بول وروث الحيوان من كتاب موسوعة الطهارة -الدبيان- (٦/١٧٩:١٩٧).
المبحث الثاني في بول وروث الحيوان الفرع الأول في بول وروث الحيوان المأكول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأشياء الطهارة. • كل بول أو روث من حيوان مباح الأكل فهو طاهر على الصحيح، لتجويزه صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم وإذنه في شرب أبوال الإبل. وقيل: • كل الأبوال نجسة من مأكول اللحم وغيره، لقوله: كان لا يستتر من البول. [م-٤٩٨] اختلف العلماء في بول الحيوان المأكول وروثه، فقيل: هو طاهر مطلقا، وهو مذهب المالكية والحنابلة. وقيل: نجس مطلقا، وهو مذهب الشافعية وقول في مذهب الحنابلة. وقيل: إن بول الحيوان نجس، وأما بول الطير، فإن كان يذرق في الهواء كالعصافير والحمام والخفافيش فهو طاهر، وإن كان لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فهو نجس. وهذا مذهب الحنفية. وقيل: بطهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي، وهو مذهب داود الظاهري. • دليل من قال بالطهارة: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة كانوا أصحاب إبل وغنم فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة، وليست البلوى في ولوغ الكلب في الأواني أكثر من البلوى في أبوال المواشي وروثها، فلما لم يأت بيان بأنها نجسة علم أنها طاهرة. قال ابن تيمية رحمه الله: «وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة». الدليل الثاني: (١١٠٥ - ٧٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والروث، فدل على طهارتها. الدليل الثالث: (١١٠٦ - ٧٧) ما رواه البخاري، حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الحديث والحديث رواه مسلم. وجه الاستدلال: كون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها. وهذا نص صريح في محل النزاع. الدليل الرابع: (١١٠٧ - ٧٨) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. ورواه مسلم. وجه الاستدلال: إدخال البعير المسجد، والطواف عليه دليل على طهارة بوله، حيث لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجسا لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد للنجاسة. الدليل الخامس: (١١٠٨ - ٧٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم. وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بالروث؛ لأنه علف دواب إخواننا من الجن، ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم، فلو كان البعر في نفسه نجسا لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن هناك فرق بين البعر والمستنجى به، ثم إن البعر لو كان نجسا لم يصلح أن يكون علفا لقوم مؤمنين، فإنها تصير بذلك جلالة، ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب، فلا فرق حينئذ، وكونه شرط في طعام الجن طهارة العظم، بقوله: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فكذلك لا بد أن يشرط في علف دوابهم نحو ذلك من الطهارة. الدليل السادس: (١١٠٩ - ٨٠) ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلمت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. [صحيح]. وجه الاستدلال: قال ابن خزيمة: لو كان ماء الفرث إذا عصر نجسا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده، فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء للنفس بشرب ماء نجس؛ إذ الله عز وجل قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك. والميتة والدم ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله. الدليل السابع: كان الحب في عهد الصحابة ومن بعدهم يداس في البيادر عن طريق الدواب، ولا بد أن يصيب الحبوب شيء من أبوالها وأرواثها، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، ولا عن غيرهم أنهم كانوا يغسلون الحب بعد الفراغ من دياسها، فلو كانت نجسة لوجب غسلها، ولنقل الأمر بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يأمر بغسلها علم أن أبوالها طاهرة. قال ابن تيمية حاكيا عن عهد الصحابة: «فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب، ونتيقن أنه لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياما ويطول دياسها له، فهذه كلها مقدمات يقينية» الدليل الثامن: إجماع المسلمين على اتخاذ الحمام في المسجد الحرام من غير نكير، فهذا دليل على طهارتها؛ خاصة أن الله سبحانه وتعالى قد أمر بتطهير المسجد بقوله تعالى: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) [الحج: ٢٦]. الدليل التاسع: (١١١٠ - ٨١) ما رواه الدارقطني في سننه، من طريق سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بأس ببول ما أكل لحمه. [ضعيف جدا]. • دليل من قال بالنجاسة: الدليل الأول: (١١١١ - ٨٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول. الحديث والحديث رواه مسلم بنحوه . وجه الاستدلال: قوله: «لا يستتر من البول» فـ (أل) في البول عام لجميع الأبوال، سواء جعلنا أل للجنس أو للاستغراق. وعلى فرض الاختصاص ببول الإنسان فإن سائر الأبوال تلحق به قياسا. قال الخطابي: «في الحديث دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكوله، لورود اللفظ به مطلقا على سبيل العموم». • وأجيب: بأن اللام في كلمة (البول) للعهد الذهني، أي بول نفسه، وقد نص أهل المعرفة باللسان أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فإن كان هناك شيء معهود لم يحمل على الجنس، والدليل على أن المقصود به بوله هو عدة أدلة: الأول: ما جاء في الصحيحين في رواية أخرى للحديث (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله). الثاني أن الحديث قد رواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس بلفظ: لا يستبرئ من بوله . ورواه النسائي من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس. والاستبراء: طلب البراءة من البول، وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه: أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض، والاستبراء استنقاء الذكر عن البول. الدليل الثاني: (١١١٢ - ٨٣) ما رواه عبد بن حميد، قال: خبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عامة عذاب القبر في البول فتنزهوا من البول. [ضعيف]. الدليل الثالث: (١١١٣ - ٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أكثر عذاب القبر من البول [رجاله ثقات، ورجح أبو حاتم الرازي والدارقطني وقفه، وهو مما لا يدرك بالرأي]. وجه الاستدلال: استنزهوا من البول عام في كل بول، وكما قلنا في توجيه حديث ابن عباس نقوله هنا. الجواب عن هذا الاستدلال: أولا: الأحاديث ضعيفة، وهذا الحكم يريحنا من الجواب عنها. ثانيا: أن المقصود به بول الإنسان، كما قدمنا في حديث ابن عباس. ثالثا: أن البول الذي يصيب الإنسان، ويكون عامة عذاب القبر منه إنما هو بوله هو، وهو الذي يتعرض له في كل يوم، بل ربما في اليوم عدة مرات، وأما بول غيره فيندر أن يصيب أحدا من الناس، فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدا من الناس، فتعين حمله على بول نفسه، والله أعلم. الدليل الرابع: (١١١٤ - ٨٥) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذالحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس. فإن قيل: ليس في الحديث دليل على النجاسة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من ترك الاستنجاء بالعظم والمحترمات كونها نجسة. فالجواب: أن الاعتماد على نجاستها ليس لترك الاستنجاء فيها، ولكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنها ركس. والركس له معنيان: أحدهما: الركس بمعنى الرجيع. والمعنى الآخر: الركس: بمعنى النجس. ولا ينبغي أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأن الروث رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي إلى الحمل عليه خلو الكلام من الفائدة، فوجب حمله على ما ذكرنا بأن معنى الركس: النجس. • وأجيب: بأن النهي عن الاستنجاء بالروث مركب من علتين، تنزل كل علة على محل: فالروث إن كان نجسا فإنه لا يستنجى به؛ لأنه نجس، ونحن لا نقول: إن كل روث طاهر. وعليه يحمل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: إنها ركس. وإن كان الروث طاهرا كما هو الحال هنا، فإنه لا يستنجى به؛ لا لأنه لا يطهر، ولكن لأنه طعام دواب إخواننا من الجن كما جاء في الحديث، وذكرناه في أدلة القول الأول. الدليل الخامس: قال تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) [الأعراف: ١٥٧]. ومعلوم أن الطباع الكريمة تستخبثه، وتحريم الشيء لا لكرامته واحترامه تنجيس له شرعا. • وتعقب: أولا: الحكم على الشيء بأن هذا طيب أو خبيث ليس مرده إلى الطباع، وإنما مرده إلى الشرع؛ لأن الطباع قد تستقبح ما هو طيب، وتستطيب ما هو خبيث، والشرع عندنا لم يحكم على هذا بأنه خبيث، بدليل أنه أذن في شرب أبوال الإبل، والصلاة في مرابض الغنم، وهي لا تخلو من بولها وروثها. ثم إن كراهة الشيء طبعا لا تقتضي نجاسته، فهذه النخامة مستقذرة طبعا، وهي طاهرة. ثانيا: قوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) [الأعراف: ١٥٧]، فكل ما هو محرم، فهو خبيث، وليس كل محرم نجسا، فالخبث والنجاسة غير متلازمتين، قال تعالى عن المال الردئ (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) [البقرة: ٢٦٧]، والخبث هنا في الشيء الطاهر. وقال تعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) [إبراهيم: ٢٤]، والكلام ليس فيه ما هو نجس بالمعنى الاصطلاحي. الدليل السادس: القياس على بول الآدمي ورجيعه، فإذا كان بول الآدمي نجسا بالإجماع فكذلك بول الحيوان بجامع أن كلا منهما قد استحال إلى فساد ونتن. • وأجيب: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث أذن الشارع في شرب أبوال الإبل دون بول الآدمي، وأذن بالصلاة في مرابض الغنم، ولم يأذن في الصلاة في موضع فيها بول آدمي أو رجيعه، وقياس بول ما يؤكل لحمه على بول ما لا يؤكل قياس مع الفارق، وهو قياس مصادم للنص فلا عبرة به. الدليل السابع: القياس على نجاسة القيء بجامع أن كلا منهما قد استحال إلى نتن وفساد في الباطن. • وأجيب: لا نسلم لكم بنجاسة القيء، ولا يوجد دليل على نجاسته، وإذا لم يسلم لكم الأصل لم يسلم لكم الفرع، وسوف يعقد إن شاء الله تعالى فصل خاص في حكم القيء. الدليل الثامن: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل، وهذا يدل على نجاستها. وقد ذكر نص الحديث في أدلة القول الأول. • وأجيب: أولا: بأنه لو كان النهي عن الصلاة في معاطن الإبل من أجل النجاسة ما صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يصلي النافلة على بعيره. (١١١٥ - ٨٦) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار، أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير ثانيا: يقابل النهي هذا بإذنه في الصلاة في مرابض الغنم، فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين بول الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر: فقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا. وقيل: إنه يخشى إن صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، فتشوش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، ولأن من طبعها النفار المفضي إلى تشويش قلب المصلي، ولذلك ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين. (١١١٦ - ٨٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين. [صحيح] قال ابن حبان في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل صلى الله عليه وسلم على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله صلى الله عليه وسلم: إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب. وقال ابن حبان في موضع آخر من صحيحه: قوله صلى الله عليه وسلم: فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين. وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث. ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته. وعلى كل حال فليس في نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل دليل على نجاسة بولها وروثها. الدليل التاسع: (١١١٧ - ٨٨) ما رواه أبو يعلى، من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمار، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء. [ضعيف جدا]. فقوله: (إنما تغسل ثوبك من البول) مطلق، فيشمل كل بول. والحديث ضعيف، فلا داعي للجواب عنه، ولو صح لم يسلم لهم الاستدلال به، كما قدمناه في حديث ابن عباس (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول). • دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره: الحنفية ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية في نجاسة الأبوال كلها من الحيوان، إلا أنهم خالفوهم في بعض الطيور، فقسموا الطيور إلى قسمين: طير يذرق في الهواء كالعصافير والحمام فذرقه طاهر. وطير لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط، فذرقه نجس. واستدلوا بطهارة ما يذرق في الهواء بوجود الحمام في المسجد الحرام، مع الأمر بتطهير المساجد من البول والقذر: قال تعالى: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) [الحج: ٢٦]. (١١١٨ - ٨٩) وروى مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عم إسحق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولأن فضلات ما يطير في الهواء لا رائحة له، بخلاف ذرق الدجاج ونحوها مما لا يطير فإنه منتن. ولأن الذي يذرق في الهواء يشق التحرز منه، فلا يمكن صيانة الثياب عنه، فيكون طاهرا دفعا للحرج والمشقة. • دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نعدل عنه إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا يوجد ما يدل على نجاسة الأبوال، فتبقى طاهرة. • ونوزع في هذا: أما الأصل فصحيح، وأما دعوى أنه لا يوجد دليل على نجاسة بعض الأبوال فغير مسلم، بل هناك أدلة كثيرة تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، منها ما ذكرنا في قوله عن الروث: إنها ركس. الدليل الثالث: (١١١٩ - ٩٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبان، عن أنس، قال: لا بأس ببول ذات الكرش. [ضعيف جدا]. • الراجح من الخلاف: القول بطهارة بول ما يؤكل لحمه هو أقوى الأقوال، وأوسطها، بين قول من يرى طهارة جميع الأبوال عدا بول الآدمي، وقول من يرى نجاسة كل الأبوال. ولا يمكن أن يباح لحمه، ثم يكون بوله نجسا. ولا يمكن أن يكون الكلب والخنزير أطهر بولا من الإنسان، وأن يكون ريق الكلب نجسا، وبوله طاهرا، وبوله أخبث من ريقه، لذا أجد مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.
حكم الروث من حيث الطهارة والنجاسة من كتاب موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٣/١٩٢:١٩٤)
حكم الروث من حيث الطهارة والنجاسة: ٢ - يرى المالكية والحنابلة والشافعية في وجه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر. وبهذا قال عطاء والنخعي والثوري، واستدلوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم. وقال: صلوا في مرابض الغنم (١) . وصلى أبو موسى في موضع فيه أبعار الغنم فقيل له: لو تقدمت إلى هاهنا. قال: هذا وذاك واحد. ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يصلون عليه من الأوطئة والمصليات وإنما كانوا يصلون على الأرض، ومرابض الغنم لا تخلو من أبعارها وأبوالها؛ ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه فكان طاهرا (٢) . أما روث غير مأكول اللحم فنجس عند هؤلاء الفقهاء، وقد صرح المالكية بنجاسة روث مكروه الأكل كمحرمه وإن لم يستعمل النجاسة (٣) . وقال الحنفية والشافعية - على المذهب - بنجاسة الروث من جميع الحيوانات المأكول اللحم وغيرها ثم اختلف الفقهاء في صفة نجاسة الأرواث: فعند أبي حنيفة هي نجسة نجاسة غليظة، وعند أبي يوسف ومحمد نجاسة خفيفة. وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة ما ورد نص يدل على نجاسته، ولم يرد نص معارض له يدل على طهارته، وإن اختلف العلماء فيه. والخفيفة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته. وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة ما وقع الاتفاق على نجاسته. والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته ٣ - بناء على هذا الأصل فالأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة لأنه ورد نص يدل على نجاستها وهو حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أحجار الاستنجاء فأتى بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال: هذا ركس أي: نجس. وليس له نص معارض، وإنما قال بعض العلماء بطهارتها بالرأي والاجتهاد، والاجتهاد لا يعارض النص فكانت نجاستها غليظة. وعلى قول الصاحبين نجاسة ما يؤكل لحمه خفيفة لأن العلماء اختلفوا فيها. كما أن في الأرواث ضرورة، وعموم البلية لكثرتها في الطرقات فتتعذر صيانة الخفاف والنعال عنها، وما عمت بليته خفت قضيته. ويتفرع عن اختلاف الأصلين أنه إذا أصاب الثوب من الروث أكثر من قدر درهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة. وقال الصاحبان: يجزئه حتى يفحش، ولا فرق عندهما بين المأكول وغير المأكول. وفي كل ما يعتبر فيه الفاحش فهو مقدر بالربع في قول محمد وهو رواية عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: شبر في شبر. وفي رواية ذراع في ذراع. وروي عن محمد في الروث أنه لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا. وقيل: إن هذا آخر أقاويله حين كان بالري وكان الخليفة بها، فرأى الطرق والخانات مملوءة من الأرواث وللناس فيها بلوى عظيمة. وعند المالكية يعفى عما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيرا؛ لعسر الاحتراز من ذلك، بخلاف ما أصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فلا عفو. أما الشافعية فنجاسة الروث عندهم لا يعفى عنها إلا إذا كانت مما لا يدركه الطرف فيعفى عنها في قول. وعند الإمام أحمد يعفى عن يسير فضلات سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار. وظاهر مذهب أحمد أن اليسير ما لا يفحش في القلب. وهو قول ابن عباس. وقال ابن أبي ليلى: السرقين ليس بشيء، قليله وكثيره لا يمنع الصلاة؛ لأنه وقود أهل الحرمين ولو كان نجسا لما استعملوه، كما لم يستعملوا العذرة
طهارة بول مأكول اللحم من كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٥٥٤:٥٥٧)
طهارة بول مأكول اللحم: بول مأكول اللحم ليس كبقية الأبوال، فهو طاهر، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على طهارته. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث نقل عنه ابن تيمية، أنه نقل القول بطهارة أبوال ما يؤكل لحمه عن عامة السلف والذي وجدته من كلامه: "وأجمعوا أن الصلاة في مرابض الغنم جائزة، وانفرد الشافعي، فقال: إذا كان سليما من أبوالها" ونقله ابن قدامة عنه هكذا وقال أيضا: "وهو إجماع، كما ذكر ابن المنذر" أي: في الصلاة في مرابض الغنم. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد ذكرنا عن ابن المنذر وغيره، أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها -أبوال مأكول اللحم- ومن المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة". • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، والثوري، والنخعي وداود، والظاهرية بإطلاق سوى الآدمي وقد نسبه الترمذي إلى أكثر أهل العلم وهو وجه للشافعية والمالكية والمشهور من مذهب الحنابلة. • مستند الإجماع: ١ - حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- (حديث العرنيين) الذي فيه: "أمر لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذود وراع، ورخص لهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها". • وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بأن يشربوا من أبوال الابل، مما يدل على طهارتها. ٢ - حديث أنس أيضا: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في المدينة حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم". • وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في مرابض الغنم، وهي الأماكن التي تربض فيها وتستريح، وينتج غالبا عن ذلك أنها تبول وتتبرز فيها، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يصلي فيها، مما يدل على أنها طاهرة. الخلاف في المسألة: حكى ابن تيمية نفسه عن الشافعي، أنه قال بأن أبوال الأنعام وأبعارها نجسة. ولكنه أجاب عنه بأنه لم يعرف هذا القول عن أحد قبله، مما يجعله مخالفا للإجماع. وهذا القول -أي: بالنجاسة- هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وهو رواية عن أحمد وقول الحسن البصري وابن حزم. واستدلوا بقوله تعالى: { ويحرم عليهم الخبائث } [الأعراف: ١٥٧] والعرب تستخبث هذا. وبأنه داخل في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن عباس: "تنزهوا من البول". ولأنه رجيع، فكان نجسا كرجيع الآدمي. وهناك قول ثالث بطهارة البول دون الروث، وهو قول الليث، ومحمد بن الحسن. واحتجوا بحديث العرنيين، وأخذوا به فيما ورد به وهو البول، دون الروث (١٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وعدد منهم من المتقدمين، ونسبه الترمذي للجمهور، وهذا يدل على وجود الخلاف، مما يبطل دعوى الإمام ابن تيمية، وقد يكون لا يقصد الإجماع الاصطلاحي كما سبق، والله تعالى أعلم
نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه من كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٥٥٧:٥٥٨)
نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه: روث ما لا يؤكل لحمه أنواع؛ فالكلب والخنزير ناقشتهما في مسألة مستقلة، والهرة وما دونها في الخلقة كذلك، وما لا نفس له سائلة فلا يدخل أيضا؛ لوجود الخلاف فيه، أما ما عداهما من سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار ونحوها؛ فهذه كلها تدخل في مسألتنا، وحكى عدد من العلماء الإجماع على نجاسة روثها. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وأما العذرات وخرء الدجاج والبط، فنجاستها غليظة بالإجماع". ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن روث ما لا يؤكل لحمه نجس إلا أبا حنيفة، فإنه يرى أن ذرق سباع الطير، كالباز والصقر والباشق ونحوه طاهر". ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافا، إلا أشياء يسيرة". الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي؛ فإنه نجس اتفاقا". • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية، في غير خرء سباع الطير، ما لم يكن فاحشا والحنابلة على المذهب وابن حزم. • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-، قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس". • وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل نجاسة الروث بأنه ركس، ولم يستجمر به؛ فكان نجسا، مع أنه يمكن أن يكون روث حيوان مأكول، وحينئذ يحكم في مسألتنا من باب أولى. ٢ - القياس على نجاسة روث الإنسان، مع أن الإنسان أطهر منها، فهي نجسة من باب أولى. • الخلاف في المسألة: خالف أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية عنه، في خرء سباع الطير، فقالا بأنه لا يضر ما لم يكن كثيرا فاحشا. وقال محمد بن الحسن وأبو يوسف في رواية بأن نجاسته مغلظة ما لم يكن قدر درهم. قالوا: لما في التحرز منه من المشقة. وخالف النخعي، وداود وأحمد في رواية مشهورة عنه في هذه المسألة أيضا بأن أرواث ما لا يؤكل لحمه وأبوالها طاهرة. وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها. واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل في الأرواث النجاسة فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله أعلم.
نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٥٥٨:٥٥٩)
نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه: بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات نجس، وحكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع". ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافا، إلا أشياء يسيرة". النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات، التي لا يؤكل لحمها، فنجس عندنا، وعند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة" (٢). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فينجس عند العلماء قاطبة، كالأئمة الأربعة وغيرهم، إلا ما نقل عن النخعي أنه طاهر، وحكى ابن حزم عن داود أن الأبوال والأرواث طاهرة من كل حيوان، إلا الآدمي، وهذا في نهاية الفساد". الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي فإنه نجس اتفاقا". • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: { ويحرم عليهم الخبائث } [الأعراف: ١٥٧]. • وجه الدلالة: أن الله تعالى حرم الخبائث، والأبوال من الخبائث، ومنها ما يخرج من الحيوانات التي لا تؤكل، والله تعالى أعلم. ٢ - أن الأصل في الأبوال النجاسة، ومنها أبوال ما لا يؤكل، ولا دليل على إخراجها من هذا الأصل. • الخلاف في المسألة: خالف النخعي، وداود وأحمد في رواية مشهورة عنه بأن أبوال ما لا يؤكل لحمه طاهرة. وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها. واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل فيها النجاسة، فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله أعلم.
بول وروث الحيوان غير المأكول من كتاب موسوعة الطهارة -الدبيان- (٦/١٩٨:٢٠٤)
الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • بول الحيوان وروثه تبع للحمه، فما كان منها محرما فهو نجس، وما كان منها مباحا فهو طاهر إلا ما شق التحرز منه فهو عفو. [م-٤٩٩] اختلف العلماء في بول وروث الحيوان غير المأكول عدا الآدمي، فقيل: نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري والشعبي والبخاري رحمهم الله جميعا. • دليل من قال بنجاسة البول والروث: الدليل الأول: قالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله. الدليل الثاني: إذا كان الحيوان الطاهر الحلال الأكل إذا أكل العذرة حبس كما في الجلالة، فما بالك بحيوان قد خبث لحمه بنفسه، وليس عن طريق أكل العذرة المستحيلة إلى شيء آخر، ألا يكون نجسا من باب أولى. الدليل الثالث: إذا كان ريق الكلب نجسا، ويغسل منه الإناء سبعا، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه، وقد سبقت هذه الأحاديث في نجاسة الكلب. الدليل الرابع: (١١١٢٠ - ٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث [صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فما بالك ببولها وروثها، فإنه أشد خبثا ونتنا من ريقها. الدليل الخامس: (١١٢١ - ٩٢) ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: لما علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، علم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرمة، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعا للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجسا، وإذا كان هذا في سؤرها، فما بالك في بولها، فإنه أشد نجاسة من سؤرها. الدليل السادس: قد ثبت عندنا أن الروث نوعان: روث ما يؤكل لحمه، وهذا طاهر، لأدلة كثيرة ذكرناها في مسألة (بول مأكول اللحم)، وروث نجس، وهو روث ما لا يؤكل لحمه، (١١٢٢ - ٩٣) لما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). • دليل من قال بالطهارة: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي نص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في تنجيس غير بول الآدمي. • وأجيب: قد قدمنا الأدلة على نجاسة سؤر الكلب، وعلى نجاسة سؤر الهرة لولا علة التطواف، وقدمنا أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر الدواب والسباع، مع أن ريقها أطهر من بولها، وكل هذه الأدلة صحيحة ظاهرة في نجاسة بول هذه الحيوانات، والله أعلم. الدليل الثاني: (١١٢٣ - ٩٤) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٢). وأجيب: بأن بوله لن يكون أطهر من ريقه، وقد حكمنا على ريقه بالنجاسة كما في الحديث المتفق على صحته في غسل الإناء من ولوغ الكلب، ولكن عدم تطهير المكان من بول الكلب إما لكون الشمس حارة في بلاد الحجاز، فكانت تطهر الأرض بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة لونا وطعما وريحا فقد طهر المكان، وربما كان مرور الكلاب ليس في موضع مصلى المسلمين، بل في مؤخرة المسجد، فكان الأمر لا يتطلب المبادرة إلى تطهيره بالماء، بل يترك حتى تطهره الشمس. وقد يقال: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، خاصة أن في بعض ألفاظه أن ابن عمر كان شابا عزبا، وكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تزوج ابن عمر في حياته صلى الله عليه وسلم كما في قصة طلاق ابن عمر للمرأة الحائض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيحين. الدليل الثالث: (١١٢٤ - ٩٥) روى البخاري تعليقا بصيغة الجزم، قال البخاري: صلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية إلى جنبه فقال هاهنا وثم سواء وجه الاستدلال: أن أبا موسى صلى على السرقين في دار البريد، وكانت تربط فيها الدواب ذوات الحوافر من خيل وبغال وحمير، ولو كان نجسا لما صلى عليه. • وأجيب: أولا: أن هذه الدواب التي ترد إلى البريد طاهرة، لأنها إما خيل وإبل فأكلها حلال، فكذلك بولها، وإما بغال وحمر فهي طاهرة لمشقة التحرز منها كما قدمنا بحثه في مسألة مستقلة. ثانيا: قد يكون أبو موسى صلى بحائل. وهذا الاحتمال الأصل عدمه، ثم ظاهر اللفظ يأباه بقوله: صلى على سرقين، ظاهره أنه مباشر له. ثالثا: على فرض أن يكون صلى على سرجين نجس، فهو فعل صاحبي قد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره فلا يكون حجة، وقد قدمنا أدلة مرفوعة على نجاسة هذه الأبوال، وإنما يصار إلى الاستدلال برأي الصحابي بشرطين: الأول: ألا يخالف نصا من كتاب أو سنة مرفوعة. الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره ذهبنا إلى الترجيح بينهما بحسب ما تقتضيه الأدلة والقواعد الشرعية. رابعا: قال بعضهم: لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة من النجاسة شرطا أو واجبا في صحة الصلاة، وهو قول في مذهب المالكية. • الترجيح: الراجح والله أعلم بالصواب، مذهب القائلين بنجاسة أبوال البهائم الحية غير المأكولة، ألا أن يشق التحرز منها، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراضات القادحة.