الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 236).
القضاء بالشاهد واليمين:
- اختلف الفقهاء في القضاء باليمين مع الشاهد:
فذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والفقهاء السبعة المدنيون إلى أنه يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال وما يئول إليها دون غيرها.
وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يقضى باليمين مع الشاهد في شيء.
وقد استدل الإمام مالك ومن معه بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد. (1)
- والقائلون بالقضاء باليمين مع الشاهد اختلفوا في اليمين مع المرأتين:
فقال المالكية يجوز؛ لأن المرأتين قامتا مقام الواحد مع الشاهد الواحد، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا تقبل اليمين مع شهادة امرأتين؛ لأن شهادة المرأتين إنما اعتبرت فيما لو كانت شهادتهما مع شهادة رجل. وفي القضاء باليمين مع الشاهد في الحدود التي هي حق الناس خاصة كحد القذف قولان في مذهب مالك.
واستدل المانعون من القضاء باليمين والشاهد بالكتاب والسنة:
فأما الكتاب فقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } وقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فقبول الشاهد الواحد واليمين زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، وهو لا يجوز إلا بمتواتر أو مشهور. ولم يثبت واحد منهما.
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه وقوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على من أنكر (2) ومن قوله لمدع شاهداك أو يمينه.
فالحديث الأول جعل جنس اليمين على المنكر. فإذا قبلت يمين من المدعي، أو وجهت إليه، لم يكن جميع أفراد اليمين على المنكرين.
وكذلك الحديث الثاني جعل جميع أفراد البينة على المدعي، وجميع أفراد اليمين على المنكر. وتضمن مع هذا قسمة وتوزيعا. والقسمة تنافي اشتراك الخصمين فيما وقعت فيه القسمة.
والحديث الثالث خير المدعي بين أمرين لا ثالث لهما: إما بينة أو يمين المدعى عليه. والتخيير بين أمرين معينين يمنع تجاوزهما والجمع بينهما.
الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 241).
رد اليمين:
- مذهب الحنفية، وأحد قولين للإمام أحمد، أنه إذا كانت للمدعي بينة صحيحة قضي له بها. فإن لم تكن له بينة أصلا، أو كانت له بينة غير حاضرة، طلب يمين المدعى عليه، فإن حلف بعد عرض القاضي اليمين عليه رفضت دعوى المدعي، وإن نكل عن اليمين بلا عذر، فإن كان المدعى مالا، أو المقصود منه المال، قضي عليه بنكوله، ولم ترد اليمين على المدعي لقوله صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على جانب المدعى عليه وقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فحصرها في جانب المدعى عليه.
واختار أبو الخطاب من الحنابلة ردها على المدعي.
فإن حلف المدعي حكم له بما ادعاه. قال أبو الخطاب: وقد صوبه أحمد، فقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق. وقال: هو قول أهل المدينة. قال ابن قدامة: وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين، وبه قال الإمام مالك في الأموال خاصة.
ومذهب الشافعية أن اليمين ترد على المدعي في جميع الدعاوى، لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق (2) ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي وقوي جانبه، فتشرع في حقه، كالمدعى عليه قبل نكوله.
وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يقر أو يحلف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 225-230).
مشروعية الحكم بالشاهد الواحد واليمين
المراد بالمسألة: أن للقاضي أن يحكم بين الخصوم بشاهد واحد ويمين المدعي، لأن اليمين تقوم مقام الشاهد الآخر، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (463 هـ) حيث قال: (وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قضوا باليمين مع الشاهد ولم يرو عن أحد منهم أنه كره ذلك فكان ذلك إجماعًا) (1).
ابن القيم (751 هـ) حيث قال: (وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (أن المرأة إن أقامت شاهدا واحدا على الطلاق فإن حلف الزوج أنه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه، وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما، وفي هذه الحكومة أنه يقضى في الطلاق بشاهد وما يقوم مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة) (2).
الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: (والحق أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلا الحد والقصاص للإجماع أنهما لا يثبتان بذلك) (3).
الشوكاني (1250 هـ) حيثا قال معلقًا على العمل بحديث عبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنه-: حديث ابن عباس (4). . قال فيه الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم، فكان ذلك إجماعًا) (5).
• مستند الإجماع: قوله تعالى: { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا } [المائدة: 107].
• وجه الدلالة: أنه لا يخلو إما أن يقرا أو يشهد عليهما شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد واحد، وقد أجمعوا على أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالب، وكذلك مع الشاهدين ومع الشاهد والمرأتين فلم يبق إلا شاهدًا واحدًا، فلذلك استحقه الطالبان بيمينيهما مع الشاهد الواحد (1).
ما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد (2). وما رواه إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه: "أنهم وجدوا في كتب أو في كتاب سعد بن عبادة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد" (3).
ما روي عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بِيمِينٍ وَشَاهِدٍ" (4). وما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "اسْتَشرْتُ جِبْرِيلَ في الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَأَمَرَني بِهِ" (5).
ما روي عن عامر أنه قال: إن أهل المدينة يقبلون شهادة الشاهد مع يمين الطالب (1).
• الموافقون على الإجماع: المالكية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4)، والشوكاني (5).
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو حنيفة وأصحابه (6) والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وقد نقل ذلك ابن عبد البر حيث قال: وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا يقضي باليمين مع الشاهد الواحد في شيء من الأشياء، وهو قول إبراهيم والحكم بن عتيبة وعطاء (7).
وكذلك نقله ابن قدامة (620 هـ) حيث قال: وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي لا يقضي بشاهد ويمين وقال محمد بن الحسن من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه (8).
• دليل هذا الرأي: قوله تعالى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } [البقرة: 282].
• وجه الدلالة: أن الآية دليل على جعل القضاء مقصورًا على أحد هذين الوجهين، فكان القضاء بالشاهد واليمين زيادة عليهما، والزيادة على النص تكون عندهم نسخًا (1).
1 - ما روي عن عبدُ اللَّهِ أنه قال: "من حلفَ على يَمينٍ يستحقُّ بها مالًا لقيَ اللَّهَ وهوَ عليهِ غضبانُ، ثمَّ أنزلَ اللَّهُ تَصديقَ ذلك: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) } [آل عمران: 77]. ثم إن الأشعثَ بنَ قَيسِ خَرجَ إلينا فقال: ما يُحدِّثُكم أبو عبد الرحمن؟ فحدَّثناهُ بما قال، فقال: صدق، لَفِيَّ أُنزِلَتْ، كان بيني وبين رجلٍ خُصومةٌ في شيءٍ، فاختصمنا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: شاهداكَ أو يَمينهُ، فقلتُ له: إنهُ إذنْ يحلِفُ ولا يُبالي: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن حلفَ على يَمينٍ يَستحقُّ بها مالًا -وهو فيها فاجرٌ- لقيَ اللَّهَ وهوَ عليه غَضبانُ. فأنزلَ اللَّهُ تَصديقَ ذلك. ثم اقتَرأَ هذهِ الآية" (2).
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترط شاهدين ولم يكتف بشاهد واحد مع اليمين (3).
2 - ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في خطبته: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدّعِي. وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (1)
• وجه الدلالة: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- خص المدعي بالبينة، والمنكِر باليمين (2).
3 - اليمين إنما جعلت للنفي لا للإثبات، وإنما جعلها -صلى اللَّه عليه وسلم- على المدعى عليه، لا على المدعي (3).
4 - أن هذا لم يثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: فالقضاء باليمين سنة معاوية وعبد الملك -ابن مروان- وأنه ليس بسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلو كان ذلك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما خفي على علماء التابعين (4).
النتيجة: عدم تحقق ما نقل من الإجماع على مشروعية الحكم بالشاهد الواحد واليمين وذلك لوجود الخلاف في المسألة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (7/ 230-232).
عدم جواز الحكم بالشاهد واليمين في الحدود والقصاص
• المراد بالمسألة: أن القاضي لا يجوز له أن يحكم بالشاهد الواحد مع اليمين فتقوم اليمين مقام الشاهد الثاني في الحدود والقصاص، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: الصنعاني (1182 هـ) حيث قال: (والحق أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلا الحد والقصاص للإجماع أنهما لا يثبتان بذلك) (5).
المّلا القاري (1014 هـ) حيث قال: (فأما إذا كانت الدعوى في غير الأموال، فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق) (1).
• مستند الإجماع: قوله تعالى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } [البقرة: 282].
• وجه الدلالة: أنه تعالى جعل القضاء مقصورًا على أحد هذين الوجهين، فكان القضاء بالشاهد واليمين زيادة عليهما، والزيادة على النص تكون نسخًا (2).
2 - ما روي عن عبدُ اللَّهِ أنه قال: "من حلفَ على يَمينٍ يستحقُّ بها مالًا لقيَ اللَّهَ وهوَ عليهِ غضبانُ، ثمَّ أنزلَ اللَّهُ تَصديقَ ذلك: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) } [آل عمران: 77]. ثم إن الأشعثَ بنَ قَيسِ خَرجَ إلينا فقال: ما يُحدِّثُكم أبو عبد الرحمن؟ فحدَّثناهُ بما قال، فقال: صدق، لَفِيَّ أُنزِلَتْ، كان بيني وبين رجلٍ خُصومةٌ في شيءٍ، فاختصمنا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: شاهداكَ أو يَمينهُ، فقلتُ له: إنهُ إذَنْ يحلِفُ ولا يُبالي: فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: مَن حلفَ على يَمينٍ يَستحقُّ بها مالًا -وهو فيها فاجرٌ- لقيَ اللَّهَ وهوَ عليه غَضبانُ. فأنزلَ اللَّه تَصديقَ ذلك. ثم اقتَرأَ هذهِ الآية" (3).
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترط شاهدين ولم يكتف بشاهد واحد مع اليمين (4).
3 - لم يثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: فالقضاء باليمين سنة معاوية وعبد الملك -ابن مروان- وأنه ليس بسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ذلك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما خفي على علماء التابعين (1).
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الإمام مالك حيث قال: أحكم بها في جميع الحقوق من الأموال، والحدود (2).
• دليل هذا الرأي: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، ولم يخص المال من غيره، فكان على عمومه (3).
- ولأن ما كان بينة في الأموال، جاز أن يكون بينة في الحدود، كالشاهدين (4).
- ولأن يمين المدعي في النكول، لمّا جاز أن تثبت بها الأموال، والحدود جاز أن يحكم بمثله في يمينه مع شاهده (5).
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين في الحدود وذلك لوجود الخلاف في المسألة.
المغني -ابن قدامة- (10/ 133-134).
فصل: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - وهو قول الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي.
وقال الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين. وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين، نقضت حكمه؛ لأن الله تعالى قال: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } [البقرة: 282] . فمن زاد في ذلك، فقد زاد في النص، والزيادة في النص نسخ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» . فحصر اليمين في جانب المدعى عليه، كما حصر البينة في جانب المدعي.
ولنا، ما روى سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد الواحد.» رواه سعيد بن منصور في " سننه "، والأئمة من أهل السنن والمسانيد، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفي الباب عن علي، وابن عباس، وجابر، ومسروق. وقال النسائي: إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد.
ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه، وقوي جانبه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبه بها، وفي حق المنكر لقوة جنبه، فإن الأصل براءة ذمته، والمدعي هاهنا قد ظهر صدقه، فوجب أن تشرع اليمين في حقه. ولا حجة لهم في الآية؛ لأنها دلت على مشروعية الشاهدين، والشاهد والمرأتين، ولا نزاع في هذا. وقولهم: إن الزيادة في النص نسخ.
غير صحيح؛ لأن النسخ الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له، لا رفع، والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين، ولا يرفعه؛ ولأن الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه، ولم تكن نسخا، فكذلك إذا انفصلت عنه، ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء، ولهذا قال: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } [البقرة: 282] .
والنزاع في الأداء، وحديثهم ضعيف، وليس هو للحصر؛ بدليل أن اليمين تشرع في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها، وفي حق الأمناء لظهور جنايتهم، وفي حق الملاعن، وفي القسامة، وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة. وقول محمد في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين، يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الذين قضوا به، وقد قال الله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [النساء: 65] . والقضاء بما قضى به محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له.