المدعى عليه تقطع الخصومة في الحال فقط، فإذا وجد المدعي بينة كان له أن يعيد الخصومة؛ لأن اليمين كالخلف عن البينة، فإذا جاء الأصل انتهى حكم الخلف؛ إذ نصوا على أن اليمين تفيد قطع الخصومة في الحال، لا براءة من الحق، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حالفًا بالخروج من حق صاحبه، فلو حلف المدعي المدعى عليه، ثم أقام بينة بمدعاه، أو شاهدًا ليحلف معه، حكم بها.
ومذهب المالكية، وهو القول الآخر للحنفية: أن اليمين تقطع الخصومة مطلقًا.
- التحليف على فعل النفس يكون على البتات، أي: القطع بأنه ليس كذلك.
علام يحلف؟ والتحليف على فعل الغير يكون على العلم، وكل موضع وجب فيه اليمين على العلم، فحلف على البتات كفى، وسقطت عنه، وعلى عكسه لا.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 187-190).
البينة على المدعي، واليمين على من أنكر:
• المراد بالمسألة:
إذا تقاضى شخصان، فالمدعي مكلف بالبينة، وهي: اسم لكل ما أبان الحق وأظهره، من الشهود وقرائن الحال، ووصف المدَّعَى في نحو اللقطة، والمدَّعَى عليه ملزمٌ باليمين، وقد نُقل الإجماعُ على ذلك.
• من نقل الإجماع:
0 أبو عيسى الترمذي (279 هـ) حيث قال: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم، أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه).
0 ابن المنذر (318 هـ) حيث قال: (أجمعوا على أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).
0 البغوي (516 هـ) حيث قال: (وفي الحديث دليل على أن من ادعى عينًا في يد آخر، أو دَيْنًا في ذمته، فأنكر أن القول قول المدعى عليه مع يمينه، وعلى المدعي البينة، وهو قول عامة أهل العلم).
0 ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر).
0 ابن القيم (751 هـ) حيث قال: (وعن وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة، إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال الذي من حضرموت: يا رسول اللَّه، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، وليس له فيها حق، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (ألك بينة؟) قال: لا، قال (فلك يمينه)، فقال: يا رسول اللَّه، الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: (ليس لك منه إلا ذلك)...، هذا القسم لا أعلم فيه نزاعًا أن القول فيه على قول المدعى عليه مع يمينه، إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية، وهي البينة).
0 الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر...، وإلى هذا ذهب سلف الأمة وخلفها، قال العلماء: والحكمة في كون البينة على المدعي: أن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية، فيقوي بها ضعف المدعي).
• مستند الإجماع:
قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 282].
2- قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [النساء: 135].
• وجه الدلالة: أنه لو كان القول قول المدعِي من غير بينة لما احتيج إلى الكتابة والإملاء، والإشهاد عليه، فلما احتيج إليه دل على أن البينة على المدعِي.
3- ما روي عن عبدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من حلفَ على يَمينٍ يستحقُّ بها مالًا لقيَ اللَّهَ وهوَ عليهِ غضبانُ، ثمَّ أنزلَ اللَّهُ تَصديقَ ذلك: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77]، ثم إن الأشعثَ بنَ قَيسِ خَرجَ إلينا فقال: ما يُحدِّثُكم أبو عبد الرحمن؟ فحدَّثناهُ بما قال، فقال: صدق، لَفِيَّ أُنزِلَتْ، كان بيني وبين رجلٍ خُصومةٌ في شيءٍ، فاختصمنا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: "شاهداكَ أو يَمينهُ"، فقلتُ له: إنهُ إذَنْ يحلِفُ ولا يُبالي، فقال النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم: "مَن حلفَ على يَمينٍ يَستحق بها مالًا وهو فيها فاجرٌ لقيَ اللَّهَ وهوَ عليه غَضبانُ"، فأنزلَ اللَّهُ تَصديقَ ذلك، ثم اقتَرأَ هذهِ الآية.
• وجه الدلالة: أن البينة حجة صريحة في إثبات الملك؛ لذلك قدمت البينة.
4- ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في خطبته "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدّعِي. وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِ".
• الموافقون على الإجماع:
وافق على الحكم: الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والشوكاني.
النتيجة:
صحة ما نقل من الإجماع على أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر؛ وذلك لعدم وجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 222-223).
الإقرار بعد الإنكار لا يتطلب يمين صاحب الحق:
• المراد بالمسألة:
أن إقرار المدعى عليه لصاحب الحق بعد إنكاره لا يتطلب إعادة توجيه اليمين على طالب الحق، وقد نُقل الإجماعُ على ذلك.
• من نقل الإجماع:
0 ابن حجر (852 هـ) حيث قال: (وقد أجمعوا على أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالب)، وكذلك نقله الشوكاني عن ابن حجر باللفظ والمعنى.
0 بدر الدين العيني (855 هـ) حيث قال: (وأجمعنا أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالب).
• الموافقون على الإجماع:
الأحناف، والشافعية.
النتيجة:
صحة ما نقل من الإجماع على أن الإقرار بعد الإنكار لا يتطلب يمين؛ وذلك لعدم وجود المخالف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 223-225).
البينة الحاضرة في مجلس القضاء تمنع اليمين:
• المراد بالمسألة:
أن المدعي إذا كان لديه بينة حاضرة في مجلس القضاء فالقاضي لا يجعل المدعَى عليه يحلف يمينه حتى يرى أو يسمع البينة، وقد نُقل الإجماعُ على ذلك.
• من نقل الإجماع:
0 ابن هبيرة (560 هـ) حيث قال: (واتفقوا على أنه لا يحلف المدعَى عليه إذا قال المدعِي: لي بينة حاضرة).
0 النسفي (710 هـ) حيث قال: (وإن كانت خارج المصر - أي: البينة - يحلف بالإجماع، وإن كانت في مجلس الحكم لا يحلف بالإجماع).
0 الزيلعي (762 هـ) حيث قال: (ولو قال المدعِي: لي بينة حاضرة، وطلب اليمين لم يُسْتَخْلَفْ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه اللَّه، وقال أبو يوسف رحمه اللَّه: يستحلف، ومحمد مع أبي حنيفة في رواية، ومع أبي يوسف في أخرى، وهذا الخلاف فيما إذا كانت حاضرة في المصر، وإن كانت خارج المصر يحلف بالإجماع، وإن كانت في مجلس الحكم لا يحلف بالإجماع).
0 الشرنبلالي المصري (1064 هـ) حيث قال: (قال) أي: المدعِي: "لي بينة حاضرة في الْمِصْر، واستحلف الخصم لا يحلف" قَيَّدَ بِالْمِصْرِ؛ لأنها إذا حضرت في مجلس الحكم لا يحلف اتفاقًا).
0 الملا علي القاري (1014 هـ) حيث قال: (وإِنْ قال) المُدَّعي: (لي بينةٌ حاضرةٌ، وطَلَبَ حَلِفَ الخَضمِ لا يحلف) عند أَبي حنيفة، وقال أَبو يوسف: يحلِف، ومحمدٌ مع أَبي حنيفة في رواية، ومع أَبي يوسف في أَخرى، وهذا الخلاف إِذا كانت البينةُ حاضرةً في المِصْرِ، غائبةً عن مجلِسِ الحكم، حتى لو كانت غائبةً عن المِصْر يَحْلِفُ بالاتفاق، أو كانت في مجلس الحُكْم لا يحلِف اتفاقًا).
0 شيخي زائدة: (1078 هـ) حيث قال: (فإنْ قال المدعِي: لي بينة حاضرة) في المصر (وطلب يمين خصمه لا يحلف) عند الإمام، وهو الصحيح كما في المضمرات وغيرها، وقال أبو يوسف: يستحلف؛ لأن اليمين حقه بالحديث المعروف، فإذا طالبه يجيبه، وللإمام: أنَّ ثبوت اليمين مرتب على العجز عن إقامة البينة بما روينا، فلا يكون حقه دونه، ومحمد مع أبي يوسف فيما ذكره الخصاف، ومع الإمام فيما ذكره الطحاوي كما في أكثر المعتبرات، فعلى هذا ينبغي للمصنف أنْ يذكر الخلاف، تدبر، قيدنا بالمصر؛ لأنَّها لو كانت في مجلس الحكم لا يحلف بالاتفاق، وإنْ كانت خارج المصر يحلف بالاتفاق).
0 ابن عابدين (1252 هـ) حيث قال: (قال المدعي: لي بينة حاضرة) في المصر (وطلب يمين خصمه لم يحلف) خلافًا لهما، ولو حاضرة في مجلس الحكم لم يحلف اتفاقًا، ولو غائبة عن المصر حلف اتفاقًا).
• مستند الإجماع:
- لأنه أمكن فصل الخصومة بالبينة وحدها، فلم يشرع معها غيرها.
- أن اليمين حجة المدعي كالبينة؛ ولهذا لا تجب إلا عند طلبه، فكان له ولاية استيفاء أيهما شاء.
• الموافقون على الإجماع:
الأحناف، والشافعية، الحنابلة.
النتيجة:
صحة ما نقل من الإجماع على أن البينة الحاضرة في مجلس القضاء تمنع اليمين؛ وذلك لعدم وجود المخالف.
المغني -ابن قدامة- (10/ 201).
مسألة، قال: (ومن ادعى دعوى، وذكر أن بينته بالبعد منه، فحلف المدعى عليه، ثم أحضر المدعي بينته حكم بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق).
وجملته: أن المدعِي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه، أو لا يمكنه إحضارها، أو لا يريد إقامتها، فطلب اليمين من المدعَى عليه أحلف له، فإذا حلف ثم أحضر المدعِي ببينة حكم له، وبهذا قال شريح، والشعبي، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وإسحاق.
وحُكي عن ابن أبي ليلى، وداود: أن بينته لا تسمع؛ لأن اليمين حجة المدعى عليه، فلا تسمع بعدها حجة المدعِي، كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعي.
ولنا: قول عمر رضي الله عنه: "البينة الصادقة أحب إليَّ من اليمين الفاجرة"، وظاهر هذه البينة الصدق، ويلزم من صدقها فجور اليمين المتقدمة، فتكون أولى، ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره، يجب عليه بالبينة، كما قبل اليمين، وما ذكروه لا يصح؛ لأن البينة الأصل، واليمين بدل عنها.
ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها، والبدل يبطل بالقدرة على المبدل، كبطلان التيمم بالقدرة على الماء، ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل، ويدل على الفرق بينما: أنهما حال اجتماعهما، وإمكان سماعهما، تسمع البينة، ويحكم بها، ولا تسمع اليمين، ولا يسأل عنها.
المغني -ابن قدامة- (10/ 201-202).
فصل: ولو أقام المدعِي شاهدًا واحدًا، ولم يحلف معه، وطلب يمين المدعَى عليه أحلف له، ثم إن أحضر شاهدًا آخر بعد ذلك كملت بينته، وقضي بها؛ لما ذكرنا في التي قبلها.
وإن قال المدعي: لي بينة حاضرة، وأريد إحلاف المدعَى عليه، ثم أقيم البينة عليه ففيه وجهان، أحدهما: له ذلك، ويستحلف خصمه؛ لأنه يملك استحلافه إذا كانت بينته بعيدة، فكذلك إذا كانت قريبة، ولأنه لو قال: لا أريد إقامة بينتي القريبة ملك استحلافه، فكذلك إذا أراد إقامتها.
الثاني: لا يملك استحلافه؛ لأن في البينة غنية عن اليمين، فلم تشرع معها، ولأن البينة أصل، واليمين بدل، فلا يجمع بين البدل والأصل، كالتيمم مع الماء، وفارق البعيدة، فإنها في الحال كالمعدومة للعجز عنها، وكذلك التي لا يريد إقامتها؛ لأنه قد تكون عليه مشقة في إحضارها، أو عليه في الحضور مشقة، فيسقط ذلك للمشقة، بخلاف التي يريد إقامتها.
المغني -ابن قدامة- (10/ 203-204).
فصل: وتشرع اليمين في حق كل مدعًى عليه، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، امرأة أو رجلًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اليمين على المدعَى عليه».
وروى شقيق، عن الأشعث بن قيس، قال: «كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك بينة؟"، قلت: لا، قال لليهودي: احلف، قلت: إذًا يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } [آل عمران: 77] إلى آخر الآية، رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه.
وفي حديث الحضرمي: قلت: إنه رجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، قال: «ليس لك منه إلا ذلك».
المغني -ابن قدامة- (10/ 210-211).
فصل: ولا تدخل اليمين النيابة، ولا يحلف أحد عن غيره، فلو كان المدعى عليه صغيرًا أو مجنونًا، لم يحلف عنه، ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ولم يحلف عنه وليه.
ولو ادعى الأب لابنه الصغير حقًّا، أو ادعاه الوصي أو الأمين له، فأنكر المدعى عليه، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل قضي عليه.
ومن لم ير القضاء بالنكول، ورأى رد اليمين على المدعي؛ لم يحلف الولي عنهما، ولكن تقف اليمين، ويكتب الحاكم محضرًا بنكول المدعى عليه.
وإن ادعى على العبد دعوى، نظرت؛ فإن كانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه، كالقصاص، والطلاق، والقذف، فالخصومة معه دون سيده.
فإن قلنا: إن اليمين تشرع في هذا؛ أحلف العبد دون سيده، وإن نكل لم يحلف غيره، وإن كان مما لا يقبل قول العبد فيه، كإتلاف مال، أو جناية توجب المال، فالخصم السيد، واليمين عليه، ولا يحلف العبد فيها بحال.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (20/ 158-159).
إذا حضر عند القاضي خصمان، وادعى أحدهما على الآخر حقًّا يصح فيه دعواه، وسأل القاضي مطالبة الخصم بالخروج من دعواه طالبه، وإن لم يسأله مطالبة الخصم ففيه وجهان، أحدهما: أنه لا يجوز للقاضي مطالبته؛ لأن ذلك حق للمدعِي، فلا يجوز استيفاؤه من غير إذنه، والثاني: وهو المذهب أنه يجوز له مطالبته؛ لأن شاهد الحال يدل على الإذن في المطالبة، فإن طولب لم يخل إما أن يقر أو ينكر، أو لا يقر ولا ينكر، فإن أقر لزمه الحق، ولا يحكم به إلا بمطالبة المدعي؛ لأن الحكم حق له فلا يستوفيه من غير إذنه، فإن طالبه بالحكم حكم له عليه، وإن أنكر فإن كان المدعي لا يعلم أن له إقامة البينة قال له القاضي: ألك بينة؟ وإن كان يعلم فله أن يقول ذلك، وله أن يسكت، وإن لم تكن له بينة، وكانت الدعوى في غير دم فله أن يحلف المدعى عليه، ولا يجوز للقاضي إحلافه إلا بمطالبة المدعي؛ لأنه حق له فلا يستوفيه من غير إذنه، وان أحلفه قبل المطالبة لم يعتد بها؛ لأنها يمين قبل وقتها، وللمدعي أن يطالب بإعادتها؛ لأن اليمين الأولى لم تكن يمينه، وإن أمسك المدعي عن إحلاف المدعَى عليه، ثم أراد أن يحلفه بالدعوى المتقدمة جاز؛ لأنه لم يسقط حقه من اليمين، وإنما أخرها.
وإن قال: أبرأتك من اليمين؛ سقط حقه منها في هذه الدعوى، وله أن يستأنف الدعوى؛ لأن حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين، فإن استأنف الدعوى فأنكر المدعى عليه فله أن يحلفه؛ لأن هذه الدعوى غير الدعوى التي أبرأه فيها من اليمين، فإن حلف سقطت الدعوى؛ لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه، أن رجلًا من حضرموت ورجلًا من كندة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: هذا غلبني على أرضٍ ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي، وفي يدي، أزرعها، لا حق له فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه"، قال: إنه لا يتورع عن شيء، فقال: "ليس لك إلا ذلك".
المجموع شرح المهذب -التكملة- (20/ 159-160).
إن كانت الدعوى في موضع لا يمكن رد اليمين على المدعِي بأن ادعى على رجل دَيْنًا ومات المدعِي ولا وارث له غير المسلمين، وأنكر المدعَى عليه، ونكل عن اليمين، ففيه وجهان ذكرهما أبو سعيد الإصطخري، أحدهما: أنه يقضى بنكوله؛ لأنه لا يمكن رد اليمين على الحاكم؛ لأنه لا يجوز أن يحلف عن المسلمين؛ لأن اليمين لا تدخلها النيابة، ولا يمكن ردها على المسلمين؛ لأنهم لا يتعينون، فقضى بالنكول؛ لموضع الضرورة، والثاني، وهو المذهب: أنه يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر؛ لأن الرد لا يمكن؛ لما ذكرناه، والقضاء بالنكول لا يجوز؛ لما قدمناه؛ لأنه إما أن يكون صادقًا في إنكاره فلا ضرر عليه في اليمين أو كاذبًا فيلزمه الإقرار.
وإن ادعى وصيٌّ دَيْنًا لطفل في حجره على رجل، وأنكر الرجل، ونكل عن اليمين؛ وقف إلى أن يبلغ الطفل فيحلف؛ لأنه لا يمكن رد اليمين على الوصي؛ لأن اليمين لا تدخلها النيابة، ولا على الطفل في الحال؛ لأنه لا يصح يمينه، فوجب التوقف إلى أن يبلغ.