موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/١٣١:١٥٢)
الفصل الأول في استحباب التسمية للوضوء:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الأصل في العبادات عدم المشروعية.
- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.
- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، وإذا كان هذا في الطهارة الكبرى فالصغرى أولى بعد المشروعية، والتكلف بقياس الكبرى على الصغرى قياس للأغلظ على الأخف، فلا يصح، مع أنه لا يسلم بثبوته في الصغرى.
[م-١٠٣] اختلف العلماء في حكم التسمية في الوضوء:
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
وقيل: تعتبر من فضائل الوضوء، وهو المشهور عند المالكية.
وقيل: مباحة، وهو قول في مذهب المالكية.
وقيل: تكره التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب مالك
وتأول ربيعة الأحاديث الواردة بالتسمية، فقال: إن تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، أنه الذي يتوضأ ويغتسل، ولا يذكر وضوءا للصلاة، ولا غسلا للجنابة. فحمله التسمية على النية.
وقيل: واجبة، وتسقط مع النسيان، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة.
وقيل: التسمية شرط لصحة الوضوء، قال صاحب عون المعبود، وهو مذهب أهل الظاهر.
- دليل من قال: إن التسمية في الوضوء سنة:
* الدليل الأول:
(١٨٢ - ٣٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره". ورواه مسلم.
وجه الاستدلال:
قال العيني: لما كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال بطريق الأولى، فلذلك أورده البخاري في كتاب الوضوء للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء.
- وأجيب:
بأن التسمية ليست مشروعة عند كل حال، بل لا تشرع التسمية للأذان والإقامة، وكذلك لا تشرع عند تكبيرة الإحرام، فلا بد من دليل صحيح صريح في مشروعية التسمية، وإلا فالأصل عدم المشروعية.
* الدليل الثاني:
أحاديث لا صلاة لمن لا وضوء له، وإن كانت ضعيفة في آحادها، لكنها بالمجموع صالحة للاحتجاج، والنفي فيها للكمال، أي: لا وضوء كامل؛ لأن صفة الوضوء الصحيح قد ثبتت في أحاديث صحيحة بدون التسمية كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان، وابن عباس، وسيأتي ذكرها قريبا إن شاء الله تعالى، فيبقى النفي للكمال، كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، أي لا يؤمن الإيمان الكامل، فالنفي دال على استحباب التسمية في الوضوء، لا على وجوبها.
الدليل الثالث:
(١٨٣ - ٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا فلم يجدوا، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ها هنا ماء؟ قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "توضؤوا بسم الله"، فرأيت الماء يفور: يعني بين أصابعه، والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم.
قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوا من سبعين.
[تفرد بزيادة التسمية معمر، عن قتادة وثابت، وروايته عنهما فيها كلام].
قال البيهقي: هذا أصح ما في التسمية.
وقال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم.
وليس في الحديث دلالة محتملة على مشروعية التسمية؛ لأن التسمية إنما تجب على المتوضئ، ولم ينقل في الحديث أن أحدا من الصحابة ممن توضأ قد سمى، وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم لوضع يده الشريفة في الماء طلبا للبركة، ولو أن من يصب الماء سمى عن المتوضئ لم تصح النيابة في التسمية.
- دليل من قال بوجوب التسمية:
* الدليل الأول:
(١٨٤ - ٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومحمد ابن عبد الله بن الزبير، عن كثير بن زيد، قال: حدثني ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
[ضعيف].
الدليل الثاني:
(١٨٥ - ٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن موسى يعني المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
ضعيف.
الدليل الثالث:
(١٨٦ - ٤٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة من لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. ولا صلاة لمن لا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار.
قال أبو الحسن بن سلمة: حدثنا أبو حاتم، حدثنا عيسى بن مرحوم العطار، حدثنا عبد المهيمن بن عباس، فذكر نحوه.
[ضعيف].
الدليل الرابع:
(١٨٧ - ٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن حارثة، عن عمرة قالت: سألت عائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان إذا توضأ، فوضع يده في الماء، سمى فتوضأ، ويسبغ الوضوء.
[ضعيف].
الدليل الخامس:
(١٨٨ - ٤٢) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن يزيد بن عبد الله ابن أنيس، قال: حدثني عيسى بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: صعد رسول الله ذات يوم المنبر فحمد، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولم يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار.
قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن سبرة إلا بهذا الإسناد.
[ضعيف].
* الدليل السادس:
(١٨٩ - ٤٣) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا محمد بن علي بن مهدي العطار، ثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، ثنا عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
[ضعيف جدا].
* الدليل السابع:
(١٩٠ - ٤٤) ما رواه أحمد في المسند، قال: حدثنا هيثم - يعنى: ابن خارجة- حدثنا حفص بن ميسرة، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال المزني أنه قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن ابن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار.
ضعيف.
الدليل الثامن:
(١٩١ - ٤٥) ما ذكره عبد الحق في أحكامه كما في البدر المنير، من طريق ... عبد الملك بن حبيب الأندلسي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا إيمان لمن لم يؤمن بي، ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يسم الله.
[ضعيف جدا].
قالوا: فهذه أحاديث ثمانية منها الضعيف جدا الذي لا ينجبر، ومنها الضعيف المنجبر بالمتابعات.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: «ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله».
وقال المنذري: «ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها على الوضوء، وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة، والله أعلم».
وقال ابن الملقن في البدر المنير: «وذكرنا من الأحاديث ما يستدل الفقهاء بمثله، ويستند العلماء في الأحكام إليه، فليس من شأنهم أن لا يحتجوا إلا بالصحيح، بل أكثر احتجاجهم بالحسن، ولا يخلو هذا الباب في ذلك عن حسن صريح».وقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: روي هذا الحديث من وجوه في كل منها نظر، لكنها غير مطرحة، وهي من قبيل ما يثبت باجتماعه الحديث ثبوت الحديث الموسوم بالحسن.
وحسنه العراقي كما في نتائج الأفكار.
وقال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا.دليل من قال: لا تشرع التسمية:
* الدليل الأول:
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الآية لم تذكر التسمية، ولو كانت مشروعة لذكرت فيها.
- وممكن أن يجاب عن ذلك:
أن الآية غاية ما فيها أنها لم تذكر التسمية، وهذا لا يمنع أن الزيادة على ما في الآية من دليل آخر، فلا يشترط في الدليل الواحد أن يكون مشتملا على جميع الشروط والواجبات، ولا تحرم الزيادة على ما في الآية من دليل آخر كما زيد في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير على ما ورد في آية المائدة.
* الدليل الثاني:
الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل صحيح على المشروعية، ولم يثبت في الباب حديث صحيح.
جاء في مسائل الكوسج لأحمد «قال: قلت: إذا توضأ، ولم يسم؟ قال: لا أعلم فيه حديثا له إسناد جيد».
وفي مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت: لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمدا، وليس فيه إسناد، قال أبو داود: يعني: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يسم». وقال أحمد بن حفص السعدي: «سئل أحمد بن حنبل -يعني: وهو حاضر عن التسمية في الوضوء؟ فقال: لا أعلم حديثا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف».
فلو كانت التسمية واجبة في الوضوء، ومنزلتها من الوضوء كمنزلة الوضوء من الصلاة لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تقوم بها الحجة على الخلق، ولم ينفرد بهذه الأحاديث الرواة المتكلم فيهم، وفيهم المجروح جرحا شديدا، (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) [التوبة: ١١٥].
- وأجيب:
قال ابن حجر تعليقا على مقالة الإمام أحمد: «لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف؛ لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، ولا على التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع».
وسوف يأتي الجواب عن تعقيب ابن حجر ضمن الكلام على الدليل التالي:
* الدليل الثالث:
قالوا: لم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينقلون لنا صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أن يهملوا التسمية، وهي واجبة كوجوب الوضوء للصلاة، وإليك بعضا منها.
(١٩٢ - ٤٦) منها ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم. فهذا الحديث سيق جوابا على سؤال: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ والسؤال إنما هو عن الوضوء الشرعي الصحيح، فلو كان الوضوء لا يصح إلا بالتسمية لوجب بيانها؛ لأن تركها حينئذ سوف يخل بصحة الوضوء، فلا يصدق عليه أن هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف تكون التسمية واجبة كوجوب الوضوء للصلاة؟! ولا يصح مخرجا من هذا أن يقال: إن قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنما هو نفي للكمال؛ وذلك لأن الأحاديث التي فيها ذكر التسمية، جعلت منزلة التسمية من الوضوء، كمنزلة الوضوء من الصلاة، فسقط حمل النفي فيها على الكمال، فيلزم من يصحح أحاديث التسمية أن يقول: بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، لا يصح الوضوء مطلقا إلا بها، فإذا تركها لم يصح وضوؤه، سواء كان تركه لها ناسيا أو ذاكرا، كالصلاة بلا وضوء، وقد جمع بينهما الحديث، لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، فكما أن الصلاة لا تصح مطلقا إلا بالطهارة، ولو ترك الطهارة ناسيا لم تصح صلاته، فكذلك الوضوء، ولو قالوا بهذا لزمهم القدح بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيها ذكر التسمية، وكان لزاما إما القول بأن الصحابي قصر في هذا النقل، أو عدم الأخذ بظاهر أحاديث التسمية. ولذلك فالحنابلة القائلون بوجوب التسمية في الوضوء يصححون الوضوء إذا نسي التسمية، ولا يجعلون التسمية بمثابة الوضوء للصلاة، وهذا دليل على ضعف هذا القول؛ لأنهم لم يأخذوا بظاهر أحاديث التسمية، ولم يدعوها بالكلية.
ومن الأحاديث التي سيقت في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ولم تذكر التسمية: (١٩٣ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم.
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال من الحديث كوجه الاستدلال من الذي قبله، حيث لم يشتمل هذا الوضوء على التسمية، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا" أي نحو فعلي هذا، فصحح الوضوء مع خلوه من التسمية.
-والجواب عن أحاديث التسمية أن يقال:
إذا كانت الأحاديث ضعيفة، لم تكن صالحة للاحتجاج، وليس كل ضعيف ينجبر إذا جاء من طريق آخر، خاصة إذا كانت الأحاديث تخالف أصلا شرعيا، أو تخالف أحاديث صحيحة، فآية الوضوء من سورة المائدة ليس فيها ذكر التسمية، والأحاديث الصحيحة التي سيقت لنا في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عثمان رضي الله عنه في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وغيرهم كثير لم تذكر لنا التسمية، وهي إنما سيقت في بيان صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكروا في بعضها التثليث.
وهناك قاعدة: إذا كان الحكم يحتاج إليه حاجة عامة متكررة، لا بد أن يأتي فيه البلاغ بأدلة صحيحة تقوم بها الحجة، فانظر إلى الوضوء ومنزلته في الشرع، فهو شرط لأعظم أركان الإسلام العملية: وهي الصلاة، وبدون هذا الوضوء تكون الصلاة باطلة، وعبادة الوضوء تتكرر في اليوم عدة مرات، فالحاجة إلى معرفة الوضوء الصحيح حاجة ملحة عامة، فكيف تأتي سنن الوضوء بأحاديث صحيحة قاطعة للنزاع، ثم تعرض جميع الأحاديث الصحيحة عن ذكر التسمية، ويكون مدارها على أحاديث ضعيفة مع أن منزلة التسمية من الوضوء بمنزلة الوضوء من الصلاة؟ فهذا القول هو أقوى الأدلة بحسب فهمي القاصر، وأن التسمية غير مشروعة في الوضوء، كما هي غير مشروعة في الغسل من الجنابة وفي طهارة التيمم، والتسمية لا تشرع لكل عبادة حتى يقال بمشروعيتها في الوضوء، فهناك عبادات لا تشرع فيها التسمية جزما، كالدخول في الصلاة، والشروع في الأذان، ومثلهما على الصحيح رمي الجمارات، وابتداء الطواف، والله أعلم. ويأتي بعد هذا القول من حيث القوة القول بأنها مستحبة، وأما القول بالوجوب فهو قول ضعيف، وأضعف منه القول بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، وكنت فيما كتبت في كتاب الحيض والنفاس قد ذهبت إلى استحباب التسمية في الوضوء، ثم رجعت عن ذلك في هذا البحث حين تأملت الأدلة، ورأيت أن القول المنسوب إلى مالك من كراهة التسمية في الوضوء يتمشى مع القواعد الفقهية، وهذا شأن الأمور الفقهية، بل الأمور الاجتهادية، فربما يرى الإنسان رأيا، ويخلص في بحثه أنه الصواب ثم يقف على ما يدعوه إلى تركه، وهذا طريق من يبحث عن الحق بتجرد، دون تعصب لقول من الأقوال، ولم يبتل باتباع الجمهور، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٨/٨٩:٩٠)
التسمية عند الوضوء:
٧- ذهب الحنفية، والمالكية في المشهور عندهم، والشافعية إلى أن التسمية سنة عند ابتداء الوضوء، وسندهم فيما قالوا: أن آية الوضوء مطلقة عن شرط التسمية، والمطلوب من المتوضئ الطهارة، وترك التسمية لا يقدح فيها؛ لأن الماء خلق طهورا في الأصل، فلا تتوقف طهوريته على صنع العبد، وما رواه ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لما أصاب من بدنه، وإن نسي المتوضئ التسمية في أول الوضوء، وذكرها في أثنائه، أتى بها، حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله تعالى.
وذهب الحنابلة: إلى أن التسمية في الوضوء واجبة، وهي قول (باسم الله) لا يقوم غيرها مقامها، واستدلوا لوجوبها بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وتسقط التسمية حالة السهو تجاوزا؛ لحديث: تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
فإن ذكر المتوضئ التسمية في أثناء الوضوء سمى وبنى، وإن تركها عمدا لم تصح طهارته؛ لأنه لم يذكر اسم الله على طهارته، والأخرس والمعتقل لسانه يشير بها.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٤٠:٢٤١)
استحباب التسمية في طهارة الحدث:
إذا أراد المسلم الطهارة من الحدث، فإنه يستحب له أن يبدأ بالبسملة.
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على استحباب التسمية لطهارة الحدث، ثم اختلفوا في وجوبها".
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية، والمالكية في رواية عندهم، والشافعية، وابن حزم.
• مستند الاتفاق:
١- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
٢- حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "توضؤوا باسم الله". قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، والقوم يتوضؤون، حتى توضؤوا من عند آخرهم، وكانوا نحو سبعين رجلا.
• وجه الدلالة: في الحديث الأول نفى الوضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه، والنفي هنا مختلف فيه؛ هل هو للصحة أو للكمال؟ ولكن على كلا القولين يدل على مسألتنا بأن من لم يذكر اسم الله تعالى عليه، فوضوؤه غير كامل على أقل القولين.
أما الحديث الآخر: فقد ربط عليه الصلاة والسلام الوضوء بالتسمية، والأمر للاستحباب أو الوجوب، وكلاهما تدل لمسألتنا، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: خالف مالك في رواية عنه، ورأى أن التسمية غير مشروعة.
واستدل بأنه غير معروف لدى السلف، ولم يأت به دليل صحيح.
وله رواية ثالثة: أن المتوضئ مخير بين الفعل والترك، فذكر التسمية مباح إذا.
ولم يذكروا دليلا على هذه الرواية.
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/١٥٤:١٥٩)
الفصل الثاني في استحباب السواك للوضوء:
[م-١٠٤] طهارة السواك من طهارة التفث ويأتي في مبحث مستقل نظرا لكثرة أحكامه، وسوف أشير هنا فقط لما له تعلق في الوضوء، في كون السواك من سنن الوضوء، فأقول: في هذه المسألة خلاف بين العلماء:
فقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية.
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية أيضا، ومذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره ابن عرفة، وابن العربي من المالكية.
- دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة:
فرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا: السنة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله.
وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه، والصحيح: أن لفظ السنة والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعاهده ليلا ونهارا، حتى استاك صلى الله عليه وسلم، وهو في سكرات الموت. قال ابن العربي: «لا زم النبي صلى الله عليه وسلم السواك فعلا، وندب إليه أمرا، حتى قال في الحديث الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلا ونهارا، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله». اهـ كلام ابن العربي.
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على السواك منها، ما يلي:
(١٩٤ - ٤٨) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضا.
فقوله: "إذا قام من الليل" دليل على تكرار ذلك منه صلى الله عليه وسلم كلما قام من الليل.
(١٩٥ - ٤٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح.
ولفظ: (كان) يدل على فعله دائما أو غالبا. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليه.
-دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء:
(١٩٦ - ٥٠) ما رواه أحمد من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء.
واختلف القائلون بأنه سنة:
هل هو من سنن الوضوء، أو هو سنة مستقلة عند الوضوء على قولين:
فقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء
- تعليلهم:
أن السواك أولا، ليس مختصا بالوضوء.
وثانيا: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء؛ لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء.
وقيل: بل هو من سنن الوضوء، قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر. وأرى أن الخلاف لفظي.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤/١٣٨)
اتفقت المذاهب الأربعة على أن السواك سنة عند الوضوء، واختلفوا هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ على رأيين:
الأول: قال الحنفية، والمالكية، وهو رأي للشافعية: الاستياك سنة من سنن الوضوء، لما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء وفي رواية لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء.
الثاني: قال الحنابلة، وهو الرأي الأوجه عند الشافعية: السواك سنة خارجة عن الوضوء متقدمة عليه وليست منه.
ومدار الحكم عندهم على محله، فمن قال إنه قبل التسمية قال، إنه خارج عن الوضوء، ومن قال بعد التسمية، قال بسنيته للوضوء.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٢٧٢:٢٧٣)
الثالث عند الوضوء؛ اتفق عليه أصحابنا ممن صرح به صاحبا الحاوي والشامل وإمام الحرمين والغزالي والروياني وصاحب البيان وآخرون، ولا يخالف هذا اختلاف الأصحاب في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا: فإن ذلك الخلاف إنما هو في أنه يعد من سنن الوضوء أم سنة مستقلة عند الوضوء لا منه: وكذا اختلفوا في التسمية وغسل الكفين ولا خلاف أنهما سنة: وإنما الخلاف في كونهما من سنن الوضوء: ودليل استحبابه عند الوضوء حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". وفي رواية لفرضت عليهم السواك مع الوضوء وهو حديث صحيح رواه ابن خزيمة والحاكم في صحيحهما وصححاه وأسانيده جيدة وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا بصيغة جزم وفيه حديث آخر في الصحيح ذكرته في جامع السنة تركته هنا لطوله.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/١٦٣:١٦٦)
الفصل الثالث: من سنن الوضوء: غسل الكفين ثلاثا:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- غسل الكفين ثلاثا من سنن الوضوء المتفق عليها، وهل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة والعدد من باب المبالغة في النظافة، الأول أقرب؟
- التثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذا لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة.
[م-١٠٦] هذه سنتان من سنن الوضوء، فغسل الكفين في ابتداء الوضوء سنة، وكون الغسل ثلاثا سنة أخرى.
فأما غسل الكفين فإن فيه تفصيلا:
فإن كان بعد القيام من نوم الليل الناقض للوضوء، ففيه خلاف على النحو التالي:
فقيل: غسل اليد سنة، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
وقيل: غسل اليد ثلاثا واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم ، والحسن البصري.
وقد ذكرت أدلة كل قول مع مناقشتها في بحث موسع في كتاب المياه، فأغنى عن إعادته هنا.
وإن كان غسل اليدين لم يكن على إثر نوم، فإن غسلهما سنة من سنن الوضوء.
وقيل: سنة مستقلة عند الوضوء، لا من الوضوء كالسواك، اختاره الخرسانيون من الشافعية.
والدليل على أن غسل الكفين سنة من الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: ٦].
فلم يذكر غسل اليدين، ولو كان غسلهما فرضا لذكره فيما ذكر.
وأما السنة فأحاديث كثيرة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، منها: حديث عثمان في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب وسوف يأتي ذكر متونها وتخريجها -إن شاء الله تعالى عند الكلام على صفة الوضوء- كلها تذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغسل كفيه في وضوئه، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم دال على السنية إن كان على وجه التعبد كما هو الحال هنا.
وأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يستحب استعمالها، وهو بالخيار إن شاء غسلها مرة، وإن شاء غسلها مرتين، وإن شاء ثلاثا، أي ذلك شاء فعل، وغسلهما ثلاثا أحب إلي، وإن لم يفعل ذلك فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلها فلا شيء عليه، ساهيا ترك ذلك أم عمدا إذا كانتا نظيفتين».
وقال ابن قدامة: «وليس ذلك -يعني غسل الكفين في الوضوء- بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه».
- الدليل على أن التثليث في غسلهما سنة:
حكى الإجماع على ذلك ابن رشد، والنووي وغيرهما.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما».
وقال النووي في شرح مسلم: «وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة».
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى أن السنة في الوضوء أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، وأحيانا مرتين مرتين، وأحيانا ثلاثا ثلاثا، وذلك لأن العبادة إذا جاءت على وجوه مختلفة فالسنة أن تفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يصيب السنة من جميع وجوهها، وفيها يتحقق الموافقة للرسول صلى الله عليه وسلم في فعله وتركه.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٥/٣١)
غسل الكفين في أول الوضوء:
٣- اتفق الفقهاء على مشروعية غسل الكفين إلى الكوعين في أول الوضوء لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد روى عثمان بن عفان رضي الله عنه وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء.
ولكنهم اختلفوا في حكم الغسل عند القيام من النوم وذلك بعدما اتفقوا على أن غسلهما من سنن الوضوء لغير القائم من النوم.
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد إلى أن غسل الكفين سنة من سنن الوضوء سواء قام المتوضئ من نوم أو لم يقم من نوم، وسواء كان هذا النوم من نوم الليل أو من نوم النهار، لأن آية الوضوء لم تذكر غسل الكفين من بين الفروض والواجبات، ولأن الحديث يدل على الاستحباب لتعليله بما يقتضي ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده، حيث إن طروء الشك على اليقين لا يؤثر فيه.
والرواية الأخرى عن أحمد هي وجوب غسل الكفين عند القيام من النوم للأمر به في الحديث السابق، وأمره صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب. وإلى هذا ذهب ابن عمر وأبو هريرة والحسن البصري.
ثم اختلف الموجبون في أي نوم يجب منه الغسل؟
فذهب أحمد في الرواية عنه بالوجوب إلى أن وجوب الغسل يكون عند القيام من نوم الليل ولا يجب غسلهما من نوم النهار بدلالة الحديث على ذلك، حيث قال: فإنه لا يدري أين باتت يده، والمبيت لا يكون إلا بليل، ولأن نوم الليل مظنة الاستغراق فإصابته فيه بالنجاسة أكثر احتمالا.
وسوى الحسن بين نوم الليل ونوم النهار في الوجوب لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه. . . إلخ.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٤١:٢٤٢)
غسل الكفين قبل الوضوء غير واجب:
غسل الكفين لمن أراد الوضوء غير واجب على المتوضئ، وعلى ذلك حكي الإجماع.
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول عن غسل اليدين: "وليس ذلك بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول أثناء نقاشه لمسألة حكم المضمضة والاستنشاق: "ولأن فيه -حديث وصف وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- غسل الكفين والتكرار وغيرهما، مما ليس بواجب بالإجماع".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية والمالكية، والحنابلة على الصحيح من المذهب، وظاهر كلام ابن حزم.
مستند الإجماع: أن غسل اليدين لم يرد ذكره في آية الوضوء، بينما ورد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له في أحاديث صفة وضوئه، وسبق عدد منها، من دون أن يأمر به، فدل ذلك على السنية وعدم الوجوب؛ لأن مجرد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يأمر به يدل على الاستحباب، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية, فقال بوجوبه، وعده في "الإنصاف" من المفردات، وذكره الحطاب قولا عند غير المالكية ولم يذكروا لهذا القول دليلا ولكن يمكن أن يستدل له بأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوضوء، وكونه عليه الصلاة والسلام واظب عليه يدل على الوجوب.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٢٨:٢٢٩)
استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل:
إذا استيقظ الإنسان من نوم الليل، فإنه يستحب له أن يغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء، وذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم.
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل".
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق عطاء، والأوزاعي، وإسحاق، والشافعية، ورواية عند الحنابلة.
• مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر، ومن استجمر؛ فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة.
• الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية بالوجوب، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، ونسبه الكاساني إلى قوم.
ولكن هذا لا يتنافى مع الاستحباب، كما كررت ذلك كثيرا، فهو غير مناف لمسألتنا.
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٢٩٥:٣١٧)
الفصل الثامن: من سنن الوضوء: استحباب الغسلة الثانية والثالثة:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
-أكثر ما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، وقد قال: من زاد فقد تعدى وأساء وظلم.
- كل ممسوح لا يكرر إلا محل الاستجمار ثلاثا وإن أنقى بما دونها؛ لأن القصد من المسح التخفيف آلة ومحلا، ولأن تكرار المسح ينقل فرضه إلى الغسل، وهو خلاف المشروع.
[م-١٢٦] استحب الجمهور الغسلة الثانية والثالثة لجميع أعضاء الوضوء ما عدا الرأس والأذنين فلا يكرر مسحهما، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.واستحب الشافعية الثلاث حتى في الرأس.
وقيل: الوضوء ما أسبغ، وليس فيه توقيت مرة أو ثلاث، وهو نص المدونة عن مالك، وهل الغسلة الثالثة أفضل من الثانية، والثانية أفضل من الواحدة مطلقا؟قيل: نعم.
وقيل: من اعتاد الاقتصار على غسلة واحدة فإنه يأثم بذلك، اختاره بعض الحنفية.
والصحيح أن الاقتصار على غسلة واحدة لا يكره، فضلا عن كونه يأثم. والأفضل أن يتوضأ أحيانا مرة مرة، وأحيانا مرتين مرتين وأحيانا ثلاثا ثلاثا، وأحيانا يخالف بين الأعضاء فيغسل بعضها ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة ليفعل السنة على جميع وجوهها.
-دليل من استحب الغسلة الثانية والثالثة فيما عدا الرأس:
* الدليل الأول:
(٢٦٢ - ١١٦) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم.
وجه الاستدلال:
الحديث دليل على استحباب الثلاث غسلات، وأن السنة في الرأس مسحه مرة واحدة.* الدليل الثاني:
(٢٦٣ - ١١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زائدة ابن قدامة، عن خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال: جلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرار قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث وفي آخره قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم، فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره.
[رجاله ثقات وسبق تخريجه والكلام على متنه].
وجه الدلالة من هذا الحديث كالحديث السابق على استحباب الثلاث فيما عدا الرأس.
* الدليل الثالث:
(٢٦٤ - ١١٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له الميضأة فتوضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره وأدخل أصبعيه في أذنيه.
[سبق تخريجه].* الدليل الرابع:
(٢٦٥ - ١١٩) أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء".
[حسن، وسبق الكلام عليه، والإشارة إلى أن لفظ: (أو نقص) وهم من الراوي].
* الدليل الخامس:
من النظر، فالرأس فرضه المسح، والممسوح لا يشرع فيه التثليث؛ لأن الأصل في المسح التخفيف؛ ولأن تكرار الممسوح ينقل فرضه إلى الغسل فينافي مقصود الشارع من التخفيف في طهارته.
- دليل من قال: يستحب التثليث في الرأس:
(٢٦٦ - ١٢٠) ما رواه مسلم، من طريق أبي أنس (مالك بن عامر الأصبحي) أن عثمان توضأ بالمقاعد، فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا... فقوله: (توضأ ثلاثا ثلاثا) يشمل ما يغسل وما يمسح.
-وأجيب:
بأن الأحاديث التي ذكروا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا أرادوا فيها ما سوى المسح، فإن رواتها حين فصلوا قالوا: ومسح برأسه مرة واحدة، والتفصيل يحكم به على الإجمال، ويكون تفسيرا له، ولا يعارض به، كالخاص مع العام. وقال البيهقي تعليقا على رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا، قال: وعلى هذا اعتمد الشافعي في تكرار المسح، وهذه روايات مطلقة، والروايات الثابتة المفسرة تدل على أن التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنه مسح برأسه مرة واحدة.
* الدليل الثاني:
(٢٦٧ - ١٢١) ما رواه أبو داود، من طريق يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن حمزة، عن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا.
[إسناد ضعيف وذكر التثليث في مسح الرأس منكر].* الدليل الثالث:
(٢٦٨ - ١٢٢) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا البيلماني، عن أبيه، عن عثمان بن عفان أنه توضأ بالمقاعد، والمقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد، فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، واستنثر ثلاثا ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا، وسلم عليه رجل، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه معتذرا إليه، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوئين.
[ضعيف جدا].* الدليل الرابع:
(٢٦٩ - ١٢٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي كريب، أخبرنا مسهر بن عبد الملك بن سلع، عن أبيه، عن عبد خير،
عن علي رضي الله عنه أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه ثلاثا، وقال: هكذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببت أن أريكموه.
[ضعيف، والمعروف من هذا الحديث أن المسح مرة].* الدليل الخامس:
(٢٧٠ - ١٢٤) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه توضأ، فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
[رجاله ثقات إلا أن رواية ابن وهب عن ابن جريج متكلم فيها وقد خولف ... ابن وهب في هذا الحديث].* الدليل السادس:
(٢٧١ - ١٢٥) ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن عبد الملك، عن أبي موسى الحناط، عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم فليمضمض ثلاثا، فإن الخطايا تخرج من وجهه، ويغسل وجهه ويديه ثلاثا، ويمسح برأسه ثلاثا، ثم يدخل يديه في أذنيه، ثم يفرغ على رجليه ثلاثا. قال الطبراني: لم يروه عن ابن المنكدر إلا أبو موسى، واسمه عيسى بن أبي عيسى، تفرد به يزيد.
[ضعيف جدا].قال الشوكاني رحمه الله: «والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين لاسيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة».
-دليل من قال: يمسح رأسه مرتين:
(٢٧٢ - ١٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ، قال: قالت: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعنا له الميضأة، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخره، وأدخل أصبعيه في أذنيه.
[سبق تخريجه في أدلة القول الأول].
* الدليل الثاني:
(٢٧٣ - ١٢٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، ومسح برأسه ورجليه مرتين.[رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة أخطأ في هذا الحديث من وجهين].
- الراجح:
أن الرأس لا يمسح إلا مرة واحدة، وأما ما يتعلق بسائر الأعضاء فالراجح فيه أنه يتوضأ أحيانا مرة مرة، وأحيانا مرتين مرتين، وأحيانا ثلاثا ثلاثا، وأحيانا يخالف بين أعضائه، فيغسل بعضها مرتين وبعضها مرة في فعل واحد، هكذا جاءت السنة:
أما الوضوء ثلاثا ثلاثا فقد ذكرنا أدلته من حديث عثمان في الصحيحين وغيرهما.
(٢٧٤ - ١٢٨) وأما الوضوء مرة مرة، فقد أخرجه البخاري وغيره من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة. وهو ظاهر القرآن فإن آية المائدة أمرت بغسل الأعضاء الأربعة، ولم تذكر عددا، فمن غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة فقد أدى ما افترض الله عليه، قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦].
- وأما الدليل على استحباب مرتين مرتين:
(٢٧٥ - ١٢٩) ما رواه البخاري، من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين.
وهذا الحديث غير حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد فإن مخرج الحديث مختلف. وله شاهد من حديث أبي هريرة، (٢٧٦ - ١٣٠) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين.
[ضعيف].وأما الدليل على استحباب غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا، (٢٧٧ - ١٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم.
فكون الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، هل يفهم من ذلك أنه فعله لبيان الجواز، وأن الثلاث أفضل مطلقا لكونها أكثر من غيرها؟ أو يكون ذلك من باب تنوع العبادة، ويكون الاستحباب أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة وهذا مرة؟ قولان لأهل العلم. فقيل: إن الثلاث أكمل من الثنتين، والثنتان أكمل من الواحدة والاقتصار على الواحدة دليل على الإجزاء. قال النووي: «قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وأن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث بالغسل مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ».
والصحيح: أن ذلك من باب تنوع العبادة، وأن السنة أن يفعل كل هذه الأفعال؛ لإصابة السنة من جميع وجوهها الواردة، فإن الكمال أن يفعل المسلم ما يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: ٢١]، وتمام المتابعة أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، وهذا مرة كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحتى لا تكون العبادة من قبيل العادة، شأنها شأن العبادات التي وردت من وجوه مختلفة كدعاء الاستفتاح وأنواع التشهد ونحوهما.
وهل تكرار هذه الأعضاء في بعضها مرة، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها ثلاث، هل هو على سبيل التشهي؟ أو السنة أن يكون التكرار موافقا للتكرار الوارد في السنة؟ فما ورد أنه غسل مرة يغسل مرة، وما ورد أنه غسل مرتين يغسله مرتين وهكذا، لا شك أن الأولى الثاني، وإن فعل الأول فلا بأس حيث قد ورد غسل هذه الأعضاء من حيث الجملة مرة ومرتين وثلاثا، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٠/١٤٤:١٤٥)
التثليث في الوضوء:
٢- يسن التثليث في الوضوء عند الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن المالكية، وذلك بتكرار غسل الوجه واليدين والرجلين إلى ثلاث مرات مستوعبات، وهو مستحب في المشهور من مذهب المالكية. وقيل: الغسلة الثانية سنة، والثالثة فضيلة، وقيل: العكس. أما الرجلان ففي تثليث غسلهما في الوضوء عند المالكية قولان مشهوران:
الأول: أن الرجلين كالوجه واليدين، فتغسل كل واحدة ثلاثا وهو المعتمد.
والقول الثاني: أن فرض الرجلين في الوضوء الإنقاء من غير تحديد.
ولا يسن التثليث في مسح الرأس عند الحنفية، وفي الصحيح من مذهب الحنابلة، وأما عند المالكية فقيل: رد اليدين ثالثة في مسح الرأس لا فضيلة فيه، وذهب أكثر علمائهم إلى أن رد اليدين ثالثة فضيلة إذا كان في اليدين بلل، ولا يستأنف الماء للثانية ولا للثالثة.
وذهب الشافعية، والحنابلة في رواية إلى أن التثليث يسن في مسح الرأس، بل يسن التثليث عند الشافعية في المسح على الجبيرة، والعمامة، وفي السواك، والتسمية، وكذا في باقي السنن إلا في المسح على الخف، وكذا تثليث النية في قول لبعض الشافعية. وذهب ابن سيرين إلى مسح الرأس مرتين. والأصل فيما ذكر، ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة أخرجه البخاري. وروى عثمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا. ثم الزيادة على الثلاث المستوعبة مع اعتقاد سنية الثلاث لا بأس بها عند الحنفية في رواية. والصحيح عند الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن الحنفية: أنها تكره.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢١٠:٢١٣)
استحباب تثليث غسل أعضاء الوضوء:
يستحب لمن توضأ أن يغسل أعضاءه ثلاثا، وهذا يشمل جميع الأعضاء سوى الرأس؛ فالخلاف فيه مشهور، ولا يدخل في حديث من نقلت عنه من العلماء، في هذه المسألة.
• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء" ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكمل الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء، ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان، وهذا لا خلاف فيه".
ونفيه للخلاف هنا يحتمل كونه في مسألة الزيادة على الثلاث، وفي مسألتنا، وكونه في المسألتين معا، ولكن كونه في المسألتين أظهر، حيث إن السياق يدل لذلك، والله تعالى أعلم.
سند بن عنان (٥٤١ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في ثبوت فضيلة التكرار" أي في غسل الأعضاء، فيما نقله عنه الحطاب.
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة، هو مرة مرة، إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أما حكم المسألة: فالطهارة ثلاثا ثلاثا مستحبة في جميع أعضاء الوضوء بإجماع العلماء، إلا الرأس؛ ففيه خلاف للسلف".
ونقل عنه الشوكاني حكايته للإجماع في ذلك.
المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول شارحا لعبارة "المقنع" في سنن الوضوء: "قوله: (والغسلة الثانية والثالثة) بلا نزاع".
وهو يقصد النزاع في المذهب بلا شك.
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "ومنها التثليث في حق كل واحد بالإجماع"، وهو يريد تثليث المضمضة والاستنشاق هنا، إلا أن كلامه ينساق أيضا على غيرها.
ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) في سنن الوضوء: "(وتثليث الغسل) وذلك للإجماع على طلبه، ويحصل بتحريك اليد ثلاثا، ولو في ماء قليل".
الصنعاني (١١٨٢ هـ) شارحا حديث عثمان (١٠): "(دعا بوضوء) أي: بماء يتوضأ به (فغسل كله ثلاث مرات) هذا من سنن الوضوء بإتفاق العلماء".
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة".
وقال أيضا: "وقد قدمنا أن التثليث سنة بالإجماع".
• مستند الإجماع:
١ - حديث عثمان -رضي الله عنه- أنه وصف وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتوضأ ثلاثا ثلاثا.
٢ - حديث علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثلاثا ثلاثا.
• وجه الدلالة: ظاهر من السنة الفعلية للنبي عليه الصلاة والسلام.
• الخلاف في المسألة: خالف بعض العلماء في المسألة، وقالوا بعدم المشروعية.
وقد نقل النووي حكاية هذا القول عن بعض الشافعية، نسبوه لبعض العلماء، وأنكر أن يكون صحيحا، فقال: "وحكى بعض أصحابنا عن بعض العلماء أنه لا يستحب الثلاث، وعن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وكلاهما غلط، ولا يصح هذا عن أحد، فإن صح؛ فهو مردود بالأحاديث الصحيحة"، قال هذا بعد حكايته للإجماع في المسألة كما سبق، مما يعني أنه يرى أن لا خلاف في المسألة معتبر.
وحكي عن مالك بأنه لم ير التوقيت لا بواحدة ولا بثلاث.
واستدل بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: ٦]، حيث الأمر بالغسل فقط، ولم يحدد.
ولكن المعروف عنه موافقة الجمهور، بل عنه رواية بكراهة النقض عن الثلاث.
وبعد مزيد من البحث، وجدت القرافي نقل عن صاحب "الطراز" وغيره تفسيرا لما نقل عن مالك في ذلك، بأنه يريد به نفي الوجوب (للثلاث)، لا نفي الفضيلة، وهذا يتوافق مع قول الجمهور ولله الحمد.
وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز بمشروعية التثليث إلا في الرجلين، وهو قول عند المالكية.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الرجلين، بلا إشكال، فالنقل فيها واضح؛ لوجود المخالف المعتبر، والله تعالى أعلم.
أما بقية الأعضاء فالنقل فيها -كما سبق- غير واضح، فالنووي نفى وجود الخلاف، وغلط من نقله، وأما ما نقل عن مالك فغير قوي أيضا، ولولا أن من نقله غير ابن عبد البر لنفيت صحته، مع أنه سبق نقل نفيه للخلاف في المسألة، والمسألة محل إشكال عندي، ولكن الأظهر أن المسألة إجماعية، وما نقل فيها فهو شاذ إن صح؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة والصريحة، ولمخالفته الإجماع، والله أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢١٣:٢١٥)
التثليث في الوضوء غير واجب:
إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه لا يجب عليه أن يغسل أعضاءه ثلاثا، وعلى ذلك حكي الإجماع.
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث والجنابة تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد".
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ولأن فيه غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع".
ويقول: "فإن الثلاث لا تجب بالإجماع".
ويقول: "أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة".
وقال بعدها بقليل: "والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، وهو مجمع عليه، ولم يثبت عن أحد خلافه". ونقله عنه الشوكاني.
ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول في سياق حديثه عن قول بعض العلماء بوجوب التثليث: "وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع".
ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث يقول عن وجوب الغسلات الثلاث: "لكن انعقد الإجماع على خروج اثنتين منهما"، أي: الثانية والثالثة عن الوجوب.
ونقله عنه ابن نجيم.
الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وأما التثليث فغير واجب بالإجماع، وفيه خلاف شاذ".
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة.
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: ٦].
• وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، ولم يحدد -عز وجل- عدد الغسل، فيكفي ما يحصل به الغسل، ولو كان مرة واحدة أو مرتين.
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال "توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة مرة".
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد عنه أنه توضأ بغسل الأعضاء مرة واحدة، وهذه سنة فعلية، ولو كان التثليث واجبا لالتزم به عليه الصلاة والسلام.
• الخلاف في المسألة: نقل النووي عن بعض الشافعية حكايتهم قولا عن بعض العلماء بوجوب التثليث، ولكنه أنكر صحته، ولم يعتبره.
ونقله ابن حجر أيضا عن بعض العلماء، وأنكره أيضا.
ونقل عن ابن أبي ليلى مخالفته بقوله بوجوب التثليث.
واستدل لهذا القول بظاهر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم".
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، فأما ما نقله النووي وابن حجر؛ فلم يذكروا عالما معينا ولم يتابعهم عليه أحد، وأنكره أيضا، مما يقوي شذوذه، وأما ابن أبي ليلى؛ فلم يثبت عنه، بالإضافة إلى مخالفة الأحاديث الصحيحة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٢٨٩:٢٩٤)
الفصل السابع: من سنن الوضوء التيامن:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
تقديم اليسرى في كل ما كان من باب الأذى، واليمنى فيما عداه.
[م-١٢٥] ذهب الفقهاء إلى أن التيامن في الوضوء سنة من سننه.
وقيل: يكره البداءة باليسار، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: إن الترتيب بين اليمنى واليسرى واجب، نسب هذا القول للإمام الشافعي وأحمد، ولا يثبت عنهما.
- أدلة الاستحباب:
* الدليل الأول: الإجماع.
قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه».
وقال ابن قدامة مثله.
وقال النووي: «وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفهما فاته الفضل، وصح وضوؤه».
* الدليل الثاني:
(٢٥٧ - ١١١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه.
فقولها: (يعجبه) ظاهر في الاستحباب في ما ذكر من التنعل والترجل والطهور.
* الدليل الثالث:
(٢٥٨ - ١١٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم". وقال: أحمد بميامنكم.
[صحيح].
الدليل الرابع:
أحاديث الصحابة رضي الله عنهم التي وصفت وضوءه في الصحيحين وفي غيرهما كلها اتفقت على تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على الرجل اليسرى كحديث عثمان وعبد الله بن زيد، رضي الله عنهما، وهما في الصحيحين، وحديث ابن عباس وهو في البخاري وحديث علي رضي الله عنه وسبق تخريجه.
* الدليل الخامس:
(٢٥٩ - ١١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عوف، عن عبد الله بن عمرو بن هند، قال: قال علي: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت.
[منقطع].
(٢٦٠ - ١١٤) ما رواه أبو عبيد، ثنا هشيم: قال: أخبرنا المسعودي، عن سلمة ابن كهيل، عن أبي العبيدين، أن ناسا سألوا ابن مسعود عن الرجل يبدأ بمياسره قبل ميامنه في الوضوء، فقال: لا بأس به.
[حسن إن شاء الله تعالى].
* الدليل السادس:
قال تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} وقال: {وأرجلكم إلى الكعبين} فجمع هذه الأعضاء، فتقديم الأيسر على الأيمن أو العكس لا يؤثر.
قال أبو عبيد: حديث علي وعبد الله إنما هو في الأعضاء خاصة، وهذا جائز حسن؛ لأن التنزيل لم يأمر بيمين قبل يسار، ونما نزل بالجملة في ذكر الأيدي وذكر الأرجل، فهذا الذي أباح العلماء تقديم المياسر على الميامن.
- دليل من قال: بالوجوب:
(٢٦١ - ١١٥) استدل بما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم". وقال أحمد: بميامنكم.
[صحيح وسبق تخريجه].
وجه الاستدلال:
إن الرسول أمر بالبداءة باليمين، والأصل في الأمر الوجوب حتى يأتي صارف يصرفه عن أصله، ولا صارف هنا.
وسبق لنا أن القول بالوجوب لم يثبت عن أحمد والشافعي، وأن الصارف ما نقل من الإجماع على استحباب تقديم اليمين على اليسار، وأن من قدم يساره على يمينه في الوضوء فليس عليه إعادة.
- دليل من قال: بالكراهة:
لم أعرف وجه الكراهة، ولا يلزم من ترك السنة الوقوع بالمكروه، ولعل وجه الكراهة عند الشافعي أنه خلاف الصفة التي داوم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في وضوئه، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٦٨:٣٦٩)
الرابع عشر: التيامن:
١٠٦ - اختلف الفقهاء في حكم التيامن في الوضوء في اليدين والرجلين. فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أن التيامن في الوضوء مستحب.
واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في شأنه كله: وفي طهوره وترجله وتنعله.
وحكى عثمان وعلي رضي الله عنهما وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: فبدأ باليمنى قبل اليسرى.
وذهب الشافعية وبعض الحنفية، إلى أن التيامن في الوضوء سنة، واستدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم.
وقال ابن الهمام: إن التيامن سنة؛ لثبوت مواظبته صلى الله عليه وسلم عليه، فغير واحد ممن حكى وضوءه صلى الله عليه وسلم صرحوا بتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين وذلك يفيد المواظبة؛ لأنهم إنما يحكون وضوءه الذي هو دأبه وعادته فيكون سنة؛ ولما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم. وفي رواية عن أحمد أن التيامن واجب، حكاها الفخر الرازي، وشذذه الزركشي.
وقيل يكره تركه.
قال ابن قدامة: وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٠٦:٢٠٨)
استحباب التيامن في الطهارة:
إذا أراد المسلم الطهارة فإنه يستحب له أن يتيامن فيها، وعليه حكي الإجماع.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن الأفضل أن يغسل اليمنى قبل اليسرى، وأجمعوا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كذلك كان يتوضأ، وكان عليه الصلاة والسلام يحب التيامن في أمره، كما في طهوره، وغسله، وغير ذلك من أموره".
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وغسل الميامن قبل المياسر لا خلاف بين أهل العلم -فيما علمنا- في استحباب البداءة باليمنى".
ونقله عنه ابن حجر، والشوكاني في "النيل" وابن قاسم.
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واستثني منه -أي: من الترتيب- تقديم اليمين بالإجماع". وقال أيضا: "وتقديم اليمنى سنة بالإجماع، وليس بواجب بالإجماع". ونقله عنه الحافظ ابن حجر، والشوكاني في "النيل"، وابن قاسم.
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء أنه يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل ولبس الثوب".
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على استحباب البداءة بالميامن، ولا خلاف فيه".
• مستند الإجماع:
١ - حديث عائشة -رضي الله عنها- "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله".
٢ - حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم".
• وجه الدلالة: ظاهر من ذكر حب النبي -صلى الله عليه وسلم- للتيمن في الحديث الأول، وفي الثاني من الأمر بالبدء بالميامن، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: قال النووي: "وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع".
وعلى كل حال، فالقول بالوجوب لا ينافي الاستحباب في كونهما في درجة المشروعية.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٢١٤:٢٤١)
المبحث الثاني في تخليل اللحية:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- تخليل اللحية ليس داخلا في غسل الوجه حتى يكون بيانا للمجمل وإلا لكان واجبا.
- الشعر قسمان: خفيف يجب غسل ما تحته، وكثيف لا يشرع غسل ما تحته؛ لأنه من أصل الخلقة، والأصل ألا يشرع تخليله؛ لأنه يؤدي إلى غسل الباطن وهو من التعمق والتكلف.
[م-١١٨] اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الطهارة الصغرى.
فقيل: يستحب تخليل اللحية الكثيفة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية.
وقيل: يكره تخليل اللحية، وهو قول في مذهب المالكي.
وقيل: يجب تخليل اللحية مطلقا كثيفة أو خفيفة، وهو قول ثالث في مذهب المالكية.
وعلى القول بالوجوب فهل ذلك حتى يصل الماء إلى داخل الشعر فقط، أو لا بد من وصول الماء إلى البشرة؟ في ذلك قولان حكاهما المازري.
- أدلة القائلين باستحباب تخليل اللحية:
* الدليل الأول:
(٢٢٢ - ٧٦) ما رواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ومضمض واستنشق واستنثر، وغسل وجهه ثلاثا، وفي آخره قال: وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كالذي رأيتموني أفعل.
[ذكر التخليل منكر، وحديث عثمان في الصحيحين وفي غيرهما ليس فيه ذكر التخليل].
الدليل الثاني:
(٢٢٣ - ٧٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مبارك، قال: أخبرنا عمر بن أبي وهب الخزاعي، قال: حدثني موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته بالماء.
[رجاله موثوقون].
الدليل الثالث:
(٢٢٤ - ٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلل لحيته، فقلت له، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله.
[إسناده ضعيف].
الدليل الرابع:
(٢٢٥ - ٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن سليم الباهلي، قال: حدثني أبو غالب، قال: قلت لأبي إمامة: أخبرنا عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ ثلاثا، وخلل لحيته، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
[اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه] الدليل الرابع:
(٢٢٥ - ٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن سليم الباهلي، قال: حدثني أبو غالب، قال: قلت لأبي إمامة: أخبرنا عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ ثلاثا، وخلل لحيته، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
[اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه].
الدليل الخامس:
(٢٢٦ - ٨٠) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا واصل، عن أبي سورة، عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض، ومسح لحيته من تحتها بالماء.
[ضعيف].
الدليل السادس:
(٢٢٧ - ٨١) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عبد الواحد بن قيس، حدثني نافع، عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها.
[ضعيف وصوب الدارقطني وقفه].
الدليل السابع:
(٢٢٨ - ٨٢) ما رواه أبو عبيد، في الطهور، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن أبي ورقاء العبدي، عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، قال: قال له رجل: يا أبا معاوية كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ قال: فتوضأ ثلاثا ثلاثا، وخلل لحيته في غسل وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
[ضعيف جدا].
الدليل الثامن:
(٢٢٩ - ٨٣) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن صالح بن العوام، ثنا عبد الرحمن بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، حدثني أبي بكار، قال: سمعت أبي عبد العزيز بن أبي بكرة يحدث عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فغسل يديه ثلاثا، ومضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ومسح برأسه، يقبل بيديه من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه، ثم غسله رجليه ثلاثا، وخلل أصابع رجليه، وخلل لحيته.
قال البزار: لا نعلمه عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد، وبكار ليس به بأس، وعبد الرحمن بن بكار صالح الحديث.
[ضعيف].
الدليل التاسع:
(٢٣٠ - ٨٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أحمد بن مصرف بن عمرو اليامي، حدثني أبي مصرف بن عمرو بن السرى بن مصرف ابن كعب بن عمرو، عن أبيه، عن جده يبلغ به كعب بن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح باطن لحيته وقفاه.
[ضعيف].
* الدليل العاشر:
(٢٣١ - ٨٥) ما رواه ابن عدي، من طريق أصرم بن غياث الخرساني، حدثنا
مقاتل بن حيان، عن الحسن، عن جابر، قال: وضأت النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنه أنياب مشط.
[ضعيف جدا].
* الدليل الحادي عشر:
(٢٣٢ - ٨٦) ما رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين، من طريق نافع ابن هرمز، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتطهر، وبين يديه قدر المد، وإن زاد فقل أن يزيد، وإن نقص فقل ما ينقص، فغسل يديه، وتمضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وخلل لحيته، وغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه مرتين مرتين، وغسل رجليه حتى أنقاهما، فقلت: يا رسول الله هكذا التطهر؟ قال: هكذا أمرني ربي عز وجل.
[ضعيف جدا].
* الدليل الثاني عشر:
(٢٣٣ - ٨٧) ما رواه الطبراني في الكبير، والعقيلي، في الضعفاء من طريق خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ويخلل لحيته.
[ضعيف جدا].
* الدليل الثالث عشر:
(٢٣٤ - ٨٨) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغزي، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي الدرداء قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فخلل لحيته مرتين وقال: هكذا أمرني ربي -عز وجل.
قال ابن عدي: وهذا الحديث إنما يعرف بتمام عن الحسن، وعامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه.
* الدليل الرابع عشر:
(٢٣٥ - ٨٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا محمد بن سعدان، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حنظلة بن عبد الحميد، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عكبرة قال: التخلل سنة.
[ضعيف جدا].
* الدليل الخامس عشر:
(٢٣٩ - ٩٠) ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[ضعيف جدا].
* الدليل السادس عشر: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٢٣٧ - ٩١) أخرجه الحاكم، قال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا عبيد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وخلل لحيته بأصابعها من تحتها، وقال: بهذا أمرني ربي.
[رجاله ثقات، إلا ابن أبي كريمة فإنه صدوق، والحديث معلول].
دليل من قال: يكره تخليل اللحية.
قالوا: لم يثبت في تخليل اللحية حديث صحيح، والأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم تذكر تخليل اللحية، كحديث عثمان في الصحيحين، وحديث... عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي رضي الله عنه وغيرها من الأحاديث الصحيحة، وكون التخليل لا يأتي إلا في حديث ضعيف دليل على عدم ثبوت الحكم؛ إذ لو كان التخليل مشروعا لجاءت الأحاديث الصحيحة به، كما جاءت في تخليل الأصابع. قال مالك رحمه الله: «تخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله».
وقال أبو داود كما في مسائل الإمام أحمد: «قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: يخللها، قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث - يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم».
وقال عبد الله بن أحمد: «قال أبي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التخليل شيء».
وقال مثله ابن أبي حاتم، عن أبيه.
- دليل من قال: يجب التخليل:
لعلهم قاسوا ذلك على غسل الجنابة، بجامع أن كلا منهما طهارة من حدث.
والدليل على وجوب التخليل في غسل الجنابة؛ (٢٣٨ - ٩٢) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده. ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن.
- ويجاب على ذلك:
بأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس، وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.
- الراجح:
الذي أميل إليه والله أعلم أن من خلل لحيته لا يقال عنه مبتدع، وليس التخليل بمثابة الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، ولا بمثابة تخليل الأصابع الذي صح فيه سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحب إلي أن يترك التخليل، فإن كان لا بد فاعلا فليكن نادرا ولا يداوم عليه لعدم ثبوت ما يدل على سنيته، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١١/٥٢:٥٣)
تخليل اللحية:
٦- اللحية الخفيفة -وهي التي تظهر البشرة تحتها ولا تسترها عن المخاطب- يجب غسل ظاهرها وإيصال الماء إلى ما تحتها في الوضوء والغسل، ولا يكفي مجرد تخليلها بغير خلاف، وذلك لفرضية غسل الوجه بعموم الآية في قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. الآية.
أما اللحية الكثيفة -وهي التي لا تظهر البشرة تحتها- فيجب غسل ظاهرها، ولو كانت مسترسلة عند المالكية، وهو المشهور عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة. وعند الحنفية -وهو قول آخر للشافعية، ورواية عند الحنابلة- أنه لا يجب غسل ما استرسل من اللحية، لأنه خارج عن دائرة الوجه، فأشبه ما نزل من شعر الرأس. ولأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، وفي اللحية الكثيفة تحصل المواجهة بالشعر الظاهر. أما باطنها فلا يجب غسله اتفاقا بين فقهاء المذاهب؛ لما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا: أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى باطنها غالبا، ويعسر إيصال الماء إليه.
٧- ويسن تخليل اللحية الكثيفة عند الحنفية، والشافعية والحنابلة؛ لما روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي وعند المالكية في تخليل شعر اللحية الكثيفة ثلاثة أقوال: الوجوب، والكراهة والاستحباب، أظهرها الكراهة لما في ذلك من التعمق.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٢٩:٢٣١)
تخليل اللحية الكثيفة سنة:
اللحية إذا كانت كثيفة تمنع وصول الماء إلى البشرة، فإنه يستحب تخليل اللحية لإيصال الماء.
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن تخليل اللحية إذا كانت كثة، وتخليل الأصابع سنة من سنن الوضوء".
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق عثمان بن عفان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأنس، وابن عمر -رضي الله عنهم- وأبو البختري، وأبو ميسرة، وابن سيرين، والحسن، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرزاق... وهو قول أبي يوسف، وقول لمالك؛ كما وافق الشافعية على الصحيح عندهم، والحنابلة على الصحيح من المذهب.
• مستند الاتفاق: حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يخلل لحيته".
• وجه الدلالة: النص على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخلل لحيته، ومجرد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على الاستحباب.
• الخلاف في المسألة: خالف النخعي، وابن سيرين، وربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو قول لمالك، وابن حزم، وهو قول عند الحنابلة، فقالوا بعدم استحباب التخليل في الوضوء.
واستدلوا بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرة مرة".
وغسل الوجه مرة لا يمكن معه بلوغ الماء إلى أصول الشعر، ولا يتم ذلك إلا بترداد الغسل والعرك، مما يدل على أنه لم يكن يخلل لحيته عليه الصلاة والسلام.
وهناك من قال بالوجوب، وهو مروي عن عمر، وابنه رضي الله تعالى عنهما، وعطاء، وابن سابط، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وهو قول لمالك، وهو وجه عند الشافعية، واختاره المزني، وهو قول للحنابلة، ولكن هذا القول غير مناف للاستحباب، كما سبق.
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، كما هو ظاهر مما سبق، والله تعالى أعلم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٢٣١:٢٣٢)
تخليل اللحية ليس بواجب:
إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه لا يجب عليه أن يخلل لحيته، وعلى ذلك حكي الاتفاق.
• من نقل الإجماع: ابن خويز منداد حيث يقول: "إن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، إلا شيء روي عن سعيد بن جبير".
نقله عنه القرطبي.
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق كل من وافق على المسألة الماضية، ومن خالف أيضا، باستثناء من قال بوجوب التخليل، ومنهم الحنفية، وقول لمالك، والشافعية على الصحيح من مذهبهم، والحنابلة على الصحيح من المذهب، وابن حزم.
• مستند الاتفاق: حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يخلل لحيته".
• وجه الدلالة: أن الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في التخليل للحية هو من فعله عليه الصلاة والسلام، ومجرد الفعل يدل على الاستحباب، ولا دليل صحيح يدل على الوجوب، والله تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عمر، وابنه رضي الله تعالى عنهما، وعطاء، وابن سابط، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وهو قول لمالك، وهو وجه عند الشافعية، واختاره المزني، وهو قول للحنابلة؛ فقالوا بوجوب التخليل.
واستدلوا بحديث أنس مرفوعا: "كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء، فجعله تحت حنكه، وخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي"، فهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٣٢:٣٣٧)
الفصل الثاني عشر: في إطالة الغرة والتحجيل:
المبحث الأول في تعريف الغرة والتحجيل:
الغرة: بالضم بياض في الجبهة. وفي الصحاح في جبهة الفرس.
وقال ابن سيده: وعندي: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه، لا أنه البياض.
وقيل: الأغر: الأبيض من كل شيء. ثم استعيرت، فقيل في أكرم كل شيء: غرته وفلان غرة قومه: أي سيدهم. ورجل أغر: أي شريف. وغرة كل شيء أوله وأكرمه.
والغرة: العبد والأمة وفي الحديث قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة. وكأنه عبر عن الجسم كله بالغرة.
ورجل غر بالكسر وغرير أي غير مجرب وجارية غرة وغريرة وغر أيضا بينة الغرارة بالفتح وقد غر يغر بالكسر غرارة بالفتح.
والاسم: الغرة بالكسر والغرة أيضا الغفلة.
والتحجيل: المحجل: هو: هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد،
ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين، لأنهما مواضع الأحجال وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان.
ومنه الحديث أمتي الغر المحجلون أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه.
وفي حديث علي رضي الله عنه أنه قال له رجل: إن اللصوص أخذوا حجلي امرأتي أي خلخاليه.
قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس.
وتطويل الغرة: قيل: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل: فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين.
المبحث الثاني في استحباب إطالة الغرة والتحجيل:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- هل ما قارب الشيء يعطى حكمه؟
- الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة.
[م-١٣١] اختلف أهل العلم في إطالة الغرة والتحجيل:
فقيل: تشرع إطالة الغرة والتحجيل، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
وقيل: لا يشرع إطالتهما، وهو مذهب المالكية، واختاره ابن القيم.
وقيل: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة.
- دليل من قال: تشرع إطالة الغرة والتحجيل:
(٢٨٨ - ١٤٢) ما رواه مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال:
رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله.
- دليل من قال: لا تشرع إطالتهما:
من ذهب إلى أن الغرة والتحجيل لا يشرعان في الوضوء رأى أن لفظ: فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله مدرجة في الحديث، وأن هذا اللفظ من قول... أبي هريرة.
قال الحافظ رحمه الله: «لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه - يعني: نعيم ابن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة».
وقال ابن القيم: «لم يثبت عنه -أي عن النبي صلى الله عليه وسلم- أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأول حديث إطالة الغرة، وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة».
والذي يدل على أنه فهم من أبي هريرة، (٢٨٩ - ١٤٣) ما رواه مسلم، من طريق أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.
وفي البخاري عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: منتهى الحلية.
ففهم أبو هريرة أن الحلية ممكن زيادتها إذا زيد في غسل اليدين والرجلين، مع أن لفظ الحديث تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء: المقصود به الوضوء الشرعي المحدود في كتاب الله سبحانه، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجاوز الحد الذي حده الله له في قوله: (وأيديكم إلى المرافق) (وأرجلكم إلى الكعبين)، والله أعلم.
- دليل من قال: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة:
قالوا: أولا: أن إطالة الغرة جاء بلفظ قال فيه المحققون: بأنه مدرج من كلام أبي هريرة، لكن إطالة التحجيل جاء بلفظ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، (٢٩٠ - ١٤٤) ففي مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال:
رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ... الحديث.
فقوله: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ) دليل على أن هذا الوضوء بهذه الصفة مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس مدرجا من كلام أبي هريرة.
ولكن سبق جواب ابن القيم عليه، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة، والله أعلم.
ثانيا: لا يمكن الإطالة إلا في اليد والساق، بخلاف الوجه؛ فإن الوجه يجب استيعابه.
- الراجح:
بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بعدم المشروعية أقوى وأرجح من حيث الدليل، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٦٩:٣٧٠)
اختلف الفقهاء في حكم الغرة والتحجيل:
فذهب الشافعية والحنابلة على الصحيح من المذهب إلى أنه يسن في الوضوء إطالة الغرة والتحجيل، بأن يتجاوز المتوضئ موضع الفرض في غسل الوجه واليدين والرجلين.
وقال الحنفية: إن ذلك من آداب الوضوء.
وإطالة الغرة تكون بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتها غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس.
وإطالة التحجيل بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب، وغايتها استيعاب العضدين والساقين، ولا فرق في ذلك بين بقاء محل الفرض وسقوطه.
والأصل في ذلك خبر: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل.
ومعنى "غرا محجلين": بيض الوجوه واليدين والرجلين، كالفرس الأغر وهو الذي في وجهه بياض، والمحجل وهو الذي قوائمه بيض، قال الشافعية والحنابلة: وهذا من خصائص هذه الأمة.
ومذهب المالكية ورواية عن أحمد: لا تندب إطالة الغرة، وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض.
وقال المالكية: بل يكره لأنه من الغلو في الدين، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، قال الدسوقي: ويسمى ذلك إطالة الغرة كما حمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء.
وقال: والحاصل أن إطالة الغرة تطلق على الزيادة على المغسول، وتطلق على إدامة الوضوء، وإطالة الغرة بالمعنى الأول هو المكروه عند مالك، وإطالة الغرة بالمعنى الثاني مطلوب عنده، وحينئذ لا يكون الحديث السابق معارضا لما ذكره من الكراهة.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٤٢٧:٤٢٩)
* (والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع ان يطيل غرته فليفعل".
(الشرح): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة وفي رواية لمسلم عن نعيم قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى اله عليه وسلم يتوضأ، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكن فليطل غرته وتحجيله" هذا لفظ رواية مسلم وعن أبي حازم قال كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه، وهو يتوضأ للصلاة فكان يمر يده حتى تبلغ إبطيه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ الحليلة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء رواه مسلم بلفظه هنا ورواه البخاري، بمعناه في أواخر الكتاب في كتاب اللباس في إتلاف الصور وفيه التصريح ببلوغ أبي هريرة رضي الله عنه بالماء إبطيه. وعن نعيم أنه رأى أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" رواه مسلم، والغرة بياض في وجه الفرس والتحجيل في يديه ورجليه ومعنى الحديث يأتون بيض الوجوه والأيدي والأرجل.
* أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا على استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين ثم جماعة منهم أطلقوا استحباب ذلك ولم يحدوا غاية الاستحباب بحد كما أطلقه المصنف رحمه الله.
* وقال جماعة: يستحب إلى نصف الساق والعضد، وقال القاضي حسين وآخرون يبلغ به الإبط والركبة.
* وقال البغوي: نصف العضد فما فوقه ونصف الساق فما فوقه والله أعلم.
* (فرع):
اختلفت عبارات الأصحاب في المراد بتطويل الغرة فظاهر كلام المصنف -رحمه الله- أنها في اليدين والرجلين، وكذا قاله إمام الحرمين -رحمه الله- في كتابه الأساليب في الخلاف في مسألة تكرار مسح الرأس ثم في مسألة مسح الأذنين وصاحب العدة وغيرهما، وقال الغزالي -رحمه الله- إذا قطعت يده فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده؛ فإن تطويل الغرة مستحب وهذا مما أنكر على الغزالي لتصريحه بأن الغرة تكون في اليد ولا خلاف عند أهل اللغة وغيرهم في أن الغرة مختصة بالوجه، وقال القاضي حسين في تعليقه إسباغ الوضوء سنة إطالة للغرة وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتى يغسل جزءا من رأسه ويغسل اليدين إلى المنكبين والرجلين إلى الركبتين، وقال المتولي تطويل الغرة سنة، وهو أن يغسل بعض مقدم رأسه مع الوجه وتطويل التحجيل سنة وهو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم.
* وقال الرافعي -رحمه الله-: اختلف الأصحاب في ذلك ففرق بعضهم بين الغرة والتحجيل؛ فقالوا: تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذا صفحة العنق وتطويل التحجيل غسل بعض العضد والساق وغايته استيعاب العضد والساق، قال: وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق وأعرضوا عما حوالي الوجه قال: والأول أولى وأوفق لظاهر الحديث.
* وقال الرافعي في موضع آخر: عند استحباب غسل باقي العضد بعد القطع إن قيل: كيف قال الغزالي: يغسل الباقي؛ لتطويل الغرة والغرة إنما هي في الوجه والذي في اليد التحجيل: قلنا تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن، فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة إشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرقون بينهما ويطلقون تطويل الغرة في اليد، قال: ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، وإنما يمكن الإطالة في اليد؛ لأن الوجه يجب استيعابه قال الرافعي: وهذا الاحتجاج ليس بشيء؛ لأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق وهو مستحب نص عليه الأئمة هذا كلام الرافعي.
* قلت الصحيح أن الغرة غير التحجيل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله فهذا صريح في المغايرة بينهما، ورواية الاقتصار على الغرة لا تخالف هذا؛ لأن في هذا زيادة وزيادة الثقة مقبولة، ولأنه قد يطلق أحد القرينين ويكون الآخر مرادا كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} أي والبرد.
* وإذا ثبت تغايرهما فأحسن ما فيه ما قدمناه عن المتولي والرافعي ومرادهما غسل جزء يسير من الرأس وما يلاصق الوجه من صفحة العنق، وهذا غير الجزء الواجب الذي لا يتم غسل الوجه إلا به (فرع)
هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا، وهو مذهب أبي هريرة كما سبق، وقال أبو الحسن بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري: هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله، ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا وهذا الذي قاله ابن بطال. من الإنكار على أبي هريرة خطأ؛ لأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما قدمناه عنه، ولأن تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله على المذهب الصحيح لأهل الأصول.
* وأما نقله الإجماع فلا يقبل مع خلاف أبي هريرة وأصحابنا، وأما كون أكثر العلماء لم يذكروه ولم يقولوا به فلا يمنع كونه سنة بعد صحة الأحاديث فيه: وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "فمن زاد على هذا فقد أساء"، فالمراد زاد في العدد فغسل أكثر من ثلاث مرات كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٢٨:٣٣١)
الفصل الحادي عشر: من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- منشأ الخلاف: هل حقيقة الغسل لغة هو إيصال الماء مع الدلك؛ لأن الواجب الغسل، وذلك يقتضي صفة زائدة على إيصال الماء؛ لأن العرب فرقوا بين الغسل والغمس، فتقول غمست اللقمة في المرق، ولا تقول غسلتها.
أو أن حقيقة الغسل هو جريان الماء على العضو فقط؛ لقول العرب غسلت السماء الأرض إذا أمطرتها، والدلك قدر زائد على ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: خذه فأفرغه عليك، وإنما يدخل الدلك في إسباغ الوضوء، وهو مسنون.
[م-١٣٠] اختلف العلماء في حكم دلك أعضاء الوضوء:
فذهب الجمهور إلى أن الدلك مستحب في طهارة الحدث، وليس بواجب.
وقيل: الدلك شرط، وإلى هذا ذهب مالك، والمزني، وهو مذهب عطاء رحمه الله.
- دليل الجمهور:
* الدليل الأول:
(٢٨٦ - ١٤٠) ما رواه البخاري بإسناده عن عمران بن حصين من حديث طويل، وفيه: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغه عليك. الحديث.
وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك شرطا في الطهارة لأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة أنه كان يجهل أن التيمم رافع للحدث، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز.
* الدليل الثاني:
(٢٨٧ - ١٤١) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين.
فقوله: "إنما كان يكفيك" ساقه مساق الحصر، وقوله: "ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" دليل أن الدلك ليس شرطا في الطهارة، وإلا لما طهرت بمجرد إفاضة الماء، وإذا لم يكن الدلك شرطا في الطهارة الكبرى لم يكن شرطا في الطهارة الصغرى من باب أولى.
* الدليل الثالث:
من النظر، قال ابن قدامة: «ولأنه غسل واجب، فلم يجب فيه إمرار اليد كغسل النجاسة». اهـ.
ولأنه لا يقصد من غسل الجنابة النظافة، بدليل أنه لو اغتسل وتنظف بالمنظفات، ثم جامع وجب عليه الغسل، فالمراد به التعبد، فلا يكون الدلك شرطا فيه.
- دليل المالكية على وجوب الدلك:
قالوا: إن الله سبحانه وتعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى غسلا، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك.
قال عطاء: في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلا؛ لأن الله تعالى قال: {حتى تغتسلوا} ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو، وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.
قال ابن حزم: من غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو وقف تحت ميزاب حتى عمها الماء ونوى بذلك الوضوء للصلاة، أو صب الماء على أعضاء الوضوء للصلاة، أو صب الماء على أعضاء الوضوء غيره ونوى هو بذلك الوضوء للصلاة أجزأه. برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي بها نزل القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به.
الدليل الثاني:
القياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.
- وأجيب:
قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٥٧:٣٥٨)
الدلك:
٨٧- الدلك لغة: مصدر "دلك"، يقال: دلكت الشيء دلكا من باب "قتل": مرسته بيدك، ودلكت النعل بالأرض: مسحتها بها.
وفي الاصطلاح هو -كما نص المالكية-: إمرار اليد على العضو إمرارا متوسطا ولو لم تزل الأوساخ ولو بعد صب الماء قبل جفافه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الدلك في الوضوء هل هو فرض أو سنة؟
فذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة وقول عند المالكية إلى أن الدلك سنة من سنن الوضوء، زاد الشافعية: ويبالغ في العقب خصوصا في الشتاء، فقد ورد: ويل للأعقاب من النار.
وقال المالكية في المشهور: هو فرض من فرائض الوضوء، قال الحطاب: وقد اختلف في الدلك هل هو واجب أو لا على ثلاثة أقوال:
المشهور: الوجوب وهو قول مالك في المدونة بناء على أنه شرط في حصول مسمى الغسل، قال ابن يونس: لقوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة رضي الله عنها: وادلكي جسدك بيدك، والأمر على الوجوب، ولأن علته إيصال الماء إلى جسده على وجه يسمى غسلا، وقد فرق أهل اللغة بين الغسل والانغماس.
والثاني: نفي وجوبه، وهو لابن عبد الحكم بناء على صدق اسم الغسل بدونه.
والثالث: أنه واجب لا لنفسه بل لتحقق إيصال الماء، فمن تحقق إيصال الماء لطول مكث أجزأه، وعزاه اللخمي لأبي الفرج وذكر ابن ناجي أن ابن رشد عزاه له.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣١٧:٣٢٠)
موسوعة الفقه الدرر السنية:
الفصل التاسع: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه:
المدخل إلى المسألة:
-كل ما جاوز فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء فهو من الإسراف.
-أكثر ما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، وقد قال: "من زاد فقد تعدى وأساء وظلم".
-الإسراف منهي عنه ولو كان على نهر جار إما كراهة أو تحريما.
[م-١٢٧] اعتبر الحنفية الاقتصاد في ماء الوضوء من آداب الوضوء.
وقيل: إن كان الماء موقوفا على من يتطهر أو يتوضأ؛ فإن الإسراف حرام، وكذلك الزيادة على الثلاث، قال ابن نجيم من الحنفية: بلا خلاف.
وقيل: الإسراف في ماء الوضوء مكروه، وعليه أكثر أهل العلم.
وقيل: يحرم، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية وأومأ إليه ابن تيمية.
- دليل من قال بالتحريم:
* الدليل الأول:
(٢٧٨ - ١٣٢) ما أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء.
[حسن، وزيادة (أو نقص) وهم من الراوي، وسبق تخريجه].
* الدليل الثاني:
(٢٧٩ - ١٣٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة، أن عبد الله بن مغفل سمع ابنا له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور.
[رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا].
ولذلك قال ابن المبارك كما في سنن الترمذي: «لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.
وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى». اهـ
يعني: مبتلى بمرض الوسوسة، أعاذنا الله وإياكم منها.
- دليل من قال: بالكراهة:
قال الشوكاني: لا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث.
والحق أن في ذلك خلافا على ما تبين، فمنهم من اعتبر الاقتصاد من الآداب التي يؤجر على فعلها، ولا يلزم من الإخلال بها الوقوع في المكروه كما يراه بعض الحنفية.
ولقد قال الشافعي في الأم: «لا أحب للمتوضئ أن يزيد على الثلاث، وإن زاد لم أكرهه إن شاء الله تعالى».
ومنهم من رأى تحريم الزيادة كما حررت ذلك عند ذكر الأقوال.
- دليل من اعتبر الاقتصاد من الآداب:
لعله رأى أن ترك السنة لا يلزم منه الوقوع في المكروه، وهذا حق لولا أنه جاء من الأحاديث ما يدل على ذم الزيادة على الثلاث، والله أعلم.
الراجح:
أما بالنسبة للعدد، فالزيادة على الثلاث إن لم تكن محرمة فهي مكروهة كراهة شديدة؛ لأنه قد ورد النهي عن الزيادة على الثلاث، وهو أكثر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما بالنسبة لمقدار الماء المستعمل في الوضوء فلم يأت له حد من الشرع، بحيث لا يتجاوزه الإنسان، والناس يختلفون في هذا بدانة ونحافة، والمياه في عصرنا تأتي عن طريق الصنابير التي تدفع الماء دفعا، لا يمكن معه التقيد بالمقدار الوارد إلا أن يأخذ الإنسان الماء في إناء، ويغلق الصنبور، وقد لا يتوفر الإناء في كل مكان، والأحاديث الواردة في مقدار وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كلها تدل على أن كمية الماء ليس فيها حد بمقدار معين، وإنما الأمر تقريبي.
أما قول الشيخ عز الدين بن عبد السلام: للمتوضئ والمغتسل ثلاث أحوال:
الأول: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه صلى الله عليه وسلم، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع.
الثاني: أن يكون ضئيلا نحيف الخلق، بحيث لا يعادل جسده جسد النبي صلى الله عليه وسلم،
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤/١٧٨:١٨٠)
الإسراف في الوضوء:
وذلك يتحقق في حالتين:
الحالة الأولى: تكرار غسل الأعضاء:
٦- صرح الحنفية والشافعية والحنابلة: أن تكرار غسل الأعضاء إلى ثلاث مسنون. جاء في المغني أن الوضوء مرة أو مرتين يجزئ، والثلاث أفضل. والمشهور في مذهب مالك أن الغسلة الثانية والثالثة فضيلتان. وعلى ذلك فغسل الأعضاء ثلاث مرات لا يعتبر إسرافا، بل هو سنة أو مندوب. أما الزيادة على الثلاث الموعبة فمكروه عند الجمهور: الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو الراجح في مذهب المالكية، لأنها من السرف في الماء، والقول الثاني للمالكية أنها تمنع.
والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكا أو مباحا، أما الماء الموقوف على من يتطهر به -ومنه ماء المدارس- فإن الزيادة فيه على الثلاث حرام عند الجميع، لكونها غير مأذون بها، لأنه إنما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك.
واستدلوا على كراهة الزيادة على الثلاث بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتاه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء.
وقد ذكر بعض الفقهاء أن الوعيد في الحديث لمن زاد أو نقص مع عدم اعتقاد الثلاث سنة، أما إذا زاد -مع اعتقاد سنية الثلاث- لطمأنينة القلب عند الشك، أو بنية وضوء آخر فلا بأس به، فإن الوضوء على الوضوء نور على نور، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ولهذا جاء في ابن عابدين نقلا عن البدائع: إذا زاد أو نقص، واعتقد أن الثلاث سنة، لا يلحقه الوعيد. ثم بين أن المنفي في هذه الحالة إنما هو الكراهة التحريمية، فتبقى الكراهة التنزيهية.
وقيد الشافعية، وبعض الحنفية، أفضلية الوضوء على الوضوء بألا يكون في مجلس واحد، أو كان قد صلى بالضوء الأول صلاة، وإلا يكره التكرار ويعتبر إسرافا، وقال القليوبي: الوجه الحرمة. أما لو كرره ثالثا أو رابعا بغير أن تتخلله صلاة فيعتبر إسرافا محضا عند الجميع.
الحالة الثانية -استعمال الماء أكثر مما يكفيه:
٧ - اتفق الفقهاء على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بمقدار معين، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك وقال: إن ما ورد في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ليس بتقدير لازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، حتى إن من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه زاد عليه، لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة.
واتفقوا كذلك على أن الإسراف في استعمال الماء مكروه، ولهذا صرح الحنابلة بأنه يجزئ المد وما دون ذلك في الوضوء، وإن توضأ بأكثر من ذلك جاز، إلا أنه يكره الإسراف. ومع ذلك قال الشافعية: يسن أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسمه عن مد تقريبا، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يوضئه المد ولا حد لماء الوضوء، لكنه يشترط الإسباغ.
وقال المالكية: من مستحبات الوضوء تقليل الماء من غير تحديد في ذلك، وأنكر مالك قول من قال: حتى يقطر الماء أو يسيل، يعني أنكر السيلان عن العضو لا السيلان على العضو، إذ لا بد منه، وإلا فهو مع عدم السيلان مسح بلا شك، وإنما يراعى القدر الكافي في حق كل واحد، فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعة وإسراف، وإن اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدى السنة، فالمستحب لمن يقدر على الإسباغ بقليل أن يقلل الماء، ولا يستعمل زيادة على الإسباغ، أي في كل مرة.
ومعيار الإسراف عند الحنفية هو أن يستعمل الماء فوق الحاجة الشرعية، وذكر أكثر الأحناف أن ترك التقتير -بأن يقترب إلى حد الدهن، ويكون التقاطر غير ظاهر- وترك الإسراف -بأن يزيد على الحاجة الشرعية - سنة مؤكدة، وعلى هذا فيكون الإسراف في استعمال الماء في الوضوء مكروها تحريما، كما صرح به صاحب الدر، لكن رجح ابن عابدين كونه مكروها تنزيها.
واستدل الفقهاء على كراهة الإسراف في الماء بحديث عبد الله بن عمر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار.
وهذا كله في غير الموسوس، أما الموسوس فيغتفر في حقه لما ابتلي به.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٥٣:٣٥٨)
الفصل السادس عشر: من سنن الوضوء أن يقول الذكر الوارد بعده:
[م-١٣٥] يستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (٣٠٠ - ١٥٤) لما رواه مسلم من طريق أبي إدريس الخولاني، وجبير بن نفير كلاهما،
عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". قال: فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال: ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
ولا أعلم أحدا خالف في استحباب هذا الذكر بعد الوضوء، لهذه السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما يفعله العامة عندنا من رفع السبابة حال الذكر لا أعلم له أصلا في الشرع، والأصل عدم المشروعية.
كما أن استقبال القبلة حال الذكر لم يقم عليه دليل، وما قيل في استقبال القبلة حال الوضوء يقال هنا، من أن الاستقبال لو كان مشروعا لأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولفعله عليه الصلاة والسلام، فلما لم ينقل أمره ولا فعله كان الأصل عدم التقرب إلى الله به.
المبحث الأول: في استحباب قول: اللهم اجعلني من التوابين والمتطهرين.
[م-١٣٦] استحب بعض الفقهاء أن يقول بعد الوضوء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. (٣٠١ - ١٥٥) لما رواه الترمذي رحمه الله، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، حدثنا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ، فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء.
[زيادة اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين زيادة شاذة في هذا الحديث].
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٧٥:٣٧٧)
الخامس والعشرون ـ الدعاء بعد الوضوء:
١١٨ ـ ذهب الفقهاء إلى مشروعية الدعاء بعد الوضوء:
فنص الشافعية والحنابلة على أنه يسن أن يقول المتوضئ عقب فراغه من الوضوء وهو مستقبل القبلة وقد رفع يديه وبصره إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لخبر: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء"، ثم يقول المتوضئ: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". -زاده الترمذي على خبر مسلم- "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"؛ لخبر: من توضأ ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة". أي لم يتطرق إليه إبطال، أي يصان صاحبه من تعاطي مبطل.
وقال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن أن يقول بعد الوضوء: وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد.
وزاد الحنفية والمالكية: ويقول المتوضئ بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقال الحنابلة والشافعية: ويقرأ سورة القدر ثلاثا.
والحكمة -كما قال البهوتي- في ختم الوضوء، والصلاة وغيرهما بالاستغفار: أن العباد مقصرون عن القيام بحقوق الله كما ينبغي، وعن أدائها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يؤدونها على قدر ما يطيقونه، فالعارف يعرف أن قدر الحق أجل من ذلك، فهو يستحيي من عمله، ويستغفر من تقصيره فيه، كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلاته.
والاستغفار يرد مجردا، ومقرونا بالتوبة.
فإن ورد مجردا دخل فيه طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع عنه، وهذا الاستغفار الذي يمنع الإصرار والعقوبة.
وإن ورد مقرونا بالتوبة اختص بالنوع الأول، فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي ـ بل كان سؤالا مجردا ـ فهو دعاء محض، وإن صحبه ندم فهو توبة، والعزم على الإقلاع من تمام التوبة.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٤٥٦:٤٥٧)
حديث عمر -رضي الله عنه- رواه مسلم وأصحاب السنن لكن في المهذب تغييرات فيه، فلفظه في مسلم "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وفي رواية لمسلم أيضا قال: "من توضأ فقال: أشهد أن لا اله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي رواية أبي داود ثم "يقول حين يفرغ من وضوئه" وفي رواية الترمذي بعد قوله: ورسوله -اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ورواية الترمذي كاللفظ الذي ذكره المصنف إلا قوله: "صادقا من قلبه" فإنه ليس موجودا في هذه الكتب، ولكنه شرط لا شك فيه، قال الحافظ أبو بكر الحازمي: هذه اللفظة غير محفوظة من طريق الثقات ورويت الزيادة التي زادها الترمذي من رواية جماعة من الصحابة غير عمر، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسول فتحت له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل". رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد ضعيف: وأما حديث أبي سعيد الذي ذكره المصنف فرواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة بإسناد غريب ضعيف، ورواه مرفوعا وموقوفا على أبي سعيد وكلاهما ضعيف الإسناد: وفي سنن الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قبل أن يتكلم غفر له ما بين الوضوءين". وإسناده ضعيف، وأما أبو سعيد الخدري فبضم الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة منسوب إلى بني خدرة بطن من الأنصار رضي الله عنهم، واسم أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان وكان أبوه مالك صحابيا استشهد يوم أحد، وتوفي أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وستين وقيل: أربع وسبعين وهو ابن أربع وسبعين. وقوله كتب في رق هو بفتح الراء والطابع بفتح الباء وكسرها لغتان فصيحتان وهو الخاتم ومعنى طبع ختم وقوله فلم يفتح إلى يوم القيامة معناه لا يتطرق إليه إبطال وإحباط.
* أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب هذا الذكر عقيب الوضوء ولا يؤخره عن الفراغ لرواية أبي داود التي ذكرناها وغيرها؛ قال أبو العباس الجرجاني في كتابه التحرير والبلغة والروياني في الحلية وصاحب البيان وغيرهم يستحب أن يقول هذا الذكر مستقبل القبلة؛ قال الشيخ نصر المقدسي: ويقول معه صلى الله على محمد وعلى آل محمد والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٣٥٩:٣٦١)
المبحث الثاني: في استحباب رفع البصر إلى السماء عند الدعاء بعد الوضوء.
[م-١٣٧] استحب بعض الحنابلة رفع البصر إلى السماء عند ذكر هذا الدعاء.
(٣٠٢ - ١٥٦) لما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، أخبرنا أبو عقيل، عن ابن عم له، عن عقبة بن عامر، وفيه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء".
[زيادة رفع البصر إلى السماء زيادة منكرة].
الدليل الثاني:
قالوا: إن رفع الطرف إلى السماء من آداب الدعاء، والذكر مشتمل على الدعاء السابق: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين".
- والدليل على أن رفع البصر إلى السماء من آداب الدعاء أدلة منها:
(٣٠٣ - ١٥٧) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد من حديث طويل، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع رأسه إلى السماء، فقال: "اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني".
(٣٠٤ - ١٥٨) ومنها ما رواه البخاري من طريق كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت في بيت ميمونة، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه، قعد فنظر إلى السماء، فقرأ: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: ١٩٠] .
(٣٠٥ - ١٥٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي المديني وغير واحد قالوا: حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم وإذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم. قال أبو عيسى هذا حديث غريب.
[ضعيف، وليس صريحا في الباب].
(٣٠٦ - ١٦٠) ومن الأذكار التي تقال بعد الوضوء ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق، ثم طبع في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة".
[الصحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع].
المغني -ابن قدامة- (١/١٩٥)
فصل: وإذا فرغ من وضوئه استحب أن يرفع نظره إلى السماء، ثم يقول. ما رواه مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء". ورواه أبو بكر الخلال بإسناده، وفيه: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء" وفيه: "اللهم اجعلنى من التوابين، واجعلنى من المتطهرين".
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٣٧٩)
التاسع والعشرون ـ صلاة ركعتين عقب الوضوء:
١٢٢ ـ ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستحب أن يصلي المتوضئ ركعتين عقب فراغه من الوضوء؛ لحديث: "ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة".
ويرى الحنفية والحنابلة، أن المتوضئ يصلي سنة الوضوء في غير وقت الكراهة، وهي الأوقات الخمسة التي يكره فيها الصلاة، وذلك لأن ترك المكروه أولى من فعل المندوب.
وقال الشافعية: في الحديث استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب كل وضوء، وهو سنة مؤكدة، ويفعل هذه الصلاة في أوقات النهي وغيرها؛ لأن لها سببا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٣٦٩)
يستحب لمن توضأ أن يصلي ركعتين في أي وقت كان وفي أوقات النهي عن النوافل التي لا سبب لها؛ لأن هذه لها سبب وهو الوضوء وذكر كثيرون من أصحابنا هذه المسألة في باب الأوقات التي تكره فيها النافلة وذكرها في هذا الباب صاحب البحر وغيره، ودليل المسألة أحاديث كثيرة في الصحيح، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: "حدثني بأرجأ عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دق نعليك بين يدي في الجنة". فقال: ما عملت عملا أرجأ عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. رواه البخاري في صحيحه، واحتج به على فضل الصلاة بعد الوضوء، وكذا احتج به أصحابنا وهو ظاهر في ذلك.
* وعن عثمان رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه مسلم في صحيحه.