الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 242).
النكول عن اليمين:
النكول لغة: الامتناع، يقال: نكل عن اليمين، أي: امتنع عنها، وهو كذلك في الاصطلاح إذا كان في مجلس القضاء.
والنكول عند المالكية والشافعية، وفي أحد رأيين عند الحنابلة لا يكون حجة يقضى بها على المدعى عليه، بل إذا نكل في دعوى المال أو ما يؤول إليه ردت اليمين على المدعي بطلب المدعى عليه، فإن حلف المدعي قضي له بما طلب، وإن نكل المدعي رفضت دعواه، فقد أقاموا نكول المدعى عليه مقام الشاهد؛ إذ عندهم أنه يقضى للمدعي بحقه إذا أقام شاهدًا وحلف، فكذلك يقضى له بنكول المدعى عليه وحلف المدعي، فالحق عندهم لا يثبت بسبب واحد، كما لا يثبت بشاهد واحد، فإن حلف استحق به وإلا فلا شيء له.
وعند المالكية: أن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين عدلين، كالقتل والنكاح والطلاق، فلا يمين توجه من المدعي على المدعى عليه بمجرد الدعوى، ولا بد لتوجيه اليمين من إقامة شاهد على الدعوى، فيحلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد، ولا ترد على المدعي؛ إذ لا فائدة في ردها عليه.
وعند الحنفية: أن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين الموجهة إليه قضي عليه بنكوله؛ لكونه باذلًا أو مقرًّا؛ إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين ليدفع الضرر عن نفسه، ولا وجه لرد اليمين؛ للحديث السابق ذكره.
وفي رواية لأحمد، وهي التي اختارها أبو الخطاب من الحنابلة: أنه إن نكل ترد اليمين على المدعي، ويحكم له بما ادعاه، كما تقدم.
الموسوعة الفقهية الكويتية (41/ 361-368).
القضاء بالنكول:
اختلف الفقهاء في القضاء بالنكول على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه يقضى على المدعى عليه بمجرد نكوله عن اليمين (على تفصيل بين بعضهم في الدعاوى التي يقضى به فيها)، روي هذا عن ابن عباس، وعثمان بن عفان، وعلي، وعمر، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وشريح وهو أحد قولين لإسحاق بن راهويه، وإلى هذا ذهب الحنفية في الدعاوى المالية، وأما في دعوى السرقة فإن السارق يستحلف على المال، فإن نكل قضي عليه بضمان المال المسروق، ولا يقطع.
وأما في دعاوى القصاص في النفس أو الأطراف فلا يقضى بالنكول فيها عند أبي يوسف ومحمد ولكن يقضى بالأرش والدية فيهما جميعًا.
وعند أبي حنيفة: لا يقضى بالنكول في دعوى القصاص في النفس لا بالقصاص ولا بالدية، وإنما يحبس الناكل حتى يقر أو يحلف.
وإن كانت الدعوى في القصاص فيما دون النفس فإنه يقضى فيها بالنكول؛ لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فيجري فيها البذل، بخلاف الأنفس فيقضى بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ.
وأما الحدود: كالزنى، والشرب، فلا يقضى فيها بالنكول عندهم جميعًا، وأما حد القذف فقال بعض الحنفية هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضى فيه بشيء، ولا يستحلف القاذف، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه يستحلف فإن نكل قضي عليه بالحد، وقيل: إن نكل عن الحلف قضي عليه بالتعزير دون الحد. وأما التعازير فيقضى فيها بالنكول عندهم جميعًا، ولا يقضى بالنكول في اللعان عندهم، فإن كانت الدعوى تتعلق بالنكاح، أو الرجعة أو الفيء في الإيلاء، أو الرق، أو الاستيلاد، أو النسب، أو الولاء، فلا يقضى بالنكول فيها عند أبي حنيفة، ولا يستحلف المنكر، ويستحلف فيها عند الصاحبين ويقضى فيها بالنكول إن نكل عن الحلف.
ومشهور مذهب المالكية: أنه يقضى على المدعى عليه بمجرد نكوله في دعوى التهمة، كأن يتهم شخص بسرقة مال غيره، فلا يحلف الطالب وإنما توجه اليمين إلى المدعى عليه، فإن نكل قضي عليه بمجرد نكوله، وغرم المال المسروق.
وقال ابن جزي: إذا أتى المدعي بشاهد واحد عدل فلا يخلو أن يكون في الأموال أو في الطلاق والعتاق أو في غير ذلك، فإن كان في الأموال أو فيما يؤول إليها حلف مع شاهده، بشرط أن يكون بين العدالة وقضي له، وإن شهد له امرأتان حلف معهما، فإن نكل المدعي عن اليمين مع الشاهد أو المرأتين انقلبت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل قضي عليه، وإن كان في الطلاق أو في العتاق لم يحلف المدعي مع شاهده ووجبت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ وإن نكل فقال أشهب: يقضى عليه، وقال ابن القاسم: يحبس سنة ليقر أو يحلف، فإن تمادى على الامتناع منهما خلي سبيله، وقال سحنون: يحبس أبدًا حتى يقر أو يحلف، وإن كان في النكاح أو الرجعة أو غير ذلك لم يحلف المدعى عليه، وكان الشاهد كالعدم.
وقال: إن شهد شاهد واحد لمن لا تصح منه اليمين، كالصغير وجبت اليمين على المشهود عليه، فإن نكل قضي عليه، وإن حلف برئ، وقيل: يوقف المحلوف عليه حتى يبلغ الصبي ويملك أمر نفسه ويستحلف حينئذ، فإن حلف وجب له الحق، وإن نكل حلف المطلوب حينئذ وبرئ، فإن نكل أخذ الحق منه.
والأصل المقرر في المذهب عند الشافعية: أنه ترد اليمين على المدعي، ولا يقضى على المدعى عليه بالنكول، لكن قد يتعذر رد اليمين، وحينئذ من الأصحاب من يقول بالقضاء بالنكول، كمن طولب بزكاة فادعى دفعها إلى ساع آخر، أو غلط خارص، أو مسقطًا آخر، سن تحليفه، فإن نكل لم يطالب بشيء، وأما إذا ألزمناه اليمين على رأي فنكل وتعذر رد اليمين؛ لعدم انحصار المستحق، فالأصح على هذا الرأي الضعيف: أنها تؤخذ منه، لا للحكم بالنكول، بل لأن ذلك هو مقتضى ملك النصاب والحول عند جمهور الشافعية، وقال ابن القاص - ورواه عن ابن سريج - هو حكم بالنكول وسببه الضرورة.
ونص الحنابلة على أن القضاء على المدعى عليه بمجرد نكوله، روي عن أحمد بن حنبل، وقال به جمهور أصحابه فيما إذا كان المدعَى مالًا، أو كان المقصود منه المال، وأما الدعاوى غير المالية والتي لا يقصد بها المال فلا يقضى فيها بالنكول، هذا هو ما عليه المذهب عندهم؛ ولهذا فلا يقضى بالنكول في دعاوى القصاص في النفس أو ما دونها، ودعاوى الحدود الخالصة لله تعالى، كحد الزنى والشرب والسرقة.
وروي عن أحمد أنه يقضى بالنكول في القصاص فيما دون النفس، ونقل عنه القول بأنه يقضى بالنكول في القذف، فإذا ادعى رجل على آخر أنه قذفه واستحلف القاذف فنكل، فإنه يقام عليه الحد، وقال أبو بكر من أصحاب أحمد: هذا قول قديم له، والمذهب أنه لا يقضى في شيء من هذا بالنكول.
واستدل القائلون بالقضاء على المدعى عليه بنكوله بأدلة من المنقول والمعقول، أما المنقول فمنه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، وفي رواية أخرى بلفظ: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
ووجه الدلالة منهما: أن لفظة "على" في الحديثين تفيد الوجوب، فأفادا وجوب اليمين على المدعى عليه، ومقتضى إيجاب اليمين عليه وانحصارها في جانبه أنه إن حلف برئ، وإن نكل قضي عليه بالنكول. وما روي عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء لم يسمه، فقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم.
وما روي عن ابن أبي مليكة، قال: "كنت قاضيًا بالبصرة، فاختصمت إليَّ امرأتان في سوار، فطلبت البينة من المدعية فلم أجد، وعرضت اليمين على الأخرى فنكلت، فكتبت إلى أبي موسى، فورد كتابه: أن أحضرهما واتل عليهما قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77]، ثم اعرض اليمين على المدعى عليها، فإن نكلت فاقض عليها.
وما روي عن شريح أن المنكر طلب منه رد اليمين على المدعي، فقال له: " ليس لك إليه سبيل"، وقَضَى بالنكول بين يدي علي رضي الله عنه، فقال له علي: "قالون"، وهذه اللفظة بلغة أهل الروم بمعنى: "أصبت ".
وما روى مغيرة، عن الحارث، أنه قال: نكل رجل عند شريح عن اليمين، فقضى عليه، فقال الرجل: أنا أحلف، فقال شريح: "قد مضى قضائي"، وقد كانت قضايا شريح لا تخفى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعًا منهم على جواز القضاء على المدعى عليه بمجرد نكوله.
وأما المعقول: فاستدلوا بأن حق المدعي قبل المدعى عليه هو الجواب، وهو جواب يوصله إلى حقه وهو الإقرار، فإذا فوت عليه ذلك بإنكاره حوله الشرع إلى اليمين خلفًا عن أصل حقه، فإذا منعه الحلف يعود إليه أصل حقه؛ لأنه لا يتمكن من منع الحلف شرعًا إلا بإيفاء ما هو أصل الحق، وإنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه، فيقضى له بما ادعى به، كما لو أقام بينة عليه، ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره إنكار المدعى عليه، وقد عارضه النكول؛ لأنه كان صادقًا في إنكاره، فلما نكل زال المانع للتعارض، فظهر صدق دعواه، وبأن نكول المدعى عليه دل على كونه باذلًا، إن كان النكول بذلًا، أو مقرًّا بالحق إن كان النكول إقرارًا؛ إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب؛ لأنها واجبة، ودفعًا لضرر الدعوى عن نفسه، فترجح جانب كونه باذلًا إن ترفع أو مقرًّا إن تورع؛ لأن الترفع أو التورع إنما يحل إذا لم يفض إلى الضرر بالغير، وبأن الدعوى لما صحت من المدعي فإن المدعى عليه يخير بين بذل المال وبين اليمين، فإذا امتنع منهما - وأحدهما تجري فيه النيابة دون الآخر - ناب القاضي منابه فيما تجري فيه النيابة؛ وهذا لأن تمكينه من المنازعة شرعًا مشروط بأن يحلف، فإذا أبى ذلك فقد صار تاركًا للمنازعة بتفويت شرطها، فكأنه قال: لا أنازعك في هذا المال، فيتمكن المدعي من أخذه؛ لأنه يدعيه، ولا منازع له فيه، وبأن اليمين بينة في المال، فحكم فيها بالنكول، كما لو مات من لا وارث له فوجد الإمام في تذكرته دينًا له على إنسان فطالبه به، فأنكره، وطلب منه اليمين، فنكل، فلا خلاف في أن اليمين لا ترد.
القول الثاني: أنه لا يقضى على المدعى عليه بمجرد نكوله، وإنما ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى له بالحق المدعى به، وإن نكل انقطعت المنازعة، على تفصيل بين بعضهم في الدعاوى التي يقضى به فيها، روي هذا عن أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والمقداد بن الأسود، وهو رواية أخرى عن علي، وعمر رضي الله عنهم، وهو قول الأوزاعي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، والشعبي، وعبد الله بن عتبة، وقد روي عن ابن أبي ليلى قولان في ذلك، أحدهما: رد اليمين مطلقًا على المدعي عند نكول المدعى عليه، والثاني: أنه إن كان المدعي متهمًا رد عليه اليمين، وإن كان غير متهم لم يرد عليه، والقول برد اليمين على المدعي عند نكول المدعى عليه قال به المالكية في دعوى التحقيق، وهي التي يدعي فيها المدعي علمه بصفة الشيء المدعى به وقدره، بأن يقول للمدعى عليه: أتحقق أن لي عندك دينارًا أو ثوبًا صفته كذا، إذا نكل المدعى عليه عن الحلف في الدعوى المالية، أو تلك التي تتعلق بحق المال، كالخيار والأجل، إذا لم يقر بالحق المدعى به، ولم تكن للطالب بينة بحقه، وهو قول في المذهب في نكول المدعى عليه في دعوى التهمة.
ومذهب الشافعية: أن اليمين ترد على المدعي عند نكول المدعى عليه في جميع الدعاوى، واختار أبو الخطاب الكلوذاني من الحنابلة رد اليمين على المدعي عند نكول المدعى عليه، قال: وقد صوبه أحمد، واختاره ابن القيم، واستدلوا على أنه لا يقضى على المدعى عليه بمجرد نكوله، وإنما ترد اليمين على المدعي بأدلة من المنقول والمعقول.
أما المنقول: فمنه قوله تعالى: { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } [المائدة: 108] أي: بعد الامتناع من الأيمان الواجبة، فدل على نقل الأيمان من جهة إلى جهة.
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق.
واستدلوا من المعقول بأن نكول المدعى عليه عن اليمين قد يكون لجهله بالحال، وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو ترفعًا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره، فلا يكون النكول حجة في القضاء مع الشك والاحتمال، ولا يتعين بنكول المدعى عليه صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا حلف كانت يمينه دليلًا عند عدم ما هو أقوى منه.
القول الثالث: أنه لا يقضى على المدعى عليه بمجرد نكوله عن اليمين، ولا يرد اليمين على المدعي، وإنما يحبس الناكل حتى يحلف أو يقر بالحق المدعى به، وهذا عند الحنابلة.
وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يحلف أو يقر، ويأخذ هذا الحكم بعض المسائل عند المذاهب الأربعة، قال الحنفية: إذا ادعى ولي الدم القتل العمد أو الخطأ على جميع أهل المحلة أو بعضهم، لا بأعيانهم، فنكلوا عن أيمان القسامة؛ إذ يحبس هؤلاء حتى يحلفوا أو يقروا، ولا يقضى عليهم بمجرد نكولهم، ولا ترد الأيمان على أولياء الدم.
واستدلوا بأنه لو طولب من عليه القسامة بها فنكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يقر؛ لأن اليمين في باب القسامة حق مقصود بنفسه، لا أنه وسيلة إلى المقصود، وهو الدية؛ بدليل أنه يجمع بينه وبين الدية؛ ولهذا قال الحارث بن الأزمع لسيدنا عمر رضي الله عنه: أتحلفنا وتغرمنا؟ فقال: نعم.
وروي أنه قال: فبم يبطل دم هذا؟، فإذا كانت مقصودة بنفسها فمن امتنع عن أداء حق مقصود بنفسه وهو قادر على الأداء يجبر عليه بالحبس، كمن امتنع عن قضاء دين عليه مع القدرة على القضاء، بخلاف اليمين في سائر الحقوق فإنها ليست مقصودة بنفسها، بل هي وسيلة إلى المقصود، وهو المال المدعى، ألا ترى أنه لا يجمع بينهما؟ بل إذا حلف المدعى عليه برئ، أولا ترى أنه إذا لم يحلف المدعى عليه، ولم يقر وبذل المال لا يلزمه شيء، وههنا لو لم يحلفوا ولم يقروا وبذلوا الدية لا تسقط عنهم القسامة فدل أنها مقصودة بنفسها، فيجبرون عليها بالحبس.
وقال المالكية: إن نكل المدعى عليه في دعوى القسامة حبس حتى يحلف أو يموت في السجن، وهذا هو ظاهر المذهب، وفي الجلاب: إن طال حبسه بالزيادة عن سنة ضرب مائة، وأطلق ما لم يكن متمردًا وإلا خلد في السجن.
وفي وجه لبعض أصحاب الشافعي في المسائل التي يتعذر فيها رد اليمين على المدعي، والتي منها: ما إذا مات من لا وارث له، فادعى القاضي أو منصوبه دينًا له على رجل وجده في تذكرته، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين فإنه يحبس حتى يقر بالحق أو يحلف.
ومنها: ما لو ادعى وصي الميت على وارثه أن المورث أوصى بثلث ماله للفقراء مثلًا، فأنكر الوارث ونكل عن اليمين، فإن الحكم في هذه المسألة كسابقتها.
والقول بحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر، أحد وجهين في مذهب الحنابلة، إذا كانت الدعوى في غير المال، أو فيما لا يقصد به المال الأيمان التي لا ترد بالنكول.
- ثمة أيمان لا ترد بالنكول عند بعض الفقهاء، وتتمثل هذه الأيمان فيما يلي:
أ- يمين التهمة؛ لأنها تجب للمدعي إذا كان اتهامه للمدعى عليه مبنيًّا على الشك؛ إذ الشاك لا يحلف.
ب- اليمين المؤكدة، وهي التي تطلب من المدعي مع توافر البينة إذا شك القاضي في عدالة الشهود، أو إذا كان المدعى عليه غائبًا، وسبب عدم صحة الرد: أنه لو أبيح رد اليمين لأدى ذلك إلى إبطاله البينة باليمين، والبينة أقوى منه.
ج- يمين القذف؛ لعدم جواز الحد برد اليمين.
د- اليمين المتممة، وهي يمين المدعي مع وجود شاهد واحد، وسبب عدم صحة ردها أنها تنوب عن الشهادة، فصارت بمنزلة الشهادة.
هـ- يمين اللعان؛ لأنها بمنزلة الشهادة على المرأة، ولا تردها المرأة إذ وضعت لدرء حد الزنى عنها.
واليمين المردودة على المدعي عند نكول المدعى عليه عنها، فإذا نكل المدعي عن اليمين المردودة عليه في هذه الحالة، ولم يتعلل بشيء، ولم يطلب مهلة لأداء اليمين سقط حقه منها، وليس له ردها على المدعى عليه؛ لأن اليمين المردودة لا ترد.
المغني -ابن قدامة- (10/ 211-212).
فصل: وإذا نكل من توجهت عليه اليمين عنها، وقال: لي بينة أقيمها، أو حساب أستثبته؛ لأحلف على ما أتيقن، فذكر أبو الخطاب أنه لا يمهل، وإن لم يحلف جعل ناكلًا، وقيل: لا يكون ذلك نكولًا، ويمهل مدة قريبة، وإن قال: ما أريد أن أحلف، أو سكت فلم يذكر شيئًا نظرنا في المدعى، فإن كان مالًا أو المقصود منه المال قضي عليه بنكوله، ولم تردّ اليمين على المدعي، نص عليه أحمد، فقال: أنا لا أرى رد اليمين إن حلف المدعى عليه، وإلا دفع إليه حقه، وبهذا قال أبو حنيفة.
واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعي، إن ردها حلف المدعي، وحكم له بما ادعاه، قال: وقد صوبه أحمد، فقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، وهو قول أهل المدينة، روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال شريح، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، ومالك في المال خاصة، وقال الشافعي في جميع الدعاوى؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق"، رواه الدارقطني، ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي، وقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه، كالمدعى عليه قبل نكوله، وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد، ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال، وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو ترفعًا عنها، مع علمه بصدقه في إنكاره، ولا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا حلف كانت يمينه دليلًا عند عدم ما هو أقوى منها، كما في موضع الوفاق.
وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يقر أو يحلف.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن اليمين على جانب المدعى عليه»، فحصرها في جانب المدعى عليه، وقوله: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، فجعل جنس اليمين في جنب المدعى عليه، كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي.
وقال أحمد: قدم ابن عمر إلى عثمان في عبد له، فقال له: احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد العبد عليه، ولم يرد اليمين على المدعي.
ولأنها بينة في المال، فحكم فيها بالنكول، كما لو مات من لا وارث له، فوجد الإمام في دفتره دينًا له على إنسان، فطالبه به، فأنكره، وطلب منه اليمين، فأنكره، فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد، وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا أنه يقضى بالنكول في أحد الوجهين، وفي الآخر: يحبس المدعى عليه حتى يقر، أو يحلف، وكذلك لو ادعى رجل على ميت أنه وصى إليه بتفريق ثلثه، وأنكر الورثة، ونكلوا عن اليمين قضي عليهم.
والخبر لا تعرف صحته، ومخالفة ابن عمر له في القصة التي ذكرناها، يدل على ضعفه، فإنه لم يرد اليمين على المدعي، ولا ردها عثمان، فعلى هذا إذا نكل عن اليمين، قال له الحاكم: إن حلفت، وإلا قضيت عليك، ثلاثًا، فإن حلف وإلا قضى عليه، وعلى القول الآخر، يقول له: لك رد اليمين على المدعي، فإن ردها حلف، وقضي له، وإن نكل عن اليمين سئل عن سبب نكوله، فإن قال: لي بينة أقيمها، أو حساب أستثبته؛ لأحلف على ما أتيقنه، أخرت الحكومة، وإن قال: ما أريد أن أحلف سقط حقه من اليمين، فلو بذلها في ذلك المجلس بعد هذا لم تسمع منه، إلى أن يعود في مجلس آخر.
فإن قيل: فالمدعى عليه لو امتنع من اليمين، ثم بذلها، سمعت منه، فلم منعتم سماعها هاهنا؟ قلنا: اليمين في حق المدعى عليه هي الأصل، فمتى قدر عليها، أو بذلها، وجب قبولها، والمصير إليها، كالمبدلات مع أبدالها، وأما يمين المدعي فهي بدل، فإذا امتنع منها لم ينتقل الحق إلى غيره، فإذا امتنع منها سقط حقه منها؛ لضعفها.
وأما إذا حلف وقضي له، فعاد المدعى عليه، وبذل اليمين، لم يسمع منه، وهكذا لو بذلها بعد الحكم عليه بنكوله لم يسمع؛ لأن الحكم قد تم، فلا ينقض، كما لو قامت به بينة، فأما غير المال وما لا يقصد به المال فلا يقضى فيه بالنكول، نص عليه أحمد في القصاص، ونقل عنه في رجل ادعى على رجل أنه قذفه، فقال: استحلفوه، فإن قال: لا أحلف، أقيم عليه، قال أبو بكر: هذا قول قديم، والمذهب: أنه لا يقضي في شيء من هذا بالنكول، ولا فرق بين القصاص في النفس، والقصاص في الطرف، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يقضي بالنكول في القصاص فيما دون النفس، وعن أحمد مثله، والأول هو المذهب؛ لأن هذا أحد نوعي القصاص، فأشبه النوع الآخر، فعلى هذا، ما يصنع به؟ فيه وجهان، أحدهما: يخلى سبيله؛ لأنه لم يثبت عليه حجة، وتكون فائدة شرعية اليمين الردع والزجر، والثاني: يحبس حتى يقر أو يحلف، وأصل الوجهين المرأة إذا نكلت عن اللعان.
المجموع شرح المهذب -التكملة- (10/ 159-159).
إن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه، فإن ابتدأ وقال: امتنعت؛ لأنظر في الحساب؛ أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة، ولا يمهل أكثر منها؛ لأنها مدة كثيرة، فإن لم يذكر عذرًا لامتناعه جعله ناكلًا، ولا يقضى عليه بالحق بنكوله؛ لأن الحق إنما يثبت بالإقرار أو البينة.
والنكول ليس بإقرار ولا بينة، فإن بذل اليمين بعد النكول لم يسمع؛ لأن بنكوله ثبت للمدعي حق، وهو اليمين فلم يجز ابطاله عليه، فإن لم يعلم المدعى أن اليمين صارت إليه قال له القاضي: أتحلف وتستحق، وان كان يعلم فله أن يقول ذلك، وله أن يسكت، وإن قال: أحلف؛ ردت اليمين عليه؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على صاحب الحق.
وروي أن المقداد استقرض من عثمان مالًا، فتحاكما إلى عمر، فقال المقداد: هو أربعة آلاف، وقال عثمان: سبعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال عمر: إنه أنصفك، فلم يحلف عثمان، فلما ولَّى المقداد قال عثمان: والله لقد أقرضته سبعة آلاف، فقال عمر: لِمَ لَمْ تحلف؟ فقال: خشيت أن يرافق ذلك به قدر بلاء فيقال: بيمينه.
واختلف قول الشافعي -رحمه الله تعالى- في نكول المدعى عليه مع يمين المدعي، فقال في أحد القولين: هما بمنزلة البينة؛ لأنه حجة من جهة المدعي، وقال في القول الآخر: هما بمنزلة الإقرار، وهو الصحيح؛ لأن النكول صادر من جهة المدعَى عليه، واليمين ترتب عليه وله، فصار كإقراره، فإن نكل المدعِي عن اليمين سئل عن سبب نكوله، والفرق بينه وبين المدعَى عليه؛ حيث لم يسأل عن سبب نكوله: أن بنكول المدعى عليه وجب للمدعى حق في رد اليمين والقضاء له، فلم يجز سؤال المدعَى عليه، وبنكول المدعي لم يجب لغيره حق فيسقط بسؤاله، فإن سئل فذكر أنه امتنع من اليمين لأن له بينة يقيمها وحسابًا ينظر فيه، فهو على حقه من اليمين، ولا يضيق عليه في المدة، ويترك ما تارك، والفرق بينه وبين المدعَى عليه حيث قلنا: إنه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام: أن يترك المدعَى عليه يتأخر حق المدعي في الحكم له، وبترك المدعي لا يتأخر إلا حقه، وإن قال: امتنعت؛ لأني لا أختار أن أحلف حكم بنكوله، فإن بذل اليمين بعد النكول لم يقبل في هذه الدعوى؛ لأنه أسقط حقه منها، فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى، وأنكر المدعَى عليه وطلب يمينه حلف، فإن حلف ترك، وإن نكل ردت اليمين على المدعِي، فإذا حلف حكم له؛ لأنها يمين في غير الدعوى التي حكم فيها بنكوله، فإن كان له شاهد، واختار أن يحلف المدعَى عليه جاز، وتنتقل اليمين إلى جنبة المدعَى عليه، فإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له في هذا المجلس؛ لأن اليمين انتقلت عنه إلى جنبة غيره، فلم تعد إليه، فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد، ويحلف معه؛ لأن حكم الدعوى الأولى قد سقط، وإن حلف المدعَى عليه في الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة، وإن نكل عن اليمين لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعي؛ لأن للشاهد معنى تقوى به جنبة المدعي، فلم يقض به مع النكول من غير يمين، كاللوث في القسامة، وهل ترد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد؟ فيه قولان، أحدهما: أنه لا ترد؛ لأنها كانت في جنبته، وقد أسقطت، وصارت في جنبة غيره، فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين، فردت إلى المدعي، فنكل فإنها لا ترد على المدعَى عليه.
والقول الثاني، وهو الصحيح: أنها ترد؛ لأنه هذه اليمين غير الأولى؛ لأن سبب الأولى قوة جنبة المدعى بالشاهد، وسبب الثانية قوة جنبته بنكول المدعى عليه، واليمين الأولى لا يحكم بها إلا في المال وما يقصد به المال، والثانية: يقضى بها في جميع الحقوق التي تسمع فيها الدعوى، فلم يكن سقوط إحداهما موجبًا لسقوط الأخرى، فإن قلنا: إنها لا ترد؛ حبس المدعَى عليه حتى يحلف أو يقر؛ لأنه تعين عليه ذلك، وإن قلنا: إنها ترد؛ حلف مع الشاهد، واستحق.