موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٤/٢٦١:٢٦٢)
اختلف الفقهاء في كيفية التيمم:
أ - فذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين لقوله صلى الله عليه وسلم: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقينب - وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التيمم الواجب ضربة واحدة؛ لحديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: إنما كان يكفيك ضربة واحدة للوجه واليدين (١) واليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع كما في اليد المقطوعة في السرقة. والأكمل عنهم ضربتان وإلى المرفقين كالحنفية والشافعية.
وصورته - عندهم جميعا - في مسح اليدين بالضربة الثانية: أن يمر اليد اليسرى على اليد اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ) ، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك.
والمقصود من التيمم إيصال التراب إلى الوجه واليدين، فبأي صورة حصل استيعاب العضوين بالمسح أجزأه تيممه. سواء احتاج إلى ضربتين أو أكثر، وعلى هذا اتفق الفقهاء.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٥/٢٧١:٢٨٨)
المبحث الأول ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يصح حديث في ذكر ضربتين في صفة التيمم.
• طهارة المسح لا يشرع فيها التكرار إلا في طهارة الاستجمار ثلاثا وإن أنقى بما دونها.
• طهارة المسح مبنية على التخفيف.
[م-٤٤٥] اختلف الفقهاء في كيفية الضرب والمسح،
فقيل: يجب للتيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، و ضربة يمسح بهما يديه إلى المرفقين، هذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والشافعية.
وقيل: التيمم ضربة واحدة، للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وأشهر القولين عن الأوزاعي.
وقيل: ال ضربة الأولى، ومسح اليدين إلى الكوعين فرض في التيمم، وال ضربة الثانية ومسح اليدين إلى المرفقين سنة فيه، وهو المشهور عند المالكية، واختاره القاضي من الحنابلة.
وقيل: يمسح اليدين إلى الآباط، وهو مذهب الزهري رحمه الله تعالى.
وقيل: التيمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه ومرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى، والحسن بن حي. قال ابن عبد البر: وما أعلم قال ذلك غيرهما.
وقيل: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، و ضربة لليدين إلى الكوعين، وهذا أحد القولين عن الأوزاعي، وهو قول في مذهب الحنابلة.
وتقدم القول الأول عنه، أنه ضربة واحدة، للوجه واليدين إلى الكوعين.
هذا تقريبا أهم كل ما قيل من أقوال في المسألة.
والأقوال الشاذة لن نعنى بها، وبذكر أدلتها، وإنما الذي يهمنا في هذا الباب ذكر أدلة أشهر الأقوال، والله أعلم.
• دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه و ضربة لليدين إلى المرفقين:
الدليل الأول:
(١٠٠٠ - ٧٧) ما رواه أبو داود في السنن من طريق محمد بن ثابت العبدي،أخبرنا نافع، قال:
انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر.
[المعروف أنه موقوف على ابن عمر، وقد أنكر رفعه أحمد بن حنبل، والبخاري وأبو داود وأبو زرعة والبيهقي وغيرهم]الدليل الثاني:
(١٠٠١ - ٧٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، وإسماعيل بن علي، وعبد الباقي بن قانع، أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير،
عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، و ضربة لليدين إلى المرفقين[الصواب موقوف، ورفعه شاذ].
الدليل الثالث:
(١٠٠٢ - ٧٩) ما رواه الطحاوي من طريق أبي يوسف، عن الربيع بن بدر، حدثنا أبي، عن جدي،
عن أسلع التميمي، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال لي: يا أسلع قم، فارجل لنا. قلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية التيمم، فقال لي: يا أسلع، قم فتيمم صعيدا طيبا: ضربتين، ضربة لوجهك، و ضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما، فلما انتهينا إلى الماء، قال: يا أسلع قم، فاغتسل.
[حديث منكر، وقصة نزول آية التيمم مشهورة في الصحيحين، حين كان الصحابة في سفر، وقد ضاع عقد لعائشة، فقاموا، وليس معهم ماء، وليسوا على ماء، فنزلت آية التيمم، ولم تنزل الآية لهذه الحادثة].
الدليل الرابع:
(١٠٠٣ - ٨٠) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى بن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد عليه السلام.
[ذكر الذراعين في الحديث ليس بمحفوظ، وقد اختلف على أبي صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث في ذكر هذه الزيادة، والحديث في صحيح البخاري، وليس فيه مسح الذراعين]الدليل الخامس:
(١٠٠٤ - ٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن ابن أبزى،
عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إلى المرفقين.
[إسناده ضعيف، وهو مخالف لما رواه أبان عن قتادة، ومخالف لما كان يفتي به قتادة، ومخالف لما رواه الناس عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار]الدليل السادس:
القياس على الوضوء، وذلك أن الفرض في الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، فكذلك التيمم يجب أن يكون المسح فيه إلى المرفقين.
• ويجاب:
بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدا، وهل هذا النظر إلا مثل نظر عمار ابن ياسر رضي الله عنه حين تمرغ في التراب قياسا على طهارة الماء، فطهارة المسح لا ينبغي أن تقاس على طهارة الغسل، فطهارة المسح المشروع فيها التخفيف.
• دليل من قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) [المائدة: ٦].
فذكر (اليد) وأطلق فلم يقيدها بشيء كما فعل في الوضوء، في قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) [المائدة: ٦]، واليد عند الإطلاق إنما يراد بها الكف، بدليل قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨]، وقد أجمعوا على أن القطع إلى الكوعين، نقل الإجماع ابن عبد البر، فالمسح ينبغي أن يكون إلى الكوعين.
قال ابن عبد البر: «وحجة من رأى التيمم إلى الكوعين جائز، ولم ير بلوغ المرفقين واجبا: ظاهر قوله عز وجل: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى المرفقين: (وما كان ربك نسيا) [مريم: ٣٤]، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد؛ لأنه اليقين، وما عدا ذلك شك، والفرائض لا تجب إلا بيقين، وقد قال الله عز وجل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨]، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع، فكذلك التيمم، إذ لم يذكر فيه المرفقين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه، وكفى بهذا حجة؛ لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجبا لم يدعه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
الدليل الثاني:
(١٠٠٥ - ٨٢) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى،
عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، ورواه مسلم معلقا بنحوه.
وهذا صريح أن المسح ضربة واحدة، وأنه في اليدين إلى الكفين، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، فيجب المصير إليه، وظاهر آية المائدة تؤيده كما سقت ذلك في الدليل الأول.
قال الحافظ ابن حجر: «الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيها مقال ... ».
قلت: وكذلك رواية الآباط لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، وقد سبق تخريجها والتيمم إلى الآباط، قول لا يعرف إلا لابن شهاب رحمه الله تعالى.
فلم يبق من روايات حديث عمار إلا ما ورد في الصحيحين، وأن التيمم للكفين فقط، والله أعلم.
• دليل من قال: التيمم إلى الآباط:
(١٠٠٦ - ٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط.
[الحديث فيه اضطراب كثير]وقد حاول بعض العلماء الإجابة عنه، على احتمال ثبوته بأجوبة منها:
الأول: أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ.
ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وأبو بكر الأثرم وغيرهما من العلماء: أن التيمم إلى الآباط إن كان وقع ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وسلم بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. اهـ
ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد
الثاني: أن يكون ذلك وقع من الصحابة على وجه الاجتهاد قبل معرفتهم للصفة المشروعة من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد البر: «يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام، وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعد بفعل النبي عليه السلام، وأمره بالتيمم إلى المرفقين».
وقال ابن الجوزي: «وحديث عمار: (تيممنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط) ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالوجه والكفين، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم، أنه قال: الوجه والكفين. ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم».
وقال ابن رجب: «وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوهعند نزول الآية لظنهم أن اليد عند الإطلاق تشمل الكفين والذارعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله، وقوله (التيمم للوجه والكفين) فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم، ومنهم عمار راوي الحديث، فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين».
وهذا الجواب لا حاجة إليه مع تضعيف حديث عمار من طريق الزهري، لأنه يبعد كل البعد أن يكون التيمم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في السفر، ثم يتيمم أصحابه رضي الله عنهم دون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة التيمم، مع حرصهم على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدقيق والجليل، وإمكان الرجوع إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم في معرفة تلك الصفة، وعلى فرض أن يكون بعضهم فعل ذلك اجتهادا مع وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان سيعلم ذلك إما من الوحي لمخالفته الصفة المشروعة، وإما من الناس خاصة إذا شاهدوا تيمم الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفا لما فعلوه، وهذا إنما نقوله في المناظرة، وإلا فهو بعيد جدا، ولم يكن الصحابة يجتهدون إلا حيث لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وأما إذا كان معهم فإنه يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فالصواب أن حديث عمار من طريق الزهري حديث مضطرب، وقد بينت اختلاف أصحاب الزهري عليه في إسناده في أول كتاب التيمم، وهذا الذي دفع ابن عبد البر أن يقول: «أحاديث عمار في التيمم كثيرة الاضطراب، وإن كان رواتها ثقات».
قال ابن رجب: «هذا حديث منكر جدا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وروي عن الزهري أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال: أيضا: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه»
• الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط:
قالوا: إن اليد إذا أطلقت يتناول جميع اليد، من رؤوس الأصابع إلى الآباط.
• ويجاب:
هذا يحتاج إلى دليل على أن اليد تطلق على جميع الجارحة، بل الدليل قام من القرآن على خلاف هذا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو بلسان عربي مبين، قال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨]، فأطلق اليد، ولم يفهم منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته الكرام أن القطع يشمل جميع الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الآباط، بل قام الإجماع على أن القطع للكف فقط، وقد نقلته عن ابن
عبد البر في أدلة القول السابق.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن التيمم يقتصر على الوجه والكفين بضربة واحدة هو أقوى الأقوال دليلا، وأسلمها من الاعتراض، فلم يثبت حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفا على بعض الصحابة، وليس في قولهم حجة مع مخالفتهم لحديث عمار المرفوع في الصحيحين، كما لم يثبت حديث مرفوع في أن التيمم ضربتان، والمصير في صفة التيمم إلى آية المائدة، مع حديث عمار بن ياسر، وما خالفهما فهو إما موقوف أو ضعيف، والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (١/٣٢٠:٣٢٣)
مسألة؛ قال: (والتيمم ضربة واحدة)
المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة. فإن تيمم بضربتين جاز. وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة، والكمال ضربتان. والمنصوص ما ذكرناه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: التيمم ضربة واحدة؟ فقال: نعم، ضربة للوجه والكفين، ومن قال ضربتين، فإنما هو شىء زاده. قال الترمذى : وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم؛ منهم: على، وعمار، وابن عباس، وعطاء، والشعبى، ومكحول، والأوزاعى، ومالك، وإسحاق. وقال الشافعى: لا يجزىء التيمم إلا بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين. وروى ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والثورى، وأصحاب الرأى؛ لما روى ابن الصمة، أن النبى -صلى الله عليه وسلم- تيمم، فمسح وجهه وذراعيه. وروى ابن عمر، وجابر، وأبو أمامة، أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". ولأنه بدل يؤتى به في محل مبدله، وكان حده عنهما واحدا كالوجه. ولنا، ما روى عمار، قال: بعثنى النبى -صلى الله عليه وسلم- في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبى -صلى الله عليه وسلم-، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. متفق عليه. ولأنه حكم علق على مطلق اليدين فلم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج، وقد احتج ابن عباس بهذا فقال: إن الله تعالى قال في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}وقال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وكانت السنة في القطع من الكفين، إنما هو الوجه والكفان. يعنى التيمم. وأما أحاديثهم فضعيفة. قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعيفة جدا، ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: ليس بصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، إنما هو عن ابن عمر، وهو عندهم حديث منكر. وقال الخطابى: يرويه محمد بن ثابت، وهو ضعيف. وقال ابن عبد البر: لم يروه غير محمد بن ثابت، وبه يعرف، ومن أجله يضعف عندهم، وهو حديث منكر. وحديث ابن الصمة صحيح، لكن إنما جاء في المتفق عليه: فمسح وجهه ويديه. فيكون حجة لنا؛ لأن ما علق ثم أحاديثهم لا تعارض حديثنا؛ فإنها تدل على جواز التيمم بضربتين، ولا ينفى ذلك جواز التيمم بضربة، كما أن وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثا ثلاثا لا ينفى الإجزاء بمرة واحدة. فإن قيل: فقد روى في حديث عمار: إلى المرفقين. ويحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين. قلنا: أما حديثه إلى المرفقين، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة، وشك فيه، فقال له منصور: ما تقول فيه، فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك، وقال: لا أدرى، أذكر الذراعين، أم لا؟ قال ذلك النسائي. فلا يثبت مع الشك، وقد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات، فكيف يلتفت إلى مثل هذا؟ وهو لو انفرد لم يعول عليه، ولم يحتج به. وأما التأويل فباطل؛ لوجوه: أحدها، أن عمارا الراوى له الحاكى لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أفتى بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في التيمم للوجه والكفين عملا بالحديث. وقد شاهد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والفعل لا احتمال فيه. والثاني، أنه قال ضربة واحدة، وهم يقولون ضربتان. والثالث، أننا لا نعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين. والرابع، أن الجمع بين الخبرين بما ذكرناه من أن كل واحد من الفعلين جائز أقرب من تأويلهم وأسهل، وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب، فإنه ينقص عن المبدل، وكذلك في الوضوء، فإنه في أربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وكذا نقول في الوجه، فإنه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة، ولا المضمضة والاستنشاق. على مطلق اليدين لا يتناول الذراعين. ثم أحاديثهم لا تعارض حديثنا؛ فإنها تدل على جواز التيمم بضربتين، ولا ينفى ذلك جواز التيمم بضربة، كما أن وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثا ثلاثا لا ينفى الإجزاء بمرة واحدة. فإن قيل: فقد روى في حديث عمار: إلى المرفقين. ويحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين. قلنا: أما حديثه إلى المرفقين، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة، وشك فيه، فقال له منصور: ما تقول فيه، فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك، وقال: لا أدرى، أذكر الذراعين، أم لا؟ قال ذلك النسائي. فلا يثبت مع الشك، وقد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات، فكيف يلتفت إلى مثل هذا؟ وهو لو انفرد لم يعول عليه، ولم يحتج به. وأما التأويل فباطل؛ لوجوه: أحدها، أن عمارا الراوى له الحاكى لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أفتى بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في التيمم للوجه والكفين عملا بالحديث. وقد شاهد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والفعل لا احتمال فيه. والثاني، أنه قال ضربة واحدة، وهم يقولون ضربتان. والثالث، أننا لا نعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين. والرابع، أن الجمع بين الخبرين بما ذكرناه من أن كل واحد من الفعلين جائز أقرب من تأويلهم وأسهل، وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب، فإنه ينقص عن المبدل، وكذلك في الوضوء، فإنه في أربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وكذا نقول في الوجه، فإنه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة، ولا المضمضة والاستنشاق.