موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٤/٨٧:٨٨)
أثر القيء في الوضوء:
٤ - اختلف الفقهاء في نقض الوضوء بالقيء: فذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا ينقضه.
وعند الحنفية أن القيء ينقض الوضوء متى كان ملء الفم، سواء كان قيء طعام أو ماء وإن لم يتغير.
وحد ملئه: أن لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف (أي مشقة) على الأصح من التفاسير فيه، وقيل حد ملئه: أن يمنع الكلام، وذلك لتنجسه بما في قعر المعدة وهو مذهب العشرة المبشرين بالجنة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم " قاء فتوضأ "؛ ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة.
فإذا لم يملأ الفم لا ينقض الوضوء؛ لأنه من أعلى المعدة، وكذا لا ينقضه قيء بلغم ولو كان كثيرا لعدم تخلل النجاسة فيه وهو طاهر.
وإن قاء قليلا قليلا متفرقا ولو جمع تقديرا كان ملء الفم، فأبو يوسف اعتبر اتحاد المجلس؛ لأنه جامع للمتفرقات، ومحمد اعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان؛ لأنه دليل على اتحاده، وهو الأصح، وعلى هذا ينقض القيء المتفرق الوضوء إن كان قدر ملء الفم.
وعند زفر ينقض قليله كثيره وهما في ذلك سواء؛ لأنه لما كان الخارج من غير السبيلين حدثا بما دل عليه من الدليل وجب أن يستوي فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين، ولقوله: القلس حدث ولو قاء دما وهو علق يعتبر فيه ملء الفم؛ لأنه سوداء محترقة، وإن كان مائعا فكذلك عند محمد اعتبارا بسائر أنواعه، وعندهما: إن سال بقوة نفسه ينقض الوضوء وإن كان قليلا؛ لأن المعدة ليست بمحل الدم، فيكون من قرحة في الجوف.
وعند الحنابلة: أنه ينقض الوضوء إن فحش في نفس كل أحد بحسبه؛ لأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منفيا لما رواه معدان بن طلحة عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه، ولا ينقض اليسير لقول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشا فعليه الإعادة.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٥٦٧:٥٩٧)
المبحث الثالث في خروج النجس عدا البول والغائط من غير السبيلين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• هل المعتبر في الحدث المحل: القبل والدبر، فلا ينقض إلا ما خرج من السبيلين ولو كان طاهرا، أو المعتبر النجس، فينقض كل نجس خرج، ولو من غير السبيلين إذا كان فاحشا، أو المعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج؟
[م-١٨٦] إذا خرج من البدن شيء نجس، ولم يكن بولا ولا غائطا، وكان خروجه من غير السبيلين، كما لو رعف، أو تقيأ، أو جرح بدنه، فهل يعتبر خروجه حدثا ناقضا للوضوء؟
اختلف العلماء في هذا، فقيل: يعتبر خروجه حدثا ناقضا للوضوء بشرطه، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.وقيل: لا يعتبر خروجه حدثا، وهو مذهب المالكية، والشافعية.
• دليل من قال: خروج النجس ينقض الوضوء:
* الدليل الأول:
(٣٩٠ - ٢٤٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي.قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه مسلم دون زيادة الوضوء لكل صلاة.
وجه الاستدلال:
قوله: (ثم توضئي لكل صلاة) فأمرها بالوضوء من دم الاستحاضة، وعلل ذلك بأنه دم عرق، فيؤخذ منه أن دماء العروق الخارجة من البدن توجب الوضوء من أي موضع خرجت؛ لأنه لم يعلل الوضوء بأنه دم خارج من سبيل، بل قال: إنما ذلك عرق.
• ويجاب عن ذلك:
أولا: أن الدم ليس بنجس على الصحيح، وأنتم تخصون النقض بما كان نجسا، وسيأتي تحرير ذلك بحول الله وقوته في كتاب أحكام النجاسة، وإذا كان الدم طاهرا لم يكن ناقضا كالعرق والبصاق واللبن والدمع ونحوها.
ثانيا: أن قوله: (إنما ذلك عرق) ليس تعليلا لإيجاب الوضوء، وإنما هو تعليل لوجوب الصلاة؛ لأن السؤال كان عن الصلاة، حيث قالت: أفادع الصلاة؟ قال: لا؛ إنما ذلك عرق، ولذلك لما خالف دم الاستحاضة دم الحيض لم يمنع من الصلاة وإن كان دما وخارجا من سبيل.
ثالثا: قد بينا أن قوله: (توضئي لكل صلاة) إنما هو من كلام عروة، وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما سبق أن نقلنا كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله بأن أحاديث الوضوء لكل صلاة في حق المستحاضة مضطربة ومعلة.
* الدليل الثاني:
(٣٩١ - ٢٤٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر وهو أحمد ابن عبد الله الهمداني الكوفي وإسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء، فأفطر، فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له وضوءه.
[حسن قال أحمد: جوده حسين المعلم].وجه الاستدلال:
قوله في الحديث: (قاء فتوضأ) يدل على أن الوضوء كان مرتبا على القيء وبسببه، وهو المطلوب، فتكون للسببية.
• وأجيب:
أولا: أن الوضوء مجرد فعل من النبي صلى الله عليه وسلم، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، أقصى ما يدل عليه الفعل إذا كان على وجه التعبد، ولم يكن بيانا لمجمل أن يدل على الاستحباب، ولذلك لما تيمم الرسول صلى الله عليه وسلم لرد السلام، لم يقل أحد بوجوب التيمم لرد السلام.
وقال ابن المنذر: «وليس يخلو هذا الحديث من أمرين: إما أن يكون ثابتا، أو غير ثابت. فإن كان ثابتا فليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه؛ لأن في الحديث أنه توضأ، ولم يذكر أنه أمر بالوضوء منه، كما أمر بالوضوء من سائر الأحداث. وإن كان غير ثابت، فهو أبعد من أن يجب فيه فرض».
ثانيا: أن الاستدلال بهذا الحديث مبني على أن القيء نجس، والقيء ليس بنجس على الصحيح، بل هو طاهر، وقد بينت طهارته ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسات.
الثالث: أن القيء لا يفطر إلا ما كان منه على وجه التعمد، والحديث المحفوظ فيه أنه قاء، وليس استقاء إلا أن يكون ذلك في صيام النفل، ولا سبيل إلى معرفته من الحديث.
الرابع: أن الوضوء قد يكون بعد القيء من أجل النظافة وإزالة القذر الذي يبقى في الفم، وربما في الأنف، وما يصيب البدن منه، لا من أجل كون القيء حدثا ناقضا للوضوء، فلا نستطيع أن نحكم على من تطهر بموجب الكتاب والسنة، أن نحكم عليه بفساد عبادته إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، والله أعلم.
* الدليل الثالث:
(٣٩٢ - ٢٤٦) ما رواه ابن ماجه، من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم.
[ضعيف والمعروف أنه مرسل].ومع ضعف إسناده فإن في متنه نكارة؛ لأن القيء والقلس إن كانا حدثين فالحدث مبطل للطهارة، وإذا بطلت أثناء الصلاة بطلت الصلاة كلها، كما لو خرج منه ريح أثناء الصلاة فإن الصلاة كلها تبطل، وإذا تطهر وجب استئناف الصلاة، وإن لم يكن ذلك حدثا فلماذا يشتغل بالطهارة.
* الدليل الرابع:
(٣٩٣ - ٢٤٧) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عون، أخبرنا أبو بكر الداهري، عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبن على صلاته.
[ضعيف جدا].* الدليل الخامس:
(٣٩٤ - ٢٤٨) روى البزار في إسناده، قال: حدثنا أحمد بن عبدة، قال: أخبرنا حسين بن الحسن، قال: أخبرنا جعفر بن زياد الأحمر، قال: أخبرنا أبو خالد، عن ... أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان رضي الله عنه قال: رعفت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أحدث وضوءا.
[موضوع].* الدليل السادس:
(٣٩٥ - ٢٤٩) ما رواه الدارقطني من طريق عمران بن موسى، أخبرنا عمر ابن رياح، أخبرنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله إذا رعف في صلاته توضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته.
[ضعيف جدا].(٣٩٦ - ٢٥٠) ورواه الدارقطني من طريق ابن أرقم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رعف أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ويستقبل صلاته.
قال الدارقطني: سليمان بن أرقم متروك.
* الدليل السابع:
(٣٩٧ - ٢٥١) ما رواه الدارقطني من طريق عيسى بن المنذر، أخبرنا بقية، عن يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال:
قال تميم الداري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوضوء من كل دم سائل.
[ضعيف جدا].* الدليل الثامن:
(٣٩٨ - ٢٥٢) ما رواه الدارقطني، من طريق حفص الفراء، حدثنا سوار بن مصعب، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القلس حدث.
قال الدارقطني: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره.
* الدليل التاسع:
(٣٩٩ - ٢٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن علي البزاز، أخبرنا محمد ابن الفضل، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في القطرة والقطرتين وضوء إلا أن يكون دما سائلا.
[ضعيف جدا].* الدليل العاشر:
(٤٠٠ - ٢٥٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق سهل بن عفان السجزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعاد الوضوء من سبع: من إقطار البول والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم.
قال البيهقي: سهل بن عفان مجهول، والجارود بن يزيد ضعيف في الحديث.
* الدليل الحادي عشر من الآثار:
(٤٠١ - ٢٥٥) ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم.
[وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر].* الدليل الثاني عشر:
(٤٠٢ - ٢٥٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزا أو قيئا أو رعافا فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم.
[حسن، وهو صحيح عن علي رضي الله عنه].(٤٠٣ - ٢٥٧) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمران ابن ظبيان، عن حكيم بن سعد أبي يحيى، عن سلمان، قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته، فلينصرف غير راع لصنعه، فليتوضأ، ثم ليعد في آيته التي كان يقرأ.
[ضعيف].
* الدليل الثاني عشر:
من القياس، حيث وجدنا خروج النجس من السبيلين حدثا ناقضا للوضوء، فكذلك خروج النجس من سائر البدن؛ لأن المعتبر هو الخارج وليس المخرج، فإذا خرج النجس من سائر البدن أوجب الطهارة؛ إذ الطهارة والنجاسة لا يجتمعان.
• وأجيب عنه:
لا يجوز أن يشبه سائر ما يخرج من سائر الجسد بما يخرج من القبل أو الدبر؛ لأنهم قد أجمعوا على الفرق بين ريح تخرج من الدبر وبين الجشاء المتغير يخرج من الفم، فأجمعوا على وجوب الطهارة في أحدهما: وهو الريح الخارج من الدبر، وأجمعوا على أن الجشاء لا وضوء فيه، ففي إجماعهم على الفرق بين ما يخرج من مخرج الحدث، وبين ما يخرج من غير مخرج الحدث أبين البيان على أن ما خرج من سائر الجسد غير جائز أن يقاس على ما خرج من مخرج الحدث. وقال أيضا: ليس وجوب الطهارات من أبواب النجاسات بسبيل، ولكنها عبادات، وقد يجب على المرء الوضوء بخروج الريح من دبره، وقد يجب بخروج المني، وهو طاهر غسل جميع البدن، ويجب بخروج البول غسل أعضاء الوضوء، والبول نجس، ويجب بالتقاء الختانين الاغتسال، ولو لم يحصل إنزال.
قلت: ويجب الوضوء أيضا بأكل الشيء الطاهر كلحم الإبل على الصحيح، ولو غمس يده في نجاسة لم يجب عليه إلا غسل يده، ولو مس ذكره بيده وجب عليه الوضوء على الصحيح مع أنه عضو طاهر كسائر أعضائه، فهذه عبادات لا يجري في مثلها القياس، ثم إن كان الخارج النجس من غير السبيلين حدثا فلا فرق بين قليله وكثيره كسائر الأحداث من البول والغائط والريح، وإن كان ليس حدثا فلا معنى للتفريق بين القليل والكثير.
• دليل من قال: لا يعتبر خروج النجس حدثا:
* الدليل الأول:
(٤٠٤ - ٢٥٨) ما رواه أحمد، من طريق شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وضوء إلا من صوت أو ريح.
[المحفوظ من الحديث أن هذا فيمن شك في الحدث، وهو في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا].
* الدليل الثاني:
(٤٠٥ - ٢٥٩) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا سهل بن زياد، أخبرنا صالح ابن مقاتل بن صالح، أخبرنا أبي، أخبرنا سليمان بن داود أبو أيوب القرشي بالرقة، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه.
[ضعيف].
* الدليل الثالث:
(٤٠٦ - ٢٦٠) ما رواه أحمد، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا، وجاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: فكونوا بفم الشعب، قال: وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به، فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أهببتني؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت، فأريتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.
وجه الاستدلال:
أن خروج الدم لو كان حدثا لخرج من صلاته بمجرد خروجه، ولما أتم صلاته، وهو ينزف دما. وأجيب: بأن الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن.
* الدليل الرابع:
(٤٠٧ - ٢٦١) ما رواه الدارقطني من طريق عتبة بن السكن الحمصي، أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا عبادة بن نسي وهبيرة بن عبد الرحمن قالا: أخبرنا أبو أسماء الرحبي، أخبرنا ثوبان، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في غير رمضان، فأصابه غم آذاه، فتقيأ، فقاء، فدعاني بوضوء، فتوضأ، ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: لو كان فريضة لوجدته في القرآن. قال: ثم صام رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد، فسمعته يقول: هذا مكان إفطاري أمس.
[ضعيف].بله ومتنه منكر؛ لأن الفرائض ليست كلها في القرآن، فإن ما في السنة من الفرائض أكثر مما في القرآن.
* الدليل الخامس:
أن الفرائض إنما تجب بكتاب أو سنة أو إجماع، وليس مع من أوجب الوضوء حجة، وقد أجمع العلماء على أن من توضأ فهو طاهر، واختلفوا في نقض طهارته بعد حدوث الرعاف أو القيء أو الحجامة أو غيرها من سائر النجاسات من البدن، وغير جائز أن تنقض طهارة مجمع عليها إلا بإجماع مثله، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا معارض له.
* الدليل السادس:
قال الشافعي: لم يختلف الناس في البصاق يخرج من الفم، والمخاط والنفس يأتي من الأنف، والجشاء المتغير وغير المتغير يأتي من الفم أن ذلك لا يوجب الوضوء، فدل ذلك على أن لا وضوء من قيء ولا رعاف ولا حجامة ولا شيء خرج من الجسد، ولا أخرج منه غير الفروج الثلاثة: القبل والدبر والذكر؛ لأن الوضوء ليس على نجاسة ما يخرج، ألا ترى أن الريح تخرج من الدبر ولا تنجس شيئا، فيجب بها الوضوء، كما يجب بالغائط، وأن المني غير نجس والغسل يجب به، وإنما الوضوء والغسل تعبد. وقد نقلنا نحو هذا الكلام فيما تقدم عن ابن المنذر، والله أعلم.
* الدليل السابع:
(٤٠٨ - ٢٦٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن التيمي، عن بكر -يعني: ابن عبد الله المزني- قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دم، فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ.
[صحيح].
(٤٠٩ - ٢٦٣) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري وابن عيينة، عن عطاء ابن السائب، قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى بصق دما، ثم صلى، ولم يتوضأ. [حسن].
(٤١٠ - ٢٦٤) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبيد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر أنه أدخل أصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فمسحه بالأرض أو التراب، ثم صلى.
[حسن].
(٤١١ - ٢٦٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه.
[صحيح].(٤١٢ - ٢٦٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان، قال: أخبرني ميمون بن مهران، قال: رأيت أبا هريرة أدخل أصبعه في أنفه، فخرجت مخضبة دما، ففته، ثم صلى، فلم يتوضأ.
[المحفوظ عن ميمون بن مهران عن من رأى أبا هريرة].• وأجاب أصحاب القول الأول عن هذه الآثار:
أجاب الحنابلة بأن النقض مقيد بشرطين:
الأول: أن يكون الخارج نجسا.
الثاني: أن يكون فاحشا.
وهذه الآثار دليل على أن الخارج النجس إذا كان يسيرا لا ينقض الوضوء، أرأيت ابن عمر، فإنه كما ثبت عنه أنه عصر بثرة، فصلى ولم يتوضأ، صح عنه أيضا أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى، ولم يتكلم. رواه مالك، عن نافع، عنه وسبق تخريجه.
• ورد عليهم:
بأنه لو كان خروج النجس حدثا لما كان هناك فرق بين القليل والكثير، قياسا على سائر الأحداث من البول والغائط والريح ونحوها. وأجاب العلماء القائلون بعدم النقض عن الآثار الواردة في الرعاف، بما قاله ابن عبد البر: قال: «حمله أصحابنا على أنه غسل ولم يتكلم، وبنى على ما صلى، قالوا: وغسل الدم يسمى وضوءا؛ لأنه مشتق من الوضاءة، وهي النظافة، قالوا: فإذا احتمل ذلك لم يكن لمن ادعى على ابن عمر أنه توضأ للصلاة في دعواه ذلك حجة لاحتماله الوجهين: قالوا: وكذلك تأولوا حديث سعيد بن المسيب؛ لأنه قد ذكر الشافعي وغيره عنه أنه رعف فمسحه بصوفة، ثم صلى ولم يتوضأ، قالوا: ويوضح ذلك فعل ابن عباس أنه غسل الدم عنه وصلى، وحمل أفعالهم على الاتفاق منهم أولى. وخالف في ذلك أهل العراق في هذا التأويل، فقالوا: إن الوضوء إذا أطلق ولم يقيد بغسل دم وغيره فهو الوضوء المعلوم للصلاة، وهو الظاهر من إطلاق اللفظ... إلخ كلامه رحمه الله».قلت: الأصل حمل الكلام على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر أو ليس له حقيقة شرعية قدمت الحقيقة اللغوية، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين الذي يظهر والله أعلم أن القول بأن خروج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولا أو غائطا أو ريحا، وقد انسد المخرج المعتاد هو القول الراجح، وأما الآثار التي وردت عن ابن عمر وعن غيره بسند صحيح عن الوضوء من الرعاف، والبناء على الصلاة بعده، فمع أن الدم من الإنسان ليس نجسا -كما حررت ذلك والحمد لله في قسم النجاسات من هذه السلسلة- فهو على خلاف القياس؛ لأن إيجاب الوضوء من الرعاف يعني: بطلان الطهارة، وبطلان الطهارة يلزم منه بطلان الصلاة كخروج البول والريح إذا خرجا من المصلي أثناء الصلاة، فإنه يجب استئناف الصلاة بعد إعادة الطهارة، فصحة الآثار من الصحابة لا نقاش فيه عند اجتماعهم، فإن ثبت الخلاف عن الصحابة كان الأمر واسعا، وتقديم قول الصحابي الذي يوافق القياس أولى من غيره، وإن لم يثبت الخلاف بينهم، بحيث لا يعلم مخالف لقول من قال بالبناء، فإنا نقول به، ولو خالف القياس، لكن لا نتعداه إلى غيره، ولا نقول بوجوبه من كل خارج نجس، وإنما يقتصر على ما ورد عن الصحابة، والله أعلم.
قال ابن عبد البر: «وأما بناء الراعف على ما قد صلى، ما لم يتكلم، فقد ثبت في ذلك عن عمر، وعلي وابن عمر، وروي عن أبي بكر أيضا، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة إلا المسور بن مخرمة وحده، وروي أيضا البناء للراعف على ما صلى ما لم يتكلم عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا إلا الحسن البصري فإنه ذهب في ذلك مذهب المسور بن مخرمة، إلى أنه لا يبني من استدبر القبلة في الرعاف... إلخ كلامه رحمه الله تعالى».ولم يعتبر ابن عبد البر الآثار السابقة من خروج الدم من أنف أبي هريرة، وابن عمر وجابر، وعدم الوضوء من ذلك أن مثل هذا مخالف للآثار الواردة عن الصحابة في الانصراف من الصلاة للرعاف، وذلك ربما لأنه يرى أن خروج الدم من الأنف يسير لا ينقض الوضوء، والله أعلم.
وقال ابن التركماني: «ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء البناء عن علي وابن عمر وعلقمة، ثم قال: ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة إلا شيئا يروى عن المسور بن مخرمة، فإنه قال: يبتدئ صلاته، ثم ذكر كلام ابن عبد البر المتقدم قريبا». اهـ.
والعجب كيف يعتبر الكلام مبطلا للصلاة، ولا يرون إبطال الطهارة بالرعاف مبطلا للصلاة، مع العلم أن الطهارة شرط من شروط الصلاة، يلزم من عدمها عدم الصلاة، والكلام من محظورات الصلاة، ولكن ليس بمثابة الطهارة من الصلاة، وفعل المأمورات أشد من ترك المحظورات، فإن الإنسان لو تكلم ناسيا في صلاته أو جاهلا صحت صلاته، ولو صلى بدون طهارة ناسيا أو جاهلا لم تصح منه الصلاة، ولكن لا بد من التسليم للصحابة إن كان لم يحفظ خلاف في المسألة بينهم، فإن قول الصحابي حجة إذا لم يعلم له مخالف، وما ينسب للمسور بن مخرمة لم أقف على إسناده.
وهذا مالك رحمه الله تعالى، وهو لا يرى خروج النجس من غير السبيلين ناقض للوضوء يقول بالرعاف خاصة.
قال ابن رشد: واختار مالك رحمه الله تعالى بالبناء على الاتباع للسلف وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وقال أيضا: ليس البناء في الرعاف بواجب، وإنما هو من قبيل إما الجائز أو المستحب.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٠/٨٦:٨٧)
القيء والقلس:
١٧ - يقول الشافعية والحنابلة بنجاسة القيء، لأنه طعام استحال في الجوف إلى النتن والفساد فكان نجسا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه: إنما يغسل الثوب من خمس... وعد منها القيء.
وهو عند الحنفية نجس إذا كان ملء الفم أما ما دونه فطاهر على ما هو المختار من قول أبي يوسف.
وقال المالكية: إن النجس منه هو المتغير عن حال الطعام، فإن كان تغيره لصفراء أو بلغم ولم يتغير عن حالة الطعام فطاهر.
فإذا تغير بحموضة أو نحوها فهو نجس كما هو ظاهر المدونة.
١٨ - أما القلس -بفتح القاف وسكون اللام- فهو كما قال المالكية: ماء تقذفه المعدة أو يقذفه ريح من فمها، وقد يكون معه طعام.
وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القلس نجس، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم".
وقالوا: إن خروج النجاسة هو الذي يؤثر في زوال الطهارة وقال المالكية: إن القلس طاهر كالقيء ما لم يتغير عن حالة الطعام، فإن تغير كان نجسا.
المغني -ابن قدامة- (١/٢٤٧:٢٤٨)
مسألة؛ قال: (والقيء الفاحش، والدم الفاحش، والدود الفاحش يخرج من الجروح):
وجملته أن الخارج من البدن غير السبيل ينقسم قسمين: طاهرا، ونجسا؛ فالطاهر لا ينقض الوضوء على حال ما، والنجس ينقض الوضوء في الجملة، رواية واحدة. روى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وكان مالك، وربيعة، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، لا يوجبون منه وضوءا، وقال مكحول: لا وضوء إلا فيما خرج من قبل أو دبر؛ لأنه خارج من غير المخرج، مع بقاء المخرج، فلم يتعلق به نقض الطهارة، كالبصاق، ولأنه لا نص فيه، ولا يمكن قياسه على محل النص، وهو الخارج من السبيلين، لكون الحكم فيه غير معلل، ولأنه لا يفترق الحال بين قليله وكثيره، وطاهره ونجسه؛ وههنا بخلافه، فامتنع القياس. ولنا ما روى أبو الدرداء: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاء [فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك. فقال] ثوبان: صدق، أنا صببت له وضوءه. رواه الأثرم، والترمذي، وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب. قيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم. وروى الخلال بإسناده، عن ابن جريج، عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قلس أحدكم فليتوضأ". قال ابن جريج: وحدثني ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، فيكون إجماعا، ولأنه خارج يلحقه حكم التطهير، فنقض الوضوء كالخارج من السبيل، وقياسهم منقوض بما إذا انفتح مخرج دون المعدة.
المغني -ابن قدامة- (١/٢٤٨:٢٤٩)
وإنما ينتقض الوضوء بالكثير من ذلك دون اليسير. وقال بعض أصحابنا: فيه رواية أخرى، أن اليسير ينقض. ولا نعرف هذه الرواية، ولم يذكرها الخلال في "جامعه" إلا في القلس، واطرحها. وقال القاضي: لا ينقض، رواية واحدة. وهو المشهور عن الصحابة، رضي الله عنهم. قال ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشا فعليه الإعادة. وابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، وصلى، ولم يتوضأ. قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه، وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه، وابن عمر عصر بثرة، وابن أبى أوفى عصر دملا، وابن عباس قال: إذا كان فاحشا، وجابر أدخل أصابعه في أنفه، وابن المسيب أدخل أصابعه العشرة في أنفه، وأخرجها متلطخة بالدم. يعنى: وهو في الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إذا سال الدم، ففيه الوضوء، وإن وقف على رأس الجرح، لم يجب؛ لعموم قوله عليه السلام: "من قاء أو رعف في صلاته فليتوضأ". ولنا، ما روينا عن الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا. وقد روى الدارقطني، بإسناده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ليس الوضوء من القطرة والقطرتين". وحديثهم لا تعرف صحته، ولم يذكره أصحاب السنن، وقد تركوا العمل به، فإنهم قالوا: إذا كان دون ملء الفم، لم يجب الوضوء منه.فصل: وظاهر مذهب أحمد أن الكثير الذي ينقض الوضوء لا حد له أكثر من أنه يكون فاحشا. وقيل: يا أبا عبد الله، ما قدر الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك. [وقيل له: مثل أي شيء يكون الفاحش؟ [قال] قال ابن عباس: ما فحش في قلبك]. وقد نقل عنه أنه سئل: كم الكثير؟ فقال: شبر في شبر. وفي موضع قال: قدر الكف فاحش. وفي موضع قال: الذي يوجب الوضوء من ذلك إذا كان مقدار ما يرفعه الإنسان بأصابعه الخمس من القيح والصديد والقيء، فلا بأس به. فقيل له: إن كان مقدار عشرة أصابع؟ فرآه كثيرا. قال الخلال: والذي استقر عليه قوله في الفاحش، أنه على قدر ما يستفحشه كل إنسان في نفسه. قال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس، لا المتبذلين، ولا الموسوسين، كما رجعنا في يسير اللقطة الذي لا يجب تعريفه إلى ما لا تتبعه نفوس أوساط الناس. ونص أحمد في هذا كما حكيناه، وذهب إلى قول ابن عباس، رضى الله عنه.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٦/٢٧٥:٢٨١)
الفصل السادس:
في طهارة رطوبة الفرج:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الطهارة.
• كل حيوان بوله طاهر، فرطوبة فرجه طاهرة من باب أولى.
• كل حيوان نجس الذات فرطوبة فرجه نجسة؛ لاختلاطها بالنجاسة.
• بقي النظر في الحيوان الطاهر إذا كان بوله نجسا، فهل يقال: رطوبة الفرج تبع لذاته، وذاته طاهرة، أو يقال: رطوبة الفرج تبع لبوله، وبوله نجس، فهي نجسة، والصحيح الأول؛ لأن ذلك هو الأصل حتى يقوم دليل على النجاسة.
• لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته، وكونها تفرك المني بعد تلوثها برطوبة فرج المرأة دليل على طهارتها.
[م-٥١٥] اختلف العلماء في رطوبة فرج الحيوان:
فإن كانت رطوبة الفرج من حيوان نجس، فهي نجسة تبعا لذات الحيوان.
وإن كانت رطوبة الفرج من حيوان طاهر، فهي قسمان:
أن تكون الرطوبة من ظاهر الفرج، فهي طاهرة.
وقد نقل الإجماع على طهارتها ابن عابدين في حاشيته، فقال: وأما رطوبة الفرج الخارج، فطاهرة اتفاقا.
وقال أيضا: مطلب في رطوبة الفرج، قوله: (الفرج): أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة اتفاقا.
ولأن رطوبة الفرج الظاهرة بمنزلة رطوبة الأنف والفم والعرق الخارج من البدن.
وإن كانت من باطن الفرج ففيها خلاف بين أهل العلم، فقيل: إن رطوبة الفرج طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقول في مذهب الشافعية، رجحه النووي وغيره، والمشهور من مذهب الحنابلة، رجحه ابن قدامة.
وقيل: إن رطوبة الفرج نجسة، اختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
وقيل: إن رطوبة الفرج إن كانت من مباح الأكل فطاهرة، وإن كانت من غيره كالآدمي فنجسة، وهو المشهور من مذهب المالكية.
وقيل: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس، وإلا فطاهر، اختاره القاضي من الحنابلة.
• دليل من قال بطهارة رطوبة الفرج:
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي للنجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة، ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لنقل إلينا تحرز الرسول صلى الله عليه وسلم من إصابة الرطوبة لثيابه، ولنقل إلينا غسله ما أصابه منها، ولجاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالتحرز منها، والتطهر منها إذا لحق الثوب شيء من ذلك، فلما لم يأت شيء من هذا علم أن الرطوبة طاهرة.
الدليل الثاني:
قال ابن مفلح الصغير: كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون، وهو يصيب الرطوبة، ولأنه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه.
وقال ابن قدامة: لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته.
الدليل الثالث:
القول بنجاسة رطوبة فرج المرأة فيه حرج شديد، لأن في التحرز منه مشقة كبيرة، أكثر من المشقة في التحرز من ولوغ الهرة ونحوها، فلو كانت الرطوبة نجسة العين لخفف ذلك من أجل المشقة، فكيف والأدلة على نجاستها ليست صريحة في الباب.
• دليل من قال: رطوبة الفرج نجسة:
الدليل الأول:
(١١٥٧ - ١٢٨) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال أخبرني: أبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل. قال: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي. ورواه مسلم بنحوه.
قال ابن حجر: قوله: «(يغسل ما مس المرأة منه) أي يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها».
الدليل الثاني:
(١١٥٨ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره.
قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت عن ذلك عليا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، فأمروه بذلك.
وجه الاستدلال:
قال النووي: هذان الحديثان (يعني: حديث أبي بن كعب وعثمان) في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل. وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج.
• واعترض على هذا التوجيه بجوابين:
الأول: قالوا: إن غسل الذكر من الجماع مستحب، وليس بواجب.
الثاني: قالوا: إن الوضوء، وغسل الذكر عند الإكسال منسوخان بأحاديث إيجاب الغسل، فالحكم الشرعي الأول في أول الإسلام كان في الإيلاج واجبان: الوضوء، وغسل الذكر.
والحكم المتأخر: هو إيجاب غسل البدن، فنسخ الحكم الأول برمته، واستقر الحكم الثاني.
والحقيقة أن كلام النووي عندي أقوى، وعند التأمل ليس فيه نسخ للحكم الأول، بل زيادة عليه.
فمن وجب عليه غسل بدنه كله فقد غسل في ذلك ذكره ضمنا من باب أولى، فلم ينسخ الحكم بغسل العضو.
ومن وجب عليه الغسل دخل في ذلك الوضوء، فالوضوء وغسل الذكر دخلا تبعا لوجوب الغسل.
لكن لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) ولفظ البخاري (يغسل ما مس المرأة منه).
فالمغسول في اللفظ الأول يختلف عن المغسول في اللفظ الثاني، فالمغسول في قوله: (يغسل ما أصابه من المرأة) هو رطوبة فرج المرأة، سواء على العضو أو على البدن أو عليهما.
والمغسول في لفظ البخاري (يغسل ما مس المرأة منه) هو ذكره؛ لأنه هو الذي مس المرأة منه.
فإن أخذنا بلفظ البخاري، وهو غسل الذكر فلم ينسخ؛ لأنه داخل في وجوب غسل البدن.
وإن أخذنا لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) فهل نسخ هذا الحكم أم لا؟ الأولى والله أعلم حمل لفظ مسلم على لفظ البخاري، وأن المقصود من اللفظين غسل الذكر، لا سيما أنه ورد في الصحيحين اللفظ الصريح في ذلك، قال: (في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل، قال: يغسل ذكره ويتوضأ).
الدليل الثالث:
أن هذه الرطوبة في الفرج، ولا يخلق منها الولد، فأشبهت المذي.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٢/٢٦٠)
رطوبة فرج المرأة:
٢ - اختلف الفقهاء في طهارة رطوبة فرج المرأة فذهب أبو حنيفة والحنابلة إلى طهارتها، ومن ثم فإن رطوبة الولد عند الولادة طاهرة.
ومحل الطهارة عند الحنفية إذا لم يكن دم، ولم يخالط رطوبة الفرج مذي أو مني من الرجل، أو المرأة.
وذهب المالكية وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى نجاسة رطوبة الفرج، ويترتب على نجاسة رطوبة الفرج تنجيس ذكر الواطئ أو ما يدخل من خرقة أو أصبع.
وقسم الشافعية رطوبة الفرج إلى ثلاثة أقسام: طاهرة قطعا، وهي ما تكون في المحل الذي يظهر عند جلوس المرأة، وهو الذي يجب غسله في الغسل والاستنجاء، ونجسة قطعا وهي الرطوبة الخارجة من باطن الفرج، وهو ما وراء ذكر المجامع، وطاهرة على الأصح وهي ما يصله ذكر المجامع.
المغني -ابن قدامة- (١/٤٩١:٤٩٢)
فصل: وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان:
أحدهما، أنه نجس؛ لأنه في الفرج لا يخلق منه الولد، أشبه المذي.
والثاني، طهارته؛ لأن عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو من جماع، فإنه ما احتلم نبي قط، وهو يلاقي رطوبة الفرج، ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته. وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس؛ لأنه لا يسلم من المذي، وهو نجس. ولا يصح هذا التعليل، فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي، كحال الاحتلام.
المجموع شرح المهذب -النووي- (١/٥٧٠:٥٧١)
رطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق فلهذا اختلف فيها، ثم إن المصنف رحمه الله رجح هنا وفي التنبيه النجاسة ورجحه أيضا البندنيجي: وقال البغوي والرافعي وغيرهما: الأصح الطهارة، وقال صاحب الحاوي في باب ما يوجب الغسل نص الشافعي رحمه الله في بعض كتبه على طهارة رطوبة الفرج، وحكي التنجيس عن ابن سريج فحصل في المسألة قولان منصوصان للشافعي، أحدهما ما نقله المصنف، والآخر نقله صاحب الحاوي، والأصح طهارتها ويستدل للنجاسة أيضا بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: (أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن قال عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره قال عثمان سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري ومسلم زاد البخاري، فسأل علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك: وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: أنه قال: (يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي) رواه البخاري ومسلم وهذان الحديثان في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل، وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج والقائل الآخر يحمله على الاستحباب، لكن مطلق الأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء والله أعلم. وقول المصنف رطوبة فرج المرأة فيه نقص والأحسن رطوبة الفرج فإنه لا فرق بين رطوبة فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر كما سبق والله أعلم.
نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة. كما في موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٧٩٣:٨٠٠)
الفصل السابع في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة.
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل حدث ينقض الطهارة في الصلاة ينقضها خارج الصلاة، وما لا يعتبر حدثا في غير الصلاة لا يعتبر حدثا فيها.
• الأصل بقاء الطهارة حتى يرد دليل صحيح صريح على بطلان الطهارة.
[م-٢١٣] القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء اتفاقا، وأما في الصلاة، فقد اختلف العلماء، فقيل: تنقض الوضوء في الصلاة إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وهو مذهب الحنفية.
الدليل الثاني:
(٤٨٩ - ٣٤٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، أخبرنا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك منكم في صلاته فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة.
[منكر، والمعروف عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر خلافه].
الدليل الثالث:
(٤٩٠ - ٣٤٤) ما رواه الدارقطني من طريق الحسن بن قتيبة ومن طريق إسماعيل ابن عياش، كلاهما عن عمر بن قيس، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة.
وقال الحسن بن قتيبة: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة.
[ضعيف جدا].
* الدليل الرابع:
(٤٩١ - ٣٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة.
[ضعيف جدا].
وفي الباب أحاديث شديدة الضعف، تركتها اقتصارا واختصارا.
• دليل الجمهور على عدم النقض بالقهقهة.
* الدليل الأول:
(٤٩٢ - ٣٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء.
[صحيح].
* الدليل الثاني:
من تطهر فالأصل بقاء الطهارة حتى يأتي دليل صحيح صريح على بطلان طهارته، ولم يوجد.
* الدليل الثالث:
إذا كانت القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الطهارة، لم تنقض الطهارة داخل الصلاة.
الدليل الرابع:
الكلام ممنوع في الصلاة، ومع ذلك لا ينقض الطهارة ولو تعمده الإنسان بطلت صلاته دون طهارته، فكذلك القهقهة فهي من جنس الكلام، بل إذا كان القذف داخل الصلاة لا يبطل الطهارة، مع أنه من كبائر الذنوب فالقهقهة من باب أولى.
• الراجح من الخلاف:
القول بالنقض من القهقهة قول ضعيف جدا أثرا ونظرا،
أما الأثر فإن مدارها على أحاديث إما مرسلة، وإما شديدة الضعف.
وأما النظر، فإن القهقهة كما أنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة، والله أعلم.
نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة. كما في موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٣٦٦:٣٦٧)
القهقهة في غير الصلاة لا تنقض الوضوء بإجماع أهل العلم.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءا".
الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: "وأما القهقهة فإن كانت في غير الصلاة لم ينتقض الوضوء إجماعا".
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "قياسا على ما أجمع عليه من أن الضحك لا ينقص الوضوء في غير الصلاة، فكذلك لا يجب أن ينقضه في الصلاة، ولكنهم لا يطردون القياس".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الضحك إذا لم يكن فيه قهقهة لا يبطل الوضوء، وعلى أن القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء".
الزيلعي (٧٦٢ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء".
العبادي (٨٠٠ هـ) حيث نقل عنه ابن نجيم أنه حكى الإجماع في المسألة
الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول عن ما لا ينقض الوضوء: "ومنها قهقهة بصلاة، خلافا لأبي حنيفة، وبغيرها اتفاقا".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة.
• مستند الإجماع:
١ - حديث جابر -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء".
وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث بالمطابقة.
٢ - أن الضحك لو كان ناقضا، لنقض في الصلاة وغيرها كالحدث؛ لأنها صلاة شرعية؛ فلم ينقض الضحك فيها الوضوء.
• الخلاف في المسألة: نقد ابن نجيم حكاية الإجماع في المسألة وقال: "فيه نظر"، ونقده بأن في المسألة ثلاثة أقوال، ونقل عن سلمة بن شداد أنه قال بنقض الوضوء دون الصلاة بالقهقهة.
ونقل قولا آخر: أن القهقهة تنقض الوضوء والصلاة.
ثم قال: "إلا أن يقال: لما كان القولان الأخيران ضعيفين كانا كالعدم".
ولكن بعد التأمل يظهر أن مسار المسألة التي ذكرها ابن نجيم مختلف؛ فهو يتحدث فيما إذا قهقه في أثناء الصلاة، وهذا قد استثنيناه في العنوان.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة. كما في موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٧/١٢٠)
القهقهة في الصلاة:
١٥ - جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة -لا يعتبرون القهقهة من الأحداث مطلقا، فلا ينتقض الوضوء بها أصلا ولا يجعلون فيها وضوءا، لأنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة فلا تنقضه داخلها، ولأنها ليست خارجا نجسا، بل هي صوت كالكلام والبكاء.
وذكر الحنفية في الأحداث التي تنقض الوضوء القهقهة في الصلاة إذا حدثت من مصل بالغ يقظان في صلاة كاملة ذات ركوع وسجود، سواء أكان متوضئا أم متيمما أم مغتسلا في الصحيح، وسواء أكانت القهقهة عمدا أم سهوا، لقوله صلى الله عليه وسلم: من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة معا.
والقهقهة ما يكون مسموعا لجيرانه، والضحك ما يسمعه هو دون جيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه ولو بدت أسنانه. قالوا: القهقهة تنقض الوضوء وتبطل الصلاة معا، والضحك يبطل الصلاة خاصة، والتبسم لا يبطل شيئا.
وعلى ذلك فلا يبطل وضوء صبي ونائم بالقهقهة في الصلاة على الأصح عند الحنفية، كما لا ينقض وضوء من قهقه خارج الصلاة، أو من كان في صلاة غير كاملة، كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
ثم قيل: إن القهقهة من الأحداث عندهم، وقيل: لا بل وجب الوضوء بها عقوبة وزجرا، لأن المقصود بالصلاة إظهار الخشوع والخضوع والتعظيم لله تعالى، والقهقهة تنافي ذلك فناسب انتقاض وضوئه زجرا له.
والراجح أنها ليست حدثا وإلا لاستوى فيها جميع الأحوال مع أنها مخصوصة بأن تكون في الصلاة الكاملة من مصل بالغ.
قال ابن عابدين: ورجح في البحر القول الثاني لموافقته القياس، لأنها ليست خارجا نجسا بل هي صوت كالكلام والبكاء، ولموافقته للأحاديث المروية فيها، إذ ليس فيها إلا الأمر بإعادة الوضوء والصلاة ولا يلزم منه كونها حدثا.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٨١٦:٨١٩)
الفصل العاشر في نقض الوضوء بالشك
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا استيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين استصحابا للطهارة، وعملا بالأصل، لا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما، أو يتساوى الأمران عنده.
• من تيقن الوضوء وشك في الحدث تجاذبه أصلان:
أحدهما: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنه لا ينتقل عن الأصل الذي هو بقاء الطهارة إلا بيقين، وعليه فلا يجب الوضوء على من شك في الحدث.
والأصل الثاني: أن الشك في الشرط وهو الطهارة يوجب الشك في المشروط وهو الصلاة.
وقيل:
• الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، فالشك في الحدث يوجب الشك في الوضوء.
[م-٢١٦] إذا توضأ، ثم شك هل أحدث، فهل ينتقض وضوؤه؟
فقيل: لا ينتقض، بل يبني على اليقين مطلقا، سواء كان في صلاة أم في غيرها، وهو مذهب الجمهور، ورواية ابن نافع، عن مالك.
وقيل: ينقض مطلقا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.
وقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية، ونسب هذا القول للحسن رحمه الله.
• دليل الجمهور على عدم النقض:
الأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة، منها.
(٤٩٨ - ٣٥٢) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، ورواه مسلم.
• دليل من قال يجب الوضوء بالشك إلا أن يكون في صلاة:
قالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الطهارة أو الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه.
• وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة:
فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث، (٤٩٩ - ٣٥٣) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، ورواه مسلم.
فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.
قال الدسوقي في حاشيته: «من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة».
وتعليل آخر: قالوا: قياسا على النوم، فإن وجوب الوضوء من النوم لوجود الشك في الحدث، فكذلك إذا شك في الحدث بدون نوم فإنه يوجب الوضوء.
قال ابن حجر تعليقا على ذلك: إن كان ناقضا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض.
• الراجح من القولين:
بعد استعراض الأدلة يتبين لنا والله أعلم أن قول الجمهور أقوى، لأن الشك لا يقضي على اليقين، وأن الأصل استصحاب المتيقن حتى ينتقل عنه إما بيقين أو بغلبة ظن، وأما الشك الذي هو استواء الطرفين، فإنه لا يقضي على اليقين، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٦/١٩٢:١٩٣)
الشك في الطهارة:
١٤ - أجمع الفقهاء على أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة يحب عليه الوضوء، وإعادة الصلاة إن صلى لأن الذمة مشغولة فلا تبرأ إلا بيقين، فإن تيقن الطهارة وشك في الحدث فلا وضوء عليه عند جمهور الفقهاء لأن الوضوء لا ينقض بالشك عندهم لحديث عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
وقال المالكية -في المشهور من المذهب-: من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فعليه الوضوء وجوبا -وقيل: استحبابا- لما تقرر من أن الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، إلا أن يكون مستنكحا، وعلى هذا يحمل الحديث.
وذكر الفقهاء في هذا الباب أيضا أن من تيقن الطهارة والحدث معا وشك في السابق منهما فعليه أن يعمل بضد ما قبلهما: فإن كان قبل ذلك محدثا فهو الآن متطهر؛ لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك في انتقاضها، حيث لا يدري هل الحدث الثاني قبلها أو بعدها؟ وإن كان متطهرا وكان يعتاد التجديد فهو الآن محدث لأنه متيقن حدثا بعد تلك الطهارة وشك في زواله حيث لا يدري هل الطهارة الثانية متأخرة عنه أم لا؟
قال ابن عبد البر: مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي ومن سلك سبيله البناء على الأصل حدثا كان أو طهارة، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق وأبي ثور والطبري، وقال مالك: إن عرض له ذلك كثيرا فهو على وضوئه، وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث وشك في الوضوء فإن شكه لا يفيد فائدة وأن عليه الوضوء فرضا وهذا يدل على أن الشك عندهم ملغى، وأن العمل عندهم على اليقين، وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره وقف عليه.
ومن هذا القبيل ما جاء عن الفقهاء من أن المرأة إذا رأت دم الحيض ولم تدر وقت حصوله فإن حكمها حكم من رأى منيا في ثوبه ولم يعلم وقت حصوله، أي عليها أن تغتسل وتعيد الصلاة من آخر نومة، وهذا أقل الأقوال تعقيدا وأكثرها وضوحا. وضابطه ما قاله ابن قدامة من أن حكم الحيض المشكوك فيه كحكم الحيض المتيقن في ترك العبادات.
والمراد بالشك -في هذا الموضع- مطلق التردد -كما سبق في مفهومه عند الفقهاء سواء أكان على السواء أم كان أحد طرفيه أرجح.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (١/٣٧٣:٣٧٤)
اليقين بالحدث والشك في الطهارة يوجب الوضوء:
إذا أحدث المتوضئ وتيقن من ذلك، ثم شك أنه متوضئ، فإنه لا يكون متوضأ بالإجماع.
• من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: "وأما إذا تيقن الحدث وشك بعده في الوضوء؛ فإنه يبني على اليقين ويتوضأ، ولا يأخذ بالشك إجماعا".
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء، أو أيقن أنه لم يتوضأ؛ فإن الوضوء عليه واجب".
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء أن شكه لا يفيد فائدة، وأن الوضوء واجب عليه". ونقله عنه المواق.
ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "فإن تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في إتمامها؛ فلا خلاف بين الأمة أنه يجب عليه الوضوء إجماعا".
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "إذا تيقن الحدث، وشك هل تطهر أم لا؛ فيلزمه الوضوء بالإجماع".
وقال أيضا: "وأما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين". ونقله عنه الشوكاني، والمباركفوري.
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: "أما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فهو محدث يلغي الشك ويبني على اليقين، لا نعلم في ذلك خلافا".
ابن الملقن (٨٠٤ هـ) حيث يقول: "لو تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ فهو محدث بالإجماع".
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحا لكلام الماتن: "بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين"، قال: "لأن الحدث إذا يقين، فلزم ما تيقن، ولغا المشكوك بإجماع المسلمين".
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية.
• مستند الإجماع:
١ - حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني -رضي الله عنه-، قال: "شكي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا".
• وجه الدلالة: حيث نهى الشاك أن ينصرف حتى يتيقن أنه أحدث، فيبني على اليقين ويترك الشك، وهكذا في مسألتنا، فإذا تيقن الحدث، يكون محدثا حتى يتيقن من الضد، والله تعالى أعلم.
٢ - قاعدة اليقين لا يزول بالشك، هذه القاعدة الكلية، وكل الأدلة المثبتة لها تدل على مسألتنا.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والله تعالى أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٨/١٠٨:١٠٩)
المضمضة بعد الطعام:
٩ - المضمضة مستحبة بعد الفراغ من الطعام، لما روى سويد بن النعمان رضي الله عنهما أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- صلى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري -أي بل بالماء لما لحقه من اليبس- فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.
وفي الحديث دليل على استحباب المضمضة بعد الطعام، ففائدة المضمضة قبل الدخول في الصلاة من أكل السويق، وإن كان لا دسم له أن تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة.
وكذلك تستحب المضمضة بعد شرب اللبن لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم العلة في المضمضة من اللبن فيدل على استحبابها من كل شيء دسم.
وقال ابن مفلح: تسن المضمضة من شرب اللبن، لأنه صلى الله عليه وسلم تمضمض بعده بماء، وقال: "إن له دسما"، وشيب له بماء فشرب، ثم قال ابن مفلح: ذكر بعض متأخري أصحابنا ما ذكره بعض الأطباء من أن الإكثار منه يضر بالأسنان واللثة، ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء، ثم ذكر الخبر أنه عليه الصلاة والسلام تمضمض وقال: "إن له دسما".
وقال النووي: قال العلماء: تستحب من غير اللبن من المأكول والمشروب، لئلا يبقى منه بقايا يبتلعها في الصلاة.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٥٥٩:٥٦١)
المبحث السادس في الخارج النادر من السبيلين:
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• هل المعتبر في الحدث المحل: القبل والدبر، فينقض كل ما خرج من السبيلين ولو كان طاهرا، أو المعتبر النجس، فينقض كل نجس خرج، ولو من غير السبيلين إذا كان فاحشا، أو المعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج؟ والأول أقواها.
[م-١٨٣] سبق لنا أن تكلمنا على الخارج من السبيلين إذا كان معتادا، كالبول والغائط، والمذي، والودي ونحوها، وسوف نتكلم في هذا المبحث إذا كان الخارج غير معتاد، كالحصى، والدود، والريح من القبل، ونحوها، فهل يعتبر خروجها حدثا ناقضا للوضوء، أو لا يعتبر؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: خروج الشيء النادر من السبيلين يعتبر ناقضا للوضوء، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، إلا ريح القبل فلا تنقض الوضوء عند الحنفية؛ لأنها اختلاج لا ريح عندهم.
وقيل: لا ينقض إلا ما كان معتادا، وهو مذهب المالكية.
• وسبب اختلافهم في هذه المسألة:
ذكر ابن رشد سبب الاختلاف، وأسوقه مع تصرف يسير:
يرجع الاختلاف في هذه المسألة إلى أن من الفقهاء من اعتبر في نقض الوضوء الخارج وحده من أي موضع خرج، وعلى أي جهة خرج، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم والرعاف والقيء.
واعتبر قوم المخرجين: الذكر والدبر، فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء، من أي شيء خرج من دم، أو حصى أو بلغم، وعلى أي وجه خرج، سواء كان خروجه على وجه الصحة أو المرض.
وفريق اعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول والغائط والمذي والودي والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم والحصاة والدود وضوء، ولا في السلس كذلك، والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي، لظاهر الكتاب ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات:
أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك رحمه الله.
الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، فيكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس.
الاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين.
قلت: الذي يظهر أن الاعتبار بالمخرج لا بالنجاسة؛ لأن الريح طاهرة، وإذا خرجت من الدبر كانت حدثا، وإذا خرجت من الفم لم تكن ناقضة، وليس الاعتبار بكونه معتادا، فهذا الودي نادر غير معتاد، وقد يكون دالا على اعتلال، ومع ذلك ينقض الوضوء حتى على مذهب مالك رحمه الله، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٣/٢٠٠)
واختلفوا في نقضه إذا خرج من قبل المرأة أو من ذكر الرجل.
فذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن خروج الريح من قبل المرأة أو ذكر الرجل ناقض للطهارة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا وضوء إلا من صوت أو ريح.
وقال الحنفية والمالكية: إن الريح الخارج من القبل أو الذكر ليس بناقض، لأنها لا تنبعث عن محل النجاسة فهو كالجشاء. وهو قول عند الحنابلة.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٢/٦٨١:٦٨٦)
المبحث الثالث في مس المرأة ذكر الرجل أو العكس ومس فرج الصغير:
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• نقض الوضوء من مس الذكر، هل هو تعبدي فلا ينقض إلا وضوء اللامس إذا قام بمس ذكره كما هو ظاهر النصوص، وأما الملموس ذكره فلا ينتقض وضوءه، فهو بمنزلة ما لو مس ذكره بغير يده، أو أن مس الذكر معقول المعنى في كون المس مظنة للحدث، فينقض اللمس سواء كان لامسًا أو ملموسًا؟
• الملموس ذكره يجري على قواعد النقض ب مس الذكر في حق الملموس، وفي حق اللامس يجري على قواعد النقض بالملامسة، والذكر في حقه كسائر البدن.
• لو كانت العلة مظنة خروج الحدث لكان انتشار الذكر بشهوة موجبًا للوضوء، ولكان مس الذكر بشهوة، ولو من وراء حائل موجبًا له؛ لأنه مظنة لخروج شيء من الفرج، والوقوف عند النص ما دام أن العلة ليست معقولة هو الاحتياط.
• العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص النصوص الشرعية أو تقييدها؛ لأنها علة مظنونة قد تكون هي العلة وقد تكون العلة غيرها.
اختلف العلماء في ذلك، فقيل: لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: ينقض مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.
وقيل: حكم مس الفرج من الغير حكم مس الأجنبي، فإن كان مسه بشهوة انتقض وإن مسه بغير شهوة لم ينتقض، وهو مذهب المالكية، إلا أنهم اختلفوا في مس فرج الصغير إذا التذ بلمسه على قولين.
• دليل من قال: لا ينقض مطلقًا:
* الدليل الأول:
قالوا: الأصل بقاء الطهارة، فلا تنتقض طهارة مجمع عليها إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا.
* الدليل الثاني:
كل دليل استدل به الحنفية على عدم الوضوء من مس الفرج، يستدلون به هنا، كحديث طلق بن علي وغيره من الأدلة، وقد سقناها في مسألة مستقلة فارجع إليها.
* الدليل الثالث:
على التنزل والأخذ بحديث بسرة ونحوه مما يدل على وجوب الوضوء من مس الذكر، فإن لفظ الأحاديث الواردة (من مس ذكره فليتوضأ) (أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) فالنصوص وردت في فرج نفسه، لا في فرج غيره، والعلة غير معقولة المعنى فلا يصح قياس غيره عليه.
* الدليل الرابع:
(٤٤٩ - ٣٠٣) ما رواه البيهقي من طريق يعقوب أبي العباس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمران، حدثني أبي، حدثني ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ عليه، فرفع عن قميصه، وقبل زبيبته.
[ضعيف].
وأجيب:
بأن الحديث على ضعفه ليس فيه شاهد لمسألتنا، قال الحافظ في التلخيص: «وإذا تقرر أنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى عقب ذلك، فلا يستدل به على عدم النقض، نعم يستدل به على جواز مس فرج الصغير ورؤيته».
• دليل من قال بالنقض مطلقًا:
* الدليل الأول:
(٤٥٠ - ٣٠٤) ما رواه عبد الرزاق، ومن طريقه الطحاوي، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: تذاكر هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان:
حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء من مس الفرج، فكأن عروة لم يقنع بالحديث، فأرسل مروان إليها شرطيًا، فرجع فأخبرهم، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء من مس الفرج. قال معمر: وأخبرني هشام بن عروة، عن أبيه مثله.
وجه الاستدلال:
قوله في الحديث: (يأمر بالوضوء من مس الفرج) وهذا مطلق، سواء كان فرجه أو فرج غيره، من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حي أو ميت.
• وأجيب:
بأن هذا اللفظ شاذ، والرواية المحفوظ في الحديث (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).
الدليل الثاني:
قال ابن قدامة: إن مس ذكر غيره معصية، وأدعى إلى الشهوة وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه، فبمس ذكر غيره أولى.
قلت: أما كون مس ذكر الغير معصية فليست العلة في النقض كونه معصية، ولذلك لا يجب الوضوء من الكذب والغيبة والنميمة وهي من كبائر الذنوب، ولا يلزم أن يكون مس ذكر الغير معصية كما لو مست المرأة ذكر زوجها، أو طفلها.
وأما كونه مدعاة للشهوة وخروج الخارج، فليست هذه هي العلة أيضًا ولذلك لو مسه بشهوة مع الحائل لم ينتقض وضوؤه مع كونه مدعاة للشهوة وخروج الخارج، وكما لو مسه بغير يده بدون حائل لم ينتقض وضوؤه، فالعلة في النقض من مس الذكر إنما هي تعبدية ليست معقولة المعنى ظاهرًا، والله أعلم.
• دليل من قال: حكم مس الفرج من الغير حكم مس بدن الأجنبية:
سوف يأتي إن شاء الله تعالى ذكر أدلة هذه المسألة في بحث مستقل في حكم مس المرأة بشهوة، ونبين فيها بحوله وقوته الراجح فيها.
• الراجح في هذه المسألة:
الراجح، والله أعلم القول بعدم النقض، واختاره ابن عبد البر، حيث يقول: «والنظر عندي في هذا الباب أن الوضوء لا يجب إلا على من مس ذكره أو فرجه قاصدًا مفضيًا، وأما غير ذلك منه أو من غيره فلا يوجب الظاهر، والأصل أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بإجماع أو سنة ثابتة غير محتملة للتأويل».
وكلامه جيد إلا أن اشتراط القصد قول مرجوح، وقد ناقشنا وجه كونه مرجوحًا فيما تقدم، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٧/١١٨:١١٩)
مس فرج الآدمي:
١٤ - ذكر الشافعية والمالكية وهو رواية عند الحنابلة أن مس فرج الآدمي حدث ينقض الوضوء في الجملة، ولكن اختلفت عباراتهم في الشروط والتفصيل:
فقال المالكية: ينقض الوضوء مطلق مس ذكر الماس البالغ المتصل ولو كان خنثى مشكلا ببطن أو جنب لكف أو إصبع ولو كانت الإصبع زائدة وبها إحساس. ولا يشترط فيه التعمد أو الالتذاذ. أما مس ذكر غيره فيجري على حكم اللمس من تقييده بالقصد أو وجدان اللذة.
وقال الشافعية: الناقض مس قبل الآدمي ذكرا كان أو أنثى من نفسه أو غيره متصلا أو منفصلا ببطن الكف من غير حائل. وكذا (في الجديد) حلقة دبره ولو فرج الميت والصغير ومحل الجب والذكر الأشل وباليد الشلاء على الأصح، لا برأس الأصابع وما بينهما.
وقال الحنابلة في الرواية التي تجعل مسه حدثا: الناقض مس ذكر الآدمي إلى أصول الأنثيين مطلقا سواء أكان الماس ذكرا أم أنثى، صغيرا أو كبيرا بشهوة أو غيرها من نفسه أو غيره، لا مس منقطع ولا محل القطع، ويكون المس ببطن الكف أو بظهره أو بحرفه غير ظفر، من غير حائل، ولو بزائد.
كما ينقض مس حلقة دبر منه أو من غيره، ومس امرأة فرجها الذي بين شفريها أو فرج امرأة أخرى، ومس رجل فرجها ومسها ذكره ولو من غير شهوة.
والدليل على أن مس الفرج حدث ما رواه بسر بن صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر وجب عليه الوضوء" وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ".
ونص الحنفية -وهو رواية أخرى عند الحنابلة أن مس الفرج لا يعتبر من الأحداث فلا ينقض الوضوء، لحديث طلق بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: هل هو إلا بضعة منك.
قال الحنفية: يغسل يده ندبا لحديث من مس ذكره فليتوضأ أي ليغسل يده جمعا بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم هل هو إلا بضعة منك حين سئل عن الرجل ي مس ذكره بعدما يتوضأ وفي رواية في الصلاة.
المغني -ابن قدامة- (١/٢٤٣)
فصل: ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير. وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور. وعن الزهري، والأوزاعي: لا وضوء على من مس ذكر الصغير؛ لأنه يجوز مسه، والنظر إليه، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه قبل زبيبة الحسن، وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مس زبيبة الحسن ولم يتوضأ. ولنا عموم قوله: "من مس الذكر فليتوضأ"، ولأنه ذكر آدمي متصل به، أشبه الكبير، والخبر ليس بثابت. [ثم إن نقض اللمس لا يلزم منه كون القبلة ناقضة]، ثم ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ، فيحتمل أنه لم يتوضأ في مجلسه، وجواز اللمس والنظر يبطل بذكر نفسه.