موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل الثامن عشر في الكلام أثناء الوضوء:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الأصل في الكلام الإباحة.
[م-١٤٣] اختلف العلماء في الكلام أثناء الوضوء مع اتفاقهم على عدم التحريم:
فقيل: ترك التكلم بكلام الناس أثناء الوضوء من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية، المالكية.
وقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة.
- دليل من كره الكلام أثناء الوضوء:
* الدليل الأول:
(٣١٤ - ١٦٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا البيلماني، عن أبيه، عن عثمان بن عفان أنه توضأ بالمقاعد، والمقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد، فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، واستنثر ثلاثا ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا، وسلم عليه رجل، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه معتذرا إليه، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوءين".
[ضعيف جدا].
* الدليل الثاني:
(٣١٥ - ١٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن عن حضين أبي ساسان الرقاشي، عن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان، قال: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ، فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء.
صحيح إلا أن المحفوظ من الحديث أن المهاجر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، كما أن التعليل في الحديث يؤكد أن المانع من رد السلام ليس كراهة الرد أثناء الوضوء أو البول، وإنما لكونه على غير طهارة].
* الدليل الثالث:
قال في مراقي الفلاح: ولا يتكلم بكلام الناس؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور.
قلت: الدعاء المأثور في أثناء الوضوء لا أصل له، وقد بينت ذلك في مسألة مستقلة.
* الدليل الرابع:
حكاية الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء.
قال النووي: قد نقل القاضي عياض في شرح صحيح مسلم أن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل.
وهذا المنقول يجاب عنه بما عقب عليه النووي، فقال: وهذا الذي نقله من الكراهة محمول على ترك الأولى، وإلا فلم يثبت فيه نهي فلا يسمى مكروها إلا بمعنى ترك الأولى.
وقال ابن مفلح: قال جماعة: يكره الكلام في أثناء الوضوء، والمراد بغير ذكر الله تعالى، كما صرح به جماعة، والمراد بالكراهة ترك الأولى وفاقا للحنفية والشافعية.
وقال أيضا: وظاهر الأكثر لا يكره السلام ولا الرد، وإن كان الرد على طهر أكمل لفعله عليه السلام.
دليل من قال: لا يكره الكلام أثناء الوضوء:
* الدليل الأول:
لا يوجد نهي من الشارع عن الكلام أثناء الوضوء، والأصل في الأفعال الإباحة، فمن ادعى النقل عن الإباحة بحكم آخر سواء الكراهة أو الحكم بأن ذلك من آداب الوضوء وسننه فعليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
* الدليل الثاني:
(٣١٦ - ١٧٠) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم.
فهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء مثله.
- الراجح من الخلاف:
إن صح نقل الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء فالدليل الإجماع، وإلا فالأصل الإباحة وقد يقال: إن كان سكوت الإنسان أثناء الوضوء من أجل تصور امتثال أوامر الشرع، فإذا غسل وجهه تذكر أنه عبد لله يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بقوله: (فاغسلوا وجوهكم) كما يحاول أن يكون هذا الفعل مطابقا لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفعل ما فعله، وفي غسل اليدين يتصور امتثاله لأمر الله سبحانه وتعالى بقوله: (وأيديكم إلى المرافق) وهكذا في كل أفعال الوضوء، إذا كان هذا لذلك فقد يكون السكوت مطلوبا، وإن كان السكوت من أجل استصحاب النية في الوضوء، فهذا له بحث آخر سوف يذكر إن شاء الله تعالى في فروض الوضوء، وما عداه فيكون الكلام وعدمه على الإباحة، والاستحباب والكراهة لا بد فيهما من دليل شرعي، وقد سبق كلام النووي بأنه لم يرد نهي من الشارع عن الكلام، والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٧٦:٣٨٠)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
المغني -ابن قدامة-
فصل: ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام؛ من الكذب، والغيبة، والرفث والقذف، وغيرها. نص عليه أحمد. قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف، وقول الزور، والكذب، والغيبة، لا توجب طهارة، ولا تنقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شيء من الكلام، وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله". ولم يأمر في ذلك بوضوء.
المغني -ابن قدامة- (١/٢٣٩)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
المبحث الثالث في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- لا يصح شيء في أذكار الوضوء إلا قوله في آخره: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وما عداه إما ضعيف أو موضوع.
[م-١٣٨] استحب الحنفية أن يدعو بالدعوات المأثورة عند كل فعل من أفعال الوضوء.
ومن هذه الأدعية ما ذكره الرافعي نقلا من تلخيص الحبير، قال: «ومن السنن المحافظة على الدعوات الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، وعند غسل اليد اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من رواء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وروي: اللهم احفظ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى». وروي: اللهم أغنني برحمتك، وأنزل علي من بركتك، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام».
[هذا الدعاء لا أصل له].
قال ابن القيم: كل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه، ولا علمه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره.
وفي سنن النسائي مما يقال بعد الوضوء أيضا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اهـ
وكل هذه الأذكار سبق الكلام عليها وتخريجها.
وقال الخرشي المالكي: وما يقال عند فعل كل عضو فحديث ضعيف جدا، ولا يعمل به، وقول الأقفهسي: إنه يستحب فيه نظر.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٦٢:٣٦٤)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
الرابع والعشرون: الدعاء عند كل عضو:
١١٧ ـ اختلف الفقهاء في الدعاء عند غسل أو مسح الأعضاء في الوضوء.
فذهب الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية وجماعة من الحنابلة إلى أنه يستحب قول الدعاء عند كل عضو.
وصرح المالكية بأنه يستحب ذكر الله عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء.
ودعاء الأعضاء عند الحنفية والشافعية والأفقهسي من المالكية هو أن يقول بعد التسمية عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة القرآن الكريم وذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وعند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة النار.
وعند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند غسل يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا.
وعند غسل يده اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
وعند مسح رأسه: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك.
وعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند مسح عنقه: اللهم أعتق رقبتي من النار.
وعند غسل رجله اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
وعند غسل رجله اليسرى: اللهم اجعل ذنبي مغفورا وسعيي مشكورا وتجارتي لن تبور.
وقالوا: إن الوارد من الدعاء رواه ابن حبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق يقوي بعضها بعضا -فارتقى إلى مرتبة الحسن كما قال ابن عابدين- فيعمل به، والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بشرط عدم شدة ضعفه، وأن يدخل تحت أصل عام، وأن لا يعتقد سنية ذلك الحديث.
وذهب الشافعية في رأي والحنابلة على الأصح: إلى أنه لا يستحب الدعاء عند كل عضو.
ونص الحنابلة على كراهته، والمراد ترك الأولى.
قال النووي: دعاء الأعضاء لا أصل له.
وقال ابن القيم: الأذكار التي يقولها العامة على الوضوء عند كل عضو لا أصل لها عنه عليه أفضل الصلاة والسلام.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٧٤:٣٧٥)
المجموع شرح المهذب -النووي-
وأما الدعاء المذكور فلا أصل له وذكره كثيرون من الأصحاب ولم يذكره المتقدمون وزاد فيه الماوردي فقال: يقول عند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسا لا أظمأ بعده أبدا وعند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجناتك. قال: ويقول عند الرأس: اللهم أظني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. وقوله: ثبت قدمي على الصراط هو بتشديد الياء على التثنية والصراط بالصاد والسين وبإشمام الزاي ثلاث لغات وقراءات. والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٤٦٥)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل السادس:
في إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كون الشيء حدثا يوجب الوضوء متلقى من جهة الشارع، فأكل لحم الإبل حدث، ومس الذكر حدث، وهذه الأشياء غير معقولة المعنى.
• لم يثبت أن إزالة التفث يعتبر حدثا ناقضا للوضوء.
[م-٨٥٢] من توضأ، ثم قلم أظفاره بعد الوضوء أو حلق شعر رأسه، فهل يعيد غسل موضع الأظفار؟ فيه خلاف بين العلماء.
فقيل: لا يعيد.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره ابن حزم.
وقيل: عليه الوضوء، اختاره مجاهد، وابن جرير.
وقيل: يغسلها بالماء، اختاره عطاء، وإبراهيم النخعي، وحماد، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
• دليل من قال ليس عليه شيء:
(٢١٤٦ - ٩٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن التيمي، عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره. فقلت له: أخذت من أظفارك ولا تتوضأ؟ قال: ما أكيسك، أنت أكيس ممن سماه أهله كيسا.
[صحيح].
الدليل الثاني:
(٢١٤٧ - ٩٨) روى مسدد في مسنده، قال: حدثنا ابن داود، عن شيخ يكنى أبا عبد الله، عن عمر بن قيس، قال: إن عليا رضي الله عنه، قال: ما زاده إلا طهارة، يعني: الأخذ من الشعر والظفر.
[ضعيف].
الدليل الثالث:
قالوا: إن من توضأ الوضوء الشرعي فإنه طاهر بالكتاب والسنة، ولا تنتقض طهارته إلا بدليل شرعي، وليس قص الشعر والظفر حدثا حتى ينتقض وضوؤه.
• دليل من قال عليه الوضوء أو مسحه بالماء:
لا أعلم له دليلا من الكتاب أو السنة، أو من قول الصحابة، وقد يكون من رأى الوضوء أن الشعر والظفر إذا حلق، فقد زال الممسوح الذي تعلق به الفرض، وبالتالي فلا بد من إعادة الوضوء أو المسح. والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يشرع الوضوء ولا المسح بعد تقليم الأظفار أو حلق الشعر؛ لأن إيجاب ذلك أو استحبابه يحتاج إلى دليل ولا دليل.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (١٠/٢٤٤:٢٢٦)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
حلق شعر الرأس بعد الوضوء:
٧٨ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية في المذهب والشافعية والحنابلة) إلى أن حلق شعر رأسه بعد الوضوء لا يؤثر في الوضوء.
وقال الحنفية: لا يعاد الوضوء بحلق رأسه؛ لأن المسح على شعر الرأس ليس بدلا عن المسح على البشرة؛ لأنه يجوز مع القدرة على مسح البشرة، ولو كان بدلا لم يجز... ولا يعاد بل المحل بذلك.
وحكي في رأي عند المالكية: تجب إعادة مسح الرأس بعد الحلق، قال الدسوقي عن هذا الرأي: هو ضعيف.
وحكي وجوب الإعادة كذلك عن ابن جرير الطبري، حيث ألحقه بخلع الخف بعد مسحه.
وعن ابن رجب: استحب أحمد أنه إذا حلق رأسه أن يمسه بالماء ولم يوجبه.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (43/350:351)
المجموع شرح المهذب -النووي-
المسألة الرابعة) في الأحكام فالمضمضة والاستنشاق سنتان قال أصحابنا: كمال المضمضة أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه، وأقلها يجعل الماء في فيه ولا يشترط المج، وهل تشترط الإدارة؟ فيه وجهان أصحهما لا تشترط هذا مختصر ما قاله الأصحاب وأما تفصيله فقال الماوردي المضمضة إدخال الماء مقدم الفم والمبالغة فيها إدارته في جميع الفم؛ قال: والاستنشاق إدخال الماء مقدم الأنف والمبالغة فيه إيصاله خيشومه قال: والمبالغة سنة زائدة عليهما. وقال المحاملي في المجموع: المشروع فيهما إيصال الماء إلى الفم والأنف. قال: والمبالغة فيهما سنة. قال الشافعي: المبالغة في المضمضة أن يأخذ الماء بشفتيه فيديره في فمه ثم يمجه وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بأنفه ويجذبه بنفسه ثم ينثر ولا يزيد على ذلك. وقال صاحب العدة: تمام المضمضة أن يأخذ الماء في الفم ويحركه ثم يمجه، وتمام الاستنشاق أن يأخذ الماء بنفسه ويبلغ خياشيمه ولا يجاوز ذلك فيصير سعوطا. وقال المتولي: المضمضة إدخال الماء في الفم والاستنشاق إدخاله الأنف. قال: والمبالغة فيهما سنة في المبالغة في المضمضة أن يدخل الماء الفم ويديره على جميع جوانب فمه ويوصله طرف حلقه ويمره على أسنانه ولثاته ثم يمجه يفعل ذلك ثلاثا وفي الاستنشاق يجعل الماء في أنفه ويأخذه بالنفس حتى يصل الخياشيم، ثم يدخل أصابعه فيزيل ما في أنفه من أذى ثم يستنثر كما يفعل الممتخط يفعل ذلك ثلاثا. وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في استدلاله على أن المضمضة سنة: فإن قيل: المضمضة والاستنشاق أن يجعل الماء في فيه، ويمجه وأن يجذبه بنفسه في أنفه ويرده: قلنا ليس كما ذكرتم؛ بل المضمضة إيصال الماء إلى باطن الفم والاستنشاق إيصاله إلى باطن الأنف على أي حال كان، والذي ذكرتموه إنما هو المبالغة في المضمضة والاستنشاق فلو ملأ فمه ماء ثم مجه أو بلعه ولم يدره في فمه كان مضمضة هذا كلام القاضي، وفيما ذكرناه قبله من كلام الأصحاب التصريح بأن أقل المضمضة جعل الماء في الفم والإدارة ليست بشرط لأصل المضمضة بل هي مبالغة، وخالف المحاملي في التجريد الجماعة فقال: قال الشافعي: المضمضة أن يأخذ الماء في فمه ويديره ثم يمجه؛ فإن لم يدره فليس بمضمضة، وكذا نقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وهو صريح في اشتراط الإدارة والمشهور الذي عليه الجمهور أنها ليست شرطا كما سبق.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٣٥٥:٣٥٦)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
المسألة الأولى في شعر اللحية:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- اللحية هل هي من الوجه، لحصول المواجهة بها، أو ليست من الوجه لأن الوجه كانت له هذه التسمية قبل ظهورها.
- ما تحت الشعر الكثيف لا تقع به المواجهة، فلم يتناوله الاسم، وإذا لم يتناوله لم يتعلق به الحكم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيف اللحية، وغسل وجهه مرة، والمرة الواحدة لا يصل الماء فيها إلى ما تحت الشعر والبشرة.
- الكثيف شعر يستر ما تحته في العادة، فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس بخلاف الشعر الخفيف فإنه بمنزلة شعر الحاجبين والذراعين فيجب غسل ما تحته.
[م-١٥٠] اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين:
خفيف، وكثيف:
فالكثيف: لا يجب إيصال الماء إلى البشرة.
والشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة، واختلف في حد الشعر الكثيف، فقيل: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب، وعليه الأكثر. وقيل: ما عده الناس خفيفًا فهو خفيف، وما عدوه كثيفًا فهو كثيف. وقيل: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة فهو خفيف، وإلا فهو كثيف. والثاني والثالث غير منضبط، والأول حد فاصل فهو معتبر. وقيل: يسقط غسل البشرة مطلقًا إذا نبت عليه شعر، سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا، وهو ظاهر كلام الكاساني في بدائع الصنائع، ولم يرتضيه ابن نجيم وابن عابدين. وقيل: يجب غسل البشرة مطلقًا حتى في اللحية الكثيفة، حكي عن بعض المالكية، واختاره المزني وأبو ثور، وهو قول في مذهب الحنابلة.
- دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف:
* الدليل الأول:
(٣٢٧ - ١٨١) حديث ابن عباس في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه. الحديث. وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير شعر اللحية كما في مسلم، وفي رواية: كان كث اللحية: أي الشعر الكثير ليس بالطويل ولا بالقصير. ولو كان غسل ما تحت الشعر واجبًا لنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته، ولم يذكر التخليل في أحاديث الصحيحين كحديث عبد الله بن زيد، وعثمان بن عفان، وغيرهما، والله أعلم.
* الدليل الثاني:
ولأن الأصل وجوب غسل البشرة. انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ إذا كان كثيفًا؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف، ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالخف والعمامة والجبيرة فالمتصل خلقة أولى.
- دليل من أوجب غسل البشرة مطلقًا:
* الدليل الأول:
قياس الحدث الأصغر على الغسل الواجب؛ بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث. (٣٢٨ - ١٨٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن.
- ويجاب على ذلك:
بأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.
* الدليل الثاني:
استدلوا ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.
ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.
والأصل في الأمر الوجوب. انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية.
وهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة.
* الدليل الثالث:
ما تحت الشعر الكثيف داخل في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله.
ولهذا جاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية.
ولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهًا لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لم يغسلها، والله أعلم.
والراجح من خلاف أهل العلم التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف، نظرًا لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٤٠٨:٤١٢)
موسوعة الفرق الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
القدر المجزئ في مسح الرأس:
٧٤ - اختلف الفقهاء في القدر المجزئ في مسح الرأس في الوضوء على أقوال: فذهب المالكية على المشهور والحنابلة على الصحيح من المذهب إلى أنه يجب مسح الرأس كله، لكنهم اختلفوا في بعض التفصيل:
فقد نص المالكية على المشهور من المذهب على أنه يجب على المتوضئ مسح جميع رأسه من جلد أو شعر، وذلك من منابت الشعر المعتاد غالبا من مقدم الرأس إلى نقرة القفا، مع مسح شعر صدغيه مما فوق العظم الناتئ في الوجه، وأما العظم الناتئ فهو من الوجه، فلا يمسح مع الرأس بل يغسل مع الوجه.
ويدخل في الرأس البياض الذي فوق وتدي الأذنين.
وقال أشهب: يكفي مسح النصف، وروي عنه أن مسح الناصية مجزئ، وقال محمد بن مسلمة: يجزئ مسح الثلثين، وقال أبو الفرج: يجزئ مسح الثلث ويدخل المتوضئ يده تحت الشعر في رد المسح حيث طال: إذ لا يحصل التعميم إلا بهذا الرد. ويطالب بالسنة بعد ذلك، وأما الشعر القصير فيحصل التعميم من غير رد، فالرد سنة وإن لم يكن على الرأس شعر، بشرط أن يبقى بكل من أثر مسح الرأس وإلا سقطت سنة الرد.
وذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أنه يجب مسح جميع ظاهر الرأس، وعن أحمد: يجزئ مسح أكثره، وقال القاضي في التعليق وأبو الخطاب: أكثره الثلثان فصاعدا، واليسير الثلث فما دونه، وأطلق الأكثر فالأكثر فشمل أكثر من النصف ولو بيسير، وعن أحمد أيضا: يجزئ مسح قدر الناصية، وعنه: يجزئ بمسح بعض الرأس من غير تحديد. وذكر في الانتصار احتمالا: يجزئ مسح بعضه في التجديد دون غيره، وعنه يجزئ مسح بعضه للمرأة دون غيرها. وقالوا: لو مسح البشرة فقط لم يجزئ كما لو غسل باطن اللحية. ونص الحنفية على أن ركن الوضوء مسح الرأس مرة فوق الأذنين، واختلفوا في المقدار المفروض مسحه، وأشهر الروايات أنه ربع الرأس وهو المعتمد في المذهب، والرواية الثانية: أنه مقدار الناصية، والثالثة: أنها مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، وقيل: هي ظاهر الرواية، وفي البدائع: أنها رواية الأصول، وصححها في التحفة وغيرها وفي الظهيرين وعليها الفتوى. وقال الشافعية: من فروض الوضوء مسمى مسح فيجزئ مسح لبعض بشرة الرأس أو بعض شعر الرأس، ولو واحدة أو بعضها في حد الرأس بأن لا يخرج بالمد من جهة نزوله، فلو خرج بالمد عن حد الرأس من جهة نزوله لم يكف حتى لو كان متجمعا بحيث لو مد لخرج عن الرأس ولم يجز المسح عليه، أو قدر بعض شعره من البشرة.
ونص الشافعية على أن كلا من البشرة والشعر أصل في المسح؛ ولذا خير بينها على الأصح؛ لأن كلا منهما يصدق عليه مسمى الرأس عرفا؛ لأن الرأس اسم لما رأس وعلا.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٤٧:٣٤٩)
المغني -ابن قدامة-
فصل: ويجب غسل ما استرسل من اللحية. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه: لا يجب غسل ما نزل منها عن حد الوجه طولا وعرضا؛ لأنه شعر خارج عن محل الفرض، فأشبه ما نزل من شعر الرأس عنه. وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب غسل اللحية الكثيفة؛ لأن الله تعالى إنما أمر بغسل الوجه، وهو اسم [لبشرة الوجه] التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة، وما تحته لا تحصل به المواجهة. وقد قال الخلال: الذي ثبت عن أبي عبد الله، رحمه الله، في اللحية أنه لا يغسلها وليست من الوجه ألبتة. قال: وروى بكر بن محمد، عن أبيه، قال: سألت أبا عبد الله: أيما أعجب إليك غسل اللحية أو التخليل؟ فقال: غسلها ليس من السنة، وإن لم يخلل أجزأه. وهذا [ظاهر مذهب أبي حنيفة] في الرواية التي ذكرت عنه. ويحتمل أنه أراد ما خرج عن حد الوجه منها، وهو [قول لأبي حنيفة]، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أبي حنيفة أن عليه غسل الربع من اللحية، بناء على أصله في مسح الرأس. وظاهر مذهب أحمد، الذي عليه أصحابه، وجوب غسل اللحية كلها مما هو نابت في محل الفرض، سواء حاذى محل الفرض أو تجاوزه، وهو ظاهر كلام الشافعي. وقول أحمد في نفي الغسل، أراد به غسل باطنها، أي غسل باطنها ليس من السنة، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا قد غطى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشف وجهك؛ فإن اللحية من الوجه". ولأنه نابت في محل الفرض يدخل في اسمه ظاهرا، فأشبه اليد الزائدة، ولأنه يواجه به، فيدخل في اسم الوجه، ويفارق شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، [والخف لا يجب مسح جميعه، بخلاف ما نحن فيه].
المغني -ابن قدامة- (١/١٦٤:١٦٥)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
المسألة الرابعة:
في غسل المسترسل من اللحية:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- منشأ الخلاف في غسل المسترسل من اللحية: هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب.
- الأصل غسل بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يجب غسله حتى يكون غسل اللحية بدلا منه؟
[م-١٥٣] اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية.
فقيل: يجب غسل ظاهره، وهو المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة، وعليه أكثر الشافعية.
وقيل: لا يجب بل يسن، وهو مذهب الحنفية وأحد قولي الشافعية.
وقيل: لا يشرع غسله، وهو اختيار ابن حزم رحمه الله.
- دليل من قال: يجب غسل المسترسل من اللحية.
* الدليل الأول:
أن الله أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا، ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما أطلق عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فوجب غسلها بدلا من البشرة.
* الدليل الثاني:
أن اللحية النازلة من الذقن تشبه اللحية النابتة على الخد، فإذا وجب غسل النابت على الخد وجب غسل النابت على الذقن مطلقا سواء نزل على الصدر أم لم ينزل.
* الدليل الثالث:
ولأن النازل من الذقن تبع لأصله، وأصله يجب غسله فكذلك النازل، منه؛ فقد يجب تبعا ما لا يجب استقلالا.
دليل من قال: لا يشرع غسل المسترسل:
* الدليل الأول:
الأصل المأمور بغسله: هو بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته مما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلا منه.
* الدليل الثاني: القياس على الرأس، فكما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، وما انسدل من الرأس سقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه، وما سقط من الشعر وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه.
دليل من قال: يسن ولا يجب:
لعله قال ذلك احتياطا، وخروجا من الخلاف، فلم يبلغ الدليل عنده من القوة ما يجعله يجزم بالوجوب، ورأى أن الاحتياط في الترغيب في مسحه فاستحبه، خاصة أن فيه من الأدلة ما يدل على غسل ظاهر اللحية، (٣٣٠ - ١٨٤) كما في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد ابن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث. فقوله: من أطراف لحيته مطلق، يشمل اللحية المسترسلة وغيرها. والله أعلم.
الراجح:
أن اللحية المسترسلة لا يجب غسلها، لقوة أدلة القائلين بعدم الوجوب، وأما قولهم: إنها تحصل بها المواجهة لا يكفي في الوجوب، فالرقبة متصلة بالوجه، وتحصل بها المواجهة ولا يجب غسلها، فكيف بالشعر النازل عن حد الرقبة، وأما حديث "مع أطراف لحيته" فلا يشعر بالوجوب، قد يشعر بالاستحباب، مع أن الحديث ليس نصا في اللحية المسترسلة، والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٤١٨:٤٢١)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الباب الثامن في أحكام المسح على العمامة:
الفصل الأول في المسح على العمامة:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المسح على العمامة أصل بنفسه وليس مقيسا على الخفين.
• إذا كان المسح على الخفين لا يعارض القرآن، فالمسح على العمامة لا يعارض القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله مفسر له، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة، ومسح أصحابه عليها.
• أما أن تكون العمامة ليست محلا للمسح فلا تمسح، أو تكون محلا للمسح فيجوز الاقتصار عليها، أما أن يقال: إنها محلا لسنة المسح بشرط أن يمسحها مع الناصية فهذا مخالف للقواعد؛ لأن ما كان محلا للمسح يجوز الاقتصار عليه.
• العادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعا للبعض، فالحكم دائما للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة أغلب الرأس، فهي الأصل، كيف وقد ثبت الاقتصار على مسح العمامة.
[م-٢٦٧] اختلف العلماء في المسح على العمامة، فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية. وقيل: يجوز، اختاره الثوري، والأوزاعي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية، وهو الصحيح.• دليل الحنابلة على الجواز:
الدليل الأول:
(٦٤٣ - ١٤٠) ما رواه مسلم من طريق بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين.
[رواه حمزة، عن المغيرة واختلف عليه في ذكر المسح على العمامة، وتابعه عمرو ابن وهب الثقفي، ورواه جماعة عن المغيرة منهم عروة بن المغيرة، ومسروق في الصحيحين، والأسود بن هلال في مسلم، وجماعة خارج الصحيح وليس فيها ذكر للعمامة].• وأجيب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول:
يتعلق بالاختلاف في ذكر المسح على العمامة، وأن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا فيه المسح على العمامة، منهم عروة، ومسروق.
الجواب الثاني:
أن الفرض هو مسحه على الناصية، وأما مسحه على العمامة فمن أجل سنة الاستيعاب، ولو ترك المسح على العمامة أجزأه، أما لو اقتصر بالمسح على العمامة، ولم يمسح شيئا من رأسه لم يجزئه.
• ورد على هذا:
بأنه ورد المسح على العمامة دون ذكر الناصية، كما سيأتي، ولم يثبت العكس، فلم يثبت مرفوعا أنه اقتصر في مسحه على الناصية دون العمامة.
قال ابن القيم: «لم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. وأما اقتصاره على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه».
فإذا ثبت أنه اقتصر على العمامة في المسح، ولم يثبت أنه اقتصر على الناصية وحدها، كيف تجعل الناصية هي الفرض، والمسح على العمامة مجرد سنة، والعادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعا للبعض فالحكم دائما للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة لا شك أنها أغلب الرأس، فهي الأصل.
الدليل الثاني:
(٦٤٤ - ١٤١) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته، وخفيه.
قال البخاري: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم.وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح هنا على العمامة، ولم يذكر الناصية، فدل على جواز الاقتصار عليها.
• وأجيب:
بأن الأوزاعي قد شذ بذكر المسح على العمامة، وكل من روى الحديث لم يذكر المسح على العمامة.
الدليل الثالث:
(٦٤٥ - ١٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار.[رواه الأعمش، عن الحكم موصولا، ورواه شعبة والثوري وزيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال منقطعا ليس فيه كعب بن عجرة].
وجه الاستدلال:
أن بلالا هنا نقل المسح على الخمار -يعني: العمامة- ولم يذكر أنه مسح معها شيئا آخر مما يدل على جواز المسح على العمامة، والاقتصار عليها، وهذا وجه الشاهد.
الدليل الرابع:
(٦٤٦ - ١٤٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين.
[أعل بالانقطاع].
الدليل الخامس:
(٦٤٧ - ١٤٤) حديث سلمان، رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا داود بن الفرات، قال: حدثنا محمد بن زيد العبدي، عن أبي شريح، عن أبي مسلم مولى يزيد بن صوحان، قال: رأيت سلمان الفارسي، ورأى رجلا يريد أن ينزع خفيه في الوضوء، فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وعمامته وشعره، وقال سلمان: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خماره وخفيه.
[ضعيف].الدليل السادس:
(٦٤٨ - ١٤٥) ما رواه الطبراني في المعجم الصغير، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود النضري، حدثنا عمر بن شبة النميري، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، عن أبي طلحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح على الخفين والخمار.
قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا حرمي تفرد به عمر بن شبة.
[إسناده حسن إن كان شيخ الطبراني ليس ضعيفا].الدليل السابع:
(٦٤٩ - ١٤٦) ما رواه الخطيب من طريق الحسن بن الربيع، حدثنا أبو شهاب، عن عاصم، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الموقين والخمار.
[أعله الدارقطني وأبو حاتم الرازي، وقالا: المحفوظ فيه المسح على الخفين موقوفا على أنس].الدليل الثامن:
(٦٥٠ - ١٤٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، من طريق جعفر النفيلي، ثنا عفير ابن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والعمامة في غزوة تبوك.
[ضعيف].الدليل التاسع: من الآثار.
(٦٥١ - ١٤٨) روى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، قال: رأيت أبا بكر يمسح على الخمار.
[حسن].
الأثر الثاني: عن عمر.
(٦٥٢ - ١٤٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال: قال عمر: إن شئت فامسح على العمامة، وإن شئت فانزعها.
[صحيح].قال ابن المنذر: «لو لم يثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، لوجب القول به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر فقد رشدوا"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"».
الأثر الثالث:
صح المسح على العمامة من فعل أنس رضي الله عنه. (٦٥٣ - ١٥٠) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عاصم، قال: رأيت أنسا يمسح على الخفين والعمامة.
[صحيح].
الأثر الرابع: عن أبي أمامة. (٦٥٤ - ١٥١) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال رأيت أبا أمامة يمسح على العمامة.[أرجو أن يكون حسنا].
المرفوع منها فيها اختلاف بالرغم من أنها رويت في البخاري ومسلم، بأن الموقوف فيصح عن بعض الصحابة المسح على العمامة، وهو كاف في المشروعية، فإن الصحابة لا يفعلون ذلك إلا وقد أخذوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
• جواب المانعين من المسح على هذه الآثار:
الجواب الأول:
أن المرفوع في المسح على العمامة فيه اختلاف كبير، تبين لنا هذا من واقع تخريج ألفاظ تلك الأحاديث، حتى قال العقيلي في الضعفاء: «الرواية في مسح العمامة فيها لين».
• ويجاب:
بأن المرفوع وإن كان فيه ما فيه إلا أن الموقوف على بعض الصحابة صحيح، وهو كاف في المشروعية، فإن الصحابة لا يفعلون ذلك إلا وقد أخذوه من الرسول صلى الله عليه وسلم.
الجواب الثاني:
قال النووي: الأحاديث التي ذكر فيها المسح على العمامة فقط، وقع فيها اختصار، والمراد مسح على الناصية والعمامة، ويدل على صحة هذا التأويل أنه صرح به في حديث المغيرة كما سبق بيانه، ثم قال مستدلا على صحة هذا التأويل: إن القرآن جاء بوجوب مسح الرأس، وجاءت الأحاديث الصحيحة بمسح الناصية مع العمامة، وفي بعضها مسح العمامة ولم تذكر الناصية، فكان محتملا لموافقة الأحاديث الباقية، ومحتملا لمخالفتها، فكان حملها على الاتفاق، وموافقة القرآن أولى. قال أصحابنا: وإنما حذف بعض الرواة ذكر الناصية؛ لأن مسحها كان معلوما؛ لأن مسح الرأس مقرر، معلوم لهم، وكان المهم بيان مسح العمامة. قال الخطابي: والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس، والحديث محتمل للتأويل، فلا يترك اليقين بالمحتمل، وقال هو وسائر الأصحاب: وقياس العمامة على الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه، بخلافها، والله أعلم.
• ورد عليهم:
بأن الظن بأن الصحابة رضوان الله عليهم اختصروا الحديث، وأنهم جاؤوا بصيغة توهم أنه يجوز الاقتصار على العمامة، مع أن الاقتصار عليها لا يجوز ظن لا يليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عدلهم الله في كتابه، وعدلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسنته، وهم أدرى الناس بمقتضى اللغة ومدلولها، وما حمل الناس على هذا الظن الذي لا يليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الإنسان قد يعتقد حكم المسألة قبل النظر في أدلتها، إما تقليدا لإمام، أو موافقة لقول الأصحاب، وبالتالي إذا جاء ما يخالف هذا الاعتقاد تكلف في التأويل غير المستساغ، وأما من يسلم قياده للدليل الشرعي فإنه يميل معه حيث ما مال، وافق من وافق، وخالف من خالف؛ لأن الحجة هو الدليل والدليل وحده، بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا تجد أهل الحديث أقل الناس خلافا لسلامة المنهج، والله الموفق للصواب.
• أدلة المانعين.
الدليل الأول:
قال تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: ٦]، وحقيقته تقتضي إمساسه الماء، ومباشرته، والعمامة ليست رأسا، وماسح العمامة غير ماسح برأسه، فلا تصح طهارته.
• وأجيب:
بأن مسح الرأس لا ينافي إثبات المسح على العمامة بدليل آخر، وليس إثبات أحدهما مبطلا للآخر، كما أن إثبات غسل الرجلين بقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} ليس مبطلا لإثبات المسح على الخفين، هذا مع التسليم أن قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} لا يشمله المسح على العمامة، وقد يقال: إن من مسح على عمامته، فقد مسح برأسه، فمن قبل رأس الرجل من فوق عمامته، قيل له: قبل رأسه، وكذا من مسح على العمامة.
ثم كيف يظن أن المسح على العمامة معارض لآية المائدة، وقد مسح أبو بكر وعمر وجمع من الصحابة رضي الله عنهم.
قال ابن المنذر: كيف يجوز أن يجهل مثل هؤلاء فرض مسح الرأس، وهو مذكور في كتاب الله سبحانه وتعالى، فلولا بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك وإجازته ما تركوا ظاهر الكتاب والسنة.
الدليل الثاني:
الآثار متواترة في مسح الرأس، فلو كان المسح على العمامة جائزا لورد النقل به متواترا في وزن وروده في المسح على الخفين، فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر، لم يجز المسح عليها من وجهين:
أحدهما: أن الآية تقتضي مسح الرأس، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم.
والثاني: عموم الحاجة إليه، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار• وأجيب: بأن خبر الآحاد يوجب العلم على الصحيح، وتثبت به الأحكام، ولا يشترط أن يكون الخبر متواترا حتى يقبل، وما كان معروفا عند السلف رد خبر الآحاد إذا كان السند إليه صحيحا غير معارض بأقوى منه؛ لكونه من أخبار الآحاد، وإنما جاء الكلام فيه من أهل البدع، وممن ردوا الأخبار الصحيحة لمعارضته لأفهامهم السقيمة، بل إن مصطلح التواتر والآحاد مصطلح حادث، وصدق القائل:
وكم من عائب قولا صحيحا *** وآفته من الفهم السقيم
وليس هذا موضع الاستدلال على قبول خبر الآحاد، ولا على تناقض أصحاب هذا القول، وقبولهم في مواضع كثيرة ما ردوه في موضع آخر.
الدليل الثالث:
(٦٥٥ - ١٥٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، حدثني مرحوم بن عبد العزيز العطار، حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به. الحديث قطعة من حديث طويل.
وجه الاستدلال:
قال الجصاص: معلوم أنه مسح برأسه؛ لأن مسح العمامة لا يسمى وضوءا، ثم نفى جواز الصلاة إلا به.
• وأجيب:
أولا: أن الحديث ضعيف جدا فيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك، زيد العمي، وهو ضعيف، ومعاوية لم يدرك ابن عمر.ثانيا: مسح الخفين لا يسمى وضوءا، ولم يمنع الحديث من المسح على الخفين، ولا من المسح على الجبيرة، فكذلك لا يمنع على فرض ثبوته من المسح على العمامة.
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: إن الرأس عضو طهارته المسح، فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه واليد في التيمم فرضه المسح، فلم يجز على حائل دونه، وهذا مجمع عليه.
• وأجيب:
هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتبر، والأمور في مثل هذا لا يجري فيها القياس، فالرجلان فرضهما الغسل، ويجوز المسح عليهما، والذراع فرضه الغسل، وحين لم يتمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من إخراجه لغسله لضيق كمه نزع يده من كمه وغسله، ولم يمسح عليه.
وقد يقابل هذا القياس بقياس مثله، فيقال: الرأس عضو يسقط فرضه بالتيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.الدليل الخامس:
(٦٥٦ - ١٥٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة.
• وأجيب عن هذا الحديث:
أولا: إسناده ضعيف.
ثانيا: وعلى فرض صحته، فإنه لا يعارض المسح على العمامة. قال ابن المنذر: «المسح على العمامة ليس بفرض لا يجزئ غيره، ولكن المتطهر إن شاء مسح برأسه، وإن شاء على عمامته، كالماسح على الخفين، المتطهر بالخيار، إن شاء غسل رجليه، وإن شاء مسح على خفيه».
ثالثا: قال ابن القيم: «مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه». اهـ
وهذه الأجوبة جيدة لو كان الحديث صحيحا، وما دام أنه لم يصح فلا نتكلف الإجابة عنه.
الدليل السادس:
(٦٥٧ - ١٥٤) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:
بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، وعليه العمامة، يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة.
[ضعيف].
• وأجيب:
هذا الحديث مرسل، قال يحيى بن سعيد القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. وقال أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد.الدليل السابع: من الآثار:
(٦٥٨ - ١٥٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يمسح على العمامة.
[صحيح].
الأثر الثاني، عن جابر رضي الله عنه.
(٦٥٩ - ١٥٦) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن عباد بن إسحاق (عبد الرحمن بن إسحاق) عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: سألت جابرا عن المسح على العمامة، فقال: أمس الماء الشعر.
[حسن].وسوف يأتي إن شاء الله تعالى عن عائشة وصفية بنت عبيد في المسح على الخمار نحو هذا. قال ابن المنذر: وليس في إنكار من أنكر المسح على العمامة حجة؛ لأن أحدا لا يحيط بجميع السنن، ولعل الذي أنكر ذلك لو علم بالسنة لرجع إليها، بل غير جائز أن يظن مسلم ليس من أهل العلم غير ذلك، فكيف من كان من أهل العلم، ولا يجوز أن يظن بالقوم غير ذلك، وكما لم يضر إنكار من أنكر المسح على الخفين، ولم يوهن تخلف من تخلف عن القول بذلك إذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، كذلك لا يوهن تخلف من تخلف عن القول بإباحة المسح على العمامة.
• والراجح من هذا الخلاف:
بعد النظر في أدلة الأقوال، أجد أن الأحاديث المرفوعة بالمسح على العمامة فيها كلام، ويبقى النظر والاحتجاج في الآثار الموقوفة، والله أعلم.موسوعة الطهارة -الدبيان- (٣/٣٤٦:٣٨٠)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
حكم المسح على العمامة:
١٣ - ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز المسح على العمامة؛ لأنه لا حرج في نزعها. وقال المالكية: يجوز المسح على العمامة إن خيف ضرر بسبب نزعها من الرأس ولم يمكن حلها، وإن قدر على مسح بعض رأسه مباشرة مسحه وكمل على عمامته وجوبا.
وقال الشافعية: يجوز المسح على العمامة وإن لبسها على حدث سواء عسر عليه تنحيتها أم لا، ولا يكفي الاقتصار على العمامة بل يمسح بناصيته وعلى العمامة والأفضل أن لا يقتصر على أقل من الناصية ، لحديث مسلم عن المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة.
وقال الحنابلة: يجوز المسح على العمامة وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة، وروي عن سعيد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر، قال ابن المنذر: ممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. واستدل الحنابلة بما روي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الاوقاف الكويتية- (٣٠/٣٠٥)
موسوعة الإجماع في الفقه الاسلامي -مجموعة من المؤلفين-
إجزاء المسح على الناصية والعمامة:
إذا مسح المتوضئ على الناصية والعمامة معا، وكان ذلك لعذر، فإن فعله هذا مجزئ، ونفى ابن تيمية النزاع في ذلك.
• من نقل نفي النزاع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته؛ أجزأه مع العذر بلا نزاع".
• الموافقون على نفي النزاع: وافق على نفي الخلاف أبو بكر الصديق، وعمر، وعلي، وعمرو بن أمية الضمري، وأبو ذر، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وكعب بن عجرة، وأم سلمة، وأبو موسى، وأبو أمامة الباهلي -رضي الله عنهم- والثوري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري وروي عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، وابن المنذر، وعلى قول عند الحنفية بأنه يجوز المسح للرأس بمقدار الناصية، وقول آخر عندهم بمقدار ثلاثة أصابع، وإلا فهم لا يجيزون المسح على العمامة فقط، فإذا أوفى بهذا القدر من الرأس فمجزئ عندهم، على هذا القول، وأما المالكية، فإنهم يجيزونه مع العذر، والحنابلة، وابن حزم.
• مستند نفي النزاع:
١ - حديث عمرو بن أمية -رضي الله عنه- قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على عمامته وخفيه".
٢ - حديث ثوبان -رضي الله عنه-، قال: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين".
وجه الدلالة: في الأحاديث السابقة ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه مسح على العمائم، أو أمر بذلك، وهذه سنة فعلية أو قولية يجب الأخذ بها.
أما من اشترط المسح على الناصية مع العمامة فزادوا بأن الله تعالى قال: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: ٦] والعمامة ليست رأسا.
ولأنه عضو طهارته المسح؛ فلم يجز المسح على حائل دونه، كالوجه واليد في التيمم.
أما إذا مسح الناصية والعمامة؛ فقد أتى بسنة الاستيعاب عندهم.
• الخلاف في المسألة: الحنفية لديهم في المسح على الرأس ثلاثة أقوال: فقيل: بمقدار الناصية، وقيل: ثلاث أصابع، وقيل: بمقدار ربع الرأس، وهو قول زفر.
فعلى القول الثالث عندهم لا يجزئ المسح على الناصية فقط، وكذلك الثاني إذا كانت الناصية لا تكفي لثلاثة أصابع.
واستدلوا بنحو الأدلة التي ذكرتها في آخر المستند عمن يشترط المسح على الناصية، ولكنهم هنا لا يعتبرون المسح على الناصية كافيا، بل لا بد من المسح على ربع الرأس.
ولكن إذا كان ذلك لعذر، فالتفصيل؛ فإن كان بقي جزء من الرأس يمكن فيه المسح، فإنه يمسح ويكتفى به، ولا يمسح على العمامة، أما إذا لم يكن كذلك؛ فيمسح للعذر.
وبهذا لا يكون هذا القول مخالفا لمسألتنا، والله تعالى أعلم.
النتيجة: أن نفي النزاع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٧٤:٢٧٥)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل الثاني في المسح على الخمار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما خمر الرأس أي غطاه، فإنه يجوز المسح عليه، والعمامة تسمى خمارا في اللغة، فهي داخلة في العموم اللفظي لكلمة عمامة.
• ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في إحرامه ملبدا رأسه، فما وضع على الرأس من التلبيد فهو تابع له.
• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.
[م-٢٦٨] اختلف العلماء في مسح المرأة على الخمار، فقيل: تمسح كما يمسح الرجل على العمامة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم.
وقيل: لا تمسح، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد.
وقيل: إن خافت من البرد ونحوه مسحت، مال إليه ابن تيمية.
• دليل من قال لا تمسح.
الدليل الأول:
كل دليل استدلوا به في المنع من المسح على العمامة استدلوا به في المنع من مسح الخمار.
وكل جواب قيل عن استدلالهم هناك، يقال لهم هنا.
الدليل الثاني:
جاء الإذن بالمسح على العمامة، أما المسح على الخمار فلم يأت دليل في المسح عليه، والأصل المنع.
وأجيب:
بأن العمامة تسمى خمارا، كما جاء في الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة والخمار، راجعها في مسألة المسح على العمامة، فإذا كانت العمامة تسمى خمارا فخمار المرأة داخل في العموم اللفظي لكلمة عمامة، فلم يتعلق الحكم بالمسمى؛ لأن العمامة تسمى خمارا، ولا مانع من تسمية خمار المرأة عمامة إلا أنها خاصة بالمرأة؛ لأن كلا منهما تخمر الرأس: أي تغطيه، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: لا يمسح إلا على العمامة، ولو قال هذا لربما سلم ما تقولون، لكن علمنا بمسحه على العمامة أنه يجوز المسح على كل ما غطى الرأس، حتى الخضاب الذي على الرأس، والحناء ونحوهما إذا خمر رأس المرأة جاز المسح عليه، فمباشرة الرأس بالماء ليست فرضا، والله أعلم بالصواب.
الدليل الثالث، من الآثار.
(٦٦٠ - ١٥٧) روى البيهقي في السنن الكبرى، من طريق ابن وهب، أخبرك ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن أم علقمة مولاة عائشة رضي الله عنها، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء، تمسح برأسها كله.
[حسن].
الأثر الثاني:
(٦٦١ - ١٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن نافع، قال: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت، فأدخلت يدها تحت خمارها، فمسحت بناصيتها.
[صحيح].
• وأجيب:
بأن المسح على الخمار ليس بواجب حتى يقال بأن في هذا دليلا على أنه لا يجوز المسح على الخمار، بل المرأة في الخيار إن شاءت مسحت على رأسها، وإن شاءت مسحت على خمارها كالمسح على الخفين، ولو ورد عنهن المنع من المسح على الخمار لقيل: إن قولهما معارض بفعل أم سلمة رضي الله عنها، وقد جاء عنها المسح على الخمار.
• دليل من قال تمسح.
الدليل الأول:
القياس الجلي على العمامة، فلا فرق بين العمامة والخمار.
الدليل الثاني:
ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، والعكس إلا ما دل الدليل باختصاصه بأحدهما، ولذلك فالنساء داخلات في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: ٤٣] مع أن المأمور في الآية الرجال.
الدليل الثالث:
(٦٦٢ - ١٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن سفيان، عن سماك، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار.
[حسن إن شاء الله تعالى].
• الراجح من هذا الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين، وبعد مناقشة الأدلة السابقة يتبين لي أن القول بجواز المسح على الخمار أرجح، وهو إما داخل في العموم اللفظي من جواز المسح على العمامة، وإما مقيس عليها بجامع أن كلا منهما غطاء على الرأس، يشق نزعه. والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٣/٣٨١:٣٨٦)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
المسح على الخمار في الوضوء:
٧ - مسح الرأس في الوضوء فرض تواترت عليه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. والفرض الذي تواترت عليه الأدلة هو أصل المسح، أما صفته ومقدار ما يمسح من الرأس ففيه خلاف وتفصيل ينظران في مصطلحي: (وضوء) (ومسح).
ومما اختلف فيه كذلك المسح على الخمار: فقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا يجزئ في الوضوء مسح المرأة خمارها وحده دون مسح رأسها، إلا إذا كان الخمار رقيقا ينفذ منه الماء إلى شعرها، فيجوز لوجود الإصابة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أدخلت يدها تحت الخمار ومسحت برأسها، وقالت: بهذا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولأنه لا حرج في نزعه، والرخصة لدفع الحرج، ولأن قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} يقتضي عدم جواز مسح غير الرأس.
قال نافع: رأيت صفية بنت أبي عبيد تتوضأ وتنزع خمارها ثم تمسح برأسها، قال نافع: وأنا يومئذ صغير، قال محمد بن الحسن: بهذا نأخذ، لا نمسح على خمار ولا على عمامة، بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك.
قال النووي: قال الشافعي في البويطي: وتدخل يدها تحت خمارها حتى يقع المسح على الشعر، فلو وضعت يدها المبتلة على خمارها قال أصحابنا: إن لم يصل البلل إلى الشعر لم يجزئها، وإن وصل فهي كالرجل إذا وضع يده المبتلة على رأسه إن أمرها عليه أجزأه وإلا فوجهان، الصحيح الإجزاء.
وقال الشافعية: يستحب لمن مسح ناصيته ولم يستوعب الرأس بالمسح أن يتم المسح على العمامة، وقالوا: وهذا حكم ما على رأس المرأة.
وعند الحنابلة قال ابن قدامة: في مسح الرأس على مقنعتها روايتان: إحداهما: وهي المعتمدة واقتصر عليها الحجاوي يجوز، لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، ذكره ابن المنذر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار ولأنه ملبوس للرأس معتاد يشق نزعه فأشبه العمامة.
والثانية: لا يجوز المسح عليه، فإن أحمد سئل: كيف تمسح المرأة على رأسها؟ قال: من تحت الخمار ولا تمسح على الخمار، قال: وقد ذكروا أن أم سلمة كانت تمسح على خمارها.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (٢٠/٦:٧)
المغني -ابن قدامة-
فصل: وفي مسح الرأس على مقنعتها روايتان: إحداهما، يجوز؛ لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. ذكره ابن المنذر. وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار. ولأنه ملبوس للرأس معتاد، يشق نزعه، فأشبه العمامة. والثانية، لا يجوز المسح عليه؛ فإن أحمد سئل: كيف تمسح المرأة على رأسها؟ قال: من تحت الخمار، ولا تمسح على الخمار، قال: وقد ذكروا أن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. وممن قال لا تمسح على خمارها، نافع، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز؛ لأنه ملبوس لرأس المرأة، فلم يجز المسح عليه، كالوقاية، ولا يجزئ المسح على الوقاية، رواية واحدة. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنها لا يشق نزعها، فهي [كطاقية الرجل]. والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (١/٣٨٤:٣٨٥)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
وضوء المختضب وغسله:
١٣ - اتفق الفقهاء على أن وجود مادة على أعضاء الوضوء أو الغسل تمنع وصول الماء إلى البشرة -حائل بين صحة الوضوء وصحة الغسل. والمختضب وضوءه وغسله صحيحان؛ لأن الخضاب بعد إزالة مادته بالغسل يكون مجرد لون، واللون وحده لا يحول بين البشرة ووصول الماء إليها، ومن ثم فهو لا يؤثر في صحة الوضوء أو الغسل.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (٢/٢٨٢)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الشرط الخامس:
إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل حائل يمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو بعضه فإزالته واجبة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- كل مقدار من أعضاء الوضوء يبطل الوضوء بترك غسله فإن الوضوء يبطل إذا حال مانع من وصول الماء إليه.
- لا يضر وسخ يسير تحت أظفاره ولو منع وصول الماء على الصحيح؛ ومثله على الصحيح كل يسير؛ لأن اليسير معفو عنه.
[م-٧٢] من شروط الوضوء: إزالة ما يمنع وصول الماء على أعضاء الوضوء، من دهن جامد أو شمع ونحوهما، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.
لأن الله سبحانه وتعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء: الوجه واليدين والرجلين إذا كانتا مكشوفتين، فإذا كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء لم يتحقق امتثال الأمر، فيكون الغسل ناقصا، وإذا كان ناقصا لم يتم وضوءه.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٦٠)
المجموع شرح المهذب -النووي-
قال أصحابنا: فلو أذاب في شقوق رجليه شحما أو شمعا أو عجينا أو خضبهما بحناء وبقي جرمه لزمه إزالة عينه لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة، فلو بقي لون الحناء دون عينه لم يضره ويصح وضوءه، ولو كان على أعضائه أثر دهن مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها ولم يثبت صح وضوؤه؛ لأن ثبوت الماء ليس بشرط صرح به المتولي وصاحبا العدة والبحر وغيرهم (فرع) لو تنفطت رجل.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٤٢٧)
المجموع شرح المهذب -النووي-
إذا كان على بعض أعضائه شمع أو عجين أو حناء واشتباه ذلك فمنع وصول الماء إلى شيء من العضو لم تصح طهارته سواء كثر ذلك أم قل، ولو بقي على اليد وغيرها أثر الحناء ولونه دون عينه أو أثر دهن مائع؛ بحيث يمس الماء بشرة العضو ويجري عليها لكن لا يثبت صحت طهارته، وقد تقدم هذا في فصل غسل الرجل، ولو كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى البشرة لم يصح وضوءه على الأصح، وقد سبق بيانه في باب السواك. (الثامنة) يستحب إمرار اليد على أعضاء الطهارة في الوضوء والغسل، ولا يجب وقد تقدم بيانه في فصل غسل الوجه. (التاسعة) إذا شرع المتوضئ في غسل الأعضاء ارتفع الحدث عن كل عضو بمجرد غسله، ولا يتوقف ارتفاعه عن ذلك العضو على غسل بقية الأعضاء هذا هو المذهب الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور وقد صرح به المصنف.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٤٦٧:٤٦٨)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل العاشر في مسح العنق:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- العنق ليس من الرأس لا حقيقة، ولا حكما.
[م-١٢٨] اختلف العلماء في مسح العنق:
فقيل: يستحب في الوضوء مسح العنق، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد.
وقيل: لا يستحب، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح.
- دليل الحنفية على استحباب مسح العنق:
(٢٨٣ - ١٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثني أبي قال: حدثنا ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق بمرة.
قال: القذال السالفة العنق.
[ضعيف].
الدليل الثاني:
(٢٨٤ - ١٣٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، وفيه: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم.
وجه الاستدلال:
قد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح قفاه عند مسح رأسه، والعنق يدخل في القفا. ولا يصح هذا الاستدلال:
لأن البيان لمسح الرأس، لقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} والعنق ليس من الرأس، ولأن قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، فالضمير في قفاه يعود إلى أقرب مذكور، وهو الرأس، والعنق ليس من الرأس.
* الدليل الثالث:
(٢٨٥ - ١٣٩) قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن داود، حدثنا عثمان بن خرزاد، حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ، ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة.
لا يثبت في مسح العنق حديث مرفوع.
- دليل الجمهور على عدم استحباب مسح العنق:
قالوا: لم يثبت في مسح العنق شيء، والأصل عدم المشروعية، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد فيه مسح العنق، وإذا لم يثبت فيه شيء كان التقرب به بدعة للحديث من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذا القول هو الصحيح.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٢٣:٣٢٦)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
اختلف الفقهاء في حكم مسح الرقبة:
فقال الحنفية وأحمد في رواية عنه: من مستحبات الوضوء مسح المتوضئ رقبته بظهر يديه، لعدم استعمال بلتهما، قال ابن عابدين: هذا هو الصحيح. وقيل: إنه سنة.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب: لا يسن مسح الرقبة، إذ لم يثبت فيه شيء. وذهب الحنفية في قول حكي بلفظ "قيل" والنووي إلى أن مسح الرقبة بدعة.
وقال المالكية: لا يندب مسح الرقبة بالماء؛ لعدم ورود ذلك في وضوئه صلى الله عليه وسلم، بل يكره؛ لأنه من الغلو في الدين.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (٤٠/٣٧٢)
موسوعة الإجماع في الفقه الاسلامي -مجموعة من المؤلفين-
ترك مسح العنق لا يبطل الوضوء:
إذا ترك المتوضئ مسح العنق، فإن وضوءه صحيح، ونقل ابن تيمية الاتفاق على المسألة.
من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومن ترك مسح العنق، فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء، والله أعلم".
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم.
• مستند الاتفاق:
١ - أن مسح العنق لم يرد به نص من كتاب أو سنة، وقد وجد الداعي لذلك، فدل على أن ترك المسح ليس مبطلا، والله تعالى أعلم.
٢ - أن الأحاديث الواردة في فضل مسح العنق لم يصح منها شيء.
٣ - أن الأصل عدم الوجوب، ما دام لم يرد الناقل عن هذا الأصل، والله تعالى أعلم.
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٨١:٢٨٢)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
الوضوء والاغتسال في موضع نجس:
١٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجس به المتوضئ أو المغتسل، وتوقي ذلك كله أولى، ولأنه يورث الوسوسة ففي الحديث: لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الاوقاف الكويتية- (٢٩/١٠١)
المجموع شرح المهذب -النووي-
إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعا، وإما بأجرة المثل إذا وجدها وهذا لا خلاف فيه فإن لم يجد الأجرة أو وجدها ولم يجد من يستأجره أو وجده فلم يقنع بأجرة المثل صلى على حسب حاله، وأعاد كما يصلي ويعيد من لم يجد ماء ولا ترابا فالصلاة لحرمة الوقت والإعادة؛ لاختلال الصلاة بسبب نادر هذا إذا لم يقدر الأقطع على التيمم، فإن قدر لزمه أن يتيمم ويصلي ويعيد؛ لأنه عذر نادر هذا الذي ذكرناه من وجوب التيمم هو الصواب الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأصحاب، وشذ صاحب البيان فقال في باب التيمم لا يلزمه التيمم بل يصلي بحاله وإن أمكنه التيمم وهذا شاذ منكر.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٣٩٢:٣٩٣)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
اختلف الفقهاء في صحة صلاة من تيمم عند نسيان الماء. فذهب الحنابلة وهو الأظهر عند الشافعية، ومطرف وعبد الملك وابن عبد الحكم من المالكية، وأبو يوسف إلى أن من نسي الماء في رحله وتيمم لم يجزئه وعليه القضاء للصلاة. وكذلك لو كان الماء يباع ونسي ثمنه وتيمم وصلى لم يجزئه وعليه الإعادة للصلاة؛ لأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدا للماء، وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولأن التطهر بالماء يجب مع الذكر فلم يسقط بالنسيان كالحدث، ولوجود الماء معه.
وذهب أبو حنيفة ومحمد والشافعية في مقابل الأظهر وهو ما رواه ابن عبد الحكم من المالكية إلى أن من نسي الماء في رحله وتيمم وصلى لم يعد الصلاة مطلقا، ولو أدرج الماء في رحله ولم يعلم لم يقطع الصلاة، ولم يقض؛ لأنه عاجز عن استعمال الماء؛ لأنه لا قدرة عليه مع النسيان، وعجزه بأمر سماوي وهو النسيان. وكذلك لو حصل العجز بسبب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشا، فالنسيان جبلة في البشر خصوصا إذا مر به أمر يشغله عما وراءه، والسفر محل المشقات ومكان المخاوف فنسيان الأشياء فيه غير نادر؛ ولأنه لم يكن معه الماء حال الصلاة فلا يقضي.
وقال الحنفية: إن المسافر إذا تيمم ومعه ماء في رحله وهو لا يعلم به -وهذا يتناول حال النسيان وغيره- ولو ظن أن ماءه قد فني فتيمم وصلى ثم تبين له أنه قد بقي لا يجزئه؛ لأن العلم لا يبطل بالظن فكان الطلب واجبا بخلاف النسيان، لأنه من أضداد العلم. وكذلك لو كان الماء على رأسه أو ظهره أو كان الماء معلقا في عنقه، فنسيه فتيمم ثم تذكر لا يجزئه؛ لأن النسيان في هذه الحالة نادر، وأما لو كان الماء معلقا على الإكاف فلا يخلو إما إن كان راكبا أو سائقا، فإن كان راكبا وكان الماء في مؤخرة الرحل فهو على الاختلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف، وإن كان الماء في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر، وإن كان سائقا فالجواب على العكس وهو إن كان الماء في مؤخر الرحل لا يجوز بالإجماع عند الحنفية، لأنه يراه ويبصره فكان النسيان نادرا وإن كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف. وقال المالكية على المشهور: إن تيمم وصلى ناسيا للماء في رحله يعيد في الوقت، وإن لم يعد حتى خرج الوقت فلا إعادة على المشهور. مؤخرة الرحل فهو على الاختلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف، وإن كان الماء في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر، وإن كان سائقا فالجواب على العكس وهو إن كان الماء في مؤخر الرحل لا يجوز بالإجماع عند الحنفية، لأنه يراه ويبصره فكان النسيان نادرا وإن كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف. وقال المالكية على المشهور: إن تيمم وصلى ناسيا للماء في رحله يعيد في الوقت، وإن لم يعد حتى خرج الوقت فلا إعادة على المشهور.موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (٤٠/٢٧٠:٢٧١)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
التدارك في الوضوء:
أ - التدارك في أركان الوضوء:
٤ - أركان الوضوء يتحتم الإتيان بها، فإن ترك غسل عضو من الثلاثة أو جزءا منه، أو ترك مسح الرأس، فإنه لا بد من تداركه، بالإتيان بالفائت من غسل أو مسح ثم الإتيان بما بعده، فمن نسي غسل اليدين، وتذكره بعد غسل الرجلين، لم يصح وضوءه حتى يعيد غسل اليدين ويمسح برأسه ويغسل رجليه.
وهذا على قول من يجعل الترتيب فرضا في الوضوء، وهم الشافعية، وعلى القول المقدم عند الحنابلة.
أما من أجازوا الوضوء دون ترتيب، وهم الحنفية والمالكية، فيجزئ عندهم التدارك بغسل المتروك وحده. وإعادة ما بعده مستحب، وليس واجبا. ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو الرجلين، وتذكره بعد غسل اليسرى، أجزأه غسل اليمنى فقط، ولا يلزمه غسل اليسرى اتفاقا؛ لأنهما بمنزلة عضو واحد. وإنما يجزئ التدارك بالإتيان بالفائت وما بعده، أو بالفائت وحده -على القولين المذكورين- إن لم تفت الموالاة عند من أوجبها، فإن طال الفصل، وفاتت الموالاة، فلا بد من إعادة الوضوء كله. أما من لم يوجب الموالاة -وذلك مذهب الحنفية والشافعية- فإنه يجزئ عندهم التدارك بغسل الفائت وحده.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (١١/٩٨)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
أجمع العلماء على التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر.
[م-١٧٧] معنى الموالاة عند الفقهاء مأخوذ من المعنى اللغوي:
فالموالاة في اللغة هي التتابع، والموالاة في الوضوء: تتابع أفعال الوضوء من غير تفريق؛ قال بعضهم في تعريف الموالاة: ألا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه.
وقيل: أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق. إلا أن التفريق تارة يكون يسيرًا، وتارة يكون كثيرًا، وكل واحد له حكم. فالتفريق اليسير لا يضر على الصحيح، وحكي فيه الإجماع. قال النووي: في المجموع: التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع الأمة، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمجاملي وغيرهما. وقال الحطاب من المالكية: التفريق اليسير لا يضر، ولو كان عمدًا. قال القاضي عبد الوهاب: لا يختلف المذهب فيه، وحكى الاتفاق في ذلك... ابن الفاكهاني عن عبد الحق. واختار بعض المالكية ومنهم ابن الجلاب المنع حتى في التفريق اليسير إذا لم يكن هناك عذر. وقال ابن ناجي في شرح المدونة: ولا خلاف في أن التفريق اليسير مكروه -يعني: من غير عذر. قال الحطاب: وجه الكراهة ظاهر إذا كان التفريق لغير عذر وبذلك صرح الشبيبي في شرح الرسالة فقال: وأما التفرقة اليسيرة فغير مفسدة بغير خلاف إلا أنها تكره من غير ضرورة. والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وإذا ضبطنا الحد الذي تفوت فيه الموالاة لم يدخل في ذلك التفريق اليسير، وبالتالي لم تفقد الموالاة أصلًا حتى يكون هناك منع أو حتى كراهة. وأما كلام أهل العلم في ضابط التفريق الكثير فهناك أقوال: فقيل: الموالاة: هي التتابع في الأفعال من غير أن يتخللها جفاف عضو مع اعتدال الهواء، قال ابن عابدين: وظاهره أنه لو جف العضو الأول بعد غسل الثاني لم يكن ولاء. وهذا قول في مذهب الحنفية. وهو يشترط أن يفرغ من وضوئه قبل أن يجف أي عضو من أعضائه، فإن جف عضو منها فهو تفريق كثير، وهذا أشد ما قيل في الولاء.
وقيل: إذا مضى بين العضوين زمن يجف فيه العضو المغسول مع اعتدال الزمن وحال الشخص، فهو تفريق كثير، وإلا فقليل، ولا اعتبار بتأخر الجفاف بسبب شدة البرد، ولا بتسارعه بشدة الحر، ولا بحال المبرود والمحموم، ويعتبر بالعضو الذي قبله، فلو أنه مسح رأسه قبل أن تنشف يداه، وبعد أن نشف الوجه فلا يضر. وهذا قول في مذهب الحنفية، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة.
قال النووي: هذا القول هو الصحيح الذي قطع به الجمهور. وقيل: هو الطويل المتفاحش. وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، واختاره ابن عقيل من الحنابلة. قال في مواهب الجليل: الموالاة: هي الإتيان بجميع الطهارة في زمن متصل من غير تفريق فاحش. وقال في المغني عن ابن عقيل الحنبلي: حد التفريق المبطل: ما يفحش في العادة؛ لأنه لم يحد في الشرع، فيرجع فيه إلى العادة كالإحراز والتفرق في البيع.
وقيل: الكثير قدر يمكن فيه إتمام الطهارة، ذكره النووي في المجموع.
وأجد أقوى الأقوال هو قول ابن عقيل الحنبلي، وذلك لأن كل شيء ليس له حد في الشرع ولا في اللغة مرده إلى العرف والعادة، فما عده الناس كثيرًا فهو كثير، وما عدوه قليلًا فهو قليل، ولا عبرة بتقدير المصاب بالوساوس، لأن زمن الطهارة يأخذ منه وقتًا كثيرًا، والله أعلم.
وبهذا البحث نكون قد فرغنا من الكلام على شروط الوضوء وسننه وآدابه وفرائضه، وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى بحوله وقوته على نواقض الوضوء لنكون بهذا قد أتممنا الكلام على مباحث الوضوء، والله الموفق.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٥٢٨:٥٣١)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
يحرم بالمحدث (حيث لا عذر) الصلاة بأنواعها بالإجماع لحديث الصحيحين: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لا وضوء له". وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" وهو يعم الفرض والنفل، ومنها صلاة الجنازة باتفاق الفقهاء.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (١٧/١٢٤)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين-
وجوب الطهارة للصلاة:
الطهارة واجبة لمن أراد أداء الصلاة، وعلى ذلك إجماع المسلمين، نقل الإجماع في هذه المسألة عدد من أهل العلم.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، إذا وجد المرء إليها السبيل".
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من المسلمين، على أن صلاة التطوع لا تجزئ إلا بطهارة من وضوء، أو تيمم، أو غسل، ولا بد". وهذا في صلاة التطوع ففي صلاة الفرض من باب أولى. ويقول أيضا: "واتفقوا على أن كل من صلى قبل تمام فرض وضوئه، أو تيممه إن كان من أهل التيمم؛ أن صلاته باطلة، ناسيا كان أو عامدا، إذا أسقط عضوا كاملا".
الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "ويعرف فوات الشرط، إما بالإجماع، كالطهارة في الصلاة..".
ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول عن شرط الطهارة للصلاة: "وهي من شرائط الأداء، لا من شرائط الوجوب بإجماع الأمة". ويقول: "وقد اجتمعت الأمة على وجوب الوضوء".
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لأن النافلة آكد من هذه الأشياء - يريد قراءة القرآن واللبث بالمسجد -، فإنها تفتقر إلى الطهارة بالإجماع".
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "مسألة فيما تجب له الطهارتان: الغسل، والوضوء، وذلك واجب للصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فرضها ونفلها".
ويقول أيضا: "وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة".
القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على وجوب إزالة الخبث: "ولأن البول تتعلق به طهارة حدث وطهارة خبث، والأولى واجبة إجماعا، . . "، وهو يريد أنها واجبة لأداء الفريضة.
ويقول: "ويدل على وجوب الطلب -للماء- إلى حين الصلاة، أن الوضوء واجب إجماعا".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية.
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: ٦].
• وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء عندما يقوم الإنسان للصلاة، والأمر إنما يكون للوجوب، فدل ذلك على وجوب الوضوء للصلاة.
٢ - حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ".
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نص على مسألة الباب بالمطابقة، فلا تقبل صلاة بغير طهور.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف، وهذه المسألة تعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة، والإجماع فيها قطعي، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٧٨)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب في الوضوء تحريك الخاتم في أثناء غسل اليد، إن كان ضيقا ولا يعلم وصول ماء الوضوء إلى ما تحته، فإن كان الخاتم واسعا، أو كان ضيقا وعلم وصول الماء إلى ما تحته فإن تحريكه لا يجب، بل يكون مستحبا.
وذهب المالكية إلى أنه لا يجب تحويل خاتم المتوضئ من موضعه ولو كان ضيقا إن كان مأذونا فيه، وعلى المتوضئ إزالة غير المأذون فيه إن كان يمنع وصول الماء للبشرة وإلا فلا، وليس الحكم بإزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة خاصا بالخاتم غير المأذون فيه، بل هو عام في كل حائل كشمع وزفت ووسخ.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١١/٣٠)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل السادس في استحباب تحريك الخاتم الواسع:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- هل اليسير معفو عنه مطلقا في الشريعة، أو معفو عنه بشرط ألا يكون من المسائل التي ورد النص فيها بعدم العفو؟ قال صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار". وقال صلى الله عليه وسلم: "من زاد أو استزاد فقد أربى"، من غير فرق بين القليل والكثير.
[م- ١٢٣] إذا كان على المتوضئ خاتم، فهل يجب تحريكه أو يعفى عنه؟
فقيل: إن تحقق وصول الماء إلى ما تحته استحب تحريكه، وصار ذلك بمنزلة التخليل، وإن لم يصل الماء إلى ما تحته إلا بخلعه أو تحريكه وجب ذلك، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
وقيل: لا يجب عليه تحريكه مطلقا، وهو منسوب إلى مالك رحمه الله.
وقيل: يجب عليه تحريكه مطلقا، ضيقا كان أو واسعا، اختاره بعض المالكية.
- دليل الجمهور على وجوب نزع الخاتم الضيق:
* الدليل الأول:
فرض اليد غسلها من رؤوس الأصابع حتى نهاية المرفقين، وإذا بقي جزء من الأصبع لم يصبه الماء فإنه لم يقم بفرض الوضوء في اليد، وإذا كان الشارع توعد على ترك شيء من العقب لم يمسه الماء، فقال في الحديث المتفق على صحته: ويل للأعقاب من النار، فهذا مثله.
الدليل الثاني:
(٢٤٦ - ١٠٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، حدثني أبي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه.
[ضعيف].
* الدليل الثالث:
قالوا: غسل الأصابع في الوضوء ثابت بالإجماع فلا يسقط غسلها إلا بمثله من نص أو إجماع، ولا يوجد نص ولا إجماع على سقوط غسل ما تحت الخاتم.
دليل من قال: لا يجب عليه تحريكه ضيقا كان أو واسعا؛ قالوا: الخاتم يستدام لبسه، ويشق نزعه، ومقدر ما تحته يسير، فيعفى عنه كما عفي عن خلع العمامة، وشرع المسح عليها، وكما عفي عن نزع الخفين، وشرع المسح عليهما بشروطه، وكما عفي عن غسل ما تحت الشعر الكثيف.
وأجيب:
بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نزع يده من كمه حين ضاق كمه، فغسل يده ولم يمسح عليها، فلا يمسح إلا ما دل الدليل على مسحه، فهو غير مقيس، ثم إن القدم سقط غسله إلى بدل، وهو مسح الخف، و الخاتم أسقطتم غسله إلى غير بدل، فأين الدليل على إسقاط غسله، ولم يقل أحد بمسح ظاهر الخاتم.
الراجح من هذه الأقوال:
القول بسقوط غسل ما تحت الخاتم فيه قوة، إلا أن القول بوجوب غسل ما تحته أقوى وأظهر من حيث الأدلة، وإذا كان الخاتم ضيقا فيمكن للإنسان أن يقوم بتوسيع الخاتم حتى يسري الماء من تحته بلا كلفة، ولا يخاطر الإنسان في شرط الصلاة التي هي من أعظم أركان الإسلام العملية على الإطلاق.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٢٥٨:٢٦١)
المجموع شرح المهذب -النووي-
قال أصحابنا: إذا كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه، وروى البيهقي فيه حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه، لكنه ضعيف قال البيهقي: والاعتماد على الأثر فيه عن علي وغيره، ثم روي عن علي وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كانا إذا توضآ حركا الخاتم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٣٩٤)
موسوعة الطهارة -الدبيان-
الفصل الثالث عشر في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الإجماع منقول على أن التنشيف لا يحرم.
- إذا كان هناك حاجة إلى التنشيف من برد ونحوه، فلا كراهة قطعًا.
- رد المنديل واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال.
- رد المنديل يحتمل أنه لا يريد تنشيف أعضاء الوضوء، ويحتمل أن الأمر يتعلق بالمنديل، ويحتمل غيرهما؛ لأن الرد لم يعلل، إلا أن نفض الماء من أعضاء الوضوء دليل على أن بقاء الماء على أعضاء الوضوء ليس مقصودًا للشارع؛ فالتنشيف والنفض كلاهما إزالة للماء.
[م-١٣٢] ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلى أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، وهو قول في مذهب الشافعية.
وقيل: يكره في الوضوء والغسل، وهو رواية في مذهب الحنابلة.
وقيل: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس.
وفي مذهب الشافعية خمسة أوجه، ذكرها النووي، وهي:
أشهرها: أن المستحب تركه، ولا يقال فعله مكروه.
والثاني: أنه مكروه.
والثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه.
والرابع: أنه مستحب لما فيه من الاحتراز من الأوساخ.
والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء.
وقبل ذكر الآثار في المسألة ينبغي أن يعلم ما يأتي:
أولًا: أن الإجماع منقول على أن التنشيف لا يحرم، نقل الإجماع المحاملي.
ثانيًا: إذا كان هناك حاجة إلى التنشيف فلا كراهة قطعًا، كما لو كان هناك برد شديد؛ لأنه لا كراهة مع الحاجة.
- دليل من قال: بكراهة التنشيف:
(٢٩١ - ١٤٥) ما رواه البخاري من طريق سالم، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: وَضَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءًا لجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض بيده.
وفي رواية ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها.
ولفظ مسلم: ثم أتيته بالمنديل فرده.
- وأجيب بما يلي:
قال ابن رجب: «استدل بعضهم برد النبي صلى الله عليه وسلم الثوب على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيه على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحبًا، ولا أن فعله هو أولى، ولا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء».
وقال ابن حجر: استدل بعضهم بقوله: (فناولته ثوبًا فلم يأخذه) على كراهة التنشيف بعد الغسل، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر أخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلًا، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ، وقال أيضًا عن ابن دقيق العيد بأن نفضه الماء بيديه يدل على أن لا كراهة للتنشيف؛ لأن كلًا منهما إزالة. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده لئلا تصير عادة.
قلت: كل هذه الاحتمالات واردة وإن كان الأصل عدمها، وأجود ما يقال: بأن رده للتنشيف يدل على عدم استحبابه، لكن لا يصيره مكروهًا، فلو تنشف الإنسان لم نجزم بالكراهة، ولم نقف على أن الرسول صلى الله عليه وسلم تركه تعبدًا، والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٣٨:٣٤٠)
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية-
السادس والعشرون -تنشيف الأعضاء من بلل ماء الوضوء:
١١٩ ـ اختلف الفقهاء في حكم تنشيف أعضاء الوضوء من بلل مائه:
فذهب المالكية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح إلى أنه يجوز التنشيف ويجوز تركه واستدلوا بما روى سلمان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه، ولأنه صلى الله عليه وسلم بعد غسله من الجنابة ناولته ميمونة رضي الله عنها خرقة فلم يردها فجعل ينفض بيده.
وصرح الحنابلة بأن ترك التنشيف أفضل.
ونص الحنفية على أن من آداب الوضوء التنشيف.
واستدل الحنفية بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله.
وعند الشافعية في الأصح أن المسنون ترك التنشيف إلا لعذر؛ لأنه يزيل أثر العبادة.
وقالوا: إذا كان التنشيف لعذر فلا يسن تركه بل يتأكد سنه، كأن خرج عقب وضوئه في هبوب ريح تنجس، أو آلمه شدة نحو برد، أو كان يتيمم عقب الوضوء لكي لا يمنع البلل في وجهه ويديه التيمم.
وذهب الحنفية في رأي وكذلك الشافعية في رأي أنه يكره التنشيف.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الاوقاف الكويتية- (٤٣/٣٧٧)
موسوعة الإجماع في الفقه الاسلامي -مجموعة من المؤلفين-
تنشيف الأعضاء بعد الوضوء لا يحرم:
تنشيف الأعضاء بعد الوضوء غير محرم، وهناك خلاف ظاهر في استحباب التنشيف أو إباحته أو كراهته، ولكن نقل الإجماع على عدم حرمة التنشيف.
• من نقل الإجماع: المحاملي (٤١٥ هـ) حيث نقل عنه النووي، فقال: "ونقل المحاملي الإجماع على أنه لا يحرم، وإنما الخلاف في الكراهة، والله أعلم".
ونحو هذه العبارة نقلها العيني، ويبدو أنه نقلها عن النووي إلا أنه لم يشر.
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب".
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يحرم إجماعا".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس بن مالك، وبشير بن أبي مسعود -رضي الله عنهم-، والحسن البصري، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، والثوري، وإسحاق، والمالكية، والحنابلة.
• مستند الإجماع:
١ - حديث قيس بن سعد -رضي الله عنهما-، قال: "أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية، فالتحف بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه".
وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى له ملحفة ليتنشف بها ففعل، بدليل آخر الحديث؛ إذ أن قيسا رأى أثر الورس من الملحفة بعدما تنشف منها عليه الصلاة والسلام، والله تعالى أعلم.
٢ - أن الأصل في الأشياء الحل، ولا دليل ينقل التنشيف عن هذا الأصل، فيكون مباحا ما دام أنه لم يثبت شيء يدل على التحريم، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، فكان ينهى عن التنشيف.
واستدل له بحديث ميمونة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اغتسل، فأتيته بخرقة، فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده".
وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية، وروي القولان عن ابن جبير.
ولكن مجرد الكراهة لا تخالف مسألتنا، إلا أن يراد بها التحريمية، وهي غير ظاهرة من كلامهم.
ووجدت ابن المنذر حكى الخلاف في المسألة ولم يدع فيها إجماعا، مع ما قيل من تساهله، وظاهر من الخلاف أنه قديم، ولا يثبت معه إجماع.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٩٥:٢٩٦)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين-
تنشيف الأعضاء لا يستحب:
إذا توضأ المسلم، فإن تنشيفه لأعضائه غير مستحب، وحكي الاتفاق على ذلك.
من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من الوضوء، ثم اختلفوا هل يكره"؟.
نقل ابن نجيم عن الإمام أنه قال: "وقال الإمام: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب".
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يستحب اتفاقا".
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع المالكية، والشافعية، والحنابلة.
• مستند الاتفاق: حديث ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، في غسل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه: "فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده".
• وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام رد الخرقة، ولم يردها في الحديث، ففيه دلالة على كراهته عليه الصلاة والسلام للتنشيف، ويصرفه عن التحريم عدم وجود نهي في ذلك، ومجرد الفعل والترك لا يدل إلا على الاستحباب؛ أو الكراهة، فدل الحديث على عدم الاستحباب إن لم يكن الكراهة، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه عندهم بأنه يستحب، ونقله ابن نجيم عن صاحب "منية المصلي".
ولم أجد لهم دليلا، لكن هناك أحاديث وردت تدل على هذا، إلا أنها كلها ضعيفة، منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرقة يتنشف بها بعد الوضوء".
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٩٦:٢٩٨)