موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٧/١٧٤:١٧٦)
مبدأ وقت العشاء ونهايته:
١٢ - يبدأ وقت العشاء حين يغيب الشفق بلا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، إلا أنهم اختلفوا في معنى الشفق، فذهب أبو حنيفة إلى أن الشفق هو البياض الذي يظهر في جو السماء بعد ذهاب الحمرة التي تعقب غروب الشمس، وذهب الصاحبان إلى أن الشفق هو الحمرة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، والفرق بين الشفقين يقدر بثلاث درجات، وهي تعدل اثنتي عشرة دقيقة. وذهب الشافعية إلى أن للعشاء سبعة أوقات: وقت فضيلة وهو أوله، واختيار إلى آخر ثلث الليل الأول، وقيل إلى نصف الليل لحديث: لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل وجواز بلا كراهة للفجر الأول، وبكراهة إلى الفجر الثاني، ووقت حرمة وضرورة وعذر.
استدل أبو حنيفة على أن الشفق هو البياض، بما روي عن أبي هريرة في حديث: إن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق وإنما يسود إذا خفيت الشمس في الظلام، وهو وقت مغيب الشفق الأبيض.واستدل الجمهور على أن الشفق هو الحمرة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة (١) وهو وقت مغيب الشفق الأحمر.
١٣ - أما نهاية وقت العشاء، فحين يطلع الفجر الصادق بلا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه، وهو مذهب الشافعية، وغير المشهور عند المالكية؛ لما روي عن أبي هريرة أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وآخره حين يطلع الفجر والمشهور في مذهب المالكية أن آخر وقتها ثلث الليل، لحديث إمامة جبريل المتقدم، وفيه: أنه صلاهما في اليوم الثاني في ثلث الليل.
وذهب الحنابلة إلى أن آخر وقتها الاختياري ثلث الليل، وبعده إلى طلوع الفجر وقت ضرورة، بأن يكون مريضا شفي من مرضه، أو حائضا أو نفساء طهرتا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٨:٤٠)
أجمعت الأمة على أن وقت العشاء مغيب الشفق واختلفوا في الشفق هل هو الحمرة أم البياض وسنذكر فيه فرعا مستقلا إن شاء الله تعالى ومذهبنا أنه الحمرة دون البياض وأما الصفرة التي بعد الحمرة وقبل البياض فاختلف كلام الأصحاب فيها فقال الغزالي في الوسيط الشفق الحمرة دون الصفرة والبياض وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط يدخل وقت العشاء بزوال الحمرة والصفرة وقد يستدل لهما بما نقله صاحب جمع الجوامع عن نص الشافعي أنه قال الشفق الحمرة التي في المغرب فإذا ذهبت الحمرة ولم ير منها شئ فقد دخل وقتها ومن افتتحها وقد بقي من الحمرة شئ أعادها فهذا لفظه وهو محتمل لما قاله إمام الحرمين لأن الحمرة ترق وتستحيل لونا آخر بحيث يعد بقية للون الحمرة وفي حكم جزء منها ولكن نص الشافعي في مختصر المزني الشفق الحمرة وهكذا عبارات جماهير الأصحاب وهذا ظاهر في أنه يدخل الوقت بمغيب الحمرة وإن بقيت الصفرة وهذا هو المذهب
* وأما آخر وقت العشاء المختار ففيه قولان مشهوران أحدهما وهو المشهور في الجديد أنه يمتد إلى ثلث الليل والثاني وهو نصه في القديم والإملاء من الجديد يمتد إلى نصف الليل ودليلهما في الكتاب وهما حديثان صحيحان واختلف المصنفون في أصح القولين فقال القاضي أبو الطيب صحح أبو إسحاق المروزي كونه نصف الليل وصحح أصحابنا ثلث الليل وممن صحح ثلث الليل البغوي والرافعي وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات منهم الماوردي في الإقناع والغزالي في الخلاصة والشاشي في العمدة ودليل الثلث حديث جبريل وحديث أبي موسى الأشعري وقد سبق بطوله وممن صحح النصف الشيخ أبو حامد والمحاملي وسليمان في
رءوس المسائل وأبو العباس الجرجاني والشيخ نصر في تهذيبه والروياني وقطع به جماعة منهم أبو عبد الله الزبيري وسليم في الكفاية والمحاملي في المقنع ونصر المقدسي في الكافي: هذه طريقة جماهير الأصحاب في وقت الاختيار أن فيه قولين كما ذكرنا وانفرد صاحب الحاوي فقال فيه طريقان أحدهما فيه قولان كما سبق قال وهي طريقة الجمهور والثانية وهي طريقة ابن سريج ليست على قولين بل الأحاديث الواردة بالأمرين والنصان للشافعي محمولان على اختلاف حال الابتداء والانتهاء فالمراد بالثلث أئه آخر وقت الابتداء بها والمراد بالنصف أنه آخر وقت الانتهاء وهذا الطريق غريب والمختار ثلث الليل فإذا ذهب وقت الاختيار بقي وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني هذا هو المذهب نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابنا المتقدمين والمتأخرين وقال أبو سعيد الإصطخري إذا ذهب وقت الاختيار فاتت العشاء ويأثم بتركها وتصير قضاء وهذا الذي قاله هو أيضا أحد احتمالين حكاهما القفال في شرح التلخيص عن أبي بكر الفارسي وقد قال الشافعي في باب استقبال القبلة إذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة فمن أصحابنا من وافق الإصطخري لظاهر هذا النص وتأوله الجمهور قال القاضي أبو الطيب قال أصحابنا أراد الشافعي أن وقت الاختيار فات دون وقت الجواز لأن الشافعي قال في هذا الكتاب إن المعذورين إذا زالت أعذارهم قبل الفجر بتكبيرة لزمتهم المغرب والعشاء فلو لم يكن وقتا لها لما لزمتهم وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه في الرد على الإصطخري إذا كمل الصبي والكافر والمجنون والحائض قبل الفجر بركعة لزمتهم العشاء بلا خلاف ووافق عليه الإصطخري فلو لم يكن ذلك وقتا لها لم يلزمهم فهذا كلام الشيخ أبي حامد وقد غلط بعض المتأخرين الشارحين للتنبيه فنقل عنه موافقة الإصطخري وهذه غباوة من هذا الشارح وكأنه اشتبه عليه كلام أبي حامد لطوله والصواب عن أبي حامد موافقة الجمهور في امتداد وقت العشاء إلى الفجر وإنكاره على الإصطخري والله أعلم
المغني -ابن قدامة- (٢/٢٥:٢٧)
مسألة؛ قال: (فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة في السفر، وفى الحضر البياض؛ لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن، ووجبت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل)
لا خلاف في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق ما هو؟ فمذهب إمامنا، رحمه الله، أن الشفق الذي يخرج به وقت المغرب، ويدخل به وقت العشاء، هو الحمرة. وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهرى، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعى، وإسحاق، وصاحبى أبى حنيفة. وعن أنس، وأبى هريرة: الشفق البياض. وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وبه قال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر؛ لأن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصليها لسقوط القمر لثالثة رواه أبو داود، وروى عن أبي مسعود، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلى هذه الصلاة حين يسود الأفق". ولنا، ما روت عائشة، رضي الله عنها، قالت: أعتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعشاء، حتى ناداه عمر بالصلاة: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما ينتظرها أحد غيركم"، قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكان يصلون فيما بين أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل رواه البخاريوالشفق الأول هو الحمرة. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق". رواه أبو داود، وروى "ثور الشفق". وفور الشفق: فورانه وسطوعه. وثوره: ثوران حمرته، وإنما يتناول هذا الحمرة. وآخر وقت المغرب أول وقت العشاء. وروى عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت العشاء". رواه الدارقطني. وما رووه لا حجة لهم فيه، فقد كان النبى -صلى الله عليه وسلم- يؤخر الصلاة عن أول الوقت قليلا، وهو الأفضل والأولى، ولهذا روى عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والمتوضىء من وضوئه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته". إذا ثبت هذا، فإنه إن كان في مكان يظهر له الأفق، ويبين له مغيب الشفق، فمتى ذهبت الحمرة وغابت، دخل وقت العشاء، وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال، استظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبته على مغيب الحمرة، فيعتبر غيبة البياض، لدلالته على مغيب الحمرة، لا لنفسه.
المغني -ابن قدامة- (٢/٢٧:٢٩)
مسألة؛ قال: (فإذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار، ووقت الضرورة مبقى إلى أن يطلع الفجر الثانى، وهو البياض الذى يبدو من قبل المشرق، فينتشر، ولا ظلمة بعده).
اختلفت الرواية في آخر الاختيار، فروى عن أحمد: أنه ثلث الليل، نص عليه أحمد، في رواية الجماعة، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبى هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك؛ لأن في حديث جبريل، أنه صلى بالنبى -صلى الله عليه وسلم- في المرة الثانية ثلث الليل، وقال: "الوقت فيما بين هذين" وفى حديث بريدة، أن النبى -صلى الله عليه وسلم- صلاها في اليوم الثانى ثلث الليل وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "صلوا فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل". [وفي حديثها الآخر: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل]. ولأن ثلث الليل يجمع الروايات، والزيادة تعارضت الأخبار فيها، فكان ثلث الليل أولى. والرواية الثانية أن آخره نصف الليل. وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأبى ثور، وأصحاب الرأى، وأحد قولى الشافعى، لما روى عن أنس [بن مالك] قال: أخر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة العشاء إلى نصف الليل. رواه البخارى. وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إلى شطر الليل"، رواه أبو داود، والنسائى. وفي حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل". رواه أبو داود. والأولى - إن شاء الله تعالى - أن لا يؤخرها عن ثلث الليل، وإن أخرها إلى نصف الليل جاز، وما بعد النصف وقت ضرورة، الحكم فيه حكم وقت الضرورة في صلاة العصر، على ما مضى شرحه وبيانه، ثم لا يزال الوقت ممتدا حتى يطلع الفجر الثانى.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢:٤٣)
في مذاهب العلماء في الشفق وآخر وقت العشاء أما الشفق فقد سبق أنهم أجمعوا أنه يدخل وقت العشاء بمغيبه واختلفوا في الشفق فمذهبنا أنه الحمرة ونقله صاحب التهذيب عن أكثر أهل العلم ورواه البيهقي في السنن الكبير عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله عنهم ومكحول وسفين الثوري ورواه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس بثابت مرفوعا وحكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وهو قول أبى ثور وداود
* وقال أبوحينيفة وزفر والمزني هو البياض وروي ذلك عن معاذ بن جبل وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي واختاره ابن المذر قال وروي عن ابن عباس روايتان
* واحتج أصحابنا للحمرة بأشياء من الحديث والقياس لا يظهر منها دلالة لشئ يصح منها والذي ينبغي أن يعتمد أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة وذلك مشهور في شعرهم ونثرهم ويدل عليه أيضا نقل أئمة اللغة قال الأزهري الشفق عند العرب الحمرة قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر وقال ابن فارس في الجمل قال الخليل الشفق الحمرة التي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة قال وقال ابن دريد أيضا الشفق الحمرة وذكر ابن فارس قول الفراء ولم يذكر هذا وقال
الربيدى في مختصر العين الشفق الحمرة بعد غروب الشمس وقال الجوهري الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة ثم ذكر قول الخليل والفراء ولم يذكر غير هذا فهذا كلام أئمة اللغة وبالله التوفيق.