موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٣٠١:٣٠٢)
الحالة الأولى: انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون:
١٤ - إذا انقطع الدم دون أكثر الحيض أو لأكثره ولم يجاوز ورأت الطهر، طهرت، ويكون الدم بين أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضا، يجب عليها خلاله ما يجب على الحائض، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية
وذهب الحنابلة إلى أن الدم إن جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز لأنه مشكوك فيه، بل تغتسل عقب أقل الحيض وتصوم وتصلي فيما جاوزه، لأن المانع منهما هو الحيض وقد حكم بانقطاعه، وهو آخر الحيض حكما، أشبه آخره حسا. وقد صرحوا بحرمة وطئها في الزمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره، لأن الظاهر أنه حيض، وإنما أمرت بالعبادة احتياطا لبراءة ذمتها، فتعين ترك وطئها احتياطا. ثم إنه متى انقطع الدم يوما فأكثر أو أقل قبل مجاوزة أكثر الحيض، اغتسلت عند انقطاعه، لاحتمال أن يكون آخر حيضها، ولا تطهر بيقين إلا بالغسل ثم حكمها حكم الطاهرات، فإن عاد الدم فكما لو لم ينقطع على ما تقدم تفصيله.
هذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة وهو المعتمد. وعندهم رواية توافق ما ذهب إليه الجمهورالحالة الثانية: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض:
١٥ - اختلف الفقهاء فيما إذا استمر دم المبتدأة وجاوز أكثر الحيض، فذهب الحنفية والمالكية إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض وطهرها ما جاوزه. فمذهب الحنفية أن حيضها في كل شهر عشرة، وطهرها عشرون. قالوا: لأن هذا دم في أيام الحيض وأمكن جعله حيضا فيجعل حيضا. وما زاد على العشرة يكون استحاضة لأنه لا مزيد للحيض على العشرة، وهكذا في كل شهر. هذا مذهب الحنفية في الجملة. وقد ذكر البركوي للمبتدأة التي استمر دمها أربعة وجوه سبق تفصيلها في مصطلح (استحاضة) من الموسوعة (٣ ١٩٨) .
والمشهور عند المالكية أنها تمكث خمسة عشر يوما - أكثر فترة الحيض عندهم - أخذا بالأحوط ثم هي مستحاضة
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٣٠٢:٣٠٣)
ب - المعتادة:
ثبوت العادة:
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية وهو الأصح عند الشافعية - إلى أن العادة تثبت بمرة في المبتدأة، لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل فيه .
فالحديث قد دل على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن الظاهر أنها فيه كالذي يليه لقربه إليها فهو أولى مما انقضى. واستدل المالكية على ذلك بقوله تعالى {كما بدأكم تعودون} حيث شبه العود بالبدء فيفيد إطلاق العود على ما فعل مرة واحدة.
وذهب الحنابلة إلى أنها لا تثبت إلا بثلاث مرات في كل شهر مرة، وهو قول عند الشافعية لقول النبي صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيهاوهي صيغة جمع وأقله ثلاث، ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء والشهور في عدة الحرة، وخيار المصراة، ومهلة المرتد. ولأن العادة مأخوذة من المعاودة ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة. ثم إن الدم عندهم إما أن يأتي في الثلاث متساويا أو مختلفا. فإن كان الدم في الثلاث متساويا ابتداء وانتهاء، ولم يختلف تيقن أنه حيض وصار عادة. وإن كان الدم على أعداد مختلفة فما تكون منه ثلاثا صار عادة لها دون ما لم يتكرر مرتبا، كان كخمسة في أول شهر، وستة في شهر ثان، وسبعة في شهر ثالث، فتجلس الخمسة لتكرارها ثلاثا، كما لو لم يختلف. أو غير مرتب كأن ترى في الشهر الأول خمسة، وفي الشهر الثاني أربعة، وفي الشهر الثالث ستة، فتجلس الأربعة لتكررها.
وفي رواية عن أحمد وهو مقابل الأصح عند الشافعية أنها تثبت بمرتين.
وقد نص الحنابلة على أن نقص العادة لا يحتاج إلى تكرار، لأنه رجوع إلى الأصل وهو العدم. فلو نقصت عادتها ثم استحيضت بعده. فإن كانت عادتها عشرة أيام فرأت الدم سبعة ثم استحيضت في الشهر الآخر جلست السبعة لأنها التي استقرت عليها عادتها.
واختلف الحنفية في المعتادة إذا رأت ما يخالف عادتها مرة واحدة، هل يصير ذلك المخالف عادة لها أم لا بد من تكراره؟ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يصير ذلك عادة بمرة واحدة. وذهب محمد إلى أنه لا يصير عادة إلا بتكراره. بيان ذلك لو كانت عادتها خمسة من أول الشهر فرأت ستة فهي حيض اتفاقا، لكن عندهما يصير ذلك عادة، فإذا استمر بها الدم في الشهر الثاني ترد إلى آخر ما رأت، وعند محمد ترد إلى العادة القديمة. ولو رأت الستة مرتين ترد إليها عند الاستمرار اتفاقا.
والخلاف في العادة الأصلية وهي أن ترى دمين متفقين وطهرين متفقين على الولاء أو أكثر لا الجعلية.
أما الجعلية فإنها تنتقض برؤية المخالف مرة بالاتفاق. وصورة الجعلية أن ترى أطهارا مختلفة، ودماء مختلفة فتبني على أوسط الأعداد على قول محمد بن إبراهيم. وعلى الأقل من المرتين الأخيرتين على قول أبي عثمان سعيد بن مزاحم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٣٠٤:٣٠٥)
أحوال المعتادة:
المعتادة إما أن ترى من الدم ما يوافق عادتها. أو ينقطع الدم دون عادتها، أو يجاوز عادتها.
موافقة الدم للعادة:
١٧ - اتفق الفقهاء على أنه إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها بأن انقطع دمها ولم ينقص أو يزد على عادتها، فأيام الدم حيض وما بعدها طهر. فإن كانت عادتها خمسة أيام حيضا. وخمسة وعشرين طهرا ورأت ما يوافق ذلك، فحيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة وعشرون كعادتها.
انقطاع الدم دون العادة:
١٨ - اتفق الفقهاء على أنه إذا انقطع دم المعتادة دون عادتها، فإنها تطهر بذلك ولا تتمم عادتها، بشرط أن لا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض. ومنع الحنفية وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت. قالوا: لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب.
ومذهب الجمهور أنه يجوز وطؤها. وقد صرح الحنابلة بعدم كراهته كسائر الطاهرات
ومتى كان انقطاع الدم دون أقل الحيض - على الخلاف المتقدم فيه - فليس ذلك الدم بحيض في حقها لتبين أنه دم فساد لا حيض ومن ثم فإنها تقضي الصلاة والصوم.
وقد صرح الحنفية بأنها تصلي كلما انقطع الدم، لكن تنتظر إلى آخر الوقت المستحب وجوبا فإن لم يعد في الوقت تتوضأ فتصلي وكذا تصوم إن انقطع ليلا، فإن عاد في الوقت أو بعده في العشرة الأيام بعد الحكم بطهارتها فتقعد عن الصوم والصلاة. والفرق عندهم بين انقطاع الدم قبل العادة وبعد الثلاث - وهو أقل الحيض عندهم - وانقطاعه قبل الثلاث أنها تصلي، بالغسل كلما انقطع قبل العادة وبعد الثلاث لا بالوضوء. لأنه تحقق كونها حائضا برؤية الدم ثلاثة فأكثر، بخلاف انقطاعه قبل الثلاث، فإنها تصلي بالوضوء لأنه تبين أن الدم دم فساد لا دم حيض.
وإن عاد الدم بعد انقطاعه، فمذهب الحنفية أنه يبطل الحكم بطهارتها بشرط أن يعود في مدة أكثر الحيض - عشرة أيام - ولم يتجاوزها. وأن تبقى بعد ذلك طاهرا أقلا الطهر - خمسة عشر يوما - فلو تجاوز أكثر الحيض أو نقص الطهر عن ذلك فحيضها أيام عادتها فقط. ولو اعتادت في الحيض يوما دما ويوما طهرا هكذا إلىعادتها طهرا خالصا ولو أقلا مدة فهي طاهر تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولا يكره وطء الزوج لها بعد الاغتسال، فإن عاودها الدم في أثناء العادة ولم يجاوزها، فإنها تجلس زمن الدم من العادة كما لو لم ينقطع، لأنه صادف زمن العادة
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٣٠٥:٣٠٦)
مجاوزة الدم للعادة:
١٩ - اختلف الفقهاء فيما إذا جاوز دم المعتادة عادتها.
فذهب الحنفية إلى أنه إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها، فإما أن تنتقل عادتها أو لا، فإن لم تنتقل ردت إلى عادتها، فيجعل المرئي فيها حيضا وما جاوز العادة استحاضة، وإن انتقلت فالكل حيض - وسيأتي تفصيل قاعدة انتقال العادة - فإذا استمر دم المعتادة وزاد على أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت فترد إليها فيهما في جميع الأحكام إن كان طهرها أقل من ستة أشهر، فإن كان طهرها ستة أشهر فأكثر فإنه لا يقدر حينئذ بذلك، لأن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل عادة فيرد إلى ستة أشهر إلا ساعة تحقيقا للتفاوت بين طهر الحيض وطهر الحمل وحيضها بحاله. وهذا قول محمد بن إبراهيم الميداني. قال في العناية وغيرها: وعليه الأكثر. وفي التتارخانية: (وعليه الاعتماد، وهناك قول عن محمد أنه مقدر بشهرين واختاره الحاكم) . قال صاحب العناية: قيل والفتوى على قول الحاكم واخترنا قول الميداني لقوة قوله رواية ودراية. قال ابن عابدين: إن ما اختاره الحاكم الشهيد عليه الفتوى، لأنه أيسر على المفتي والنساء ومشى عليه في الدر المختار.
وذهب المالكية إلى أنه إذا تمادى دم الحيض على المعتادة، فإنها تستظهر ثلاثة أيام من أيام الدم الزائد على أكثر عادتها، ثم هي طاهر بشرط أن لا تجاوز خمسة عشر يوما، فإذا اعتادت خمسة أيام أولا، ثم تمادى، مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر، فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر. فإن تمادى في مرة أخرى فلا تزيد على الخمسة عشر. ومن كانت عادتها ثلاثة عشر فتستظهر يومين. ومن عادتها خمسة عشر فلا استظهار عليها، وقاعدة ذلك أن التي أيام عادتها اثنا عشر يوما فدون ذلك تستظهر بثلاثة أيام وثلاثة عشر بيومين، وأربعة عشر بيوم، وخمسة عشر لا تستظهر بشيء. وأما التي عادتها غير ثابتة تحيض في شهر خمسة أيام وفي آخر أقل أو أكثر إذا تمادى بها الدم فإنها تستظهر على أكثر أيامها على المشهور. وقال ابن حبيب تستظهر على أقل العادة. وأيام الاستظهار كأيام الحيض، والدم بعد الاستظهار فيما بين عادتها ونصف شهر استحاضة.
وتغتسل بعد الاستظهار وتصلي وتصوم وتوطأ وإن كان ذلك قبل الخمسة عشر يوما.
وذهب الشافعية إلى أنه إن جاوز الدم عادتها ولم يعبر أكثر الحيض فالجميع حيض، لأن الأصل استمرار الحيض.
والمذهب عند الحنابلة أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن عادتها قبل تكرره، فما تكرر من ذلك ثلاثا أو مرتين على اختلاف في ذلك فهو حيض، وإلا فلا، فتصوم وتصلي قبل التكرار.
وتغتسل عند انقطاعه ثانيا. فإذا تكرر ثلاثا أو مرتين صار عادة فتعيد ما صامته ونحوه من فرض. ويرى ابن قدامة أنها تصير إليه من غير تكرار لقول عائشة رضي الله عنها للنساء: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، ولأن الشارع رد الناس إلى العرف في مثل هذه الحالة والعرف بين النساء أن المرأة متى رأت دما يصلح لأن يكون حيضا اعتقدته حيضا، وإن عبر الدم أكثر الحيض فهو استحاضة.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٣٠٧:٣٠٩)
انتقال العادة:
مذهب الحنفية في انتقال العادة:
٢٠ - إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها في الحيض. فإذا لم يجاوز الدم العشرة الأيام، فالكل حيض، وانتقلت العادة عددا فقط إن طهرت بعده طهرا صحيحا خمسة عشر يوما، وإن جاوز العشرة الأيام ردت إلى عادتها، لأنه صار كالدم المتوالي. وهذا فيما إذا لم تتساو العادة والمخالفة حيث يصير الثاني عادة لها. فإن تساوت العادة والمخالفة فالعدد بحاله، سواء رأت نصابا (ثلاثة أيام) في أيام عادتها، أو قبلها، أو بعدها، أو بعضه في أيامها، وبعضه قبلها أو بعدها، لكن إن وافق زمانا وعددا فلا انتقال أصلا. وإلا فالانتقال ثابت على حسب المخالف.
فإذا جاوز الدم العشرة ووقع نصاب في زمان العادة. فالواقع في زمان العادة فقط حيض والباقي استحاضة. ثم إنه متى كان الواقع في زمان العادة مساويا لعادتها عددا، فالعادة باقية في حق العدد والزمان معا. فإن لم يكن مساويا لعادتها انتقلت العادة عددا إلى ما رأته ناقصا. وإنما قيد بالناقص لأنه لا احتمال لكون الواقع في العادة زائدا عليها.
وإذا جاوز الدم العشرة ولم يقع في زمان العادة نصاب بأن لم تر شيئا، أو رأت أقل من ثلاثة أيام انتقلت العادة زمانا، والعدد بحاله يعتبر من أول ما رأت.
انتقال العادة عند غير الحنفية:
٢١ - صرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن العادة قد تنتقل، فتتقدم أو تتأخر، أو يزيد قدر الحيض أو ينقص. ومن أمثلة انتقال العادة عند المالكية ما إذا تمادى دم المعتادة وزاد على عادتها فإنها تستظهر بثلاثة أيام على عادتها، ويصير الاستظهار عادة لها.
وقد ذكر الشافعية أمثلة كثيرة على انتقال العادة، نذكر منها ما يلي: إذا كانت عادتها الأيام الخمسة الثانية من الشهر، فرأت في بعض الشهور، الأيام الخمسة الأولى دما وانقطع، فقد تقدمت عادتها، ولم يزد حيضها، ولم ينقص ولكن نقص طهرها فصار عشرين بعد أن كان خمسة وعشرين. وإن رأته في الخمسة الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة أو السادسة، فقد تأخرت عادتها، ولم يزد حيضها، ولم ينقص، ولكن زاد طهرها. وإن رأته في الخمسة الثانية مع الثالثة فقد زاد حيضها، وتأخرت عادتها. وإن رأته في الخمسة الأولى والثانية، فقد زاد حيضها وتقدمت عادتها. وإن رأته في الخمسة الأولى والثانية والثالثة فقد زاد حيضها، فصار خمسة عشر وتقدمت عادتها وتأخرت. وإن رأته في أربعة أيام أو ثلاثة، أو يومين، أو يوم من الخمسة المعتادة، فقد نقص حيضها ولم تنتقل عادتها.
وإن رأته في يوم أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة من الخمسة الأولى فقد نقص حيضها وتقدمت عادتها. وإن رأت ذلك في الخمسة الثالثة، أو الرابعة، أو ما بعد ذلك فقد نقص حيضها وتأخرت عادتها.
والأمثلة التي ذكرها الحنابلة في انتقال العادة لا تخرج عن الأمثلة التي ذكرها الشافعية.
وقد صرح الشافعية بأن العمل بالعادة المنتقلة متفق عليه في الجملة عندهم، وانتقال العادة يثبت بمرة في الأصح. وهذا إن كانت متفقة غير مختلفة.
وذهب الحنابلة إلى أن المرأة إذا كانت لها عادة مستقرة في الحيض، فرأت الدم في غير عادتها لم تعتبر ما خرج عن العادة حيضا حتى يتكرر ثلاثا في أكثر الروايات، أو مرتين في رواية. وسواء رأت الدم قبل عادتها أو بعدها، مع بقاء العادة، أو انقطاع الدم فيها، أو في بعضها، فإنها لا تجلس في غير أيامها حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا، فإذا تكرر علمنا أنه حيض متنقل فتصير إليه، أي تترك الصلاة والصوم فيه، ويصير عادة لها، وتترك العادة الأولى. ويجب عليها قضاء ما صامته من الفرض في هذه المرات الثلاث التي أمرناها بالصيام فيها، لأننا تبينا أنها صامته في حيض، والصوم في الحيض غير صحيح. ولا تقضي الصلاة. وقيل: لا حاجة إلى التكرار، وتنتقل بمجرد رؤيتها دما يصلح أن يكون حيضا. فعليه: تجلس ما تراه من الدم قبل عادتها وبعدها ما لم يزد عن أكثر الحيض، ورجحه صاحب المغني. وعلى كل حال فإن تجاوزت الزيادة أكثر الحيض فهي استحاضة ونردها إلى عادتها، ويلزمها قضاء ما تركته من الصلاة والصيام فيما زاد عن عادتها.
وإن كانت لها عادة فرأت الدم أكثر منها وجاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة، وحيضها منه قدر العادة لا غير. ولا تجلس بعد ذلك من الشهور المستقبلة إلا قدر العادة بلا خلاف عند من اعتبر العادةالعادة ضربان: متفقة، ومختلفة.
فالمتفقة ما كانت أياما متساوية، كسبعة من كل شهر، فهذه تجلس أيام عادتها ولا تلتفت إلى ما زاد عليها. والمختلفة هي ما كانت أياما مختلفة، وهي قسمان مرتبة، بأن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. فهذه، إذا استحيضت في شهر وعرفت نوبته عملت عليه. وإن نسيت نوبته جلست الأقل، وهو ثلاثة لأنه المتيقن.
وغير مرتبة: بأن تتقدم هذه مرة، وهذه أخرى كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة. فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف هو، فالتي قبلها، وإن لم يمكن ضبطه ردت إلى ما قبل شهر الاستحاضة عند الشافعية بناء على ثبوت العادة بمرة.
وعند الحنابلة تجلس الأقل في كل شهر
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٤٧:١٥٤)
المبحث الأول في المبتدأة إذا لم يتجاوز دمها أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل دم تراه المرأة فهو حيض حتى يتيقن أنه استحاضة.
- كل دم أطبق على المرأة شهرا كاملا فهو استحاضة.
- إذا كان لا بد من تحديد أكثر الحيض كالنفاس، فما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.
[م-٦٩٧] اختلف العلماء في حكم المبتدأة التي انقطع دمها لأكثر الحيض فما دون:
فقيل: حيض تترك له الصلاة والصيام، ما دام أنه لم يتجاوز أكثر الحيض، على خلاف بينهم في أكثر الحيض.وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
وقيل: تترك الصلاة والصيام يوما وليلة، ثم تغتسل وتصلي، وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا توطأ، فإذا انقطع دمها لأكثر الحيض فما دونه اغتسلت مرة ثانية عند انقطاعه، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فما تكرر ثلاثا فهو عادتها، ووجب عليها إعادة ما صامته فيه من صيام واجب؛ لأنه تبين أنها صامته في زمن الحيض. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلةوقيل: لا تترك الصلاة ولا الصيام حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض، وهذا القول رواية عن محمد بن الحنفية، ووجه لابن سريج من الشافعية
وقيل: تترك الصلاة والصوم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي وتصوم وإن استمر بها الدم، وهو رواية عن أحمد
وقيل: تجلس عادة نسائها كأمها، وعمتها، وخالتها، وهذا القول رواية عن أحمد
وقيل: دم المبتدأة حيض، سواء كان أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوما، ما لم تكن مستحاضة وذلك أن يطبق عليها الدم شهرا كاملا، وهو اختيار ابن تيمية
دليل من قال: لا تصلي ولا تصوم حتى يتجاوز أكثر الحيض:
الدليل الأول:
قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) [البقرة: ٢٢٢].
فالأصل في الدم الذي تراه المرأة أنه أذى، وأنه حيض حتى نتيقن أنه استحاضة.
قال ابن رشد: «ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض، ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض».
الدليل الثاني:
قالوا: لأننا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك الحكم في أثنائه ما دام لم يتجاوز أكثر الحيض، فكل دم في أيام الحيض يمكن أن يجعل حيضا فإنه حيض
الدليل الثالث:
دم الحيض دم جبلة وطبيعة، ودم الاستحاضة دم عارض لمرض عارض، والأصل الصحة والسلامة من المرض الدليل الرابع:
احتمال كونه دم استحاضة، وأنه قد يستمر معها، هذا احتمال وشك، والاحتمال والشك لا يقدم على الأصل.
دليل الحنابلة على التكرار ثلاثا:
الحنابلة يقولون: تجلس أقل الحيض يوما وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريا، ودليلهم على جلوسها أقل الحيض؛ لأن الصلاة واجبة في ذمتها بيقين، وقد شكت في الزائد، فقد يكون حيضا، وقد يكون استحاضة، فلا تترك اليقين بالشك.
وأما كونها تغتسل بعد مضي يوم وليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكما، أشبه آخر حيضها حسا.
وأما كون زوجها لا يطأها؛ لاحتمال أن تكون حائضا، وإنما أوجبنا العبادات احتياطا.
وأما كونها تغتسل وتصلي عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها، فلا تكون طاهرا بيقين إلا بالغسل حينئذ.
وأما كونها تفعل ذلك ثلاثا، فالتعليل فيه أن التكرار اعتبر فيه الثلاث كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، وكالمعتدة في الشهور، وخيار المصراة، ونحوها.
فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد، صار ذلك عادة لتكراره ثلاثا، وإلا فلا لما ذكرنا.
وإن تكرر مختلفا، مثل أن يكون في الشهر عشرة، وفي الثاني اثني عشر، وفي الثالث ثلاثة عشر، فالعشرة متكررة ثلاثا، فهي عادة، وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك.ولو فرضنا أن عادتها أصبحت عشرة أيام، وكانت تصلي وتصوم فيما بين اليوم واليلة وبين العشرة، وتبين لنا بالتكرار أنها أيام حيض، فيجب عليها أن تقضي كل صوم واجب صامت فيه؛ لأنها تبين أنها صامت وهي حائض، فلا يصح الصوم منها، وعلى هذا يلزمها إعادة الصيام مرة أخرى، أما الصلاة فلكونها لا تقضى، لا يجب عليها إعادتها.
هذا ملخص مذهب الحنابلة، وهو من أضعف الأقوال، وفيه حرج ومشقة، وأظن أن هذا المذهب مهجور عمليا، وإن كان هو المشهور من المذهب، ولولا أن هذا الكتاب يعنى بذكر مذهب الأئمة ما عرجت عليه.
قال ابن تيمية: «وهذا القول باطل لوجوه:
أحدها: أن الله تعالى يقول:
(وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) [التوبة: ١٥٠]، فالله تعالى بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام، في زمن الحيض، فكيف يقال: إن في الشريعة شكا مستمرا يحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته، نعم قد يكون شك خاص ببعض الناس، فأما أن يكون شك في نفس الشريعة فهذا باطل.
الثاني: أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد، فالصواب الذي عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه، فلا إعادة عليه»دليل من قال: لا تصلي حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض:
قالوا: لأن رؤية الدم قد يجوز أن تكون حيضا تدع فيه الصلاة، ويجوز أن يكون دم فساد، تلزم فيه الصلاة، فلم يجز إسقاط فرض الصلاة بالشك والتجويزورده الماوردي، فقال: هذا التعليل فاسد من وجهين:
أحدهما: غير المبتدأة إذا بدأت برؤية الدم تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودا.
والثاني: المعتادة إذا تجاوز دمها قدر العادة تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودا. وإذا بطل بهذين ما علل به من هذا التجويز، وجب أن يعتبر الغالب من حالها، وهو أن ما ابتدأت برؤيته حيض
دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط:
هذا القول رواية عن أحمد كما تقدم، وظاهره أنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جاريا، ثم تغتسل عند انقطاعه حتى يتكرر ذلك ثلاثا، ويتبين لها عادة ووقت، على قاعدة الحنابلة في معرفة العادة.
قال ابن قدامة: «روى حرب، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم. كم يوما تجلس؟
قال: إن كان مثلها من النساء من يحضن فإن شاءت جلست ستا أو سبعا حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط جلست يوما واحدا أول مرة حتى يتبين وقتها»
ودليلهم على اعتبار ستة أيام أو سبعة أيام:
(١٥٩٥ - ٥٧) حديث حمنة بنت جحش عند أحمد، وفيه:
فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي والحديث ضعيف. وسيأتي تخريجه في باب الاستحاضة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي وغيرهوفي التمهيد لابن عبد البر: «قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول في الحيض: حديثان، والآخر في نفسي منه شيء.
قال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب.
أحدها: مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار.
والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
والثالث: الذي في قلبه منه شيء، هو حديث حمنة بنت جحش، الذي يرويه ابن عقيل»
وجه من قال: تجلس المبتدأة عادة أمها، وأختها وعمتها وخالتها:
قالوا في تعليل ذلك: إن شبه المرأة بقريباتها أقرب من شبهها بغالب النساء.
قال ابن قدامة: «روى الخلال بإسناده عن عطاء: في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءا، قال: لتنظر قرء أمها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، ولتغتسل وتصل.قال حنبل: قال أبو عبدالله: هذا حسن. واستحسنه جدا».
والراجح قول الجمهور، أنها تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأن الأصل في الدم الذي تراه المرأة قد خرج من رحمها أنه دم حيض، ولا تترك هذا الأصل حتى تتيقن أنه استحاضة؛ ولأن ما خرج من فرج المرأة الأصل فيه أنه أذى، وقد قال سبحانه: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) [البقرة: ٢٢٢].
والأصل السلامة، وأنه دم طبيعة لا دم علة ومرض، لكن إن أطبق الدم على المرأة جميع الشهر، أو تجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يوما علم أنه استحاضة؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وباب الاستحاضة سوف يأتي إن شاء الله في باب مستقل.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٥٥:١٥٧)
المبحث الثاني أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- إذا تجاوز دم المرأة المبتدأة أكثر الحيض فهي مستحاضة.
[م-٦٩٨] إذا تجاوز الدم مع المبتدأة أكثر الحيض، على القول بأن لأكثره حدا، فكم تجلس المرأة وهي ليست لها عادة معلومة.
فقيل: تجلس عشرة أيام. والباقي من الشهر طهر، وهو مذهب الحنفية؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.
وقيل: تجلس خمسة عشر يوما، وهو مذهب المالكية؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.
وتعليلهم:
أن الدم إذا زاد على أكثر الحيض، لا يمكن جعله حيضا، فجعلناه استحاضة.وقيل: لا تخلو المبتدأة إما أن تكون مميزة. أو لا.
فإن كانت غير مميزة، وهي التي بدأ بها الدم على صفة واحدة، ففيها قولان:
الأول: تجلس أقل الحيض؛ لأنه متيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم.
وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع، أو غالب عادة نسائها. وهذا مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.
(١٥٩٦ - ٥٨) لحديث حمنة بنت جحش، وفيه:
تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي.
وإن كانت المبتدأة مميزة، بحيث يكون بعض دمها أسود، وبعضه أحمر، ولم يعبر الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، فالأسود حيضها، والأحمر استحاضة. هذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة
واستدلوا بأحاديث سوف يأتي بسطها ومناقشتها في باب الاستحاضة، إن شاء الله تعالى.
الراجح:
أن الحيض لا بد من تحديد أكثره كالقول في النفاس، وقد قدره جمهور الفقهاء والطب بخمسة عشر يوما، كما قدر الطب وجمهور الفقهاء أقل الطهر بخمسة عشر يوما، والأصل في المرأة أنها تحيض وتطهر في الشهر مرة واحدة، فإذا جاوز المبتدأة دمها أكثر الحيض كانت مستحاضة، وإذا حكمنا باستحاضتها، فماذا تعمل؟ وهي ليس لها عادة. سوف يأتي بسط ذلك في كتاب الاستحاضة.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٥٨)
المبحث الثالث أن ينقطع دم المبتدأة لأدنى من أقل الحيض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- لا حد لأقل الحيض كالنفاس.
[م-٦٩٩] إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
وقيل: يعتبر حيضا، وهو مذهب المالكية.
وسبب الخلاف: خلافهم في أقل الحيض. فمن حد أقل الحيض بزمن معين، وهم الجمهور، قالوا: إذا نقص عن أقله فلا يعتبر حيضا.
أما الذين قالوا: لا حد لأقله، بل تعتبر الدفعة من الدم حيضا، فلا تأتي هذه المسألة على قواعدهم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٦٩:١٧٩)
الفصل الأول
إذا زاد الدم على عادة المرأة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل زيادة في عادة المرأة فلها حكم العادة، ما لم يصل إلى حد الاستحاضة.
- إذا كانت عادة المرأة تقبل النقص فهي تقبل الزيادة، إلا أن يطبق الدم على المرأة شهرا كاملا، أو يزيد عن أكثر الحيض.
[م-٧٠١] إذا كان للمرأة عادة مستقرة، خمسة أيام من كل شهر، فاستمر معها الدم ثمانية أيام، فماذا تصنع؟
اختلف فيها العلماء إلى أقوال منها:
القول الأول: مذهب الحنفية
قالوا: إذا زادت عادة المرأة، فإن كانت عادتها عشرة أيام -وهي عندهم أكثر الحيض- فما زاد فهو استحاضة؛ لأن الحيض عندهم لا يمكن أن يكون أكثر من عشرة أيام. وستأتي إن شاء الله أحكام المستحاضة.وإن كانت عادتها أقل من عشرة أيام، فاستمر معها الدم وزاد على عادتها وانقطع لعشرة أيام فما دون.
قال ابن الهمام: «فالكل حيض بالاتفاق، وإنما الخلاف هل يصير عادة لها، أم لا؟ »
قلت: من اشترط في انتقال العادة التكرار، كأبي حنيفة، ومحمد لم يعتبرا الزيادة عادة، وإن اعتبراها حيضا، حتى تتكرر الزيادة مرتين.
ومن لم يشترط في انتقال العادة التكرار، اعتبر الزيادة عادة، وألغى العادة السابقة كأبي يوسف. وقد فصلت أدلتهم في مسألة مستقلة.
وإذا زاد الدم على عادتها، فهل تستمر على ترك الصلاة والصيام؟
وجهان في مذهب الحنفية:
الأول: أنها تصلي وتصوم؛ لاحتمال أن يجاوز الدم عشرة أيام، فتكون مستحاضة، فما دام أن الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة، فلا تترك من أجلها الواجبات حتى يعلم أن الزيادة حيض، وذلك بانقطاعها لعشرة أيام فما دون، وهذا اختيار أئمة بلخ
وقيل: تترك الصلاة والصيام استصحابا للحال؛ ولأن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم علة، والأصل هو الصحة والسلامة من المرض.
وصححه ابن الهمام في شرح فتح القدير والزيلعي في تبيين الحقائق وصححه في المجتبى.
واشترط ابن نجيم أن يكون بعده طهر صحيح، وهو خمسة عشر يوما فأكثر، قال في البحر الرائق: «لو زاد عن العادة -يعني الدم- ولم يزد على الأكثر، فالكل حيض اتفاقا بشرط أن يكون بعده طهر صحيح، وإنما قيدناه به؛ لأنها لو كانت عادتها خمسة أيام مثلا من أول كل شهر، فرأت ستة أيام، فإن السادس حيض أيضا، فإن طهرت بعد ذلك أربعة عشر يوما، ثم رأت الدم؛ فإنها ترد إلى عادتها خمسة أيام، واليوم السادس استحاضة.
أما إذا زاد الدم على عشرة أيام؛ فإنها مستحاضة. فهل ترد إلى عادتها، أو إلى أكثر الحيض؟
الجواب: ترد إلى عادتها.
(١٥٩٩ - ٦١) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها.
[ضعيف جدا]
ولأن ما رأته من الدم في أيام عادتها حيض بيقين، وما زاد على العشرة فهو استحاضة بيقين. وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضا فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة، والصلاة والصيام واجبان بيقين، فلا يتركان بمجرد الشك.
هذا مذهب الحنفية فيما إذا زادت عادة المرأة وكانت الزيادة متأخرة عن العادة.
أما إذا زادت عادة المرأة، وكانت الزيادة متقدمة عن العادة فإن الحكم عندهم يختلف. وإليك تفصيله.
فقد ساق السرخسي في المبسوط مذهب الحنفية، وأسوقه ببعض التصرف.
قال السرخسي: صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دما، فهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: حيض بالاتفاق. وفي وجه: اختلفوا فيه، وفي وجه: روايتان عن أبي حنيفة.الوجه الأول:
رأت قبل عادتها مالا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، مثل أن ترى قبل عادتها يوما أو يومين -لأن أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام- ورأت في عادتها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده ثلاثة أيام فأكثر، ولم يجاوز الكل عشرة أيام، فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه، فيجعل تبعا لما رأته في أيامه.
الوجه الثاني:
أن ترى قبل عادتها يوما أو يومين، وترى في عادتها يوما أو يومين، بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما حيضا بانفراده، ما لم يجتمعا، أو ترى قبل عادتها ثلاثة أيام، ولا ترى في عادتها شيئا، فعند أبي يوسف ومحمد الكل حيض، وعند أبي حنيفة لا يكون شيء من ذلك حيضا.
وجه قولهما:
إن الحيض مبني على الإمكان، والمتقدم قياس المتأخر، فكما جعل المتأخر عند الإمكان حيضا، فكذلك المتقدم.
وجه قول أبي حنيفة:
أن المتقدم دم مستنكر، مرئي قبل وقته، فلا يكون حيضا، كالصغيرة جدا إذا رأت الدم؛ ولأن العادة لا تثبت إلا بالتكرار، ولا يقاس المتقدم على المتأخر؛ لأن المتأخر استبقاء، والمتقدم ابتداء، والاستبقاء أقوى من الابتداء.
الوجه الثالث:
إذا رأت قبل عادتها ما يكون حيضا بانفراده، ورأت عادتها، فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا إشكال فالجميع حيض بشرط ألا يجاوز الدم أكثر الحيض عندهم -ومقداره عشرة أيام- واعتبروه حيضا قياسا على ما إذا كانت الزيادة متأخرة عن العادة.
وعن أبي حنيفة روايتان:فرواية محمد عن أبي حنيفة أن أيام عادتها حيض، وأما المتقدم فلا يثبت حتى يتكرر.
ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: الجميع حيض، والمتقدم تبع للأصل.
قلت: هذا القول ضعيف:
أولا: لأنه مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وما عداه فهو استحاضة، وقد بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأكثر الحيض.
ثانيا: اشتراط أن يكون ما بعد الدم الزائد طهرا صحيحا، وهو خمسة عشر يوما فأكثر، لا دليل عليه. وقد سبق أن بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأقل الطهر.
القول الثاني: مذهب المالكية.
مذهب المالكية فيه عدة أقوال سنذكرها إن شاء الله، وهي كالتالي:
القول الأول:
أنها تجلس عادتها، وتستظهر ثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة، ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن اعتادت نصف الشهر فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يوما استظهرت بيوم فقط، ومن كانت عادتها ستة أيام استظهرت بثلاثة أيام، ثم اغتسلت، وصامت، وصلت.
هذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة، ولم يبين مالك رحمه الله إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يوما أم لا، ومن ثم اختلف أصحابه على قولين:
الأول: أنها بعد الاستظهار تكون مستحاضة، فتغتسل وجوبا، وتصلي، وتصوم، وتطوف إن كانت حاجة، ويأتيها زوجها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم، عن مالك فيالمدونة. وعلى هذه الرواية، تغتسل عند تمام خمسة عشر يوما استحبابا لا إيجابا.
الثاني: أنها تجلس أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابا وتصلي احتياطا، وتصوم، وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة، إلا بعد تمام الخمسة عشر يوما، فإذا بلغت الخمسة عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة.
والقول الأول هو الراجح من مذهب مالك، اختاره صاحب الشرح الصغير، ومختصر خليل.
وقال في حاشية الدسوقي: «هذا مذهب المدونة».
وجه اعتبار الاستظهار بثلاثة أيام:
قال الباجي في المنتقي: «وجه رواية الاستظهار أن هذا خارج من الجسد أريد التمييز بينه وبين غيره، فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام. أصل ذلك لبن المصراة» (٤).
ويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم، قال:
(١٦٠٠ - ٦٢) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر.
وهذا من أعجب الاستدلالات، ولا أدري ما وجه الشبه بين المصراة، وبين من زادت عادتها، ويحق لي العجب، ويطول عجبي على من فتح باب القياس، ولو لم يكن هناك أصل جامع. وهذا الغلو في القياس هو الذي فتح الباب للجمود على ظاهر النصوص، وعدم قبول القياس الصحيح.
وبقي في مذهب مالك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما، ثم تغتسل، وتصلي، وتكون مستحاضة، وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما فما زاد فهو استحاضة، وقد أوضحت خلاف العلماء في أكثر الحيض، وأدلتهم في مسألة مستقلة، فارجع إليها إن شئت.
الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي، وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهذا قول محمد بن مسلمة.
دليل هذا القول:
قوله في الحديث الصحيح: (اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك).
وبناء عليه فالعادة عنده لا تقبل الزيادة، والمرأة مأمورة إذا زادت عادتها أن تجلس قدر عادتها، وما زاد فهو استحاضة.
ويجاب:
بأن هذا الحديث في امرأة ثبت أنها استحاضت، لا في امرأة زادت عادتها فقط، فالعادة كما أنها عرضة للنقص، فهي عرضة للزيادة.
الثالث: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما، علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولم يضرها ما صامت، ولا ما صلت. يريد: وتغتسل عند انقطاعه.
وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه.وجه هذا القول:
أن هذه الزيادة لا يعلم هل هي حيض أو استحاضة؟ فتجلس قدر عادتها، ثم تصلي، فإن انقطع لأقل من خمسة عشر يوما، أعادت الصيام الواجب الذي صامته؛ لأنه تبين أن الدم حين انقطع لأقل الحيض أنها صامت وهي حائض، وإن تجاوز الدم خمسة عشر يوما، حكمنا بأن ما زاد على عادتها كانت مستحاضة.
وهذا قول ضعيف؛ لأنه يوجب على المرأة الصيام مرتين، فمن صام وامتثل الأمر الشرعي بحسب طاقته فلا يلزم بالإعادة، ولم يوجب الله سبحانه وتعالى صيام يوم مرتين.
هذه ملخص الأقوال في مذهب المالكية، وقد ساقها ابن رشد في المقدمات.
القول الثالث: مذهب الشافعية.
إذا كانت للمرأة عادة، دون خمسة عشر يوما، فرأت الدم وجب عليها الإمساك، كما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر يوما، ويكون الجميع حيضا.
قال النووي في المجموع: «ولا خلاف -يعني في المذهب- في وجوب هذا الإمساك، ثم إن انقطع من خمسة عشر يوما، فما دونها، فالجميع حيض، وإن جاوز خمسة عشر يوما، علمنا أنها مستحاضة، فترد إلى عادتها، فتغتسل بعد الخمسة عشر يوما، فتقضي صلاة ما زاد على عادتها، وإن استمر بها الدم في الشهر الثاني، وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة، لأننا علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة
وهذا القول جيد، إلا أن تحديده بخمسة عشر يوما ضعيف؛ لأنه مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وفيه خلاف سبق تحريره.
القول الرابع: مذهب الحنابلة
أن من زادت عادتها مثل أن يكون حيضها خمسة أيام من كل شهر فيصير ثمانية، فلا تلتفت إلى الزيادة الخارجة عن العادة، فإذا مضت عادتها اغتسلت وصلت، وصامت ما وجب فيه، ثم تغتسل في المرة الثانية وجوبا عند انقطاعه، فإذا تكررت الزيادة ثلاث مرات، صارت الزيادة عادة، وتعيد ما صامته أو طافته من طواف فرض.
فالخلاصة: أن الزيادة في مذهب الحنابلة، لا تعتبر حتى تتكرر ثلاثا، وهذا المذهب ضعيف أيضا، وهو مذهب مهجور.
الراجح:
أن الزيادة حيض، ما دام أن الدم لم يستمر معها الشهر كاملا، ولم يتجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض، وهو سبعة عشر يوما، فإن استمر معها الشهر كاملا، أو تجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض صارت مستحاضة. وسيأتي إن شاء الله تعالى أحكام المستحاضة.
الأدلة على ذلك:
الدليل الأول:
(١٦٠١ - ٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين،
أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن، حتى ترين القصة البيضاء[حسن، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على الصفرة والكدرة].
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة في المغني: «لو لم تعد الزيادة حيضا للزمها الغسل عند انقضاء العادة، وإن كان الدم جاريا»
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) [البقرة: ٢٢٥]، فما دام الدم موجودا، فالأذى موجود. وكيف يقال بأن الدم قبل تمام العادة بدقائق حيض، وبعد تمامها ليس بحيض، والرائحة هي الرائحة، واللون هو اللون.
الدليل الثالث:
لو كان ما زاد على خمسة عشر، أو ما زاد على عشرة أيام استحاضة، أو لا يعتبر حيضا حتى يتكرر ثلاثا، لو كان ذلك معتبرا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ولما وسعه تأخير بيانه؛ إذ لا يجوز تأخيره عن وقته، كيف وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل وقت فلم يكن ليغفل بيانه، وما جاء عنه عليه الصلاة والسلام ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة لا غير. وهذا هو الذي اختاره ابن تيمية، قال رحمه الله: «وكذلك المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة، أو نقص، أو انتقال فذلك حيض حتى تعلم أنها استحاضة باستمرار الدم ... ».
وقال السعدي رحمه الله: «وأما ما ذكره الحنابلة أنها لا تنتقل إليه حتى يتكرر ثلاثا، فهو قول ليس العمل عليه، ولم يزل عمل الناس جاريا على القول الصحيح الذي قاله في الإنصاف: لا يسع الناس إلا العمل به، وهو أن المرأة إذا رأت الدم جلست فلم تصل ولم تصم وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصلت سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة، فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذا هو الذي عليه عمل نساء الصحابة رضي الله عنهن والتابعين من بعدهم، حتى الذي أدركنا من مشايخنا لا يفتون إلا به، لأن القول الذي ذكروا لا تنتقل إلا بتكراره ثلاثا قول لا دليل عليه، وهو مخالف للدليل»
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٨٠:١٨١)
في طهارة المرأة قبل تمام عادتها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- وجود الأذى دليل على وجود الحيض، وانقطاعه دليل على طهارة المرأة.
- الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
[م-٧٠٢] اتفق الفقهاء على أن المرأة المعتادة إذا انقطع دمها دون عادتها فإنها تطهر بذلك، ولا يجب عليها إتمام عادتها بشرط ألا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض عندهم، إلا أن الحنفية كرهوا للزوج وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت.
- التعليل عندهم:
لأن عود الدم في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتنابوذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أنه لا يكره وطؤها وحكمها حكم الطاهرة بعد انقطاع الدم عنها.
ولا وجه لمنع الحنفية، لأننا من لم تمنع من الصلاة والصيام لم تمنع من الجماع.
ولأننا حكمنا لها أنها حائض ومنعنا زوجها من إتيانها حين كان الأذى موجودا فحين ارتفع الأذى ارتفع المنع. قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) [البقرة: ٢٢٢].
فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، بل إذا كان يؤذن للزوج أن يجامعها، وهي مستحاضة على الصحيح، ودم الاستحاضة ينزل، فكونه يؤذن لها والمحل طاهر لا أذى فيه من باب أولى.
وكون الدم قد يعود في العادة لا يكفي هذا لمنع زوجها؛ لأن الأصل استصحاب الحال، وإذا تحققنا من رجوع الدم منع الزوج من الجماع.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/١٨٢:١٩٣)
في النقاء المتخلل بين الدمين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- عود الدم بعد الطهارة من الحيض لا يعتبر حيضا حتى يسبقه طهر صحيح.
- توقف نزول الدم لا يعتبر جفافا حتى يجف المحل، ويخرج القطن كما دخل.
الفترة حيض، والنقاء طهر، والفرق بينهما: أن الفترة: يتوقف فيها نزول الدم، ويبقى في المحل أثر بحيث لو أدخلت فيه قطنة لخرج عليها أثر من حمرة، أو صفرة، أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض طال ذلك أم قصر، وأما النقاء: أن يصير المحل نقيا بحيث لو حشت فيه قطنة لخرجت بيضاء.
- استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع.
[م-٧٠٣] إذا كانت المرأة أحيانا ترى دما، وأحيانا ترى نقاء. فهل هذا النقاء يعتبر له حكم الحيض، أم تعتبر فيه المرأة طاهرة؟
في هذا خلاف كبير بين الفقهاء .. وأحيانا في المذهب الواحد عدة أقوال.
والمهم أولا أن أحرر الأقوال في كل مذهب دون أن أتعرض لها بالنقاش حتى يمكن أن يستوعبها القارئ، ثم أختم هذه الأقوال بالقول الراجح الذي أراه. وإليك أقوال المذاهب.القول الأول: مذهب الحنفية
في مذهب الحنفية خمسة أقوال، رواها خمسة من أصحاب أبي حنيفة.
القول الأول:
إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يوما، لا يكون فاصلا بين الدمين بل يجعل كالدم المتوالي، وهذا رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة.
مثاله: مبتدأة رأت يوما دما، وثلاثة عشر طهرا، ويوما دما. فالفاصل أقل من خمسة عشر يوما. فعلى رواية أبي يوسف أن عشرة الأيام الأولى منذ رأت الدم يعتبر حيضا، ويحكم ببلوغها.
وجه هذا القول:
أن الطهر بين الدمين يعتبر طهرا فاسدا؛ لأن أقل الطهر الصحيح خمسة عشر يوما.
ولأن الطهر إذا كان لا يصلح للفصل بين الحيضتين، فلا يصلح للفصل بين الدمين.
قال في الهداية: «والأخذ بهذا القول أيسر».
القول الثاني: عند الحنفية:رواية محمد عن أبي حنيفة، ولمحمد روايتان:
الأولى: أن الطهر إذا تخلل بين الدمين في المدة الصالحة للحيض: عشرة فأقل، فهو كالدم المتوالي، وإلا فلا.
مثاله: رأت امرأة مبتدأة يوما دما، وثمانية أيام طهرا، ويوما دما فالعشرة حيض.
مثال آخر: امرأة مبتدأة رأت الدم يوما، وتسعة أيام طهرا، ثم رأت يوما دما، فالجميع إحدى عشرة، فلا يصلح أن يكون حيضا؛ لأن أكثر الحيض عندهم عشرة أيام.
وجه هذا القول:
أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيعتبر أوله وآخره.
دليل آخر: قالوا: قياسا على اشتراط النصاب في الزكاة، فكمال النصاب وحده شرط لوجوب الزكاة، ونقصانه في أثناء الحول لا يؤثر.
ورده ابن نجيم، فقال: «قياسها على النصاب غير صحيح؛ لأن الدم منقطع في أثناء المدة بالكلية، وفي المقيس عليه يشترط بقاء جزء من النصاب في أثناء الحول، وإنما الذي اشترط وجوده في الابتداء والانتهاء تمامه».
الرواية الثانية لمحمد بن الحسن، وهو القول الثالث للحنفية:
قال: إذا كان الطهر المتخلل أقل من ثلاثة أيام، فإنه لا يعتبر فاصلا مطلقا حتى ولو كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، ويكون الطهر بمنزلة الدم المتوالي.
وإن كان الطهر ثلاثة أيام فصاعدا فينظر: فإن كان مقدار الطهر مساويا لمجموع الدم الأول والثاني، أو كان الطهر أقل منهما في العشرة أيام، فإن الطهر في هذه الحال لا يكون فاصلا، ويعتبر حيضا.وجه هذا القول:
اجتمع مبيح وحرام فغلب جانب الحرام، فالدم يوجب حرمتها، والطهر يوجب حلها، فغلب جانب التحريم.
وإن كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فإن الطهر حينئذ يعتبر فاصلا. ويبقى النظر: إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا بنفسه جعل حيضا، والآخر استحاضة، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا بنفسه جعل أسرعهما حيضا، والثاني استحاضة.
وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضا بنفسه، إلا أن يجمع الدم الأول مع الثاني، كان الجميع استحاضة، ولم يجعل شيء من ذلك حيضا.
أمثلة لما سبق:
رأت امرأة مبتدأة يومين دما، وسبعة أيام طهرا، ويوما دما فلا يعتبر شيء من هذا حيضا؛ لأن الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فلا يضم الثاني إلى الأول؛ لأن الطهر في هذه الحال فاصل بين الدمين، والدم الأول بنفسه لا يعتبر حيضا، وكذلك الدم الثاني بنفسه لا يعتبر حيضا؛ لأن أقل واحد منهما لم يبلغ أقل الحيض ثلاثة أيام.
مثال آخر: رأت امرأة مبتدأة الدم ثلاثة أيام، ثم طهرت خمسة أيام، ثم رأت يوما دما، فالطهر خمسة أيام، فهو أكثر من مجموع الدمين، فيعتبر فاصلا، فلا يضم الأول للثاني، والدم الأول يصلح لأن يكون حيضا؛ لأنه ثلاثة أيام، فهو حيضها والثاني استحاضة.
مثال ثالث: رأت ثلاثة أيام حيضا، وثلاثة أيام طهرا، ثم رأت يوما دما، فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر.
مثال رابع: رأت يومين دما، وثلاثة أيام طهرا، ويوما دما. فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم مساو للطهر، فغلب جانب الدم.هذان قولان لمحمد بن الحسن.
ولا أدري كيف تعقل المرأة الأمية هذا التفصيل! ومتى كانت مسائل الحيض بهذا التعقيد.
القول الرابع: رواية ابن المبارك وزفر عن أبي حنيفة.
قالوا: إذا بلغ مجموع الدم في أيام الحيض العشرة أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام، فهو حيض، ولا عبرة بالطهر في العشرة.
فلو رأت يوما دما في أول العشرة، ثم سبعة أيام طهرا، ثم رأت يومين دما، كان الجميع حيضا؛ لأن الدم بلغ أقل الحيض وهو ثلاثة أيام.
أما لو رأت يوما دما في أول العشر ثم رأت ثمانية أيام طهرا ثم رأت يوما دما فلا يعتبر الدم حيضا؛ لأنه لم يبلغ أقل الحيض.
ولو رأت يوما دما في أول العشر، ويوما في وسطها، ويوما في آخر العشر كان الجميع حيضا.
وجه هذه الرواية:
أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فإذا رأت دما أقل من ثلاثة أيام، لم يكن الدم صالحا لأن يكون حيضا، فكذلك الطهر لا يصلح أن يكون حيضا من باب أولى.
وإذا كان الدم صالحا لأن يكون في نفسه حيضا اعتبر الدم حيضا، فإن كان الطهر صالحا أن يكون حيضا اعتبر تبعا لذلك، وإلا بقي الدم وحده حيضا ولم يتبع الدم.
القول الخامس: رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة.
قال: إذا كان الطهر المتخلل بين الدمين، دون ثلاثة أيام، لا يصير فاصلا، فكان كله كالدم المتوالي ... وإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام بلياليها كان فاصلا مطلقا، سواء كان الدم أكثر من الطهر، أو مساويا له، أو أقل منه.أمثلة:
لو رأت ساعة دما، وثلاثة أيام إلا ساعة طهرا، وساعة دما، فالكل حيض؛ لأن الطهر لم يبلغ ثلاثة أيام فلم يعتبر فاصلا، واعتبر الجميع حيضا.
مثال آخر: لو رأت يومين دما، وثلاثة أيام طهرا ويومين دما، لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر حين بلغ ثلاثة أيام كان فاصلا، فلم يضم الأول للثاني، والأول بنفسه لا يصلح أن يكون حيضا. وكذا الثاني لا يصلح بنفسه أن يكون حيضا، فلم يعتبر الجميع حيضا علما أن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر.
مثال ثالث: رأت ثلاثة أيام دما، وثلاثة أيام طهرا، ثم ثلاثة أيام دما، فالطهر فاصل بين الدمين؛ لأنه بلغ ثلاثة أيام، ولما كان الدم الأول والدم الثاني يصلح كل واحد منهما أن يكون حيضا بنفسه، اعتبر الأول لأنه أسرعهما إمكانا، والثاني استحاضة.
هذه هي الروايات في مذهب الحنفية، وقد أكثرت من الأمثلة ليتضح القول للقارئ، وكلها مبنية إما على مجرد الرأي المحض، أو بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقد بينت أنه لا حد لأقل الحيض وأن حد أكثر الحيض بعشرة أيام قول ضعيف في مسألة مستقلة فارجع إليها إن شئت.
والمتأخرون من الحنفية يرجحون رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. على رواية محمد بن الحسن، قال ابن نجيم: «الأخذ بقول أبي يوسف أيسر، وكثير من المتأخرين أفتوا به؛ لأنه أسهل على المفتي، والمستفتي، ولأن في قول محمد وغيره، تفاصيل يحرج الناس في ضبطها، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما»، وقال الزيلعي والعيني: نحوهالقول الثاني: مذهب المالكية في الحيضة المتقطعة.
قالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يوما فالدم الثاني حيض مستأنف، وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يوما ثم تطهر يومين ثم يأتيها يوما آخر وهكذا، فإنها تلفق أيام الدم بعضها على بعض .. فإن كانت مبتدأة فإنها تلفق أيام الدم فقط خمسة عشر يوما، ولا تلفق الطهر.
وإن كانت معتادة تلفق مقدار عادتها وأيام الاستظهار ثلاثة أيام، فما نزل عليها بعد ذلك فاستحاضة لا حيض.
وحكم الملفقة أنها تغتسل وجوبا كلما انقطع دمها وتصوم، وتوطأ.
هذا ملخص مذهب المالكية.
القول الثالث: مذهب الشافعية إذا رأت يوما دما ويوما نقاء.
وقبل التفصيل في المذهب نبين أن القول في المسألة كما قال النووي: فيما إذا كان النقاء زائدا على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض، فأما الفترات فحيض بلا خلاف. والفرق بين الفترة والنقاء، هو ما نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، وصاحبه القاضي أبو الطيب الطبري على أن الفترة: هي الحالة التي ينقطع فيها جريان الدم، ويبقى لوث وأثر بحيث لو أدخلت في فرجها قطنة يخرج عليها أثر الدم من حمرة أو صفرة أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض قولا واحدا طال ذلك أم قصر.
وأما النقاء: هو أن يصير فرجها بحيث لو جعلت القطنة فيه لخرجت بيضاءوذكر النووي أيضا: أن الخلاف إنما هو في الصلاة والصوم والطواف والقراءة والغسل، والاعتكاف والوطء ونحوها، وأما في العدة فلا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنيا وحكاه إجماعا صاحب مغني المحتاج
هذا إذا لم يعتبر خلاف ابن حزم، فإن ابن حزم لا يمانع أن تنقضي العدة بثلاثة أو أربعة أيام كما قدمنا في الخلاف في أقل الطهر. إذا تصور هذا، نأتي إلى المسألة في مذهب الشافعية فنقول:
المرأة إذا رأت يوما دما ويوما نقاء، فلها حالان:
الأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز خمسة عشر يوما.
الثانية: أن يتجاوز دمها خمسة عشر يوما.
الحالة الأولى: إذا لم يتجاوز ففيه قولان مشهوران.
أحدها: أن أيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر.
التعليل: لأن الدم إذا دل على الحيض، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.
الثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها حيض. ويسمى قول السحب واختلف الشافعية في الأصح منهما.
قال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب»
وقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء»ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانا، ويرقأ زمانا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء حيضا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضا. يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الحيض.
وسواء قلنا بالتلفيق أو بالسحب إذا رأت النقاء في اليوم الثاني عملت عمل الطاهرات بلا خلاف؛ لأنا لا نعلم أنها ذات تلفيق لاحتمال دوام الانقطاع، قالوا: فيجب عليها أن تغتسل وتصوم، وتصلي، ولها قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف، والاعتكاف، وللزوج وطؤها. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث تبينا أنها ملفقة فإن قلنا بالتلفيق، تبين لنا صحة الصوم والصلاة، ونحوها، وإن قلنا بالسحب تبين لنا بطلان العبادات التي فعلتها في اليوم الثاني فيجب عليها قضاء الصوم والاعتكاف والطواف، والمفعولات عن واجب.
هذا حكم الشهر الأول، فإذا جاء الشهر الثاني فرأت اليوم الأول وليلته دما، والثاني وليلته نقاء.
فقيل: تعمل كالشهر الأول، وهكذا لو جاءها في الشهر الثالث والرابع.
وقيل: البناء فيها على القول بثبوت العادة بمرة أو مرتين، فإن أثبتنا العادة بمرة، وقلنا بالسحب، فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم في فترة النقاء.
الحالة الثاني: أن ترى يوما دما ويوما نقاء ويتجاوز خمسة عشر يوما، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» وسيأتي أحكام المستحاضة في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
المذهب الحنبلي فيما إذا رأت المرأة يوما دما ويوم نقاءالمشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يوما، فيكون الدم المتجاوز استحاضة، ويكره وطؤها في أيام النقاء.
دليل الحنابلة على كون النقاء طهرا: نص، ونظر.
أما النص فقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ... ) [البقرة: ٢٢٢].
فإذا ارتفع الأذى زال حكمه.
(١٦٠٢ - ٦٤) ومن الأثر ما رواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل آنس فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل.
[صحيح]
قال ابن رجب: البحراني قيل: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد.
وأما النظر؛ فإننا إنما حكمنا على المرأة بكونها حائضا لوجود الدم، فكذلك نحكم على المرأة بالطهارة لانقطاعه، فإذا كان الدم دليلا على وجود الحيض، فكذلك انقطاعه دليل على الطهارة.وقيل: إذا كان انقطاع الدم أقل من يوم فليس بطهر، وإن بلغ يوما فأكثر فهو معتبر. وهو رواية عن أحمد
دليلهم:
قالوا: لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة حرج، ينتفي بقوله سبحانه وتعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨].
ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرا إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء
وإذا قلنا بانقطاع الدم لا نعني مجرد وقوف جريان الدم فقط، بل المقصود أنها لو احتشت بقطنة في فرجها رجعت القطنة بيضاء، لا أثر فيها من صفرة أو كدرة، أما إذا عادت القطنة وفيها أثر صفرة أو كدرة أو نحوهما فلا يعتبر الحيض منقطعا كما أسلفنا في الكلام على مذهب الشافعية، وكما سوف نبين أن الصفرة والكدرة حيض، ولأن محل الإيلاج في الحيض لا يعتبر من باطن البدن، بل يعتبر من خارج البدن، فوجود الأذى في هذا المحل يدل على وجود الحيض، ولذلك منع الرجل من الجماع ما دام الأذى موجودا في موضع الإيلاج. وهذا القول أقربها للصواب. والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٣/٢٨٧:٢٩٠)
التلفيق في الحيض إذا تقطع:
٤ - اتفق الفقهاء على أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوما فصاعدا فإنه يكون فاصلا بينهما، أما إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من هذه المدة فقد اختلفوا في اعتباره فاصلا أو عدم اعتباره.
٥ - فالحنفية يجمعون على أن الطهر الفاصل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام فإنه لا يعتبر فاصلا. وأما فيما عدا ذلك ففيه أربع روايات عن أبي حنيفة:
الأولى: وهي رواية أبي يوسف عنه أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما يكون طهرا فاسدا ولا يكون فاصلا بين الدمين بل يكون كله كدم متوال، ثم يقدر ما ينبغي أن يجعل حيضا فيجعل حيضا والباقي يكون استحاضة.الثانية: وهي رواية محمد عنه أن الدم إذا كان في طرفي العشرة فالطهر المتخلل بينهما لا يكون فاصلا ويجعل كله كدم متوال، وإن لم يكن الدم في طرفي العشرة كان الطهر فاصلا بين الدمين. ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما وهو أولهما، وإن لم يمكن جعل أحدهما حيضا لا يجعل شيء من ذلك حيضا.
الثالثة: وهي رواية عبد الله بن المبارك عنه أن الدم إذا كان في طرفي العشرة وكان بحال لو جمعت الدماء المتفرقة تبلغ حيضا لا يصير الطهر فاصلا بين الدمين ويكون كله حيضا، وإن كان بحال لو جمع لا يبلغ حيضا يصير فاصلا بين الدمين، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا، يجعل أسرعهما حيضا وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل شيء من ذلك حيضا.
الرابعة: وهي رواية الحسن عنه أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلا بين الدمين، وكله بمنزلة المتوالي، وإذا كان ثلاثة أيام كان فاصلا بينهما.
واختار محمد أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يعتبر فاصلا، وإن كان أكثر من الدمين، ويكون بمنزلة الدم المتوالي، وإذا كان ثلاثة أيام فصاعدا فهو طهر كثير فيعتبر. لكن ينظر بعد ذلك إن كان الطهر مثل الدمين أو أقل من الدمين في العشرة لا يكون فاصلا، وإن كان أكثر من الدمين يكون فاصلا .
هذا وأقل الحيض عند الحنفية ثلاثة أيام وثلاث ليال في ظاهر الرواية، وأكثره عشرة أيام ولياليها، وأقل الطهر عندهم خمسة عشر يوما ولا غاية لأكثره، إلا إذا احتيج إلى نصب العادة.
٦ - ويرى المالكية في مسألة التقطع هذه أن المرأة تلفق أي تجمع أيام الدم فقط لا أيام الطهر على تفصيلها من مبتدأة ومعتادة وحامل. فتلفق المبتدأة نصف شهر، والمعتادة عادتها واستظهارها، والحامل في ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرين ونحوها، ثم هي بعد ذلك مستحاضة.
وتغتسل الملفقة وجوبا كلما انقطع الدم عنها في أيام التلفيق، إلا أن تظن أنه يعاودها قبل انقضاء وقت الصلاة التي هي فيه، فلا تؤمر بالغسل، وتصوم إن كانت قبل الفجر طاهرا،وتصلي بعد طهرها فيمكن أن تصلي وتصوم في جميع أيام الحيض بأن كان يأتيها ليلا وينقطع قبل الفجر حتى يغيب الشفق فلا يفوتها شيء من الصلاة والصوم، وتدخل المسجد، وتطوف الإفاضة إلا أنه يحرم طلاقها ويجبر على مراجعتها.
هذا وأقل الحيض عند المالكية دفعة، وأما أكثره فيختلف باختلاف الحائض، فالمبتدأة إن تمادت بها الحيضة فأكثره في حقها خمسة عشر يوما.
والمعتادة إن لم تختلف عادتها استظهرت عليها بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت عادتها استظهرت على أكثر عادتها كذلك وهي حائض في أيام الاستظهار.
٧ - ويرى الشافعية في هذه المسألة أن التقطع لا يخلو، إما أن يجاوز الخمسة عشر، وإما أن لا يجاوزها، فإن لم يجاوزها فقولان:
أظهرهما عند الأكثرين كما في الروضة أن الجميع حيض، ويسمى القول بذلك (السحب) بشرط أن يكون النقاء محتوشامحاطا بدمين في الخمسة عشر، وإلا فهو طهر بلا خلاف.
والثاني: حيضها الدماء خاصة. وأما النقاء فطهر ويسمى هذا القول (التلفيق) أو (اللقط) .
وعلى هذا القول إنما يجعل النقاء طهرا في الصوم والصلاة والغسل ونحوها دون العدة، والطلاق فيه بدعي.
ثم القولان هما في النقاء الزائد على الفترة المعتادة، فأما الفترة المعتادة بين دفعتي الدم فحيض بلا خلاف.
ولا فرق في جريان القولين بين أن يستوي قدر الدم والنقاء أو يزيد أحدهما.
أما إذا جاوز الدم بصفة التلفيق الخمسة عشر صارت مستحاضة كغيرها إذا جاوز دمها تلك المدة، ولا صائر إلى الالتقاط من جميع الشهر وإن لم يزد مبلغ الدم على أكثر الحيض، وإذا صارت مستحاضة فالفرق بين حيضها واستحاضتها بالرجوع إلى العادة، أو التمييز كغير ذات التلفيق.
هذا وأقل الحيض عند الشافعية يوم وليلة على المذهب وعليه التفريع، وأكثره خمسة عشر يوما وغالبه ست أو سبع، وأقل الطهر بين حيضتين خمسة عشر يوما وغالبه تمام الشهر بعد الحيض ولا حد لأكثره .
٨ - ويرى الحنابلة في مسألة التقطع هذه أن المرأة تغتسل وتصلي في زمن الطهر حتى ولو كان ساعة، لقول ابن عباس: لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل، ثم إن انقطع الدم لخمسة عشر فما دون فجميعه حيض، تغتسل عقيب كل يوم وتصلي في الطهر، وإن عبر الخمسة عشر فهي مستحاضة ترد إلى عادتها.
والأصل المعتبر الذي ترد إليه مسائل التلفيق عندهم حينئذ أنها إن كانت عادتها سبعة متوالية جلست، وما وافقها من الدم فيكون حيضها منه ثلاثة أيام أو أربعة.
وقالوا: إن الناسية كالمعتادة إن أجلسناها سبعا، فإن أجلسناها أقل الحيض جلست يوما وليلة لا غير، وإن كانت مميزة ترى يوما دما أسود، ثم ترى نقاء، ثم ترى أسود إلى عشرة أيام، ثم ترى دما أحمر وعبر (أي: تجاوز) ردت إلى التمييز، فيكون حيضها زمن الدم الأسود دون غيره، ولا فرق بين أن ترى الدم زمنا يمكن أن يكون حيضا كيوم وليلة، أو دون ذلك كنصف يوم ونصف ليلة. فإن كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر لأن الدم يجري تارة وينقطع أخرى.وإذا رأت ثلاثة أيام دما ثم طهرت اثني عشر يوما، ثم رأته ثلاثة دما، فالأول حيض لأنها رأته في زمان إمكانه. والثاني استحاضة لأنه لا يمكن أن يكون ابتداء حيض لكونه لم يتقدمه أقل الطهر ولا من الحيض الأول، لأنه يخرج عن الخمسة عشر، والحيضة الواحدة لا يكون بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوما.
فإن كان بين الدمين ثلاثة عشر يوما فأكثر وتكرر، فهما حيضتان لأنه أمكن جعل كل واحد منهما حيضة منفردة لفصل أقل الطهر بينهما، وإن أمكن جعلهما حيضة واحدة بأن لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما مثل أن ترى يومين دما وتطهر عشرة، وترى ثلاثة دما وتكرر فهما حيضة واحدة، لأنه لم يخرج زمنهما عن مدة أكثر الحيض.
وجاء في مطالب أولي النهى أن الطهر في أثناء الحيضة صحيح تغتسل فيه وتصلي ونحوه أي: تصوم وتطوف وتقرأ القرآن، ولا يكره فيه الوطء لأنه طهر حقيقة.
وقال في الإنصاف: حكمها حكم الطاهراتفي جميع أحكامها على الصحيح من المذهب .
هذا والحنابلة في أقل الحيض وأكثره وغالبه كالشافعية، إلا أنهم خالفوهم في أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، حيث قالوا: إنه ثلاثة عشر يوما
المغني -ابن قدامة- (١/٤٠٨:٤١٠)
٩٥ - مسألة؛ قال: (والمبتدأ بها الدم تحتاط، فتجلس يوما وليلة، وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلى. فإن انقطع دمها في خمسة عشر يوما، اغتسلت عند انقطاعه، وتفعل مثل ذلك ثانية وثالثة. فإن كان بمعنى واحد، عملت عليه وأعادت الصوم، إن كانت صامت في هذه الثلاث مرار لفرض)
هذا النوع الثانى من القسم الرابع؛ وهى من لا عادة لها ولا تمييز، وهى التي بدأ بها الحيض ولم تكن حاضت قبله؛ والمشهور عن أحمد فيها أنها تجلس إذا رأت الدم، وهى ممن يمكن أن تحيض، وهى التي لها تسع سنين فصاعدا، فتترك الصوم والصلاة؛ فإن زاد الدم على يوم وليلة، اغتسلت عقيب اليوم والليلة، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلى، وتصوم. فإن انقطع الدم لأكثر الحيض فما دون، اغتسلت غسلا ثانيا عند انقطاعه، وصنعت مثل ذلك في الشهر الثانى والثالث، فإن كانت أيام الدم في الأشهر الثلاثة متساوية، صار ذلك عادة؛ وعلمنا أنها كانت حيضا، فيجب عليها قضاء ما صامت من الفرض؛ لأنا تبينا أنها صامته في زمن الحيض. قال القاضى: المذهب عندى في هذا رواية واحدة. قال: وأصحابنا يجعلون في قدر ما تجلسه المبتدأة في الشهر الأول أربع روايات: إحداهن، أنها تجلس أقل الحيض، والثانية غالبه، والثالثة أكثره، والرابعة عادة نسائها. قال: وليس ههنا موضع الروايات، وإنما موضع ذلك إذا اتصل الدم، وحصلت مستحاضة في الشهر الرابع. وقد نقل عن أحمد ما يدل على صحة قول الأصحاب؛ فروى صالح، قال: قال أبى: أول ما يبدأ الدم بالمرأة تقعد ستة أيام أو سبعة أيام، وهو أكثر ما تجلسه النساء على حديث حمنة. فظاهر هذا أنها تجلس ذلك في أول حيضها. وقوله: أكثر ما تجلسه النساء. يعنى أن الغالب من النساء هكذا يحضن. وروى حرب عنه قال: سألت أبا عبد الله قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم، كم يوما تجلس؟ قال: إن كان مثلها من النساء من يحيض ، فإن شاءت جلست ستا أو سبعا، حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط، جلست يوما واحدا، أول مرة حتى تتبين وقتها. وقال في موضع آخر: قالوا هذا، وقالوا هذا، فأيها أخذت فهو جائز. وروى الخلال، بإسناده، عن عطاء، في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءا، قال: لتنظر قرء أمها أو أختها أو عمتها أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، وتغتسل وتصلى. قال حنبل: قال أبو عبد الله: هذا حسن. واستحسنه جدا. وهذا يدل على أنه أخذ به، وهذا قول عطاء، والثورى، والأوزاعى. وروى عن أحمد: أنها تجلس أكثر الحيض. إلا أن المشهور في الرواية عنه مثل ما ذكر الخرقى؛ وقال مالك وأبو حنيفة، والشافعى: تجلس جميع الأيام التي ترى الدم فيها إلى أكثر الحيض، فإن انقطع لأكثره فما دون، فالجميع حيض؛ لأنا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك أثناؤه، ولأننا حكمنا بكونه حيضا، فلا ننقض ما حكمنا به بالتجويز، كما في المعتادة، ولأن دم الحيض دم جبلة، والاستحاضة دم عارض لمرض عرض؛ وعرق انقطع، والأصل فيها الصحة والسلامة، وأن دمها دم الجبلة دون العلة. ولنا، أن في إجلاسها أكثر من أقل الحيض حكما ببراءة ذمتها من عبادة واجبة عليها؛ فلم يحكم به أول مرة، كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، ولا يلزم اليوم والليلة، لأنها اليقين، فلو لم نجلسها ذلك أدى إلى أن لا نجلسها أصلا؛ ولأنها ممن لا عادة لها ولا تمييز، فلم تجلس أكثر الحيض، كالناسية
المغني -ابن قدامة- (١/٤١٠:٤١١)
فصل: ومتى أجلسناها يوما وليلة، أو ستا أو سبعا، أو عادة نسائها، فرأت الدم أكثر من ذلك، لم يحل لزوجها وطؤها فيه حتى ينقطع، أو يتجاوز أكثر الحيض؛ لأنه يحتمل أن يكون حيضا احتمالا ظاهرا، وإنما أمرناها بالصوم فيه والصلاة احتياطا لبراءة ذمتها، فيجب ترك وطئها احتياطا أيضا. وإن انقطع الدم، واغتسلت، حل وطؤها. وهل يكره؟ على روايتين: إحداهما، لا يكره؛ لأنها رأت النقاء الخالص، أشبه غير المبتدأة. والثانية، يكره؛ لأننا لا نأمن معاودة الدم، فكره وطؤها، كالنفساء إذا انقطع دمها لأقل من أربعين يوما. فإن عاودها الدم في زمن العادة، لم يطأها، نص عليه؛ لأنه زمن صادف زمن الحيض، فلم يجز الوطء فيه كما لو لم ينقطع. وعنه: لا بأس بوطئها. قال الخلال: الأحوط في قوله، على ما اتفقوا عليه دون الأنفس الثلاثة، أنه لا يطؤها.
المغني -ابن قدامة- (١/٤١١)
٩٦ - مسألة؛ قال: (فإن استمر بها الدم ولم يتميز، قعدت في كل شهر ستا أو سبعا؛ لأن الغالب من النساء هكذا يحضن)
قوله: "استمر بها الدم". يعنى زاد على أكثر الحيض. وقوله: "لم يتميز". يعنى لم يكن دمها منفصلا، على الوجه الذى ذكرناه. فهذه حكمها، أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة. وقد ذكر الخرقى علته، وهى أن الغالب من النساء هكذا يحضن. والظاهر أن حيض هذه كحيض غالب النساء، فيجب ردها إليه، كردها في الوقت إلى حيضة في كل شهر. وهذا أحد قولى الشافعى، وعن أحمد أنها تجلس يوما وليلة من كل شهر. وهذا القول الثانى للشافعى؛ لأن ذلك اليقين، وما زاد عليه مشكوك فيه. فلا تزول عن اليقين بالشك. وعنه رواية ثالثة: أنها تجلس أكثر الحيض. وهو مذهب أبى حنيفة؛ لأنه زمان الحيض، فإذا رأت الدم فيه جلسته، كالمعتادة. وعنه أنها تجلس عادة نسائها، وهو قول عطاء، والثورى، والأوزاعى؛ لأن الغالب أنها تشبههن في عادتهن. والأول أولى؛ لحديث حمنة، فإن النبى -صلى الله عليه وسلم- ردها إلى ست أو سبع، ولم يردها إلى اليقين، ولا إلى عادة نسائها، ولا إلى أكثر الحيض، ولأن هذه ترد إلى غالب عادات النساء في وقتها؛ لكونها تجلس في كل شهر مرة؛ فكذلك في عدد أيامها، وبهذا يبطل ما ذكرناه لليقين، ولعادة نسائها.
المغني -ابن قدامة- (١/٤٣٦:٤٣٨)
مسألة؛ قال: (ومن كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك، فهى طاهر، تغتسل وتصلى، فإن عاودها الدم، لم تلتفت إليه حتى تجىء أيامها)
الكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما، في الطهر بين الدمين. والثانى، في حكم الدم العائد بعده.
أما الأول، فإن المرأة متى رأت الطهر فهى طاهر تغتسل، وتلزمها الصلاة والصيام، سواء رأته في العادة، أو بعد انقضائها، ولم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره؛ لقول ابن عباس: أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل. ويتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم، فليس بطهر، بناء على الرواية التي حكيناها في النفاس، أنها لا تلتفت إلى طهر ما دون اليوم. وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن الدم يجرى مرة، وينقطع أخرى، وفى إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج ينتفى بقوله سبحانه : {وما جعل عليكم في الدين من حرج}. ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم، أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرا، إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء، وهو شيء يتبع الحيض أبيض، يسمى الترية. روى ذلك عن إمامنا، وروى عنه أن القصة البيضاء هي القطنة التي تحشوها المرأة، إذا خرجت بيضاء كما دخلت لا تغير عليها فهى القصة البيضاء. حكى ذلك عن الزهرى. وروى عن إمامنا أيضا، وقال أبو حنيفة: ليس النقاء بين الدمين طهرا، بل لو صامت فيه فرضا لم يصح، ولزمها قضاؤه، ولا يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها، فيكون الدمان وما بينهما حيضا. وهو أحد قولى الشافعى؛ لأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى، ولأنه لو لم يكن من الحيض يحتسب من مدته. ولنا، قول الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى وجب أن يزول الحيض. وقال ابن عباس: أما ما رأت الدم البحرانى فإنها لا تصلى، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل. وقالت عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. ولأنها صامت وهى طاهر، فلم يلزمها القضاء، كما لو لم يعد الدم. فأما قولهم: إن الدم يجرى تارة وينقطع أخرى. قلنا؛ لا عبرة بالانقطاع اليسير، وإنما إذا وجد انقطاع كبير يمكن فيه الصلاة والصيام، وتتأدى العبادة فيه، وجبت عليها؛ لعدم المانع من وجوبها.
المغني -ابن قدامة- (١/٤٣٨:٤٤٠)
الفصل الثانى، إذا عاودها الدم، فلا يخلو إما أن يعاودها في العادة، أو بعدها، فإن عاودها في العادة، ففيه روايتان: إحداهما، أنه من حيضها؛ لأنه صادف زمن العادة، فأشبه ما لو لم ينقطع، وهذا مذهب الثورى، وأصحاب الرأى، والشافعى. والثانية، ليس بحيض، وهو ظاهر كلام الخرقى، واختيار ابن أبي موسى، ومذهب عطاء، لأنه عاد بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة. وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم ما لو عاد بعد العادة على ما سنذكره [فيما بعد]، إن شاء الله تعالى. وقد روى عن أحمد، رحمه الله: إذا كانت أيامها عشرا، فقعدت خمسا، ثم رأت الطهر، فإنها تصلى، فإذا كان اليوم التاسع أو الثامن، فرأت الدم، صلت وصامت، وتقضى الصوم. وهذا على سبيل الاحتياط؛ لوجود التردد في هذا الدم، فأشبه دم النفساء العائد في مدة النفاس. فإن رأته في العادة، وتجاوز العادة، لم يخل من أن يعبر أكثر الحيض أو لا يعبر، فإن عبر أكثر الحيض، فليس بحيض؛ لأن بعضه ليس بحيض، فيكون كله استحاضة؛ لأنه متصل به، فكان أقرب إليه، فإلحاقه بالاستحاضة أقرب من إلحاقه بالحيض؛ لانفصاله عنه، وإن انقطع لأكثره فما دون، فمن قال: إن ما لم يعبر العادة ليس بحيض. فهذا أولى أن لا يكون حيضا، ومن قال: هو حيض. ففى هذا على قوله ثلاثة أوجه: أحدها، أن جميعه حيض، بناء على الوجه الذي ذكرنا في أن الزيادة على العادة حيض، ما لم يعبر أكثر الحيض. والثانى، أن ما وافق العادة حيض؛ لموافقته العادة، وما زاد عليها ليس بحيض؛ لخروجه عنها. والثالث، أن الجميع ليس بحيض؛ لاختلاطه بما ليس بحيض. فإن تكرر فهو حيض، على الروايتين جميعا. فأما إن عاد بعد العادة لم يخل من حالين: أحدهما، أن لا يمكن كونه حيضا. [والثانى، أن يمكن ذلك؛ فإن لم يمكن كونه حيضا؛ لعبوره أكثر الحيض، وأنه ليس بينه وبين الدم أقل الطهر، فهذا استحاضة كله، سواء تكرر أو لم يتكرر؛ لأنه لا يمكن جعل جميعه حيضا، فكان جميعه استحاضة؛ لأن إلحاق بعضه ببعض أولى من إلحاقه بغيره. والثانى، أن يمكن جعله حيضا، وذلك يتصور في حالين؛ أحدهما، أن يكون بضمه إلى الدم الأول لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما، فإذا تكرر جعلناهما حيضة واحدة، ويلفق أحدهما إلى الآخر، ويكون الطهر الذي بينهما طهرا في خلال الحيض. والصورة الثانية، أن يكون بينهما أقل الطهر، إما ثلاثة عشر يوما، أو خمسة عشر يوما، ويكون كل واحد من الدمين يصلح أن يكون حيضا بمفرده بأن يكون يوما وليلة فصاعدا، فهذا إذا تكرر كان الدمان حيضتين، وإن نقص أحدهما عن أقل الحيض، فهو دم فساد، إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده. ومثال ذلك ما لو كانت عادتها عشرة من أول الشهر، فرأت خمسة منها دما، وطهرت خمسة، ثم رأت خمسة دما، وتكرر ذلك. فالخمسة الأولى والثالثة حيضة واحدة تلفق الدم الثانى إلى الأول. وإن رأت الثانى ستة أو سبعة، لم يمكن أن يكون حيضا؛ لأن بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوما، وليس بينهما أقل الطهر. وإن رأت يوما دما وثلاثة عشر طهرا، ثم رأت يوما دما وتكرر هذا، كانا حيضتين، وصار شهرها أربعة عشر يوما. وكذلك إن رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا، [ثم رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا] ، ثم رأت يومين دما، وتكرر شهرها خمسة عشر يوما. وإن كان الطهر بينهما أحد عشر يوما فما دون وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه ليس بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما، ولا بينهما أقل الطهر. وإن كان بينهما اثنا عشر يوما طهرا، لم يمكن كونهما جميعا حيضا؛ لأنه لا يمكن كونهما حيضة واحدة؛ لزيادتهما بما بينهما والطهر على أكثر الحيض، ولا يمكن جعلهما حيضتين؛ لأنه ليس بينهما أقل الطهر، فيكون حيضها منهما ما وافق العادة، والآخر استحاضة. وعلى هذا كل ما يتفرع من المسائل، إلا أنها لا تلتفت إلى ما رأته بعد الطهر فيما خرج عن العادة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا، فإن تكرر، وأمكن جعله حيضا، فهو حيض، وإلا فلا. وكل موضع رأت الدم ولم تترك العبادة فيه، ثم تبين أنه كان حيضا، فعليها قضاء الصوم المفروض فيه. وكل موضع عدته حيضا وتركت فيه العبادة، ثم تبين أنه طهر، فعليها قضاء ما تركته من الواجبات فيه.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/٢١٠:٢٢٤)
المبحث الثاني حكم الصفرة والكدرة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- من ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في امرأة صحيحة، وليست مستحاضة، وفي وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص الصحيحة.
- إذا كان التمييز لم يقدم على العادة في المستحاضة، وقد اختلط حيضها باستحاضتها فكونه لا يقدم التمييز على الصحيحة في وقت العادة من باب أولى.
- حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) حديث منكر، لا يمكن أن يبنى عليه أصل، وهو مخالف سندا ومتنا لأحاديث الصحيحين.
[م-٧١٣] اختلف العلماء في الصفرة والكدرة:
فقيل: الصفرة والكدرة حيض مطلقا في أيام العادة وغيرها، وهو مذهب المدونة، والأصح عند الشافعيةوقيل: الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقا، وهو اختيار الظاهرية.
وقيل بالتفصيل: الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض، وبعد الطهر ليست بحيض، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، واختاره ابن الماجشون من المالكية، وجعله المازري والباجي هو المذهب عند المالكية، واختاره أبو سعيد الاصطخري من الشافعية
ونسب ابن بطال وابن رجب القول به إلى جمهور العلماء، وقال ابن رجب: حتى إن منهم من نقله إجماعا كعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه.
واختلفوا في الصفرة والكدرة إذا زادت على أيام العادة متصلة بها ولم تكن في أيام العادة، ولم تتجاوز أكثر الحيض، على ثلاثة أقوال:
فقيل: حيض، وهو قول أبي حنيفة، وبه يقول كل من رأى أن الصفرة والكدرة حيض مطلقا، كمالك والشافعي.وقيل: ليس بحيض، وهو قول أبي سعيد الاصطخري من الشافعية، وبه يقول كل من يرى أن الصفرة والكدرة ليست حيضا مطلقا كالظاهرية.
وثالثها لا يلتفت إليه حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا، وهو قول الإمام أحمدوقيل: الصفرة حيض، وأما الكدرة فليست بحيض إلا أن يتقدمها دم، وهذا هو اختيار أبي يوسف من الحنفية.
هذا ملخص الأقوال في المسألة.
دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض مطلقا:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (حتى يطهرن) [البقرة: ٢٢٢].
والمرأة التي ينزل منها الكدرة والصفرة لم تطهر بعد.
الدليل الثاني:
(١٦١٣ - ٧٥) استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات ابنتها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فتسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصا.
[حسن]وجه الاستدلال:
أن أسماء رضي الله عنها أمرتهن باعتزال الصلاة من الصفرة، ولو كانت بعد الطهر والاغتسال حتى ولو كانت الصفرة يسيرة.
وأجيب:
بأن هذا مخالف لما روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأم عطية، بل ظاهر كلام أم عطية أن له حكم الرفع كما سيأتي تقريره. وقد يفسر قولها: (كانت إحدانا تطهر) أي تطهر بالجفاف لا برؤية البياض، فكانت الواحدة منهن إذا طهرت بالجفاف اغتسلت وصلت ثم يرين بعد ذلك الصفرة اليسيرة فتنهاهن عن الاستعجال، وأن يعتزلن الصلاة حتى يرين البياض خالصا، والمقصود بها القصة البيضة، ليكون مطابقا لما روي عن عائشة، ولو كان المقصود بقولها: (إحدانا تطهر) بالقصة البيضاء ما تشوفت لرؤيته مرة ثانية؛ لأن المرأة ترى القصة مرة واحدة عقب الحيضة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
إذا كانت الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضا، فكذلك إذا كانت بعد الطهر؛ لأنكم إما أن تقولوا: بأنها حيض مطلقا، في العادة وبعدها، أو تقولوا: ليست بحيض مطلقا، فأما أن تعتبروها في زمن مانعة من الصلاة والصيام، وفي زمن ليست مانعة، فهذا خطأ يخالف القواعد.
وأجيب:
بأن التفريق بين زمن العادة وغيرها إنما قلناه تبعا للنصوص، لا أن ذلك وفقا للقياس، والنص مقدم على القياس.
وقد يقال: إن الصفرة والكدرة على وفق القياس، وذلك أنهما إذا كانا في زمن العادة والحيض، كان هذا وقت سلطان الدم، فهما أثر من آثاره؛ لأن العادة تبدأ ضعيفة، ثم تشتد ثم تتدرج بالضعف حتى تطهر المرأة، وما دامت في وقت الدم فقد أعطيت حكمه؛ لأن الكدرة أثر من آثاره، بخلاف ما إذا كان بعد الطهر فإنها ليست من أثر الحيض.
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم في المستحاضة لم يردها إلى التمييز، بل ردها إلى عادتها، بصرف النظر عن لون الدم، هل كان أسود أو أحمر، هل له رائحة، أو ليس له رائحة، فقدم الشرع العادة على اللون، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص، كما سيأتي بيانه في المستحاضة، والله أعلم.دليل من قال: بأن الصفرة والكدرة ليست حيضا مطلقا:
(١٦١٤ - ٧٦) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ابن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصليحديث منكر].
وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بالإمساك عن الصلاة إلا إذا رأت الدم الأسود، وأما إذا رأت غيره فإنها تصلي، والصفرة والكدرة ليست دما أسود، وبالتالي فهي مأمورة بالصلاة إذا رأته.
وأجيب:
أولا: الحديث منكر، منقطع الإسناد، مخالف لما في الصحيحين في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، حيث ردها النبي إلى العادة، وأمرها أن تجلس قدر عادتها، ولم يردها إلى العمل بالتمييز، فكيف نردها إلى الدم الأسود، ونلغي العادة، فظاهر من الشرع أنه يقدم سلطان العادة على التمييز، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد قدم سلطان اللون على سلطان العادة، وهذا مخالف لما في الصحيحين.
ثانيا: أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، وهي التي اختلط دم حيضها بدم استحاضتها وكان التمييز بين الدمين لا يمكن إلا باللون، لا أن هذا حكم مطلق لكل امرأة، ولو لم تكن غير مستحاضة، فضلا أن يدعى أن هذا في امرأة ليس لها عادة، أو نسيت عادتها، فردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى التمييز، مع أن الحديث واحد في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، ومع أنه لم يجر ذكر للعادة مطلقا في حديث محمد ابن عمرو، ولم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم هل أنت مبتدأة ليس لك عادة؟ فضلا أن يفترض أن لها عادة ونسيتها، فالمستحاضة إذا عملت بحديث فاطمة بنت أبي حبيش إما أن تأخذ بالعادة كما في الصحيحين، وهو حديث مجمع على صحته، أو تأخذ بالتمييز مطلقا كما في هذا الحديث المخالف لما في الصحيحين، ولا خيار ثالث.
ثالثا: أنه مقيد بحديث أم عطية: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا) وسيأتي تخريجه. ومقيد بأثر عائشة: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) وسيأتي إن شاء الله تخريجه، وعليه فيكون ما عدا الدم الأسود ليس حيضا، إلا في زمن العادة فإنه حيض حتى ولو كان صفرة وكدرة جمعا بين هذا الحديث وما روي عن أم عطية وعائشة. والله أعلم.الدليل الثاني:
(١٦١٥ - ٧٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد -يعني ابن سيرين-.
عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئافكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم، فلا تعد الصفرة شيئا لا قبل الطهر ولا بعد الطهر.
قلت: قد روته حفصة بنت سيرين عن أم عطية بزيادة: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا). وهي زيادة وإن لم يخرجها البخاري، إلا أنه اعتمدها في فقه ترجمته، فقال: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.
وإذا اختلف على أم عطية بين حفصة وأخيها، وكل منهما ثقة، فإما أن يكون هذا الاختلاف سببا في رد الأثر والحكم عليه بالاضطراب، وإما نسلك مسلك الترجيح بينهما، وإذا كان هناك نظر للترجيح فأثر حفصة أولى للأسباب التالية:
أولا: أن حفصة امرأة، وتروي هذا الأثر عن امرأة مثلها، وفيما يخص النساء فقط، ولا شك أن اهتمام المرأة في نقل ما يخصها، ودخول المرأة على مثلها، وسماعها منها أيسر من دخول الرجل على المرأة وسماعه منها.
ثانيا: أن أثر حفصة يتفق مع أثر عائشة، لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، كما يتفق مع أثر أسماء، اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصا، وكل هؤلاء نساء، وهن أعلم في نقل ما يخصهن، فإذا رأيت مجموعة هذه الآثار رأيتها مرجحا آخر لأثر حفصة، عن أم عطية، بينما ابن سيرين لم يشهد له أي أثر من آثار الصحابة.
ثالثا: أن الطب يشهد لأثر حفصة؛ لأن الحيض ليس دما خالصا كدم العرق، وإنما الدم مكون منه، فجدار الرحم يبطن من أوعية دموية، وغدد، ونحوها، لهذا فيه اللون الأسود، واللون الكدر، والأحمر، والأصفر، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) [البقرة: ٢٢٢]. فالأذى: هو النجس، ولا نجس إلا الدم.
وأجيب:
على التسليم بأن الصفرة والكدرة ليست بنجسة، فإن الأذى يطلق على غير النجاسة، قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) [البقرة: ١٩٦]، فالأذى يطلق على ما يتأذى منه، سواء كان طاهرا أو نجسا على أننا لا نسلم بطهارة الصفرة والكدرة، وهي من بقايا دم الحيض، فإذا كنا عرفنا كيف يحدث الحيض للمرأة، وأن الحيض عبارة عن انهدام الغشاء المبطن للرحم، وهو متكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض هو الدم الخالص بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضا، وهو يتفاوت في أول الحيض وفورته، وآخره.
هذه أدلة من رأى أن الصفرة والكدرة ليست حيضا، وعمدتهم حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وهو حديث منكر كما تقدم.
قال ابن حزم: «إذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم، وحرم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت»وقال أيضا: «وجدنا النص قد ثبت وصح أنه لا حيض إلا الدم الأسود، وما عداه ليس حيضا، لقوله عليه السلام: (إن دم الحيض أسود يعرف) فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة، لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأنه لا فرق بين الدم الأحمر، والقصة البيضاء».
دليل من فرق بين الكدرة في أول الحيض وفي آخر الحيض:
قال أبو يوسف: إن الكدرة لا تكون حيضا إلا إذا كانت في آخر أيام الحيض.
وجه ذلك ما ذكره الكاساني، قال: «إن الحيض، هو الدم الخارج من الرحم، لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه زمان الطهر، ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولا ثم الصافي، فينظر: إن خرج الصافي أولا علم أنه من الرحم فيكون حيضا، وإن خرج الكدر أولا علم أنه من العرق فلا يكون حيضا»وهذا التعليل مبني على الرأي المحض، لا على قول الأطباء، ولا على نص شرعي، والنصوص لم تفرق إلا بين الكدرة في زمن العادة، وبين الكدرة بعد الطهر، بل إن دم المرأة ينزل أول ما ينزل ضعيفا في غزارته ولونه، ثم يشتد، ثم يضعف حتى ينقطع، والضعف كما يكون في سيلانه، يكون في لونه ورائحته. والله أعلم.
دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض إن كانت في زمن الحيض:
(١٦١٦ - ٧٨) استدلوا بما رواه مالك، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء
[حسن]وجه الاستدلال:
أنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضا، حتى ترى علامة الطهر.
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضا بعد الطهر:
(١٦١٧ - ٧٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين).
عن أم عطية -وكانت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم- قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا[صحيح]
وعلى فرض أن تكون أم عطية قد اختلف عليها، فإن هذا قد يوجب طرح ما روي عنها، ويبقى أثر عائشة صحيحا للاحتجاج.
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، مع بيان أدلتها، وهناك أقوال أخرى مبنية على الرأي المحض، أسوقها في ختام هذا البحث استكمالا للفائدة، وقد ساقها النووي أوجها في الروضة فقال:
أحدها: إن سبق الصفرة والكدرة دم قوي من سواد أو حمرة فالصفرة والكدرة بعد حيض، وإلا فلا.
وقيل: إن سبقها دم قوي، وتعقبها دم قوي، فهما حيض، وإلا فلا. ويكفي في تقديم القوي وتأخره أي قدر كان، ولو لحظة على الأصح.
وقيل: لا بد من يوم وليلةهذا أهم ما ورد في المسألة من أقوال. الراجح كما أشرت أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، فكل أذى يخرج من الرحم في وقت العادة فهو حيض، سواء كان الدم أسود، أو أحمر، أو كان كدرة أو صفرة.
لأنه لا عبرة في اللون زمن العادة، ولو كان الاعتماد على اللون لكان ذلك عملا بالتمييز، وليس عملا بالعادة، وإذا لم يعمل بالتمييز زمن اختلاط الحيض بالاستحاضة، فتجلس وقت عادتها مطلقا، لم يعمل بالتمييز وقت العادة زمن الصحة، وعدم اختلاطه بغيره.
ثانيا: أن ما يخرج من الرحم ليس الدم وحده؛ لأنه ليس الحيض هو سيلان عرق حتى يكون الخارج هو الدم الخالص، وإنما الحيض هو انهدام بطانة الرحم والتي تكونت استعدادا لتلقي الجنين، فإذا لم يحصل التخصيب انهدم هذا الجدار، وهو يتكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض دما خالصا بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضا، وعلى هذا أعطى الشرع حكم الكدرة والصفرة حكم الدم من المستحاضة، ففي وقت العادة تجلس وتدع الصلاة والصيام، وفي غير وقت العادة لا عبرة به، كما لا عبرة في دم المستحاضة في غير وقت العادة، ويكفي أن القائلين بأن الحيض هو الدم الأسود لا يعرف هذا القول حسب اطلاعي إلا عن الظاهرية، وأما أكثر العلماء فهم يرون أن الكدرة والصفرة إما حيض مطلقا كالمالكية والشافعية، وإما حيض وقت سلطان العادة وزمانها، كما هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه بعضهم إجماعا، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٨/٢٩٥:٢٩٦)
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان، ولأن عائشة رضي الله عنها كان النساء يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة والكدرة : فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيض.
والصفرة والكدرة: هما شيء كالصديد. قال الرملي: وهما ليس من ألوان الدم، وإنما هما كالصديد. وقد صرح ابن حجر الهيتمي بأنهما ماءان لا دمان.
وعند الشافعية وجه أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض، لأنهما ليستا على لون، ولقول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاوهذا قول ابن الماجشون أيضا. قال الدسوقي: وجعله المازري والباجي هو المذهب.واختلف الفقهاء في الصفرة و الكدرة في غير أيام الحيض. فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنهما ليسا بحيض في غير أيام الحيض، لقول أم عطية كنا لا نعد الصفرة و الكدرة بعد الطهر شيئا. وذهب المالكية والشافعية إلى أنهما حيض. إذا رأتهما المعتادة بعد عادتها، فإنها تجلس أيامهما عند الشافعية.
وتستظهر بثلاثة أيام عند المالكية. وقد صرح الحنفية بأن ألوان دم الحيضة ستة، وهي السواد والحمرة، والصفرة، والخضرة، و الكدرة ، والتربية قالوا: و الكدرة ما هو كالماء الكدر، التربية نوع من الكدرة على لون التراب، والصفرة كصفره القز، والتبن، والسدر على الاختلاف، ثم إن المعتبر حال الرؤية لا حالة التغير، كما لو رأت بياضا فاصفر باليبس، أو رأت حمرة أو صفرة فابيضت باليبس، وأنكر أبو يوسف الكدرة في أول الحيض دون آخره، ومنهم من أنكر الخضرة.
قال ابن عابدين: والصحيح أنها حيض من ذوات الأقراء دون الآيسة. وزاد المالكية على الصفرة و الكدرة التربية - وهو الماء المتغير دون الصفرة - والتربية عند المالكية تساوي التربية عند الحنفية، حيث إنهم وصفوا التربية بأنها دم فيه غبرة تشبه لون التراب
المغني -ابن قدامة- (١/٤١٣:٤١٤)
مسألة؛ قال: (والصفرة و الكدرة في أيام الحيض من الحيض)
يعنى إذا رأت في أيام عادتها صفرة أو كدرة، فهو حيض، وإن رأته بعد أيام حيضها، لم يعتد به. نص عليه أحمد. وبه قال يحيى الأنصارى، وربيعة، ومالك، والثورى، والأوزاعى، وعبد الرحمن بن مهدى، والشافعى، وإسحاق. وقال أبو يوسف، وأبو ثور: لا يكون حيضا، إلا أن يتقدمه دم أسود؛ لأن أم عطية، وكانت بايعت النبى -صلى الله عليه وسلم-، قالت: كنا لا نعتد بالصفرة و الكدرة بعد الغسل شيئا. رواه أبو داود، وقال: بعد الطهر. ولنا، قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}، وهذا يتناول الصفرة و الكدرة ، وروى الأثرم، بإسناده، عن عائشة، رضى الله عنها، أنها كانت تبعث إليها النساء بالدرجة فيها الكرسف، فيها الصفرة و الكدرة ، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة. وحديث أم عطية إنما يتناول ما بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به، وقد قالت عائشة: ما كنا نعد الكدرة والصفرة حيضا مع قولها المتقدم، الذي ذكرناه.
المغني -ابن قدامة- (١/٤١٤)
فصل: وحكم الصفرة و الكدرة حكم الدم العبيط في أنها في أيام الحيض حيض، وتجلس منها المبتدأة كما تجلس من غيرها. وإن رأتها فيما بعد العادة فهو كما لو رأت غيرها على ما سيأتى ذكره، إن شاء الله. وإن طهرت ثم رأت كدرة أو صفرة، لم يلتفت إليها؛ لخبر أم عطية وعائشة، وقد روى النجاد، بإسناده، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة، عن أسماء قالت: كنا في حجرها مع بنات بنتها، فكانت إحدانا تطهر ثم تصلى، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض خالصا.والأول أولى؛ لما ذكرنا، وقول عائشة وأم عطية أولى من قول أسماء. وقال القاضي: معنى هذا أنها لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول أسماء فيما إذا تكرر، فجمع بين الأخبار. والله أعلم.
موسوعة الطهارة -الدبيان- (٨/٧١:٧٦)
إذا انقطع الدم عن الكبيرة ثم عاد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل امرأة لا يمكن حملها لهرمها فما تراه من الدم بعد انقطاعه لا يكون حيضا.
- الآيسة والصغيرة التي لا يمكن حملها لا يحيضان.
- كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها، فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضا.
[م-٦٨٧] إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة لكونها كبيرة، ودام انقطاعه سنوات ثم عاودها الدم فما الحكم؟
الجواب: إذا كانت صفرة أو كدرة فلا تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة في سلطان الحيض وزمانه، ووقت نزول العادة حيض، أما هذه فقد يئست، كما أن الدم إن كان مجرد قطعة من الدم لم يكن متصلا فكذلك لا تلتفت إليه؛ لأن ذلك ربما كان ناتجا عن حمل المرأة شيئا ثقيلا نزل على أثره قطعة من الدم. فإن كان الدم جاريا، ولا تعلم له سبب، فقد اختلف العلماء هل يكون دم فساد مثله مثل من به سلس بول، أو يكون حيضا؟ والأقوال لا تخرج عن ثلاثة أقوال:القول الأول: أنه دم فساد، يكون حكمه حكم من به حدث دائم، فلا تترك الصلاة والصيام، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية، وبه قال أحمد وإسحاق.
قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضا، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن، فلم يجعل حكمها كحكم الاستحاضة، وذلك بالعمل بالتمييز، أو العادة؛ لأنه لا يرى أن يتأتى منها الحيض، وهي بهذا السن.
وقال ابن رشد: «وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض، فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر، كما ينتفي مع الصغر».
- وجه القول بأنه دم فساد:
أنه دم امرأة لا يمكن أن تحمل، فلم يمنع الصلاة والصيام.
قال إسحاق: حكمها حكم المستحاضة إذا جاوزت الخمسين؛ لأنها لا تلد بعد الخمسين أبدا.
وهذا التعليل لا يبعد من جهة الطب، ذلك أن الحيض هو جدار يبطن به الرحم استعدادا لتخصيب البويضة، حتى تعلق به، ومن ثم ينمو الجنين وتتكون المشيمة، كما سيأتي بيانه عند الكلام كيف تحيض المرأة، وما دام أن المرأة لا يمكن أن تحمل، فلا يمكن أن تحيض.
القول الثاني:
إن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، اختاره بعض المالكية، ورجحه ابن حزم، وابن تيميةوجه هذا القول:
بأن كل دم يحمل صفات دم الحيض فهو حيض.
ولأن الطهر لا حد له، فقد يطول بالمرأة حتى تظن أنها آيسة، وبعود الدم تبين أنها لم تكن كذلك.
ولأن الله أخبر عن الحيض بأنه أذى، فإذا وجد الأذى فقد وجد الحيض.
قال في المحلى: «وإن رأت العجوز المسنة دما أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله صلى الله عليه وسلم -الذي ذكرناه قبل بإسناده-: (إن دم الحيض أسود يعرف).
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأته بترك الصلاة، وقوله عليه السلام في الحديث: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضا، كما جاء به النص في الحامل، فإن ذكروا قول الله عز وجل (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) [الطلاق: ٤]. قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعا من أن يحدث الله تعالى لهن حيضا، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون) [النور: ٦٠]. فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعا من أن ينكحن بلا خلاف من أحد، ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحا، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من المحيض والنكاح».
وقال ابن تيمية: «إذا انقطع دمها ويئست من أن يعود، فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، فإذا تربصت وعاد الدم، تبين أنها لم تكن آيسة».
ودليل آخر أن الله سبحانه وتعالى علق أحكام الحيض على وجوده، فقال سبحانه وتعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا وجد الأذى وجد حكمه، ولا فرق بين كونه يتقدمه طهر طويل، أو طهر قصير، ما دام أن هذا الدم له لون دم الحيض، ورائحته النتنة التي تعرفها المرأة من عادتها.
القول الثالث:
لا نحكم له بأنه حيض حتى يتكرر ثلاث مرات، وقد جاء في مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله «سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دما ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟
فقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثا فهذا حيض، وقد رجع تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا»
المغني -ابن قدامة- (١/٤٤٥:٤٤٧)
١٠٧ - مسألة؛ قال: (وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة، فلا تدع الصوم، ولا الصلاة، وتقضى الصوم احتياطا، فإن رأته بعد الستين، فقد زال الإشكال؛ وتيقن أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلى، ولا تقضى)
اختلفت الرواية عن أحمد، رحمه الله، في هذه المسألة؛ فالذى نقل الخرقى ههنا، أنها لا تيأس من الحيض يقينا إلى ستين سنة، وما تراه فيما بين الخمسين والستين مشكوك فيه، لا تترك له الصلاة ولا الصوم؛ لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضى الصوم المفروض احتياطا، لأن وجوبه كان متيقنا، وما صامته في زمن الدم مشكوك في صحته، فلا يسقط به ما تيقن وجوبه. وروى عنه ما يدل على أنها بعد الخمسين لا تحيض. وكذلك قال إسحاق بن راهويه: لا يكون حيضا بعد الخمسين، ويكون حكمها فيما تراه من الدم حكم المستحاضة؛ لما روى عن عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض. وروى عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين. وروى عنه، أن نساء الأعاجم يئسن من المحيض في خمسين، ونساء بنى هاشم وغيرهم من العرب إلى ستين سنة. وهو قول أهل المدينة؛ لما روى الزبير بن بكار، في "كتاب النسب" عن بعضهم، أنه قال: لا تلد لخمسين سنة إلا العربية، ولا تلد لستين إلا قرشية. وقال: إن هندا بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسين بن حسن بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة. وقال أحمد، في امرأة من العرب رأت الدم بعد الخمسين: إن عاودها مرتين أو ثلاثة فهو حيض. وذلك لأن المرجع في هذا إلى الوجود، وقد وجد حيض من نساء ثقات أخبرن به عن أنفسهن بعد الخمسين، فوجب اعتقاد كونه حيضا، كما قبل الخمسين. ولأن الكلام فيما إذا وجد من المرأة دم في زمن عادتها على وجه كانت تراه قبل ذلك، فالوجود ههنا دليل الحيض، كما كان قبل الخمسين دليلا، فوجب جعله حيضا، وأما إيجاب الصلاة والصوم فيه فللاحتياط، لوقوع الخلاف فيه. والصحيح أنه لا فرق بين نساء العرب وغيرهن؛ لأنهن لا يختلفن في سائر أحكام الحيض، فكذلك في هذا، وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به. ثم قد وجد بخلاف ما قالته؛ فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد الخمسين، ووجد الحيض فيما بعد الخمسين على وجهه، فلا يمكن إنكاره. فإن قيل: هذا الدم ليس بحيض، مع كونه على صفته، وفي وقته وعادته، بغير نص. فهذا تحكم لا يقبل. فأما بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض؛ لأنه لم يوجد، وقد علم أن للمرأة حالا تنتهى فيه إلى الإياس؛ لقول الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم}. قال أحمد، في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضا، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن. وقال عطاء: هي بمنزلة المستحاضة. ومعنى القولين واحد؛ وذلك لأن هذا الدم إذا لم يكن حيضا فهو دم فساد، وحكمها حكم المستحاضة ومن به سلس البول، على ما مر حكمهما.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٢/٤٢٣:٤٢٥)
فالعمل بالعادة المنتقلة متفق عليه في الجملة ولكن في بعض صوره تفصيل وخلاف فإذا كان عادتها الخمسة الثانية من الشهر فرأت في بعض الشهور الخمسة الأولى دما وانقطع فقد تقدمت عادتها ولم يزد حيضها ولم ينقص ولكن نقص طهرها فصار عشرين بعد أن كان خمسة وعشرين وإن رأته في الخمسة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة فقد تأخرث عادتها ولم زد حيضها ولم ينقص ولكن زاد طهرها وإن رأته في الخمسة الثانية مع الثالثة فقد زاد حيضها وتأخرت عادتها وإن رأته في الخمسة الأولى والثانية فقد زاد حيضها وتقدمت عادتها وإن رأته في الخمسة الأولى والثانية والثالثة فقد زاد حيضها فصار خمسة عشر وتقدمت عادتها وتأخرت وإن رأته في أربعة أيام أو ثلاثة أو يومين أو يوم من الخمسة المعتادة فقد نقص حيضها ولم تنتقل عادتها وإن رأته في يوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة من الخمسة الأولى فقد نقص حيضها وتقدمت عادتها وإن رأت ذلك في الخمسة الثالثة أو الرابعة أو ما بعد ذلك فقد نقص حيضها وتأخرت عادتها: قال القاضي أبو الطيب وغيره لا خلاف في كل هذه الصور بين أصحابنا: وقال أبو حنيفة رحمه الله إن رأته قبل العادة فليس بحيض وإن رأته بعدها فحيض لان التأخر تابع: دليلنا أنه دم صادف الإمكان فكان حيضا قال أصحابنا ثم في كل هذه الصور إذا استحيضت فأطبق دمها بعد عادة من هذه العادات ردت إليها إن كانت تكررت فإن لم تتكرر ردت إليها أيضا على المذهب وفيها الخلاف السابق في ثبوت العادة بمرة أو مرتين فإن لم نثبتها بمرة ردت إلى العادة القديمة أما إذا كان عادتها خمسة من أول الشهر فرأت في شهر ستة وطهرت باقيه ثم رأت في الشهر الذي يليه سبعة وطهرت ثم استحيضت في الثالث واستمر الدم المبهم فإن أثبتنا العادة بمرة ردت إلى السبعة فإن قلنا لا تثبت إلا بمرتين فوجهان أصحهما عند إمام الحرمين ترد إلى الخمسة فانها المتكررة حقيقة على حيالها والثاني وهو الأشهر وصححه الرافعي وغيره ترد إلى الستة لأنها تكررت فوجدت مرة منفردة ومرة مندرجة في جملة السبعة وإن قلنا بالوجه الشاذ إنها لا تثبت إلا بثلاث مرات ردت إلى الخمسة قطعا أما بيان قدر الطهر إذا تغيرت العادة ففيه صور فإذا كان عادتها خمسة من أول الشهر فرأت في شهر الخمسة الثانية فقد صار دورها المتقدم على هذه الخمسة خمسة وثلاثين منها خمسة حيض وثلاثون طهر فإن تكرر هذا بأن رأت بعد هذه الخمسة ثلاثين طهرا ثم عاد الدم في الخمسة الثالثة من الشهر الآخر وهكذا مرارا أو مرتين ثم استحيضت فأطبق الدم المبهم فإنها ترد إلى هذا أبدا فيكون لها خمسة حيضا وثلاثون طهرا وهذا متفق عليه وإن لم يتكرر بأن استمر الدم من أول الخمسة الثانية فهل نحيضها في هذا الشهر فيه وجهان أحدهما وهو قول ابى اسحق المروزي لا حيض لها في هذا الشهر فإذا جاء الشهر الثاني ابتدأت من أوله حيضا خمسة أيام وباقيه طهر وهكذا جميع الشهور كما كانت عادتها والوجه الثاني وهو قول جمهور الأصحاب نحيضها في هذا الشهر خمسة من أول الدم المبتدئ وهي الخمسة الثانية ثم إن أثبتنا العادة بمرة جعلنا دورها خمسة وثلاثين منها خمسة حيض والباقي طهر وهكذا أبدا: وإن لم نثبتها بمرة فوجهان الصحيح منهما وهو الذي نقله إمام الحرمين وغيره من المحققين أن طهرها خمسة وعشرون بعد الخمسة لأن ذلك هو المتكرر من طهرها: والثاني أن طهرها في هذا الدور عشرون وهو الباقي في هذا الشهر ثم تحيض من أول الشهر الثاني خمسة وتطهر باقيه وهكذا أبدا مراعاة لعادتها القديمة قدر أو وقتا فهذا الذي حكيناه عن جمهور الأصحاب هو الصواب المعتمد واما قول أبي اسحق فضعيف جدا: قال إمام الحرمين إنما قال أبو اسحق هذا لاعتقاده لزوم أول الأدوار ما أمكن: قال الإمام وهذا الوجه وإن صح عن أبى اسحق فهو متروك عليه معدود من هفواته قال وهو كثير الغلط في الحيض ومعظم غلطه من إفراطه في اعتبار أول الدور: ووجه غلطه أنها إذا رأت الخمسة الثانية ثم استمر فأول دمها في زمن إمكان الحيض وقد تقدم عليه طهر كامل فالمصير إلى تخلية هذا الشهر عن الحيض باطل لا أصل له قال الإمام ثم نقل النقلة عن أبى اسحق غلطا فاحشا فقالوا عنده لو رأت في الخمسة الثانية دما ثم استمر إلى آخر الشهر ثم رأت خمسة أيام نقاء من أول الشهر الثاني ثم استمر الدم إلى آخر الشهر ثم رأت النقاء خمسة ثم استمر الدم إلى آخر الشهر ثم رأت النقاء خمسة وهكذا على هذا الترتيب سنين كثيرة فهذه امرأة لا حيض لها وهذا في نهاية من السقوط والركاكة هذا آخر كلام الإمام ثم إن إمام الحرمين والغزالي والرافعي وآخرين نقلوا مذهب ابي اسحق كما قدمته وهو أنه لاحيض لها في الشهر الأول فإذا جاء الثاني فلها من أوله خمسة حيض وباقيه طهر وكذا ما بعده من الشهور فيستمر دورها ثلاثين يوما أبدا وقال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق على مذهب أبي اسحق زاد طهرها وصار خمسة وخمسين يوما وصار دورها ستين يوما أبدا خمسة حيض وخمسة وخمسون طهر تفريعا على المذهب أن العادة تثبت بمرة وهذا الذي نقله الشيخ أبو محمد ظاهر لكن المشهور عنه ما قدمناه والله أعلم