التمهيد -ابن عبد البر- (٦/٣٠٩:٣١٢)
واختلف الفقهاء في تكبيرة الإحرام؛ فذهب مالك في أكثر الروايات عنه والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة، والحجة لهم: الحديث الذي ذكرنا، من حديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال للرجل: "إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع". وذكر الحديث، فعلمه ما كان واجبا، وسكت له عن رفع اليدين، وعن التكبير في كل خفض ورفع، وعن سائر الذكر المسنون والمستحب، فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها في الصلاة، مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم".
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
أخبرنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا زهير بن عباد، قال: سمعت وكيعا يقول: إذا رأيت الرجل لا يقيم تكبيرة الإحرام، فأي شيء ترجو منه؟ وقال عبد الرحمن بن مهدي: ولو افتتح الرجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله -عز وجل- ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه. وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي؛ لحديث: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وتدين منه به، وهو إمام في علم الحديث.
وقال الزهري والأوزاعي وطائفة أيضا: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة، وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد؛ أن تكبيرة الإحرام واجبة عليه، وأن الإمام إذا لم يكبرها بطلت صلاته وصلاة من خلفه فرضا. وهذا يقضي على قوله في المأموم، والصحيح عندي قول من قال بوجوب تكبيرة الإحرام فرضا على ما ذكرنا، وبالله التوفيق. واختلف الفقهاء في حال تكبيرة الإمام والمأموم في تكبيرة الإحرام؛ فذكر ابن خويزمنداد قال: قال مالك: إذا كبر الإمام كبر المأموم بعده، ويكره له أن يكبر في حال تكبيره، وإن كبر في حال تكبيره أجزأه، وإن كبر قبله لم يجزئه. قال: وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والثوري، وعبيد الله بن الحسن: يكبر مع تكبير الإمام. قال محمد بن الحسن: فإن فرغ المأموم من التكبير قبل الإمام لم يجزئه. وقال الثوري: يجزئه. وقال أبو يوسف، والشافعي في أشهر قوليه: لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير. وقال أصحاب الشافعي: إن كبر قبل الإمام أجزأه. وعندهم أنه لو افتتح الصلاة لنفسه ثم أراد أن يدخل في صلاة الإمام كان ذلك له، على أحد قولي الشافعي. وقالت طائفة من أصحاب داود وغيرهم: إن تقدم جزء من تكبير المأموم في الإحرام تكبيرة الإمام لم يجزئه، وإنما يجزئه أن يكون تكبيره في الإحرام بعد إمامه. وإلى هذا ذهب الطحاوي، واحتج بأن المأموم إنما أمر أن يدخل في صلاة الإمام بالتكبيرة، والإمام إنما يصير داخلا فيها بعد الفراغ من التكبير، فكيف يصح دخول المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه بعد؟ واحتج أيضا لمن أجاز من أصحابه تكبيرهما معا بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي موسى وغيره: "إذا كبر الإمام فكبروا". قال: وهذا يدل على أنهم يكبرون معا؟ لقوله: "فإذا ركع فاركعوا"، وهم يركعون معا. والقول الأول عنده أصح، وهو قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٣١٣:٣٢٥)
الفصل الأول في حكم تكبيرة الإحرام:
المدخل إلى المسألة:
• النية وحدها لا تكفي للدخول في الصلاة.
• جميع تكبيرات الصلاة ليست من أركان الصلاة إلا تكبيرة الإحرام.
• كل تكبير لا ينفصل عن الصلاة فهو جزء منها.
• إذا قيل: التحريمة شرط لم تكن جزءا من الصلاة، لأن شرط العبادة يتقدم عليها كالطهارة، وستر العورة، وإذا قيل: هي ركن كانت جزءا من الصلاة.
• شروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة ولا عدمها، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة، فدل على أنها ليست بشرط.
• لا يعرف القول بأن تكبيرة الإحرام سنة مطلقا إلا عن إبراهيم بن علية وشيخه أبي بكر الأصم، وهما ليسا من أهل السنة.
• لا يدخل المصلي في الفريضة إلا بثلاثة أمور، اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، فالأول النية، والثاني التحريمة، والثالث استقبال القبلة.
[م-٤٧٢] اختلف العلماء في حكم تكبيرة الإحرام:
فقال الحنفية: التحريمة شرط، وهو الأصح عند الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقال المالكية والشافعية والحنابلة: تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة، وركن من أركانها على كل مصل فرضا أو نفلا، ولو مأموما، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وأهل الظاهر. قال النووي: «تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجمهور السلف والخلف...». وقال أبو بكر الأصم وتلميذه إبراهيم بن علية: «تكبيرة الإحرام سنة، وله أن يدخل في الصلاة بالنية». ونسب هذا القول إلى سعيد بن المسيب، والزهري والحسن، والحكم، والأوزاعي وقيل: ركن في حق المنفرد والإمام، سنة في حق المأموم، وهو أحد القولين عن مالك نص عليه في المدونة.
• والفرق بين الشرط والركن:
إذا قيل: التحريمة شرط لم تكن جزءا من الصلاة، لأن الشرط يتقدم عليها كالطهارة، وستر العورة.
وإذا قيل: هي ركن كانت جزءا من الصلاة؛ فإذا وجد صار شارعا فيها، بخلاف الشرط.
• وثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف بين القول بالركنية والشرطية في بعض أحكام الصلاة، من ذلك:
لو شرع بالتكبير قبل ظهور زوال الشمس، ثم زالت الشمس قبل فراغه من التكبير لم تصح عند الجمهور خلافا للحنفية.
وكذلك لو كبر من في يده نجاسة، ثم ألقاها في أثناء تكبيرة الإحرام لم تصح صلاته عند الجمهور خلافا للحنفية.
ولو كان منحرفا عن القبلة في أول شروعه بتكبيرة الإحرام، فاستقبلها قبل الفراغ منها لم تصح عند الجمهور خلافا للحنفية.
ولو كان مكشوف العورة، فستر عورته عند فراغه من تكبيرة الإحرام بعمل يسير صحت صلاته عند الحنفية خلافا للجمهور.
وبعض الحنفية يوافق الجمهور في هذه الأحكام، ويرى أنها شرط للقيام، وليس للافتتاح.
• دليل الجمهور على أن تكبيرة الإحرام ركن:
الدليل الأول:
(ح-١١٧٥) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم؟ تنظرون إليَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث.
وجه الاستدلال:
قوله: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها..." فقوله: (فيها) ثم ذكر التسبيح والتكبير والقراءة، فدل على أن هذه الأشياء تفعل في الصلاة، فكانت منها. وإذا كان التسبيح والقراءة من الصلاة بالإجماع فكذلك التكبير. و (أل في التكبير) للعموم، فيشمل تكبيرة الإحرام كما يشمل تكبيرات الانتقال فمن أخرج تكبيرة الإحرام من عموم التكبير فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
(ح-١١٧٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: ...قال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: "إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله"... الحديث.
وجه الاستدلال:
أن أبا موسى رضي الله عنه، قال: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، فذكر من الأقوال التي تقال في الصلاة: (إذا كبر فكبروا، وإذا قال: فقولوا: آمين).
الدليل الثالث:
(ح-١١٧٧) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم".
وجه الاستدلال:
قوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير) ومنه سميت التكبيرة الأولى: تكبيرة الإحرام، أي الإحرام بالصلاة، فما أدخلك في الصلاة لا يمكن أن يكون خارجا عنها، ولولا أنه جزء من الصلاة لما حرم به عليك ما كان مباحا قبلها، فشروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ولا عدمها، فالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة، فالعبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.
• وتعقب:
بأن الركن هو الداخل في الماهية، والمصلي لا يدخل في الصلاة إلا بفراغه من تكبيرة الإحرام.
ويجاب:
بأنه يدخل في الصلاة بمجرد شروعه في تكبيرة الإحرام، فماهية الصلاة تتكون من أقوال وأفعال، فالأقوال تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، والسلام، والأفعال: قيام وركوع، وسجود، وجلوس، فتكبيرة الافتتاح كالباب يلج منه المصلي إلى صلاته، وإذا كان باب الدار منها فكذلك تكبيرة الإحرام.
الدليل الرابع:
أن تكبيرة الإحرام يشترط لها ما يشترط للصلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال للقبلة في الفرض، وهذه أمارة الركنية، ولأنه لا يجوز أداء صلاة بتحريمة صلاة أخرى، ولولا أنها من الأركان لجاز كسائر الشروط.
• ورد الحنفية:
أكثر الحنفية قالوا: إن مراعاة شروط الصلاة لتكبيرة الإحرام من الطهارة، والاستقبال، ليس لكونها ركنا في الصلاة، بل لاتصالها بالقيام الذي هو ركن الصلاة، فلم تجب هذه الشروط للتحريمة أصلا، فلو أحرم حاملا للنجاسة، فألقاها عند فراغه منها، أو كان مكشوف العورة فسترها عند فراغه من التكبير بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال مثلا، ثم ظهر عند فراغه منها، أو منحرفا عن القبلة فاستقبلها عند الفراغ منها، فكل ذلك جائز.
• ويجاب على هذا الرد:
بأن هذا استدلال في محل النزاع، فأين الدليل على جواز الشروع بالتحريمة حاملا للنجاسة، إذا ألقاها قبل الفراغ منها، وكذا يقال في بقية الفروع المذكورة.
• دليل من قال: تكبيرة الإحرام شرط:
الدليل الأول:
قال تعالى: [الأعلى: ١٥].
• وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله سبحانه وتعالى عطف الصلاة على الذكر، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فاصل ليس إلا التحريمة، فاقتضى ذلك أن يكون تكبير الإحرام خارج الصلاة.
الوجه الثاني:
أن مقتضى العطف المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ إذ الشيء لا يعطف على نفسه.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذكر هنا المقصود به نية الصلاة، قال ابن العربي: «الذكر حقيقته إنما هو في القلب؛ لأنه محل النسيان، الذي هو ضده، والضدان إما يتضادان في المحل الواجب، فأوجب الله بهذه الآية النية في الصلاة خصوصا».
• ويناقش:
لو كان المراد بالذكر النية، لكان يغني عنه قوله: وذكر ربه فصلى، فلما خص الذكر باسم من أسماء الله، لم يصح حمله على نية القلب، لكنه لم يتعين أن يكون هذا الذكر هو تكبيرة الإحرام، فقد يكون المراد بالذكر هو الإقامة، فإنها تسبق الصلاة مقترنة بها، وهي مشتملة على ذكر الله، بتعظيمه، وتوحيده، في أول الإقامة وآخرها، والشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة والدعوة إلى الصلاة والفلاح.الوجه الثاني:
لو سلم أن الذكر هنا تكبيرة الإحرام، فالعطف لا ينافي الركنية؛ لأنه حينئذ يكون من باب عطف الكل على الجزء، وهو نظير عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني من القرآن العظيم، ولم يقتض العطف المغايرة.
ومنه قوله تعالى: [النجم: ٦٢]، والسجود من العبادة.
وقوله تعالى: [الحج: ٧٧]، والأمثلة كثيرة.
الدليل الثاني:
حديث علي المتقدم: عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم".
وجه الاستدلال:
أنه أضاف التحريم إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
• وأجيب:
بأن الإضافة ضربان: أحدهما: تقتضي المغايرة، كثوب زيد، والثاني: تقتضي الجزئية، كقولك: رأس زيد، وصحن الدار، فوجب حمله على الثاني لما ذكر من أدلة القول السابق.
الدليل الثالث:
أن المصلي لا يدخل في الصلاة إلا بعد إتمام تكبيرة الإحرام، فقبل الفراغ من التكبير لا يعتبر داخلا في الصلاة، فبالفراغ لا يصير منها؛ لتقدمه على دخوله في الصلاة.
• ويناقش:
بأن المصلي يدخل في الصلاة من أول حرف من حروف تكبيرة الافتتاح على الصحيح، وعلى التنزل فإنه يبطل بالشروع بالسلام، فقبل الفراغ منه لا يكون خارج الصلاة، ثم بالفراغ من السلام يكون خارج الصلاة، مع أنه منها، والكافر لا يدخل في الإسلام إلا إذا نطق الشهادتين، فقبل الفراغ من الشهادتين لا يدخل في الإسلام، وإذا فرغ منهما دخل فيه، وهما من أركان الإسلام، والحنفية يرون أن المحرم لا يدخل بالنسك بمجرد نية التلبس حتى يلبي، فقبل الفراغ من التلبية لا يدخل في الإحرام عندهم، وإذا فرغ من التلبية مقارنا لنية التلبس بالإحرام دخل في النسك، ومع ذلك يرون التلبية جزءا من المناسك، وركنا في الإحرام.
• دليل من قال: تنعقد الصلاة بالنية:
الدليل الأول:
(ح-١١٧٨) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث.
فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والتكبير ليس بمرئي، فالمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسما للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، أي صلوا كما علمتم من صلاتي، وهي تشمل الأقوال والأفعال.
الوجه الثاني:
أن المصلي لا يصلي إلا بنية، والنية غير مرئية، فبطل التمسك بظاهر الحديث.الوجه الثالث:
قد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغلبيا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبا، (ح-١١٧٩) جاء في حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". رواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر.
وجه الاستدلال:
قوله: (فإذا فعلوا ذلك) أي فعلوا ما تقدم من الشهادتين والصلاة والزكاة، وبعضها أفعال، وبعضها أقوال، لكنه أدخل كل ذلك في مسمى الفعل تغليبا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الصيام فكما يصح الصوم بالنية تصح الصلاة بالنية.
• ونوقش:
بأن الصيام مجرد نية مخصوصة، فلو أمسك عن الطعام بلا نية، أو بنية الحمية لم ينعقد صيامه، ولو نوى الخروج من الصيام بالنية فسد صومه، بخلاف الصلاة فهو عبادة قائمة على مجموع الأقوال والأفعال من أولها إلى آخرها، ولو نوى ارتكاب مفسد لم تفسد صلاته حتى يرتكبه، والله أعلم.
• وجه من قال: تكبيرة الإحرام ركن في حق المنفرد والإمام دون المأموم: أما الإمام مالك فذكر أنه قال بهذا جمعا بين قول سعيد بن المسيب: إنها تجزئ عنه، وبين قول ربيعة الرأي: لا تجزئ عنه، فهو مبني على مراعاة الخلاف، والذي هو من أصول الإمام مالك عليه رحمة الله، فهذا الرجل قد عقد ركعة من صلاة مختلف فيها، فيكره أن يبطل صلاته فذهب إلى أنه يتمادى ويعيدها مراعاة للقول الآخر.
قال ابن عبد البر في الاستذكار: «إنه راعى فيه قول من قال: إن الإحرام ليس بواجب، وإنه لو تمادى في صلاته أجزأته، إلا أن مالكا يرى عليه الإعادة بعد ذلك للأخذ بالأوثق والاحتياط لأداء فرضه...». وأما أصحابه فاختلفوا في الاستدلال له، واضطربوا. فاختار ابن بطال بأنه قال ذلك قياسا على تكبيرات الانتقال، قال ابن بطال في شرح البخاري: وحجة الذين رأوا أن تكبيرة الإحرام سنة؛ إجماعهم أن من ترك التكبير كله ما عدا الإحرام أن صلاته تامة، قالوا: وكذلك تكبيرة الإحرام مثل تكبير سائر الصلوات في القياس؛ لأن التكبير معناه كله واحد في أنه إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة.
• ويناقش:
بأنه لو صح القياس لجرى ذلك في حق الإمام والمنفرد، فإن سائر التكبيرات في حقهما سنة عند الجمهور، فلماذا التفريق بين المأموم وغيره؟ ولعله لو خرج قول مالك استنادا إلى أن الإمام كما يحمل عن المأموم القراءة، والسهو، يحمل عنه تكبيرة الإحرام إذا نسيها، لكان هذا القول أقرب إلى القياس إلا أنه يشكل عليه ما قاله ابن عبد البر، من أن أصحاب مالك لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضا من فروض الصلاة عمن خلفه، والله أعلم.
وقد وجدت كلاما لابن رجب يؤيد ما ذكرته، قال في شرحه للبخاري: والتفريق بينهما -أي بين الإمام والمنفرد وبين المأموم- له مأخذان:
أحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد. قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذلك مجزئا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة. فصرح بالمأخذ، وهو تحمل الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو. ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال صاحب كتاب الشافي، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب. والمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد.
المأخذ الثاني: ...أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، فإنها تجزئه، وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء.
• الراجح:
أرى أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة مطلقا للإمام والمنفرد والمأموم، لا يدخل إلى الصلاة إلا بها، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٢٨٩:٢٩١)
حكم المسألة فتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير، قال ابن المنذر: ولم يقل به غير الزهري، وحكى أبو الحسن الكرخي عن ابن علية والأصم كقول الزهري، وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة: تكبيرة الإحرام شرط لا تصح الصلاة إلا بها، ولكن ليست من الصلاة بل هي كستر العورة، ومنهم من حكاه عن أبي حنيفة، ويظهر فائدة الخلاف بيننا وبينه فيما لو كبر وفي يده نجاسة ثم ألقاها في أثناء التكبيرة لو شرع في التكبيرة قبل ظهور زوال الشمس، ثم ظهر الزوال قبل فراغها فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين، وتصح عنده كستر العورة، واحتج للزهري بالقياس على الصوم والحج وللكرخي بقوله تعالى: { وذكر اسم ربه فصلى } ، فعقب الذكر بالصلاة، فدل على أنه ليس منها، وبقول صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير" والإضافة تقتضي أن المضاف غير المضاف إليه كدار زيد، ودلينا على الزهري حديث تحريمها التكبير، وحديث أبي هريرة رضى الله عنه في المسيء صلاته: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر". وذكر الحديث. رواه البخاري ومسلم، وهذا أحسن الأدلة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر له في هذا الحديث إلا الفروض خاصة، وثبت في الصحيحين عن جماعات من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يكبر الإحرام"، وثبت في صحيح البخاري عن مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا مقتضى وجوب كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما خرج وجوبه بدليل كرفع اليدين ونحوه، فإن قليل المراد ما يرى، وهي الأفعال دون الأقوال، فأجاب القاضي أبو الطيب وغيره بجوابين أحدهما أن المراد رؤية شخصه صلى الله عليه وسلم، وكل شيء فعله صلى الله عليه وسلم أو قاله وجب علينا مثله. الثاني أن المراد بالرؤية العلم أي صلوا كما علمتموني أصلي. والجواب عن قياسه على الصوم والحج أنهما ليسا مبنيين على النطق بخلاف الصلاة، ودليلنا على الكرخي حديث معاوية بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم، فإن قالوا: المراد به تكبيرات الانتقالات، فجوابه من وجهين: أحدهما أنه عام ولا يقبل تخصيصه إلا بدليل، والثاني أن حمله على تكبيرة لا بد منها بالاتفاق أولى من تكبيرة لا يجب، والجواب عن قوله تعالى: { وذكر اسم ربه فصلى } أنه ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع، قبل خلاف المخالف والجواب عن قولهم الإضافة تقتضي المغايرة أن الإضافة ضربان أحدهما تقتضي المغايرة، كثوب زبد، والثاني تقتضي الجزئية كقوله: رأس زيد وصحن الدار، فوجب حمله على الثاني لما ذكرناه.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٣٢٩:٣٣٩)
الشرط الثاني أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائما فيما يشترط فيه القيام:
المدخل إلى المسألة:
• تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.
• ما كان القيام شرطا في صحة الصلاة كان القيام شرطا في صحة التحريمة.
• تصح تكبيرة الإحرام من القاعد في صلاة النفل؛ لأن القيام ليس شرطا في صحته.
• متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائما.
• لو كبر للتحريمة، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبر قبل الخروج عن حد القيام صحت.
[م-٤٧٥] يشترط للإمام والفذ والمأموم غير المسبوق أن يأتي بتكبيرة الإحرام في صلاة الفرض قائما مع القدرة، فإن ابتدأها غير قائم، أو أتمها غير قائم لم تصح فرضا بلا خلاف.
فخرج بشرط الفرض: صلاة النفل، فتصح تكبيرة الإحرام من القاعد، ولو كان قادرا على القيام.
وخرج بشرط القدرة العاجز؛ لسقوط فرض القيام بالعجز، ومثله الخائف.
وقولنا: (قائما) قال الجمهور: أي في حد القيام قبل أن يصل إلى حد الركوع، فلا يضر الانحناء اليسير خلافا للمالكية، فإن ظاهر إطلاقهم لا يجزئ إيقاع تكبيرة الإحرام منحنيا مطلقا من المنفرد والإمام والمأموم غير المسبوق. قال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسا أو منحنيا، أو مستندا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته». [م-٤٧٦] واختلفوا في المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا، هل يشترط القيام لتكبيرة الإحرام؟ على قولين:
فقيل: القيام شرط كالمنفرد والإمام، فلا بد من وقوع جميع تكبيرة الإحرام في حد القيام، وقبل الوصول إلى حد الركوع، فكل ما قبل حد الركوع فهو من جملة القيام، فلو وقعت تكبيرة الإحرام، أو جزء منها في حد الركوع لم تجزئه، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، على خلاف بينهم في حد القيام، فقيل: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع بحيث لو مد يديه، وكان معتدل الخلقة لا تنال يداه ركبتيه، فإن مست يداه ركبتيه فقد خرج من حد القيام إلى حد الركوع، فلا تجزئه تكبيرة الإحرام، وبه قال الحنفية والحنابلة في المعتمد، وهو وجه عند الشافعية. قال النووي نقلا عن أبي محمد في التبصرة: «إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضا، وإن وقع بعضها في انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضا؛ لأن ما قبل حد الركوع من جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام؛ أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام... هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف». قال ابن قدامة: «عليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، إلا في النافلة». وقال الشافعية: واختاره المجد من الحنابلة: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع فهو في حد القيام، فإن كان إلى الركوع أقرب لم يكن قائما، ولا تصح تكبيرته.
قال النووي: «والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائما ولا تصح تكبيرته».
وقال الخطيب: «الانحناء السالب: أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لوكان أقرب إلى القيام، أو استوى الأمران صح، وهو كذلك».
فالخلاف بين الشافعية وبين الحنفية والحنابلة: إنما هو في حد القيام، وليس في أصل القول، فهم متفقون أنه لو كبر، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبر، قبل الخروج عن حد القيام صحت، والخلاف وقع بينهم في توصيف حد القيام وحد الركوع. وقد يقال: إن الخلاف بين القولين خلاف لفظي، فإنه متى نالت يداه ركبتيه، فإنه إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، وقبل ذلك فهو أقرب إلى القيام منه إلى الركوع، فيلتقي القولان، والله أعلم.
• وجه قول الشافعية:
أن حد القيام يفارق حد الركوع، والانحناء هو بينهما، فما كان أقرب إلى أحدهما ألحق به، فإن كان إلى الانتصاب أقرب اعتبر قائما، وإلا اعتبر راكعا، فإن استوى الأمران فالأصل أنه لم ينتقل من القيام.
القول الثاني:
تنعقد صلاة المأموم إذا كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الافتتاح، فإن كبر في حال القيام وأتمها فيه صحت بلا خلاف، وإن ابتدأها في القيام، وأتمها حال انحطاطه بلا فصل بين أجزائه، ناويا بها الإحرام ففيها قولان في مذهب مالك: الإجزاء بناء على أنه لا يجب على المسبوق أن يقف قدر تكبيرة الإحرام، وعدمه: بناء على وجوب ذلك، وإن ابتدأها حال الانحطاط وأتمها فيه أو بعده، أو لم يكبر إلا وهو راكع، ولم يحصل شيء من تكبيره حال القيام، فلا يعتد بهذه الركعة، قاله ابن عطاء الله، والأصح انعقاد صلاته. وإن نوى بها تكبيرة الركوع ناسيا تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، قال ابن يونس: «إنما يصح ذلك لو كبر للركوع في حال قيامه، وأما لو كبر ذاكرا، وهو راكع فلا تجزئه تلكم الركعة، نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا؛ لأن قيامه الأول كان في غير صلاة عند ربيعة، وفرض المأموم من القيام قدر تكبيرة الإحرام، فقد أسقطه، ودخل الصلاة بالركوع». قال ابن المواز: وإن ذكر، وهو راكع، ولم يكن كبر لركعته فليتم، ويحرم، وإن كبر راكعا فليقض ركعة بعد سلام الإمام؛ لأنه ترك أن يكبر للإحرام قائما عامدا، وإنما يجزئ فيها تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيا، فوجب أن يقضى تلك الركعة باتفاق».فتحصل من الخلاف بين أصحاب مالك:
إن لم يحصل شيء من التكبير حال القيام فلا يعتد بهذه الركعة، وأما انعقاد الصلاة فعلى قولين: أحدهما لا تنعقد، وفاقا للجمهور.
والثاني: تنعقد الصلاة، ويقضي تلك الركعة.
وأما إذا ابتدأ التكبير حال القيام، وأتمه حال الهوي أو بعده إلى الركوع، فالخلاف فيها على قولين أيضا، أحدهما: لا تنعقد الصلاة فرضا، وفاقا للجمهور.
والثاني: تنعقد، ويعتد بتلك الركعة.
• دليل الجمهور على اشتراط القيام مطلقا لتكبيرة الإحرام:
الدليل الأول:
أن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
قال ابن نجيم: «...لأن الافتتاح لا يصح إلا في حالة القيام».
الدليل الثاني:
أن التداخل بين تكبيرة الافتتاح وبين تكبيرة الركوع إذا قيل به، فإنما هو في دخول الأدنى تحت الأعلى، وليس العكس، فتكبيرة الافتتاح أعلى من تكبيرة الركوع، فهي ركن أو شرط، بخلاف تكبيرة الركوع فهي عند الجمهور من السنن، وعند الحنابلة من الواجبات، وعلى القولين فهي أدنى من تكبيرة الافتتاح، وهذا لا يجعل تكبيرة الركوع تقوم مقام الافتتاح؛ لأن الأدنى لا يقوم مقام الأعلى، فإذا نوى سنة مطلقة لم تتدخل معها الراتبة؛ لكون الراتبة أعلى منها، وإذا نوى الراتبة لم تتدخل معها الفريضة؛ لكون الفريضة أعلى من الراتبة، وإذا اشترطنا لسقوط تكبيرة الركوع أن يكبر بنية التحريمة، فإنما تصح التكبيرة إذا فعلت في محلها، وهو حد القيام، لا إذا فعلت في غير محلها، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
• وجه قول المالكية المخالف لقول الجمهور:
أما وجه الصحة إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، فمن أصحاب مالك من أرجع المسألة إلى مسألة خلافية: بماذا يدخل في الصلاة؟
فقال: تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة على الصحيح، ويدخل بالصلاة بأول حرف من تكبيرة الإحرام، فإذا افتتح التكبير قائما فلا يضره أن يتم التكبير منحنيا أو راكعا.
بخلاف من جعل تكبيرة الإحرام سببا للدخول في الصلاة، فإنه لا يدخله في الصلاة حتى يتحقق سبب الدخول، لذا رأى وجوب أن يتمها قائما.
وأما من ابتدأ التكبير حال الركوع أو بعده فقد بطلت تلك الركعة اتفاقا.
وأما تأويل صحة الصلاة على أحد القولين فمحل خلاف:
فقيل: لما حصل القيام في الركعة التالية للأولى، فكأن الإحرام حصل حال قيامها، فتكون أول صلاته.
وهذا التأويل لو كان صحيحا لم يكن هناك فرق بين الإمام والمنفرد وبين المأموم.
وقيل في تأويل الصحة: الفرق هو أن المأموم يتحمل الإمام عنه تكبيرة الافتتاح كما يتحمل عنه قراءة الفاتحة، وهي ركن، وهذا الذي أوجب الفرق بين المنفرد والإمام وبين المأموم.
وهذا القول وإن كان أقوى من غيره إلا أنه لا يسلم من النظر: لأن حمل الإمام فرع عن صحة صلاة المأموم، وحين كبر المأموم للإحرام في غير محله لم تصح صلاته، فكيف يتصور فساد الركعة لفساد التحريمة، ولا يتصور فساد الصلاة لفساد التحريمة.
ومنهم من وجه الصحة: بأن الإمام والفذ والمأموم غير المسبوق لا يمكنهم ابتداء الصلاة بالركوع، فوجب عليهم أن تكون تكبيرة الإحرام كلها حال القيام، بخلاف المسبوق، فإن له أن يبتدئ صلاته من الركوع، كما لو أدرك الإمام راكعا، فإذا سقط القيام عن المسبوق سقط عنه اشتراط إتمام تكبيرة الإحرام حال القيام، كما سقطت عنه قراءة الفاتحة، وهي فرض، فيكفيه أن يبتدئ التكبيرة حال القيام، ولا يضره إتمامها في أثناء الهوي، أو بعده، فاشتراط أن يقول جميع تكبيرة الإحرام قائما يؤدي إلى وجوب قدر من القيام عليه، وقد سقط عنه. وأما وجه القول بالتمادي والإعادة إذا نوى بها تكبيرة الركوع:
فقد صرح الإمام مالك في المدونة أنه ذهب إلى هذا من أجل مراعاة الخلاف بين قول ربيعة الرأي، وقول سعيد بن المسيب.
فالأمر بالإعادة جاء مراعاة لقول ربيعة: إنها لا تجزئه.
والأمر بالتمادي جاء مراعاة لقول ابن المسيب: إنها تجزئه لئلا يبطل عملا اختلف في إجزائه. وقد بين أصحاب الإمام مالك وجه قول كل واحد منهما:
فوجه قول ابن المسيب: أن الإحرام من الأقوال، فوجب أن يحمله الإمام، أصله قراءة أم القرآن، ولأن الأقوال أخف من الأفعال.
ووجه قول ربيعة: أن الإحرام فرض، كالركوع والسجود والسلام، فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام، والفرق بين الإحرام وقراءة القرآن: أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة القرآن، وبقي ما سواها من فرائض الصلاة على أصله.
قال ابن رشد في المقدمات: «وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب للمأموم إذا لم يكبر للإحرام، ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب».
وقال القاضي عياض: «رواية ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ فيها عن المأموم، وكله خلاف المشهور».
ولعل الإمام مالكا لم يتبين له الصواب من الخلاف، فاعتبر الاحتياط من الجهتين، فلم يخرجه من الصلاة، وفي نفس الوقت أمره بالإعادة.
وقد روى أشهب عن مالك، أنه إذا نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام حتى صلى بعض صلاته، قال: أرى الاحتياط إعادة الصلاة، ولا أدري أذلك عليه أم لا؟
فرواية ابن وهب وأشهب عن مالك تشعرك بأن الإمام لم يكن يجزم بالصواب من قولي ربيعة وسعيد بن المسيب.
وإذا علمت أن قول سعيد بن المسيب هو في الناسي دون المتعمد، ضاق الخلاف بين قول الإمام مالك والجمهور.
قال ابن رشد في المقدمات: ولو كبر للركوع، وهو ذاكر للإحرام متعمدا لما أجزأته صلاته بإجماع، وقد سبق لك أن من قال: إن سعيد بن المسيب والزهري يقولان: إن تكبيرة الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، قال ابن يونس في الجامع: ليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها الإمام والفذ والمأموم، ولم يبطل نسيانها على أحد منهم صلاته.
وقد انتقد ابن عبد البر رحمه الله اختلاف أصحاب الإمام مالك في هذه المسألة، قال في الاستذكار: «وقد اضطرب أصحابه في هذه المسألة اضطرابا كثيرا ينقض بعضه ما قد أصلوه في إيجاب تكبيرة الإحرام، ولم يختلفوا في وجوبها على المنفرد والإمام كما لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضا من فروض الصلاة عمن خلفه، فقف على هذا كله من أصولهم يتبين لك وجه الصواب إن شاء الله».• الراجح:
القول باشتراط أن يفتتح التكبيرة قائما أقوى من قول من يرى أن تكبيرة الافتتاح يمكن أن يقولها حال الركوع، وأضعف الأقوال من قال: لو كبر بنية الركوع أغنى عن التحريمة، ويبقى الاجتهاد في الترجيح: أيدخل في الصلاة بمجرد شروعه بتكبيرة الافتتاح قائما، ولو وقع بعضها في أثناء الهوي، أم لا بد أن يتم تكبيرة الافتتاح حال القيام، ولا يصح له الانتقال إلا بعد إتمامها، وهل يقسم الهوي إلى ثلاثة أقسام: ما كان إلى القيام أقرب فهو في حكم القائم، وما كان إلى الركوع أقرب فهو في حكم الراكع، وما بينهما، هذا الذي لم يتبين لي القطع به، والأحوط ألا ينتقل إلا بعد إتمام التكبيرة، خروجا من خلاف العلماء، والمسألة ليست بالسهلة، فشأن الصلاة عظيم، ولا يغامر الإنسان في ركن الإسلام العملي الأعظم، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٢٩٦:٢٩٧)
في مسائل تتعلق بالتكبير:
(إحداها) يجب أن يكبر للإحرام قائما حيث يجب القيام، وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعا يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه، فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضا بلا خلاف، وفي انعقادها نفلا الخلاف السابق قريبا في فصل النية، هذا مذهبنا وهو رواية عن مالك، والأشهر عنه أنه تنعقد صلاته فرضا إذا كبر وهو مسبوق، وهو نصه في الموطأ والمدونة، قال الشيخ أبو محمد في كتابه التبصرة: فلو شك هل وقعت تكبيرته كلها في القيام أم وقع حرف منها في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضا؛ لأن الاصل عدم التكبير في القيام، (واعلم) أن جمهور الأصحاب أطلقوا أن تكبيرة الإحرام إذا وقع بعضها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته، وكذا قاله الشيخ أبو محمد في التبصرة، ثم قال: إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضا، وإن وقع بعضها في انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضا؛ لأن ما قبل حد الركوع من جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع، وما قبله حد القيام، فإن كانت يداه أو إحداهما طويلة خارجة عن العادة اعتبر عادة مثله في الخلقة، هذا كلام الشيخ أبي محمد، وهو وجه ضعيف، والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب، لم يكن قائما، ولا تصح تكبيرته، وقد سبق بيان، هذا في فصل القيام.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٣/٢٢٠)
الإتيان بتكبيرة الإحرام قائما:
٥- يجب أن يكبر المصلي قائما فيما يفترض له القيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين وكانت به بواسير: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" وزاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيا". ويتحقق القيام بنصب الظهر فلا يجزئ إيقاع تكبيرة الإحرام جالسا أو منحنيا، والمراد بالقيام ما يعم الحكمي ليشمل القعود في نحو الفرائض لعذر.قال الطحاوي: ليس الشرط عدم الانحناء أصلا، بل عدم الانحناء المتصف بكونه أقرب إلى الركوع من القيام. وللفقهاء خلاف وتفصيل في انعقاد صلاة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا فحنى ظهره ثم كبر.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٣/٢٢١:٢٢٣)
لا خلاف بين الفقهاء في انعقاد الصلاة بقول المصلي: (الله أكبر)، ثم اختلفوا فيما عداه من ألفاظ التعظيم هل يقوم مقامه؟ فذهب المالكية والحنابلة إلى أن الصلاة لا تنعقد إلا بقول: (الله أكبر)، ولا يجزئ عندهم غير هذه الكلمة بشروطها التي ذكروها بالتفصيل في كتبهم، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تحريمها التكبير" وقال للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر وفي حديث رفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر" وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بقوله: "الله أكبر" ولم ينقل عنه العدول عن ذلك حتى فارق الدنيا. وهذا يدل على أنه لا يجوز العدول عنه. ويقول الشافعية بمثل ما قال به المالكية والحنابلة؛ من أنه يتعين على القادر كلمة التكبير، ولا يجزئ ما قرب منها كـ: الرحمن أجل، والرب أعظم، إلا أنهم يقولون على المشهور بأن الزيادة التي لا تمنع اسم التكبير: كالله الأكبر؛ لا تضر؛ لأنه لفظ يدل على التكبير وعلى زيادة مبالغة في التعظيم وهو الإشعار بالتخصيص، فصار كقوله الله أكبر من كل شيء. وكذا لا يضر عندهم (الله أكبر وأجل) وكذا كل صفة من صفاته تعالى إذا لم يطل بها الفصل كقوله: الله عز وجل أكبر، لبقاء النظم والمعنى، بخلاف ما لو تخلل غير صفاته تعالى أو طالت صفاته تعالى.
ويرى إبراهيم النخعي وأبو حنيفة ومحمد صحة الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير مثل أن يقول: الله أكبر الله الأكبر، الله الكبير، الله أجل، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أجل، سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن.
واحتجوا بقوله تعالى: والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقب الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص، ولأن التكبير هو التعظيم فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يكون الشروع به، وفي سنن ابن أبي شيبة أن أبا العالية سئل بأي شيء كان الأنبياء يفتتحون الصلاة؟ قال بالتوحيد والتسبيح والتهليل. وقال أبو يوسف لا يصير شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير وهي ثلاثة: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، إلا إذا كان لا يحسن التكبير أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبير والتكبير حاصل بهذه الألفاظ الثلاثة، ومما يتصل بالشروط المتعلقة بلفظ التكبير: أن الفقهاء اتفقوا على وجوب تقديم لفظ الجلالة على (أكبر) في التكبير، فإن نكسه لا يصح؛ لأنه لا يكون تكبيرا، كما أنه لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الاحتراز في التكبير عن زيادة تغير المعنى. فمن قال: (آلله أكبر) بمد همزة "الله" أو بهمزتين أو قال الله أكبار لم يصح تكبيره، ولم يختلفوا كذلك في أن زيادة المد على الألف التي بين اللام والهاء من لفظ الجلالة لا تضر؛ لأن زيادة المد إشباع؛ لأن اللام ممدودة فغايته أنه زاد في مد اللام ولم يأت بحرف زائد. وألحق الشافعية بمبطلات التكبير زيادة واو ساكنة أو متحركة بين كلمتي التكبير. ويقول المالكية: إن زيادة واو قبل همزة الله أكبر أو قلب الهمزة واوا لا يبطل به الإحرام، إلا أنهم يقولون ببطلان الإحرام بالجمع بين إشباع الهاء من (الله) وزيادة واو مع همزة أكبر أما مجرد إشباع الهاء من لفظ الجلالة وإن كان خطأ لغة إلا أنه لا تفسد به الصلاة، بهذا صرح الحنفية، كما أن فقهاء المذاهب الأخرى لم يعدوه من مبطلات الإحرام. أما تشديد الراء من (أكبر) فيبطل به الإحرام بالصلاة عند المالكية، وهو ما أفتى به ابن رزين من الشافعية. وقال الرملي وابن العماد وغيرهما: إنه لا يضر؛ لأن الراء حرف تكرير وزيادته لا تغير المعنى. هذا ويرى المالكية والشافعية أن الوقفة الطويلة بين (الله) (وأكبر) مبطلة للإحرام بالصلاة، أما الوقفة اليسيرة بينهما فلا يبطل بها الإحرام.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٣٥٤:٣٨٤)
الشرط الثالث: أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها:
المدخل إلى المسألة:
• كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: "وبنبيك الذي أرسلت".
• تبديل قوله (الله أكبر) أو الزيادة عليه؛ لا يجوز؛ لأن التبديل تحريف، والزيادة استدراك، وكلاهما لا يجوز.
• قال صلى الله عليه وسلم: تحريمها التكبير و(أل) في التكبير إن كانت للعموم ففيه إجمال، والمجمل يرد إلى المبين من فعله عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل من فعله إلا لفظ (الله أكبر)، فتعين، وإن كانت للعهد، فلا عموم فيها، وتعين لفظ (الله أكبر) حيث لم يعهد في السنة غيره.
• أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وأمره للوجوب، وفعله عليه الصلاة والسلام بيان لمجمل الأمر بالتكبير، وبيان الواجب واجب، ولا يختلف الكافة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح الصلاة بلفظ: الله أكبر، لم يخل بذلك مرة واحدة.
[م-٤٧٩] اتفق الفقهاء على انعقاد الصلاة بلفظ: الله أكبر واختلفوا هل تنعقد بغيره؟
فقال مالك وأحمد: لا تنعقد بغيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن الهمام من الحنفية، وعلى هذا عوام أهل العلم قديما وحديثا. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإبراهيم النخعي، والحكم: تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله، كالتكبير، والتهليل، والتحميد، مثل قول: الله الكبير، الله الأجل، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة، نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أجل، وسواء أكان يحسن التكبير أم لا، والأصح عند الحنفية أن انعقاد الصلاة بغير الله أكبر مكروه كراهة تحريم، فيجب لفظ: (الله أكبر)، وإن انعقدت الصلاة بغيره.
فإن قال: الله فقط انعقدت الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن في هذا الاسم معنى التعظيم؛ لأنه مشتق من التأله وهو التعبد خلافا لمحمد بن الحسن؛ القائل بأن تمام التعظيم لا يكون إلا بذكر الاسم مع الصفة.
ولو قال: بسم الله الرحمن الرحيم لا يصير شارعا؛ لأنه للتبرك، ولو قال: اللهم اغفر لي، أو استغفر الله أو حوقل، لا يصير شارعا؛ لأنه دعاء.
وقال الشافعية: يجزئ الله أكبر، أو الله الأكبر، ولا يجزئ غيرهما، فلا يجزئ الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وكذا لو قال: الرحمن أكبر أو الرب أكبر، وإذا أدخل بين كلمتي التكبير بشيء من صفات الله تعالى وثنائه، وكان يسيرا لا يصير به التكبير مفصولا، كقوله: الله عز وجل أكبر صح، فإن طال كقوله: الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكبر لم يجزئ.
وقال أبو يوسف: لا يكون شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، كالله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، زاد السرخسي: والله كبير، إلا إذا كان لا يعلم أو لا يحسن التكبير.وقال ابن حزم: يجزئ بكل اسم من أسماء الله تعالى ذكر بالتكبير نحو الرحمن أكبر، والأكبر الله، والكبير الله، هذه مجمل الأقوال في المسألة أوسعها مذهب الحنفية، فلا يشترطون من الأسماء لفظ الجلالة (الله)، ولا من التعظيم لفظ التكبير.
يقابله مذهبا مالك وأحمد اللذان قصرا الصيغة على لفظ: (الله أكبر).
وما بين ذلك ثلاثة أقوال:
مذهب الشافعية حيث قصروا الصيغة على لفظين: الله أكبر، أو الله الأكبر.
يليه مذهب أبي يوسف حيث قصر الصيغة في أسماء الله على لفظ الجلالة (الله) وعلى مشتقات التكبير، فكان أوسع من مذهب الشافعية حيث لم يشترط في التكبير أفعل التفضيل كما اشترطه الشافعية.
يلي ذلك اختيار ابن حزم حيث وسع الصيغة في أسماء الله، فأجزأ عنده أي اسم من أسماء الله بشرط أن يذكر معه التكبير، فوسع دائرة الأسماء مع مشتقات التكبير.• سبب الخلاف:
اختلافهم في قوله صلى الله عليه وسلم: تحريمها التكبير، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقول عائشة: (كان يستفتح الصلاة بالتكبير)، وغيرها من الأحاديث أهي من الخطاب المجمل المبين بالسنة الفعلية بلفظ: (الله أكبر)، فيأخذ الفعل المبين حكم الأمر المجمل، فيجب لفظ (الله أكبر) ولو ورد بصيغة الفعل، أم أن الأمر بالتكبير من الألفاظ المبينة، وليس فيها إجمال، إنما فيها عموم، فكل صيغة من صيغ التكبير يمكن أن تنعقد بها الصلاة، وكون السنة الموروثة جاءت بلفظ (الله أكبر) فهذا فرد من أفراد العام يوافق العام في لفظه، ولا يقتضي تخصيص الحكم به، والفعل بمجرده لا يدل على وجوب هذه الصيغة، وإن دل على أفضيلة هذا اللفظ؛ لتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم له، أم أن المقصود من التكبير هو التعظيم، فينوب عن التكبير كل ما فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، وهذا أضعفها، والله أعلم.
هذا هو محل الخلاف الفقهي الذي بنيت عليه هذه المسألة، إذا وقفت على ذلك نأتي لبيان أدلة كل فريق، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: لا تنعقد إلا بلفظ: الله أكبر: ذكر أصحاب هذا القول نوعين من الأدلة، أدلة ذكر فيها الأمر بالتكبير، أو أنه كان يستفتح بالتكبير. ونوع آخر من الأدلة تبين أن المراد بالتكبير المجمل في الأدلة هو لفظ: الله أكبر، لا غير، وإليك ما وقفت عليه من الأدلة:
الدليل الأول:(ح-١١٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة، فكبر... وذكر بقية الحديث.
وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بالتكبير، والأصل في الأمر الوجوب، والتكبير مجمل، وقد بينته السنة بلفظ: (الله أكبر) وبيان الواجب واجب مثله.
الدليل الثاني:
(ح-١١٨١) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه... ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه مسلم.
وله شاهد من حديث مالك بن الحويرث في الصحيحين، وحديث وائل بن حجر في مسلم.
الدليل الثالث:
(ح-١١٨٢) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ .... الحديث.
[أعل بالإرسال؛ لأن أبا الجوزاء لم يسمعه من عائشة].الدليل الرابع:
(ح-١١٨٣) ما رواه مسلم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .... الحديث.
ورواه البزار في مسنده، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، قال: أخبرنا يوسف بن أبي سلمة الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج به، بلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين ... الحديث.
لم يروه بلفظ: (الله أكبر) عن الماجشون إلا ابنه يوسف، ولا عن يوسف إلا محمد بن عبد الملك، تفرد عنه أبو بكر البزار، والبزار ممن لا يحتمل تفرده، ولا مخالفته، وقد رواه مسلم وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون به، بلفظ: إذا استفتح الصلاة كبر، وهو المحفوظ.
الدليل الخامس:
(ح-١١٨٤) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
[حسن].وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار.
وجه ذلك: أن التعيين مستفاد من حصر المبتدأ في الخبر، وهذا معلوم في باب القصر والحصر في علم البيان، وليس هذا من قبيل المفهوم؛ لئلا يقول الحنفية: هذا من المفهوم، ونحن لا نقول به. فالحديث لو فرض أنه قال: (التكبير تحريمها) لم يلزم انحصار التحريم في التكبير، فلما قدم ما ينبغي تأخيره علم قطعا أن ذلك لقصد الحصر، وهذا بمثابة قول القائل: زيد صديقي، فلا يتضمن حصر الصداقة في زيد، فإذا قال: صديقي زيد تضمن ذلك حصر الصداقة في زيد؛ لأن قوله: (صديقي) عام، فإذا أخبر عنه بخاص، وهو زيد، كان ذلك حصرا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر، وهو زيد؛ إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز. وبناء عليه يكون قوله: (تحريمها التكبير) يعني: لا غيره، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير.
ولأن قوله: (تحريمها) نكرة مضاف إلى معرفة وهو الضمير العائد إلى الصلاة، فيكون عاما كقولك: «وإن تعدوا نعمة الله»، فنعمة نكرة مضافة إلى معرفة فكانت عامة، ولهذا قال: لا تحصوها، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير.
فإذا اتفقنا على حصر التحريم في التكبير وحده، فهل المراد بالتكبير مطلق التكبير؛ لأن التكبير له صيغ، وهو مصدر، وقد دخلت عليه (أل) والأصل فيه العموم؟• فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن نعتبر أن التكبير وقع فيه شيء من الإجمال، والموقف الشرعي من المجمل أن نطلب له مبينا، فنرجع إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فما لازم عليه يعتبر مبينا لهذا النص، وقد لزم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته لفظ (الله أكبر)، ونقل لنا هذا نقلا متواترا نقله الصحابة إلى التابعين، ونقله التابعون إلى من بعدهم جيلا عن جيل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن اللام في (التكبير) للعهد، أي التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلا ضروريا خلفا عن سلف، عن نبيها صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيره، ولا مرة واحدة، فهذا هو المراد بلا شك في قوله: (وتحريمها التكبير)، فهو كاللام في قوله: (مفتاح الصلاة الطهور)، فليس المراد به كل طهور، بل الطهور الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه لأمته، وكان فعله له تعليما وبيانا لمراد الله من كلامه، فمن جوز الله الأكبر، أو الله الكبير فإنه وإن سمي تكبيرا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث.
الدليل السادس:
(ح-١١٨٥) ما رواه ابن ماجة من طريق أبي أسامة قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر.
[إسناده حسن والحديث صحيح].الدليل السابع:
(ح-١١٨٦) ما رواه النسائي من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، وذكر آخر قبله عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا، قال: "الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك، ثم يقرأ".
[ضعيف جدا، المعروف أنه من مسند علي رضي الله عنه].
الدليل الثامن:
(ح-١١٨٧) ما رواه الطبراني في الكبير، من طريق حجاج، ثنا حماد، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فصلى فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعاد مرتين أو ثلاثا، فقال: يا رسول الله ما ألوت بعد مرتين أو ثلاث أن أتم صلاتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله تعالى ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن... الحديث.
[انفرد حماد بن سلمة بذكر لفظ: (الله أكبر) ولم يقم إسناده].• دليل من قال: يجزئ الله أكبر أو الله الأكبر فقط:
استدل الشافعية بأدلة القول السابق من وجوب تعيين لفظ الجلالة (الله)، ومن وجوب التكبير بصيغة أفعل التفضيل (أكبر)؛ لأن التكبير يغلب عليه التعبد، فيجب الاتباع على ما ورد، ويمتنع قياس غير المنصوص على المنصوص، إلا أنهم يرون أن زيادة الألف اللام على لفظ (أكبر) لا يغير المقصود من أفعل التفضيل (أكبر)، ولا تحيل المعنى، فكانت الصلاة قد انعقدت بكلمة (أكبر) والحرفان المزيدان، كأنه لم يأت بهما، فالإتيان بهما بمثابة زيادة المد، لا يغير المقصود، فهو كما لو قال: الله أكبر كبيرا، فالصلاة قد انعقدت بلفظ (الله أكبر) وتكون زيادة (كبيرا) ذكرا لا يمنع من الانعقاد بعد أن اشتمل اللفظ على الوارد المنصوص، وإن كانت الزيادة لا تستحب، بخلاف الله الكبير؛ لفوات أفعل التفضيل، أو الرحمن أكبر؛ لانطوائها على تبديل للمنصوص.
• ونوقش هذا القول من وجهين:
الوجه الأول:
أن جميع الأذكار المقيدة توقيفية، مبنية على التعبد المحض، لا يجوز إحداث زيادة فيها، لا قبلها، ولا بعدها، ولا بينها، طويلة كانت الزيادة أم قصيرة، كما لا يجوز تبديلها بأفضل منها، بصرف النظر عن المعنى، وسيأتي التدليل على ذلك من السنة عند مناقشة الحنفية.
الوجه الثاني:
لا نسلم أنه لا فرق بين لفظ (الله أكبر) ولفظ (الله الأكبر) من حيث المعنى.
يقول ابن القيم: وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين؛ فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ، ونقص في المعنى.
وبيانه: أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرف.
فإذا قيل: الله أكبر: كان معناه من كل شيء.
وأما إذا قيل الله الأكبر، فإنه يتقيد معناه، ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين، كما إذا قيل: من أفضل أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل، هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال.
فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع (من)، وأما دون (من) فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام؛ كأنه لم يأت بهما، فالإتيان بهما بمثابة زيادة المد، لا يغير المقصود، فهو كما لو قال: الله أكبر كبيرا، فالصلاة قد انعقدت بلفظ (الله أكبر) وتكون زيادة (كبيرا) ذكرا لا يمنع من الانعقاد بعد أن اشتمل اللفظ على الوارد المنصوص، وإن كانت الزيادة لا تستحب، بخلاف الله الكبير؛ لفوات أفعل التفضيل، أو الرحمن أكبر؛ لانطوائها على تبديل للمنصوص.
• ونوقش هذا القول من وجهين:
الوجه الأول:
أن جميع الأذكار المقيدة توقيفية، مبنية على التعبد المحض، لا يجوز إحداث زيادة فيها، لا قبلها، ولا بعدها، ولا بينها، طويلة كانت الزيادة أم قصيرة، كما لا يجوز تبديلها بأفضل منها، بصرف النظر عن المعنى، وسيأتي التدليل على ذلك من السنة عند مناقشة الحنفية.
الوجه الثاني:
لا نسلم أنه لا فرق بين لفظ (الله أكبر) ولفظ (الله الأكبر) من حيث المعنى.
يقول ابن القيم: «وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين؛ فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ، ونقص في المعنى.
وبيانه: أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرف.
فإذا قيل: الله أكبر: كان معناه من كل شيء.
وأما إذا قيل الله الأكبر، فإنه يتقيد معناه، ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين، كما إذا قيل: من أفضل أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل، هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال.
فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع (من)، وأما دون (من) فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام».• دليل من قال: لا يصح إلا بألفاظ التكبير الأربعة أكبر الأكبر كبير الكبير:
أما وجوب التكبير فلقوله صلى الله عليه وسلم: (وتحريمها التكبير) فعلم أنه لا تحريم بغيره.
ولأن التكبير مشتق من الكبرياء، والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم، يقال: هذا أكبر القوم: أي أعظمهم منزلة، وأشرفهم قدرا، فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه؛ لانعدام المساواة في المعنى.
وأما جواز التكبير بتلك الألفاظ الأربعة: فلأن صيغة أفعل تقتضي الزيادة بعد مشاركة غيره إياه في الصفة، وفي صفات الله لا يمكن، فكان أفعل في حق الله بمعنى فعيل؛ إذ لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء في كلامهم أفعل بمعنى فعيل، قال الشاعر:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول.
أي عزيز طويل.
وقال تعالى: [الليل: ١٥]: أي الشقي.
وقال تعالى: [الليل: ١٧]: أي التقي.
وقال تعالى: [الروم: ٢٧]: أي هين؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء، بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد، [لقمان: ٢٨].
• ونوقش:
الاستدلال بحديث: (تحريمها التكبير) على جواز مشتقات التكبير لا يصح، لأن التكبير إن كان مجملا فالسنة بينته، وإن كانت (أل) للعهد فالمعهود من فعله الذي لم يخل به ولا مرة واحدة: (الله أكبر).
وأما الجواب عن قولهم: (أكبر) في حق الله بمعنى (الكبير) فالصحيح أن أفعل التفضيل على بابه، وأن المقصود أكبر من كل شيء، فإذا فات أفعل التفضيل فات معنى التعظيم المطلق، ويجوز المفاضلة بين الخير المطلق والشر المطلق، قال تعالى: [النمل: ٥٩].
ويقول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) ولا خير في النوم وقت الصلاة. ولو سلمنا أن أفعل التفضيل ليس على بابه، فنحن متعبدون باللفظ، لا يغني عنه غيره، حتى ولو ادعي أنه أكمل منه؛ لأن ألفاظ الأذكار المقيدة توقيفيه، لا يجوز تبديلها إلى غيرها، ولا الزيادة عليها، فالتبديل تحريف، والزيادة استدراك على الشارع، وكلاهما لا يجوزان شرعا، والله أعلم، وسوف أسوق الدليل عند مناقشة ذلك.
• دليل من قال: تنعقد بكل الأسماء والصفات المقصود منها تعظيم الله:
الدليل الأول:
الأصل في نصوص الشارع أنها معللة، معقولة المعنى، والتقييد بالتكبير يلغي العلة، فالتكبير صح؛ لأن فيه تعظيما لله، قال تعالى: [يوسف: ٣١] أي عظمنه.
وقال سبحانه [المدثر: ٣]: أي عظم، ولأنه ذكر فيه تعظيم فأجزأ كالتكبير ولأنه ذكر فلم يختص بلفظ كالخطبة.
• ونوقش:
كون التكبير في اللغة هو التعظيم، هذا صحيح، ولكن لا نسلم أنه يجوز تغيير المنصوص عليه إلى غيره، فالأذكار على نوعين:
مطلق: والأصل فيه الإباحة.
ومقيد: والأصل فيه المنع، والاقتصار فيه على ما ورد.
(ح-١١٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة". قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: "آمنت بنبيك الذي أرسلت" فمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي. قال ابن رشد في معرض رده على أبي حنيفة: «أما أبو حنيفة فساوى في الإحرام بين التكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، ومعانيها مفترقة؛ ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.
فلو كانت معانيها متفقة، لقال من سبح دبر كل صلاة، أو كبر، أو هلل، أو حمد، مائة، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر». فإذا سلم ذلك، فإن جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسا، وقدرا، وكيفية، وزمنا، وسببا.
فالموافقة في الجنس: بحيث لا يجوز الدخول بالصلاة بأي ذكر من الأذكار سوى قول الله أكبر.
والموافقة في القدر: بحيث لا يزاد في التحريمة ولا ينقص منها.
والموافقة في الكيفية: بحيث لا يقدم بعض جمله على بعض، فإذا قدم أو أخر وإن كان موافقا في القدر فقد خالف في الكيفية.
والموافقة في الزمن: وهذا معلوم فالتكبير إيذان بالشروع في الصلاة.
والموافقة في السبب: فالأذكار المقيدة مرتبطة بأسبابها فسبب التحريمة الشروع بالصلاة، فلا تكبير لسجود التلاوة ولا لسجود الشكر، لأن السجود وحده ليس بصلاة على الصحيح، وهكذا سائر الأذكار المقيدة فإنها مرتبطة بأسبابها، فالأذان ذكر مقيد يختص بالصلوات الخمس ومنها الجمعة، فلا يجوز الأذان لغير الصلوات الخمس، فلا يؤذن لصلاة التراويح، أو العيد، أو غيرهما من الصلوات، وقل مثل ذلك في سائر الأذكار المقيدة.
الدليل الثاني:
قال تعالى: [الأعلى: ١٥].وجه الاستدلال:
قال الجصاص: الفاء للتعقيب، وليس ذكر يكون عقيبه الصلاة بلا فصل إلا ذكر الافتتاح، فقد تضمنت الآية جواز الافتتاح بجميع ما كان ذكرا لله تعالى.
ولأن قوله: نكرة مضافة إلى معرفة فتعم جميع الأسماء، كقوله تعالى: [النحل: ١٨] (فنعمة) نكرة مضافة إلى معرفة، فعمت بقوله تعالى: .
ولا يجوز تقييد العام بلفظ (الله أكبر) لسببين:
الأول: أن قوله: (الله أكبر) لفظ موافق للعام في الحكم، وقد قال أهل الأصول: ذكر فرد من أفراد العام بالذكر يوافق العام لا يقتضي تخصيصا، فتخصيص الخاص بالذكر لا يمنع شمول العام لغيره، والتخصيص إنما يكون لو جاءت التحريمة بلفظ يخالف العام فيقتضي إخراجه من حكم العام خلافا لأبي ثور حيث قال: تخصيصه بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه؛ إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك.
ورد عليه بقوله تعالى: [البقرة: ٢٣٨].
فذكر الصلاة الوسطى ليس تخصيصا لها بالمحافظة، وهذا بين.
السبب الثاني: أنه لا يجوز تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء؛ لأنها أخبار آحاد، فلا يقيد بها عموم القرآن.
• ونوقش:
بأن الآية عطفت الصلاة على الذكر، فدل أن الذكر في الآية قبل الصلاة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالمقصود من الآية كقوله تعالى: [طه: ١٤]، فهذا الذكر لاسم الله تعالى هو القصد إليه بالنية في أدائها عز وجل.
ورد الحنفية: بأن تكبيرة الإحرام عندنا ليست من الصلاة.
• وأجيب على ردهم:
بأن الصحيح أن تكبيرة الافتتاح جزء من الصلاة وركن من أركانها كما سبق بيانه في المسألة السابقة، ولأنه يشترط لصحة تكبيرة الإحرام في الفرض ما يشترط للصلاة من الإتيان بها على طهارة، واستقبال القبلة، وأن يكون ساترا للعورة، وأن يكون قائما فلو أتى بها قاعدا لم تنعقد فرضا، فكل ذلك يدل على أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة؛ لأنها أخذت جميع أحكام الصلاة.
الدليل الثالث:
قال تعالى: [الإسراء: ١١٠].
فظهر أنه لا فرق بين قولك: الله أكبر، أو قولك الرحمن أكبر.
وقال تعالى: [الأعراف: ١٨٠].
• ونوقش:
بأن الآيتين في الدعاء، والحنفية لا يجيزون افتتاح الصلاة بألفاظ الدعاء، ولو تضمنت التعظيم، فيكف يصح القياس على ما لا يصح افتتاح الصلاة به عندهم.
الدليل الرابع:
(ح-١١٨٩) ما رواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".وجه الاستدلال:
قوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، فجعل الإتيان بالشهادتين غاية المقاتلة، فلو قال: لا إله إلا الرحمن، أو العزيز كان مسلما، فإذا جاز ذلك في الإيمان ففي فروعه أولى.
• ونوقش:
بأن هذا قياس في مقابل النص، فهو فاسد الاعتبار.
وبأن المراد من الشهادتين الإخبار عن اعتقاده، وذلك يحصل بكل لسان، وأما التكبير فتعبد الشرع بلفظ، فوجب اتباعه مع القدرة.
• الراجح:
الراجح الذي لا ينبغي غيره هو أن الصلاة لا تنعقد بغير (الله أكبر)، وأن الزيادة عليها قبلها أو في أثنائها يبطلها، وأما الزيادة عليها بعدها وإن أجازه الشافعية وكرهه الحنابلة فإن الصحيح أنه لا يجوز، وإن انعقدت به الصلاة، باعتبار الزائد ملغى، كما لو قال: الله أكبر كبيرا، فاستبدال تكبيرة الإحرام بغيرها يدخل في تحريف المشروع، والزيادة عليها استدراك على الشارع، ومثله لا يجوز، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٢٩٣)
فإن قال: الله أكبر؛ انعقدت صلاته بالإجماع، فإن قال: الله الأكبر، انعقدت على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور، وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب التتمة وغيرهما قولان: إنه لا تنعقد به الصلاة، وهو مذهب مالك وأحمد وداود، قال الشافعي والأصحاب: ويتعين لفظ التكبيرة، ولا يجزئ ما قرب منها كقوله: الرحمن أكبر والله أعظم والله كبير والرب أكبر وغيرها، وحكى ابن كج والرافعي وجها أنه يجزيه الرحمن أكبر أو الرحيم أكبر، وهذا شاذ ضعيف، وأما إذا كبر وزاد ما لا يغيره، فقال: الله أكبر وأجل وأعظم والله اكبر كبيرا، والله أكبر من كل شيء فيجزيه بلا خلاف؛ لأنه أتى بالتكبير، وزاد ما لا يغيره، ولو قال: الله الجليل أكبر أجزأه على أصح الوجهين، ويجريان فيما لو أدخل بين لفظتي التكبير لفظة أخرى من صفات الله بشرط، أن لا يطول كقوله: الله عز وجل أكبر، فإن طال كقوله: الله الذى لا له إلا هو الملك القدوس أكبر لم يجزئه بلا خلاف؛ لخروجه عن اسم التكبير، ويجب الاحتراز في التكبير عن الوقفة بين كلمتيه وعن زيادة تغير المعنى، فإن وقف أو قال: الله أكبر بمد همزة الله أو بهمزتين أو قال الله أكبار أو زاد واوا ساكنة أو متحركة بين الكلمتين لم يصح تكبيره، قال الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة: ولا يجوز المد إلا على الألف التي بين اللام والهاء، ولا يخرجها بالمد عن حد الاقتصاد للإفراط، وإذا قال: أصلي الظهر مأموما أو إماما الله أكبر فليقطع الهمزة من قوله: الله أكبر ويخففها، فلو وصلها فهو خلاف الأولى، ولكن تصح صلاته وممن صرح به.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٣٩٠:٣٩٣)
الشرط الخامس: في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب:
المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.
• الواجب النطق، والإسماع قدر زائد على النطق.
• النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.
[م-٤٨٢] اتفق العلماء على أنه يشترط أن يحرك لسانه وشفتيه بالحروف، وينطق بها، فلو أجراها على قلبه من دون تحريك لسانه، لم تنعقد صلاته.
واختلفوا في اشتراط إسماع المصلي نفسه بتكبيرة الإحرام والأقوال والقراءة الواجبة:
فقيل: يشترط أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط ونحوه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.وقيل: لا يشترط، بل يكفيه أن يحرك لسانه بالحروف، وإن لم يسمع نفسه، اختاره الكرخي من الحنفية، وظاهر قول محمد بن الحسن، والمذهب عند المالكية، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة.
• دليل من قال: لا يشترط:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.
الدليل الثاني:
(ح-١١٩٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك... وذكر الحديث.
وجه الاستدلال:
قوله: "اقرأ بها في نفسك" أي في سرك، وليس المراد: اقرأ بها في قلبك؛ لأن هذا لا يجزئ بالإجماع، ولا يعتبر هذا قراءة؛ ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئا للقرآن. قال الباجي في المنتقى: «القراءة في النفس: هي بتحريك اللسان بالتكلم، وإن لم يسمع نفسه سرا».
الدليل الثالث:
أن الواجب هو النطق بالتكبير والقراءة، وكذا كل قول واجب، والإسماع قدر زائد على النطق؛ لأن النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.
• دليل من قال: يشترط أن يسمع نفسه:
الدليل الأول:
قال تعالى: [الأعراف: ٢٠٥].
قال الرازي: «المراد منه: أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى: [الإسراء: ١١٠].
فالمراد أن يكون الصوت فوق الإسرار ودون الجهر، وأقله إسماع النفس.
• ويناقش:
أما قوله: قال تعالى: [الأعراف: ٢٠٥].
فليست الآية في قراءة الصلاة، لأن الله -عز وجل- أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يذكره، في قلبه، وأن يذكره أيضا في لسانه، وذكر القلب وإن كان مطلوبا خارج الصلاة وذلك بأن يستحضر معاني أسماء الله وآياته وآلائه ليكمل للعبد خوف الله وخشيته والإنابة إليه إلا أنه في الصلاة لا يكفي، فلو ذكر المصلي ربه في صلاته في قلبه فقط، فقرأ القرآن في نفسه، وقال التكبيرات والأذكار الواجبة في نفسه ولم يحرك بها لسانه لم يسقط الواجب عنه بالإجماع، فتبين أن الآية ليست في الصلاة.وأما الاستدلال بقوله: [الإسراء: ١١٠].
فلا تدل على تحريم الإخفات إلا إذا دلت على تحريم الجهر بالصلاة، فإذا كان الجهر بالصلاة ليس محرما، لم يكن الإخفات محرما إذا حرك لسانه بالقراءة والذكر الواجب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن المصلي إذا لم يسمع نفسه ولم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ، وإذا كان لا بد من الصوت، فالصوت ما يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فإذا لم يسمع نفسه لم يحصل علم ولا ظن بحصول شرط الصلاة.
• ويناقش:
بأن القول: بأنه إذا لم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ هذه دعوى في محل النزاع، فأين البينة على هذه الدعوى؟
والدعاوى ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء.
• الراجح:
أن تحريك اللسان بالتكبير وكذا كل ذكر واجب يكفي ولو لم يسمع نفسه، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٢٩٣:٢٩٤)
وإذا كبر بغير العربية وهو يحسنها لم تصح صلاته عندنا بلا خلاف، فإن عجز عن كلمة التكبير أو بعضها، فله حالان: (أحدهما) أن لا يمكنه كسب القدرة بأن كان به خرس ونحوه وجب أن يحرك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير قدر إمكانه، وإن كان ناطقا لا يطاوعه لسانه لزمه أن يأتي بترجمة التكبير ولا يجزيه العدول إلى ذكر آخر، ثم جميع اللغات في الترجمة سواء فيتخير بينها، هكذا قطع بالأكثرون منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي، وفيه وجه ضعيف إن أحسن السريانية أو العبرانية تعينت لشرفها بإنزال الكتاب بها وبعدهما الفارسية أولى من التركية والهندية، وقال صاحب الحاوي: إذا لم يحسن العربية وأحسن الفارسية والسريانية ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) يكبر بالفارسية لأنها أقرب اللغات إلى العربية. (والثاني) بالسريانية؛ لأن الله تعالى أنزل بها كتابا ولم ينزل بالفارسية. والثالث يتخير بينههما قال: فإن كان يحسن التركية والفارسية فهل تتعين الفارسية أم يتخير؟ فيه وجهان، ولو كان يحسن النبطية والسريانية فهل تتعين السريانية أم يتخير؟ فيه وجهان، فإن كان يحسن التركية والهندية تخير بلا خلاف. (الحال الثاني) أن يمكنه القدرة بتعلم أو نظر في موضع كتب عليه لفظ التكبير فيلزمه ذلك؛ لأنه قادر ولو كان ببادية أو موضع لا يجد فيه من يعلمه التكبير لزمه المسير إلى قربة يتعلم بها على الصحيح، فيه وجه أنه لا يلزمه بل يجزيه الترجمة، كما لا يلزمه المسير إلى قرية للوضوء، بل له التيمم، وبهذا قطع صاحب الحاوي والمذهب الأول وصححه إمام الحرمين والغزالي وآخرون؛ لأن نفع تعلم التكبير يدوم ونقل الإمام الوجهين في المسير لتعلم الفاتحة والتكبير، وقال: عدم الجواب ضعيف، ولا تجوز الترجمة في أول الوقت لمن أمكنه التعلم آخره، فإن لم يجد من يعلمه العربية ترجم، ومتى أمكنه التعليم وجب، وإذا صلى بالترجمة في الحال الأول فلا إعادة، وأما في الحال الثاني فإن ضاق الوقت عن التعلم لبلادة ذهنه أو قلة ما أدركه من الوقت فلا إعادة أيضا، وإن أخر التعلم مع التمكن وضاق الوقت صلى بالترجمة ولزمه الإعادة على الصحيح لتقصيره، وفيه وجه أنه لا إعادة وهو غريب وغلط.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٠/١١٧:١١٨)
التبليغ خلف الإمام:
٥- من سنن الصلاة جهر الإمام بالتكبير والتسميع والسلام بقدر الحاجة ليسمع المأمومين، فإن زاد على الحاجة زيادة كبيرة كره.
والتكبير للإعلام بالدخول في الصلاة والانتقال فيها يكون من الإمام، فإن كان صوته لا يبلغ من وراءه فينبغي التبليغ عنه من أحد المأمومين، والمراد من التكبير ما يشمل تكبيرة الإحرام وغيرها. وقال ابن قدامة: يستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، بحيث يسمع المأمومون ليكبروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلا بعد تكبيره، فإن لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم، أو ليسمع من لا يسمع الإمام. لما روى جابر رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا وفي كل مذهب تفصيل:
فعند الحنفية والشافعية: أن الإمام إذا كبر للافتتاح فلا بد لصحة صلاته من قصده بالتكبير الإحرام بالصلاة، وإلا فلا صلاة له إذا قصد الإعلام فقط. فإن جمع بين الأمرين بأن قصد الإحرام والإعلام فذلك هو المطلوب منه شرعا. وكذلك المبلغ إذا قصد التبليغ فقط خاليا عن قصد الإحرام فلا صلاة له، ولا لمن يصلي بتبليغه في هذه الحالة، لأنه اقتدى بمن لم يدخل في الصلاة. فإن قصد بتكبيره الإحرام مع التبليغ للمصلين، فذلك هو المقصود منه شرعا.
ووجهه: أن تكبيرة الإحرام شرط أو ركن، فلا بد في تحققها من قصد الإحرام أي الدخول في الصلاة.
وأما التسميع من الإمام، والتحميد من المبلغ، وتكبيرات الانتقالات منهما، إذا قصد بما ذكر الإعلام فقط، فلا فساد للصلاة. والفرق أن قصد الإعلام غير مفسد، كما لو سبح ليعلم غيره أنه في الصلاة. ولما كان المطلوب هو التكبير على قصد الذكر والإعلام، فإذا محض قصد الإعلام فكأنه لم يذكر، وعدم الذكر في غير التحريمة غير مفسد.وعند المالكية أنه يجوز اتخاذ شخص معين ليسمع الناس، وتصح صلاته، ولو قصد بتكبيره وتحميده مجرد إسماع المأمومين.
وعندهم أنه يصح أن يكون المسمع (المبلغ) صبيا أو امرأة أو محدثا، وذلك مبني على أن المسمع علامة على صلاة الإمام، وذلك هو اختيار المازري واللقاني.
وفي رأي: أن المسمع نائب ووكيل عن الإمام، فلا يجوز له التسميع حتى يستوفي شرائط الإمام.وعند الحنابلة: أنه يستحب الجهر من الإمام ليسمع المأمومين انتقالاته في الصلاة، كالجهر بتكبيرة الإحرام، فإن لم يجهر الإمام بحيث يسمع الجميع استحب لبعض المأمومين رفع صوته ليسمعهم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٢٩٤:٢٩٥)
يستحب الإمام أن يجهر بتكبيرة الإحرام وبتكبيرات الانتقالات ليسمع المأمومين؛ فيعلموا صحة صلاته، فإن كان المسجد كبيرا لا يبلغ صوته إلى جميع أهله أو كان ضعيف الوصت لمرض ونحوه أو من أصل خلقته بلغ عنه المأمومين أو جماعة منهم على حسب الحاجة؛ للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى في مرضه بالناس وأبو بكر رضي الله عنه يسمعهم التكبير". رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة، وسأبسط هذا المسألة في أول فصل الركوع إن شاء الله تعالى، وأما غير الإمام فالسنة الإسرار بالتكبير سواء المأموم والمنفرد، وأدنى الإسرار أن يسمع نفسه إذا كان صحيح المسع ولا عارض عند من لغط وغيره، وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء سواء واجبها ونفلها لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض، فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك لا يجزيه غير ذلك، هكذا نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، قال أصحابنا: ويستحب أن لا يزيد على إسماع نفسه، قال الشافعي في الأم: يسمع ومن يليه لا يتجاوزه.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٢٨:١٢٩)
فصل: ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، بحيث يسمع المأمومون ليكبروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلا بعد تكبيره، فإن لم يمكنه إسماعهم، جهر بعض المأمومين ليسمعهم، أو ليسمع من لا يسمع الإمام؛ لما روى جابر، قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبر أبو بكر؛ ليسمعنا. متفق عليه.
التمهيد -ابن عبد البر- (٦/٣١١:٣١٢)
واختلف الفقهاء في حال تكبيرة الإمام والمأموم في تكبيرة الإحرام؛ فذكر ابن خويزمنداد قال: قال مالك: إذا كبر الإمام كبر المأموم بعده، ويكره له أن يكبر في حال تكبيره، وإن كبر في حال تكبيره أجزأه، وإن كبر قبله لم يجزئه.
قال: وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والثوري، وعبيد الله بن الحسن: يكبر مع تكبير الإمام.
قال محمد بن الحسن: فإن فرغ المأموم من التكبير قبل الإمام لم يجزئه.وقال الثوري: يجزئه.
وقال أبو يوسف، والشافعي في أشهر قوليه: لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير.
وقال أصحاب الشافعي: إن كبر قبل الإمام أجزأه، وعندهم أنه لو افتتح الصلاة لنفسه ثم أراد أن يدخل في صلاة الإمام كان ذلك له، على أحد قولي الشافعي.
وقالت طائفة من أصحاب داود وغيرهم: إن تقدم جزء من تكبير المأموم في الإحرام تكبيرة الإمام لم يجزئه، وإنما يجزئه أن يكون تكبيره في الإحرام بعد إمامه.
وإلى هذا ذهب الطحاوي، واحتج بأن المأموم إنما أمر أن يدخل في صلاة الإمام بالتكبيرة، والإمام إنما يصير داخلا فيها بعد الفراغ من التكبير، فكيف يصح دخول المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه بعد؟ واحتج أيضا لمن أجاز من أصحابه تكبيرهما معا بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي موسى وغيره "إذا كبر الإمام فكبروا" قال: وهذا يدل على أنهم يكبرون معا؟ لقوله: "فإذا ركع فاركعوا"، وهم يركعون معا. والقول الأول عنده أصح، وهو قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٣١)
فصل: ولا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير. وقال أبو حنيفة: يكبر معه، كما يركع معه. ولنا، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا". متفق عليه. والركوع مثل ذلك، فإنه إنما يركع بعده، إلا أنه لا تفسد صلاته بالركوع معه، لأنه قد دخل في الصلاة، وههنا بخلافه. فإن كبر قبل إمامه، لم ينعقد تكبيره، وعليه استئناف التكبير بعد تكبير الإمام.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٣٩٩:٤١٦)
الشرط السابع: سلامة التكبير من اللحن المغير للمعنى:
المدخل إلى المسألة:
• كل لحن يغير المعنى، ويوهم محذورا فهو محرم، ويفسد الصلاة.
• كل إشباع يخرج عن الحد الطبيعي، ولا يغير المعنى، إذا ارتكبه قاصدا عالما فهو مكروه.
• الخطأ النحوي في غير كتاب الله من تحريك الساكن، أو تسكين المتحرك إذا لم يغير المعنى، لم يفسد الصلاة.
[م-٤٨٤] اللحن في النطق إما أن يكون لحنا في بنية الكلمة أو في إعرابها، وسوف نعرض لبعض الصور من اللحن الذي يقع فيه الناس، وتعرض له الفقهاء في أحكامهم.
القسم الأول: صور من اللحن الواقع في بنية الكلمة، من ذلك:
الصورة الأولى: أن يمد همزة لفظ الجلالة كما لو قال: آلله أكبر، فصارت الجملة بصورة الاستفهام، فتغير المعنى.
وقد نص الحنفية وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة على أن الصلاة لا تنعقد.
وقال بعض المالكية: إن قصده بطلت.
بل قال أكثر الحنفية إن تعمده كفر.وقال بعضهم: خيف عليه من الكفر.
ونقل في العناية: أنه إن فعل ذلك عمدا كان كفرا؛ لشكه في كبريائه، وإن لم يتعمده أفسد صلاته، ثم تعقب ذلك بقوله: وفيه نظر؛ لأن الهمزة يجوز أن تكون للتقرير، فلا يكون هناك كفر، ولا فساد، وانتقده في المعراج، بأن الهمزة لا تكون للتقرير إلا في كلام منفي، لا في كلام مثبت، واستدل على هذا بقوله تعالى: [الشرح: ١] قال في النهر الفائق: كذا قيل.
فكأنه لم يرتضه، وتعقب ابن نجيم، كلام صاحب العناية فقال في البحر الرائق: «وفيه نظر؛ لأن ابن هشام في المغني قال: والرابع التقرير، ومعناه: حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته، أو نفيه، ويجب أن يليها الشيء الذي يقرر به، تقول في التقرير بالفعل: أضربت زيدا؟ أو بالفاعل: أأنت ضربت زيدا؟ أو بالمفعول: أزيدا ضربت؟ كما يجب ذلك في المستفهم عنه اهـ.
وليس (الله أكبر) من هذا القبيل؛ إذ ليس هنا مخاطب كما لا يخفى».
وقد كشف نقل ابن نجيم عن ابن هشام أن التقرير كما يكون في النفي يكون في الإثبات.
وقال زروق في شرح الرسالة: «ومواضع اللحن... منها مد ألف الله من اسم الجلالة... وهو قريب من الكفر».وقال ابن المنير نقلا من مواهب الجليل: «ويحذر أن يمد بين الهمزة واللام من اسم الله فيوهم الاستفهام، وأن يمد بين الباء والراء فيتغير المعنى... هذا كله لحن ويخاف منه بطلان الصلاة».
• والراجح:
أنه إن تعمد هذا اللحن مع العلم بطلت صلاته، وإن كان جاهلا فأرجو أن تكون صلاته صحيحة، والله أعلم.
الصورة الثانية: إشباع حركة الهاء من لفظ الجلالة (الله).
قال الحنفية: إشباع حركة الهاء من الجلالة، خطأ لغة، ولا تفسد به الصلاة، وبه قال بعض المالكية.
جاء في مراقي الفلاح: «وإشباع حركة الهاء من الجلالة خطأ لغة ولا تفسد به الصلاة وكذا تسكينها».
وقال ابن المنير المالكي: «ويحذر أن يشبع الهاء حتى تتولد الواو... فهذا كله لحن، ويخاف منه بطلان الصلاة».
ونص الشافعية على أن إشباع الضمة إذا تولد منه واو بين الكلمتين أنه لا يجزئ.
وعلل بعض الشافعية المنع بأن لفظ الجلالة إذا أشبعت حركة الهاء حتى تولد منها واو، صار لفظ الجلالة جمع لاه.
وقال في نهاية المحتاج: «لأن ذلك لا يسمى تكبيرا».ونص صاحب كفاية الأخيار أن الإشباع زيادة تخل بالمعنى، فقال: «ومنها: أن لا يزيد ما يخل بالمعنى بأن يمد الهمزة من الله؛ لأنه يخرج به إلى الاستفهام... أو يزيد في إشباع الهاء فتتولد واو، سواء كانت ساكنة أو متحركة».
واشترط الرملي للتحريم شروطا منها العلم والقصد، والقدرة، وهي شروط في كل محرم، جاء في فتاوى الرملي: «سئل عمن يشبع هاء الله حتى تتولد منها واو فهل ذلك حرام أو لا؟ فأجاب: نعم يحرم عليه إن أتى به قاصدا به الله -سبحانه وتعالى- أو مسندا إليه ما لا يصح إسناده إليه تعالى عالما بتحريمه قادرا على الصواب، بل إن فعله عنادا كفر؛ لتغييره معنى الاسم الكريم، ففي العزيز في الكلام على تكبيرة الإحرام، ولو زاد واوا بين الكلمتين ساكنة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزيه».
•والراجح:
أن القول بإبطال الصلاة شديد، ويحتاج إلى نص، والأصل الصحة، ولكن القول بالكراهة إذا تقصد ذلك غير مدفوع، لما ذكره الشافعية من تعليلات، والله أعلم.
الصورة الثالثة: مد لام لفظ الجلالة (الله)، فإن كان بمقدار حركتين فهو الصواب؛ لأن ذلك مقدار المد الطبيعي. وأما قصره عن المد الطبيعي، فذكر النفراوي من المالكية أن من قصر عن هذا المقدار لا يصير محرما؛ لأنه لا يصير ذاكرا إلا به. وقال الشافعية: «ويندب... أن لا يقصر بحيث لا يفهم، وأن لا يطول بالتمطيط». واستحب الحنفية والشافعية الإسراع بالتكبير: أي لا يمده.• واستدلوا على ذلك بدليلين:
الدليل الأول:
(ح-١١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم التكبير.
[منكر تفرد به الحسن بن عمران وخالف الأحاديث المتواترة في إتمام التكبير].فسر الحنفية قوله: (لا يتم التكبير): أي لا يمده.
وقال أبو داود: معناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر.
فجعل الإتمام في مقابل النقص: أي ينقص التكبير، وهذا ما أحدثه بعض حكام بني أمية، وهذا التفسير ورد في بعض طرق الحديث، وعلى كل حال الحديث لا يصح، ولو صح فهو مخالف للسنة من الجهر بالتكبير في كل مواضعه من الصلاة.
الدليل الثاني:
قال الرافعي في شرح الوجيز: «روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: التكبير جزم، والتسليم جزم».
وفسر ابن نجيم: التكبير جزم: أي بلا مد، وذلك بحذفه من غير تطويل
قال الحافظ في التلخيص: «لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي».
قلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك.
(ث-٢٨٠) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: ...قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد.
[ضعيف جدا فيه يحيى بن العلاء متهم].
وأما الزيادة عن المد الطبيعي:
فقيل: تكره، ولا تفسد به الصلاة، وهو المختار عند الحنفية، ومذهب الحنابلة، قال في النهر الفائق: «أما مد لام الاسم فحسن ما لم يخرج عن حده، كذا في (الشرح)، وحده: أن لا يبالغ فيحدث من ذلك الإشباع ألف بين اللام والهاء، فإن فعل كره، ولا تفسد على المختار، كذا في (شرح المنية)».
وقال في الفروع: «ولا يضر لو خلل الألف بين اللام والهاء؛ لأنه إشباع، وحذفها أولى؛ لأنه يكره تمطيطه».
قال الحطاب في مواهب الجليل: «ويبقى شيء لم أر من نبه عليه، وهو: إشباع مد ألف الجلالة التي بين اللام والهاء فإنه ليس ثم سبب لفظي يقتضي إشباع مدها في الوصل...».
وقال الشافعية: يضر المد إن خرج إلى حد لا يراه أحد من القراء، مع علمه بالحكم، قال الرملي في نهاية المحتاج: «ولو زاد في المد على الألف التي بين اللام والهاء إلى حد لا يراه أحد من القراء وهو عالم بالحال فيما يظهر ضر».
قال الشبراملسي في حاشيته: «(قوله: لا يراه أحد من القراء) أي في قراءة غير متواترة؛ إذ لا يخرجه ذلك عن كونه لغة، وغاية مقدار ما نقل عنهم على ما نقله ابن حجر سبع ألفات، وتقدر كل ألف بحركتين، وهو على التقريب، ويعتبر ذلك بتحريك الأصابع متوالية متقارنة للنطق بالمد.الصورة الرابعة: مد همزة أكبر، حتى تكون بصورة الاستفهام (آكبر).
فقيل: خطأ يفسد الصلاة، ولا يصير شارعا في الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة، جاء في حاشية ابن عابدين: «إن كان المد في أكبر، فإن كان في أوله فهو خطأ مفسد، وإن تعمده، قيل يكفر للشك، وقيل لا. ولا ينبغي أن يختلف في أنه لا يصح الشروع به».وعده المالكية من اللحن في الأذان.
وقال في شرح المقدمة الحضرمية: «قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذورا، بل كثير منه كفر من العالم العامد، كمد همزة أكبر».وقال ابن مفلح: «ولا تنعقد إن مد همزة الله، أو أكبر».
والقول في مد همزة أكبر كالقول في مد همزة الله حيث تكون صورتها صورة الاستفهام، والله أعلم.
الصورة الخامسة: مد آخر (أكبر) بحيث ينطقها بلفظ: (أكبار).
نص الحنفية وأكثر المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن مد باء أكبر يبطل الصلاة.قال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله حتى يصير مستفهما، ومن مد باء أكبر، ومن تشديد رائه... فإن جميع ذلك مبطل للتكبير».
واعتبره ابن المنير المالكي لحنا يخاف منه إبطال الصلاة، وذكر الفقهاء في تعليل الإبطال أن المعنى يفسد، فإن أكبار بفتح الهمزة جمع كبر، وهو الطبل، وإن قال (إكبار) بكسر الهمزة فقد ذكر بعضهم أنه اسم من أسماء الحيض، قال ابن جرير في تفسيره: «زعم بعض الرواة: أن بعض الناس أنشده في: أكبرن بمعنى حضن بيتا، لا أحسب أن له أصلا؛ لأنه ليس بمعروف عند الرواة، وذلك قوله:
نأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وزعم أن معناه: إذا حضن».
(ث-٢٨١) بما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده في قوله: [يوسف: ٣١]، قال: حضن.
[ضعيف].وجاء في اللسان: «وأما قوله تعالى: [يوسف: ٣١].
فأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه.
وروي عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة. قال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت: أي حاضت، فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي. وروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلا من طيئ، فقلت له: يا أخا طيئ ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قال: وما سنها؟ قال: قد أكبرت، أو كبرت. قال: وما أكبرت؟ قال: حاضت. قال أبو منصور: فلغة طيئ تصحح أن إكبار المرأة أول حيضها، إلا أن هاء الكناية في قوله تعالى: تنفي هذا المعنى، فالصحيح أنهن لما رأين يوسف راعهن جماله، فأعظمنه. وروى الأزهري بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: [يوسف: ٣١]، قال: حضن. فإن صحت الرواية عن ابن عباس جعلنا الهاء في قوله: هاء وقفة لا هاء الكناية، والله أعلم بما أراد.
الصورة السادسة: في إبدال همزة (أكبر) واوا.
ذهب المالكية إلى أنه لا يضر إبدال الهمزة واوا مطلقا، جاء في القوانين لابن جزي: «ومن قال: الله وكبر بإبدال الهمزة واوا جاز». وجهه: أن الهمزة إذا جاءت بعد ضم جاز أن تقلب واوا في لغة عند العرب، ويعرف ذلك من له علم بالقراءات، فإن أبا جعفر وورشا من القراء يبدلان الهمزة واوا. وقال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: لا يصح على الأوجه. وانتقد الهيتمي القائلين بالجواز اعتمادا على اللغة، فإن العبادات تفعل على الرسم الوارد دون النظر إلى المعنى، فألفاظ الأذكار مبنية على التوقيف، والاتباع، ولم يحفظ في إبدالها سنة، والله أعلم.
وقد يناقش بهذا أن المسألة ليس فيها إبدال، فالتكبير هو التكبير، وإذا كان هذا يتسع له القرآن وتحتمله بعض القراءات، فغيره أولى.
وخص بعض الشافعية المنع من العالم، دون الجاهل، وليس هذا قولا جديدا؛ غايته أنه اعتبر الجهل عذرا.
وخص بعضهم الجواز بالعامة معللا ذلك بأن العامة مظنة الخطأ في مثل هذا، فيتسامح في حقهم بخلاف العلماء، وهذا لا يستند على حجة، فإن أحكام الشريعة لا تفرق بين العامة والخاصة، لأن الحكم بإفساد الصلاة إن كان وضعيا لم يفرق فيه بين المكلف وغيره، وإن كان تكليفيا فالعامة مكلفون كالخاصة.
والصحيح الجواز، وعدم الإبطال.
الصورة السابعة: إذا زاد بين كلمتي التكبير واوا بأن ينطقها هكذا (الله وأكبر).
فقيل: لا يصح التكبير، وبه قال الشافعية وبعض المالكية، والفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها أن التي قبلها قلب الهمزة واوا، بحيث تحل الواو محل الهمزة، وأما هذه المسألة فهي في زيادة واو مع النطق بالهمزة.
قال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله... وزيادة واو مع همزة أكبر، فإن جميع ذلك مبطل للتكبير».
وعلل المنع بأن هذه الزيادة تغير المعنى؛ لأن ذلك لا يسمى حينئذ تكبيرا، ولأن الجملة مبتدأ وخبر، ودخول الواو بينهما يجعل الجملة من باب عطف الخبر على المبتدأ، فيفسد المعنى.
وقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر -خلافا للشافعية- زيادة واو قبل همزة أكبر كما للفيشي على العشماوية».
قال الدسوقي: «وقد تعقب ذلك بعضهم بقوله الظاهر أنه مضر؛ إذ لا يعطف الخبر على المبتدأ، على أن اللفظ متعبد به، ونحوه نقل عن المسناوي».
ومذهب الشافعية أقوى، والله أعلم.
الصورة الثامنة: لو شدد الباء من أكبر.
جاء في مغني المحتاج: ولو شدد الباء من أكبر، ففي فتاوى ابن رزين: أنها لا تنعقد، ووجهه واضح؛ لأنه لا يمكن تشديدها إلا بتحريك الكاف؛ لأن الباء المدغمة ساكنة، والكاف ساكنة، ولا يمكن النطق بهما، وإذا حركت تغير المعنى؛ لأنه يصير (أكبر)، ولأنه زاد في تكبيرة الإحرام حرفا، ومن شروط صحة التكبيرة أن يأتي بها في حروفها كما هي من غير زيادة، ولا نقص.الصورة التاسعة: لو كرر الراء من أكبر.
تكرار الراء له معنيان:
أحدهما: التكرار عن طريق التشديد: وذلك أن الحرف المشدد، وإن كان في صورة الكتابة حرفا واحدا إلا أنه في النطق حرفان من جنس واحد، أولهما ساكن.
المعنى الثاني: تكرار الراء وذلك بما يقتضيه مخرج الراء، فإن حرف الراء بطبيعته حرف مكرر، حتى قال سيبويه عن الراء: حرف شديد جرى فيه الصوت لتكرره... ولو لم يكرر لم يجر فيه الصوت. قال ابن الجزري تعليقا على كلام سيبويه: ظاهر كلام سيبويه أن التكرير صفة ذاتية في الراء وإلى ذلك ذهب المحققون... ويتحفظون من إظهار تكريرها... ويعدون ذلك عيبا في القراءة».
فإذا شدد الراء بالمعنى الأول فقد زاد حرفا في تكبيرة الإحرام، وقد اختلف قول الفقهاء في حكمه إذا فعل.
فقيل: لا يضر، وبه قال المالكية والشافعية، ولعل هذا القول مخرج على لغة عند بعض العرب في جواز تشديد الحرف الأخير عند الوقف فكانوا يقولون: جعفر ونفعل بالتشديد وقفا، واختار بعض الشافعية البطلان. فقد نقل بعض الشافعية عن فتاوى ابن رزين أنه قال: لو شدد الراء بطلت صلاته، فتعقبوه بأن الوجه خلافه.
وقال ابن المنير المالكي عن تشديد الراء: «لحن ويخاف منه بطلان الصلاة». وإذا كانت أذكار العبادة توقيفية فالزيادة فيها مضرة بالصلاة خاصة مع القدرة على الصواب، وكون الحرف المزيد مشددا لا يخفف الشأن، فإنه حرف زائد على القدر المشروع، فكانت القواعد تقتضي فساد التكبير مع القدرة على الصواب، وليس المحكم هو سلامة المعنى من التغيير، بل موافقة اللفظ المنطوق للفظ المنقول، والله أعلم.
الصورة العاشرة: في إبدال الكاف من (أكبر) بالقاف.
نص الحنابلة على أنه لو قال: الله أقبر لم تنعقد صلاته، ونسب الحنابلة للحنفية أن الصلاة تنعقد بذلك؛ لأن بعض العرب يبدل الكاف قافا. ولم أقف على ذلك من كتب الحنفية، فليتأمل. ولو صح النقل عن الحنفية فإن الأذكار توقيفية مبناها على الاتباع، فليس له ترك الله أكبر مع القدرة عليه، والله أعلم.
القسم الثاني من اللحن: أن يقع اللحن في إعراب الكلمة، وله أمثلة:
أحدها: قال بعض الشافعية: لو فتح الهاء أو كسرها من الله، أو فتح الراء أو كسرها من أكبر هل يضر أو لا؟
فيه نظر، والأقرب عدم الضرر؛ لأن اللحن في القراءة إذا لم يغير المعنى لا يضر.
المثال الثاني: لا يضر ترك جزم الراء من أكبر.
فقد اختلف العلماء في التكبير: هل يشترط في صحته جزم الراء على قولين:
القول الأول:
إن الأصل جزم التكبير، ولو تركه لم يؤثر ذلك في صحته، وهو مذهب الجمهور، وأحد القولين في مذهب الشافعية.قال ابن عابدين: «ويجزم الراء: أي يسكنها... قال في الحلية: اعلم أن المسنون جزم التكبير، سواء كان للافتتاح أو في أثناء الصلاة، قالوا: لحديث إبراهيم النخعي موقوفا عليه، ومرفوعا: الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم. قال في الكافي: ...وأما الراء ففي المضمرات عن المحيط: إن شاء بالرفع أو بالجزم، وفي المبتغى: الأصل فيه الجزم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: التكبير جزم، والتسميع جزم». وأثر النخعي لا يصح لا موقوفا، ولا مرفوعا، ولو صح لم يرد به الجزم الاصطلاحي، وقد بينت ذلك فيما سبق، ولكن فائدة هذا النص الذي نقله لنا ابن عابدين هو في حكم تسكين لفظ (أكبر) عند الحنفية، فإذا كان سنة لم يكن الإخلال به مفسدا لصحة التكبير، والله أعلم. وقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر عدم جزم الراء من أكبر، وخبر التكبير جزم، قال الحافظ ابن حجر: لا أصل له، وإنما هو قول النخعي».
وقال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: «ويسن جزم الراء، وإيجابه غلط، وحديث التكبير جزم: لا أصل له، وبفرض صحته فالمراد به عدم مده كما حملوا عليه الخبر الصحيح: السلام جزم على أن الجزم المقابل للرفع اصطلاح حادث، فكيف تحمل عليه الألفاظ الشرعية».
القول الثاني:
يشترط جزم الراء في (أكبر) وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.
جاء في النجم الوهاج في شرح المنهاج: «ويشترط جزم الراء لقوله صلى الله عليه وسلم: التكبير جزم، فلو ضم الراء من (أكبر) لم تصح صلاته، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه. ولأنه صلى الله عليه وسلم: قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينطق التكبير إلا مجزوما».جاء في فتاوى الرملي: «سئل، هل المعتمد عدم انعقاد صلاة من لم يجزم الراء من تكبيرة الإحرام، بأن رفعها، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه، والقمولي في الجواهر، والزركشي في شرح التنبيه، والدميري في شرح المنهاج، وقال جلال الدين البكري: إنه الصواب؟
فأجاب: بأن الصواب انعقاد صلاته، كما صرح به جماعة، وهو ظاهر؛ إذ قوله: (أكبر) خبر للجلالة الكريمة، وما استند إليه القائلون بالأول من خبر: (التكبير جزم) فمعناه: الجزم بالمنوي؛ ليخرج به التردد فيه». والراجح: أنه الرفع من قبيل مخالفة الأولى ولو رفعها صحت صلاته، والله أعلم.
هذه بعض الأمثلة في اللحن سواء كان في بنية الكلمة أو في إعرابها، والراجح من كل ذلك وجوب التكبير للدخول في الصلاة، ولا يجزئ إلا صفة الله أكبر، وكل لحن في جملة التكبير إن كان مبعثه العجز، فإن التكليف مع القدرة، ولكن الشأن في صحة ذلك إذا لحن لحنا يغير المعنى مع العلم والقدرة، فإن ذلك يؤثر في صحة التكبير. قال النفراوي: «ومما لا ينبغي الشك فيه عدم بطلان صلاة من لحن فيه أو في تكبيرة الإحرام؛ لأن اللحن فيهما عجزا عن الصواب ليس بأقبح من اللحن في الفاتحة عند العجز كما قدمنا، ولا التفات لمن قال غير ذلك؛ لأن النظر للقول، لا للقائل».