الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٦٠١:٦١٤)
مسألة في حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى:
المدخل إلى المسألة:
• صفات العبادة توقيفية، لا تفعل إلا بهدي من الكتاب أو السنة، أو عمل الصحابة.
• ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
• وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من سنن الصلاة، ولا يعرف في هذا خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم.
• ما روي عن الإمام مالك من القول بإرسالهما ليس بأولى مما روي عنه من القول بقبضهما، والثاني أولى لموافقته السنة، وهو نصه في الموطأ الذي قلبه أربعين عاما، ورواه عنه أصحابه.
• المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ وسمع حجة على من لم يحفظ ولم يسمع؛ لأن مع أولئك زيادة علم.
• وضع اليمنى على اليسرى من هيئة الصلاة، وليس نوعا من الاعتماد على اليدين حتى يأخذ حكم الاستناد في الصلاة، والأصل في أعمال الصلاة المشروعية.
[م-٥٠٨] من السنة إذا فرغ من الافتتاح أن يضع يده اليمنى على اليسرى، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن مالك، نص على ذلك في الموطأ، ورواها المدنيون من أصحابه، ورواها أيضا عنه أشهب، وابن وهب وابن نافع، وبه قال أهل الظاهر، ولا أعلم أحدا من السلف قال بوجوبه خلافا للشوكاني.
وقيل: يقبض في النافلة دون الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، على خلاف بين أصحاب مالك، أيفعل ذلك مطلقا، أم إذا طول، ويكره إن قصر؟
وقيل: يرسل يديه في النوافل خاصة، حكي رواية عن أحمد، وهو عكس ما نقله ابن القاسم عن مالك.
وقيل: يرسل يديه إلى جنبه مطلقا في الفرض والنفل، وهو رواية عن مالك، وبه قال الليث بن سعد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
واختلف أصحاب مالك في تأويل كراهة القبض في الفرض، أهو إذا فعله بقصد الاعتماد، وهذا التأويل لعبد الوهاب وهو المعتمد، أم كراهته خيفة اعتقاد وجوبه على العوام، وهذا التأويل للباجي وابن رشد، أم خيفة إظهار الخشوع، وليس بخاشع في الباطن، وهذا التأويل لعياض، وعليه فلا تختص الكراهة بالفرض؟.
وقيل: القبض مباح في الفرض والنفل، وهي رواية أشهب، وهو معنى ما ذهب إليه عطاء، والأوزاعي، وابن عبد البر من التخيير بين القبض والإرسال.
ووجود أربعة أقوال في مذهب المالكية من الاستحباب، إلى الكراهة، إلى الإباحة، إلى التفريق بين الفرض والنفل يرجع إلى خفة حكم القبض وأنه عندهم من الفضائل، فلا معنى لانتقاد المذهب بالقول بالإرسال مع قوله بالاستحباب، ونص عليه في الموطأ، وكأنه هو الذي ابتدع القول بالإرسال وحده.
• دليل الجمهور على الاستحباب:
الدليل الأول:
(ح-١٢٦٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: قال إسماعيل: ينمى ذلك، ولم ينقل: ينمي وإسماعيل: هو ابن أبي أويس.
• جواب المخالفين:
بأن أبا حازم لم يقطع بنسبته للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان مرفوعا ما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلمه. وهذا كاف في ثبوت إعلاله.
• وأجيب:
بأن أبا حازم صدر الحديث بلفظ ليس صريحا بالرفع وذلك حين قال: (كان الناس يؤمرون) فهو بمعنى (أمرنا) فهذه الصيغة ليست صريحة بالرفع، وإنما لها حكم الرفع على الصحيح؛ لأنه لا آمر للصحابة إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن تأتي قرينة على أنه قصد غير النبي صلى الله عليه وسلم.
فأراد أبو حازم أن يصرح بالرفع فقال: (لا أعلمه إلا ينمي)، فهذا رجوع منه إلى التصريح بالرفع بعد أن صدر الحديث بلفظ ليس من قبيل الصريح، وقد استخدم بذلك طريق الحصر، وهو أبلغ شيء في إفادة رفعه، وليس شكا في رفعه.
ولهذا قال ابن حجر: «أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له: مرفوع، وإنما يقال: له حكم الرفع».
وقال النووي: وهذه العبارة صريحة في الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: (ينميه)، فمراده يرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يقيده».
وقال البيهقي: لا خلاف في ذلك بين أهل النقل وقال ابن حجر: «وقد ورد في سنن أبي داود، والنسائي، وصحيح ابن السكن شيء يستأنس به على تعيين الآمر والمأمور، (ح-١٢٦٧) فروي عن ابن مسعود قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم واضعا يدي اليسرى على يدي اليمنى، فنزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.
[إسناده حسن].الدليل الثاني:
(ح-١٢٦٨) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى... الحديث.
الدليل الثالث:
(ح-١٢٦٩) ما رواه ابن حبان، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، عن حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا.
[لا يعرف لعمرو بن الحارث رواية عن عطاء، وهذا الإسناد وهم، أخطأ فيه حرملة بن يحيى في إسناده، وإنما هو حديث طلحة بن عمرو المتروك].الدليل الرابع:
أنه عمل الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يعرف عنهم خلاف في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
قال ابن عبد البر: «لم تختلف الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا شيئا روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه».
وهناك أدلة أخرى سوف أستشهد بها عند ذكر صفة الوضع إن شاء الله تعالى.• دليل من قال: يرسل يديه.
الدليل الأول:
نقل أصحاب مالك أن مذهبه في الإرسال مبني على أنه لم يسمع فيه بشيء، والأصل عدم الاستحباب، فتبقى اليدان على وضعهما، وكذا العمل في كل شيء لم يرد فيه سنة، فإنه يكون على طبيعته.• ويجاب:
بأن من سمع وحفظ حجة على من لم يسمع.
قال ابن العربي: قد سمعنا وروينا... والصحيح أن ذلك يفعل في الفريضة.
الدليل الثاني:
(ث-٢٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت عمرو بن دينار، قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه.
[صحيح].
الدليل الثالث:
قال ابن رشد: «أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى».
لعل ابن رشد يقصد تلك الأحاديث التي نقلت لنا صفة رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام حذاء المنكبين أو حذاء الأذنين، ولم تتعرض لوضع اليدين على بعضهما كحديث ابن عمر، وحديث مالك بن الحويرث، وهما في الصحيحين، وسبق تخريجهما.
ومثل هذا الاستدلال ما قاله ابن بطال: «علم النبي عليه السلام الأعرابي الصلاة، ولم يأمره بوضع اليد على اليد» يقصد به حديث المسيء في صلاته.
• ويناقش:
هذه الأحاديث قد توجهت لبيان رفع اليدين ومنتهى الرفع، ولم تتعرض لجميع أحكام الصلاة كالقراءة، وأذكار الركوع والسجود والتشهد، وسكوتها عن وضع اليدين على بعض ليس دليلا على نفيه، ولا يوجد حديث واحد يقوم بكل أحكام الصلاة، وإنما جاءت متفرقة في أحاديث صحيحة، وهذا كاف في المشروعية.
وأما حديث المسيء في صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له في حديث أبي هريرة في الصحيحين إلا ما كان واجبا للصلاة، وترك جميع سنن الصلاة فلم يذكرها، فكان ترك ذكر وضع اليدين في الصلاة متفقا مع ما عليه جمهور الفقهاء من أن الحديث أصل في ذكر واجبات الصلاة، والله أعلم.
الدليل الرابع:
قال ابن بطال نقلا عن ابن القصار: «وجه قول من كره ذلك: أنه عمل في الصلاة، وربما شغل صاحبه، وربما دخله ضرب من الرياء».
• ويناقش:
لو كان القبض ليس مشروعا في الصلاة لم يكره لمجرد القبض، فإن في القبض كفا لليدين عن الحركة والعبث، فكان فعله فيه مصلحة تعود للصلاة، كيف، وهو من أعمال الصلاة المشروعة، نقله ابن عبد البر عن عموم الصحابة، والسلف.
وأما تركه خشية الرياء فهو من أضعف التعليلات ذلك أن الأعمال المشروعة لا تعمل من أجل الناس، فذلك شرك، ولا تترك خشية الرياء، فإن ذلك من حبائل الشيطان، فلا يترك العبد عبادة الخالق خوفا من المخلوق، ولو فتح هذا الباب لترك المسلم كثيرا من العبادات والسنن؛ خوفا من الرياء، وبعض هذا الخوف متوهم، وليس حقيقيا، فبعض الناس يعد ما يجده في نفسه من السرور بثناء الناس عليه من الرياء، وليس ذلك كذلك، وليس من الكسب المذموم إذا كان الباعث على العمل ليس طلب الحمد، فإن المذموم أن يحب العبد أن يحمد بما لم يفعل، كما قال تعالى: . [آل عمران: ١٨٨]، فمفهوم الآية أن من أحب أن يحمد بما يفعل، ولم يكن الباعث على العمل طلب الحمد فليس ذلك مذموما، بل من عاجل بشرى المؤمن، أن يكون للعبد ذكر حسن عند المؤمنين، قال تعالى: [الشعراء: ٨٤]، والله أعلم.• التفريق بين الفرض والنفل:
أن وضع اليمنى على اليسرى نوع من الاعتماد على اليدين، فهو شبيه بالاستناد في الصلاة، وهو مكروه في الفرض دون النفل؛ لأن النفل أوسع من الفرض، ولأنه قد يحتاج إليه في النفل؛ لطول القيام بخلاف الفرض.
وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك مخافة اجتماع الدم في رؤوس الأصابع، (ث-٢٩١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين، أنه سئل عن الرجل يمسك يمينه بشماله، قال: إنما فعل ذلك من أجل الدم.
[صحيح].
(ث-٢٩٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا عمر بن هارون،
عن عبد الله بن يزيد، قال: ما رأيت ابن المسيب قابضا بيمينه في الصلاة، وكان يرسلها.
[صحيح].
(ث-٢٩٣) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن العيزار، قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلا يصلي واضعا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب، ففرق بينهما، ثم جاء.
[صحيح].
• واعترض عليهم:
ما أمر به الشارع ليفعل في الصلاة كان فعله عبادة، ومن هيئة الصلاة، وهو مقتضى الحكمة؛ لأن الشارع حكيم، ومنزه عن العبث، ولا يأمر بمثل ذلك إلا لحكمة، علم ذلك من علمه، وجهل ذلك من جهله، وكون بعض التابعين يحمله اجتهاده في تلمس الحكمة، فيرى أن ذلك كان من أجل الدم في الأصابع، أو لأنه أكمل في الانكسار وإظهار التذلل والخشوع لله، أو من أجل حبس اليد عن الحركة، أو لغير ذلك من الحكم لا ينافي المشروعية المطلقة، والتي هي محل البحث، فالحكمة لا تخصص النص بخلاف العلة، وأما كراهة القبض؛ لأن ذلك من باب الاعتماد فيأخذ حكم الاستناد المنهي عنه في الصلاة، فهذا غير صحيح، فلوكان ذلك من باب الاعتماد لم يؤمر به عموم الناس كما في حديث سهل بن سعد في البخاري، وعمومه يشمل الفرض والنفل، ولو سلمنا جدلا أن القبض في الصلاة من باب الاستناد، فإن الأمر به من الشارع يدل على أن هذا النوع من الاستناد ليس منهيا عنه، فلا يأخذ حكم الاستناد إلى الجدار، وهو استناد إلى شيء خارج عن بدن المصلي، فالمعول عليه في الحكم هو ورود النص، سواء أكان المعنى مؤيدا أم لا، وسواء أفهمنا حكمة وضع اليدين أم لا، فنحن مخاطبون أن نصلي كما رأيناه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، ومن لم يره بعينه فقد علم ذلك من سنته.
وقد قال أبو الوليد الباجي بأن وضع اليدين خشوعا لله لم يمنعه الإمام مالك، وإنما منع في الفريضة وضع اليدين على سبيل الاعتماد.
•الراجح:
أن وضع اليمنى على اليسرى من السنة المستفيضة في الصلاة، وأن الحكم عام في الفرض والنفل، فما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/١٠:٣١١)
قال أصحابنا: السنة أن يحط يديه بعد التكبير ويضع اليمنى على اليسرى، ويقبض بكف اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها، قال القفال: يتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد ويجعلهما تحت صدره وفوق سرته، هذا هو الصحيح المنصوص، وفيه وجه مشهور لأبي إسحاق المروزي أنه تجعلهما تحت سرته، والمذهب الأول قال الرافعي: واختلفوا في أنه إذا أرسل يديه هل يرسلهما إرسالا بليغا، ثم يستأنف رفعهما إلى تحت صدره، ووضع اليمنى على اليسرى أم يرسلهما إرسالا خفيفا إلى تحت صدره فقط، ثم يضع، قلت الثاني: أصح، وبه قطع الغزالي في تدريبه وجزم في الخلاصة بالأول.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣١١:٣١٣)
في مذاهب العلماء في وضع اليمنى على اليسرى: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه سنة، وبه قال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وعائشة وآخرون من الصحابة رضي الله عنهم وسعيد بن جبير والنخعي وأبو مجلذ وآخرون من التابعين وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وجمهور العلماء، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسل يديه ولا يضع إحداهما على الأخرى، وحكاه القاضي أبو الطيب أيضا عن ابن سيرين، وقال الليث بن سعد: يرسلهما فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة، وقال الأوزاعي هو مخير بين الوضع والإرسال، وروى ابن عبد الحكم عن مالك الوضع وروى عنه ابن القاسم الإرسال وهو الأشهر، وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم واحتج لهم بحديث المسيء صلاته بأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الصلاة، ولم يذكر وضع اليمنى على اليسرى، واحتج أصحابنا بحديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه في الصلاة". قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري. وهذه العبارة صريحة في الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن وائل بن حجر "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى" رواه مسلم بهذا اللفظ، وعن وائل بن حجر أيضا قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يده حتى حاذى أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد" رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهكذا هو في رواية أبي داود والبيهقي وغيرهما، الرصغ بالصاد، وعن ابن مسعود "أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، وعن هلب الطائي قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن وعن ابن الزبير، قال: "صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة" رواه أبو داود بإسناد حسن، وعن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت: "ثلاثة من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة" رواه البيهقي، وقال: هذا صحيح عن محمد بن أبان. (قلت): محمد هذا مجهول. قال البخاري: لا يعرف له سماع من عائشة. وفي الباب عن جابر وابن عباس وغيرهما من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد رواها الدارقطني والبيهقي وغيرهما وفيما ذكرناه أبلغ كفاية. قال أصحابنا: ولأن وضع اليد على اليد أسلم له من العبث، وأحسن في التواضع والتضرع والتذلل، وأما الجواب عن حديث المسيء صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه إلا الواجبات فقط، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣/٩٤:٩٥)
كيفية وضع اليدين في الصلاة:
٤ - اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
الأول: أن يضع المصلي يده اليمنى على يده اليسرى، وهو اختيار جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك، وقالوا: إنه السنة، واستدلوا بما يلي:
أ - ما رواه سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع المصلي اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.ب - ما روي عن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
ج - ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا واضع يدي اليسرى على اليمنى فأخذ بيدي اليمنى فوضعها على اليسرى.
الثاني: استحباب الإرسال وكراهية القبض في الفرض، والجواز في النفل، قيل: مطلقا، وقيل: إن طول. وهذه رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وإليه ذهب الشيخ خليل وشراح متنه كالدردير والدسوقي، وعللت الكراهة في الفرض بأن القبض فيه اعتماد على اليدين فأشبه الاستناد، ولذلك قال الدردير: فلو فعله لا للاعتماد بل استنانا لم يكره، ثم قال: وهذا التعليل هو المعتمد، وعليه فيجوز في النفل مطلقا، بجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة.
الثالث: إباحة القبض في الفرض والنفل، وهو قول مالك في سماع أشهب وابن نافع.
وذكر الحطاب نقلا عن ابن فرحون: وأما إرسالهما "أي اليدين" بعد رفعهما فقال سند: لم أر فيه نصا، والأظهر عندي أن يرسلهما حال التكبير، ليكون مقارنا للحركة، وينبغي أن يرسلهما برفق هذا، وقد ذكر عن الشافعية ما يؤيد قول المالكية إذ قال الشربيني ما نصه: "والقصد من القبض المذكور -يعني قبض اليدين في الصلاة- تسكين اليدين فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس".
الرابع: منع القبض فيهما، حكاه الباجي، وتبعه ابن عرفة، ولكن قال المسناوي: هذا من الشذوذ.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٦٣٥:٦٦٢)
[م-٥١٢] اختلف العلماء في صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى:
فقيل: يقبض يده اليمنى على كوع اليسرى، وهو اختيار أبي يوسف، وقول في مذهب الحنابلة، وفي صلاة النفل عند المالكية.
والمراد من قولهم: يقبض كوع اليسرى، أي المفصل، وهو من إطلاق البعض على الكل، ومثله من قال: يقبض الرسغ.
وقيل: يضع -بلا قبض- كف يده اليمنى على كوع يده اليسرى، وبه قال محمد بن الحسن، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ولا فرق بينه وبين القول السابق إلا أن السابق قال بالقبض، وهذا اختار الوضع.
وقيل: يجمع بين الوضع والقبض (الأخذ)، وذلك بأن يقبض كوعه بإبهامه، وكرسوعه بخنصره، ويرسل الباقي على ساعده، جمعا بين أحاديث الأخذ والوضع، وقد استحسن هذا كثير من مشايخ الحنفية، وهو قول في مذهب الشافعية.
وقيل: يقبض بيمينه كوع يسراه، وبعض ساعدها ورسغها، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، والفرق بين هذا القول والسابق أن هذا قال بقبض الكوع والرسغ والساعد، والسابق قال بالجمع، فيقبض بالخنصر والإبهام، ويضع الباقي على الساعد بلا قبض. وقيل: يتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل، وبين نشرها صوب الساعد، وهو قول في مذهب الشافعية. وقيل: يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى، وهو قول محكي في مذهب الحنفية. وقيل: يضع كفه اليمنى على ذراعه اليسرى، وهو قول محكي في مذهب الحنفية. قال في تحفة المحتاج: «ويظهر أن الخلاف في الأفضل، وأن أصل السنة يحصل بكل». وقيل: لا تعارض بين هذه الصفات، فكلها جائزة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات مختلفة، وكأن صاحب هذا القول حمل اختلاف هذه الصفات على تنوع العبادة، والسنة في العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، أنه يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه من غير كراهة، بل الأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة؛ ليصيب السنة على وجوهها المختلفة، ولا يهجر بعض ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا التوجه جيد إلا أنه مشروط بشرطين:الأول: أن تثبت صفة العبادة بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا عبرة بالصفات الواردة في أحاديث شاذة أو منكرة؛ لأن مثلها محمول على الوهم، والخطأ، وهذا يصدق على بعض الصفات الواردة، كوضع اليد على الكف، والرسغ، والساعد.
الثاني: ألا يمكن حملها على صفة واحدة، فإن أمكن حملها بلا تكلف على صفة واحدة، فالأصل عدم التعدد، كالاختلاف بين الوضع والقبض، فإنهما بمعنى واحد يراد منهما ما يقابل السدل والإرسال.
هذا ما وقفت عليه من أقوال سادتنا الفقهاء عليهم رحمة الله، وهي ترجع في أصلها إلى صفتين:
صفة تتعلق باليد اليمين لا تخرج عن صفتين: الوضع أو القبض.
وصفة تتعلق باليد الشمال وفيها أقوال:
فقيل: قبض وقيل: وضع اليد على الكوع، والمقصود بالكوع المفصل، والقول بالقبض هو قول أكثر العلماء.
وقيل: الجمع بين القبض والوضع، وقد علمت صفته.
وقيل: قبض الكوع والرسغ وبعض الساعد.
وقيل: وضع الكف على الكف.
وقيل: وضع الكف على الذارع.
هذا ملخص الأقوال، وهي أكثر من النصوص الواردة في المسألة، فتعال أخي بعد أن وفقنا الله على الوقوف على هذه الأقوال نأتي على ذكر ما ورد فيها من أدلة:
• دليل من قال: السنة الوضع وليس القبض:
الدليل الأول:
(ح-١٢٧٦) ما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم، أنهما حدثاه، عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى... الحديث.
[حديث علقمة بن وائل، عن أبيه روي عنه بصفة الوضع ورواه بعضهم بصفة القبض، ورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فمن قبض يده بالأخرى فإنه يصدق عليه أنه وضع يديه عليها، فرجعت رواية الوضع إلى رواية القبض].• ويناقش:
بأن وضع اليد اليمنى على اليسرى ربما أطلق في الأحاديث وأريد به ما يقابل الإرسال، لا ما يخالف القبض، فإن من قبض شماله بيمينه فقد وضعها على الأخرى؛ والراوي الواحد تارة يروي الحديث بلفظ القبض، وتارة يرويه بلفظ الوضع، والطرق كلها صحيحة، فلو كان هذا اختلافا لأوجب إعلال الأحاديث بالاضطراب بين القبض والوضع، ولا يعرف أن عالما أعل هذه الأحاديث بالاختلاف بين الوضع والقبض، ولا يعرف عن الصحابة رضي الله عنهم التفريق بين الوضع والقبض، فلو كان هذا مقصودا بالاختلاف لنقل عن الصحابة عند اختيار أحدهما نفي الآخر، ولتوقفوا عنده إما بالتخيير، وإما بالترجيح، وإما بالإرشاد إلى فعل هذا مرة وذاك أخرى، فإذا لم ينقل اعتبار مثل هذه الألفاظ من الاختلاف عندهم فإن الأصل عدم التعدد، وأن مردهما إلى معنى واحد، لورودهما في الحديث الواحد، وأن المقصود من اللفظ ما ينافي إرسال اليدين، ويكون القبض هو المقصود؛ لاشتماله على الوضع وزيادة.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٧٧) ما رواه أبو داود من طريق هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على اليسرى.
[ضعيف، وسبق تخريجه].
الدليل الثالث:
(ح-١٢٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله في الصلاة.
[لم يروه عن هلب إلا ابنه قبيصة، ولا عن قبيصة إلا سماك].الدليل الرابع:
(ث-٢٩٦) روى البخاري في التاريخ الكبير: قال موسى: حدثنا حماد بن سلمة، سمع عاصما الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي رضي الله عنه: [الكوثر: ٢] وضع يده اليمني على وسط ساعده على صدره.
[ضعيف].
• دليل من قال: السنة القبض وليس الوضع:
(ح-١٢٧٩) استدلوا بما رواه أبو داود من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي قال: فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه في ثوبه... وذكر الحديث.
ورواه النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائما في الصلاة قبض بيمينه على شماله.
تابع أبو نعيم الفضل بن دكين ابنَ المبارك فرواه عن موسى بن عمير به، بالقبض.
[حديث وائل بن حجر من رواية علقمة بن وائل عن أبيه روي بوضع اليد، وروي بقبضها، وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر].وجاء حديث وائل بن حجر من رواية عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، واختلف على عاصم بن كليب:
فرواه شعبة، عن عاصم بلفظ: (ووضع يده اليمنى على اليسرى)، ورواه بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب به، بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه) وذلك من رواية مسدد، وإسماعيل بن مسعود، وبشر بن معاذ الضرير، عن بشر بن المفضل. وخالفهم محمد بن عبد الملك القرشي (صدوق)، فرواه عن بشر بن المفضل، بلفظ: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى). وقد تفرد بذلك البزار، عن محمد بن عبد الملك القرشي.
وقد رواه عبد الله بن إدريس، وأبو الأحوص سلام بن سليم، و عبد الواحد بن زياد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وزهير بن معاوية، وعبيدة بن حميد، كلهم رووه عن عاصم بن كليب به، بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه). ورواه أبو عوانة، عن عاصم بن كليب به، بلفظ: (ثم قبض باليمنى على اليسرى).
ورواه عبد الله بن الوليد، عن الثوري، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (...ورأيته ممسكا يمينه على شماله في الصلاة).خالفه مؤمل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ، فرواه عن سفيان بلفظ: (ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره). ورواه محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب به، بلفظ: (ثم ضرب بيمينه على شماله، فأمسكها). وحديث عاصم بن كليب حديث صحيح، رواه عنه أكثر من عشرين نفسا، ولكثرة من رواه عنه، فإن بعضهم قد ينفرد بحرف دون سائر الرواة، فذلك الذي ليس بمحفوظ، وأما ما يتفق عليه جماعة عنه، فإنه حديث صحيح إذا صح الإسناد إلى عاصم، وقد اتفق أكثر الرواة عن عاصم بلفظ: (ثم أخذ شماله بيمينه)، وكون بعض الرواة لا يذكر ذلك فليس بقادح، لأن الرواة أحيانا يختصرون الحديث، ورواه شعبة وحده عن عاصم بصفة الوضع، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن حديث وائل بن حجر روي بالقبض، وروي بالوضع، وليس أحدهما بأولى بالقبول من الآخر، وهو حديث واحد؛ لأن وائل بن حجر لم تطل صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم حتى يتوهم أن ذلك ربما وقع متعددا باختلاف المشاهد، فلا يحتمل حمله على صفتين، فلا سبيل لطالب العلم إلا أحد ثلاثة أمور:
إما الجمع بين رواية الوضع والقبض، وإما الترجيح بين الروايات، وإما الحكم بالاضطراب.
والترجيح متعذر مع صحة الطرق، بل إن الطريق الواحد يأتي في رواية بالقبض، وفي أخرى بالوضع كطريق علقمة بن وائل، عن أبيه.
وطريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل. فهذه قرينة دالة على استبعاد فرضية تعدد الصفات. وحديث سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه رضي الله عنه:
رواه إسرائيل، عن سماك، بلفظ: (يضرب بإحدى يديه على الأخرى في الصلاة).
ورواه أبو الأحوص، عن سماك: (فيأخذ شماله بيمينه).
ورواه سفيان الثوري باللفظين:
مرة بالقبض، كما في مصنف عبد الرزاق، والمعجم الكبير للطبراني. ومرة بالوضع، كما في مسند ابن أبي شيبة ومصنفه، وسنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي، وسبق تخريجه.
والحكم بالاضطراب: إنما يتوجه له مع تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا اضطراب، وهذا ممكن بأن يحمل أحاديث وضع اليمنى على اليسرى على صفة واحدة؛ لأن الأصل عدم تعدد الصفة. ورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فإن من قبض بيده شيئا فقد وضع يده على ذلك الشيء، فتحمل رواية الوضع على رواية القبض؛ لأن القبض وضع وزيادة.
(ح-١٢٨٠) ما رواه ابن حبان، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، عن حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا. وقد رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا أحمد بن طاهر، قال: أخبرني جدي حرملة، قال: أخبرنا ابن وهب به، وفيه: ...وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة. فذكر اليدين بصفة الوضع، إلا أن أحمد بن طاهر بن حرملة متروك. وروى الطبراني، قال: حدثنا العباس بن محمد المجاشعي، حدثنا محمد ابن أبي يعقوب الكرماني، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الإفطار، وأن نؤخر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا". قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن عيينة إلا محمد بن أبي يعقوب.
[لا يصح، وقد سبق تخريجه].
• دليل من قال: يضع يده على ذراعه اليسرى:
(ح-١٢٨١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: قال إسماعيل: ينمى ذلك، ولم ينقل: ينمي.
وإسماعيل: هو ابن أبي أويس.
وجه الاستدلال:
أن الحديث أفاد صفتين:
إحداهما: وضع اليد اليمنى وضعا بلا قبض.
الثانية: أن يكون ذلك على الذراع اليسرى.
• دليل من قال: يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ، والساعد:
الدليل الأول:
(ح-١٢٨٢) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي، أن وائل بن حجر الحضرمي، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يصلي، قال: فنظرت إليه قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد... وذكر الحديث.
[ذكر الرسغ والساعد، تفرد به زائدة بن قدامة].الدليل الثاني:
(ح-١٢٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن وائل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قريبا من الرسغ، ويرفع يديه حين يوجب حتى تبلغا أذنيه، وصليت خلفه فقرأ: [الفاتحة: ٧] فقال: «آمين» يجهر.
[عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وقوله: (قريبا من الرسغ) ليس بمحفوظ].• ويناقش:
قوله: (قريبا من الرسغ) مع كونها ليست محفوظة، فإنه لا دلالة فيها على وضع الكف على الرسغ؛ لأن وضع اليد قريبا من الرسغ لا يمكن أن يؤخذ منه استحباب وضع اليد على الرسغ، فهو في معنى وضع اليد اليمنى على اليسرى، وعليه فلا يشهد حديث أبي إسحاق لحديث زائدة بن قدامة.
• دليل من قال: يقبض باليمنى كوع اليسرى:
الدليل الأول:
(ح-١٢٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته، قال، يضع هذه على صدره.
وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المفصل.وجه الاستدلال:
[قوله (فوق المفصل) وقوله: (يضع هذه على صدره) ليس محفوظا].
الدليل الثاني:
(ث-٢٩٧) روى أبو داود من طريق أبي بدر (شجاع بن الوليد) عن أبي طالوت عبد السلام، عن ابن جرير الضبي، عن أبيه، قال: رأيت عليا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة.
[حسن].
وعلقه البخاري بصيغة الجزم، قال البخاري: ووضع علي كفه على رسغه الأيسر، إلا أن يحك جلدا، أو يصلح ثوبا وفي رواية للبيهقي: كان علي إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحك جلدا، أو يصلح ثوبه... وذكر بقية الأثر.
[حسن].
الدليل الثالث:
(ث-٢٩٨) وروى مسدد في مسنده كما في المطالب العالية، حدثنا يحيى، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي زياد مولى آل دراج، قال: ما رأيت فنسيت، فإني لم أنس أن أبا بكر الصديق كان إذا قام في الصلاة قام هكذا، وأخذ بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى لازقا بالكوع.
[ضعيف، أبو زياد مولى آل دراج مجهول].
الدليل الرابع:
وضع اليمنى على كوع اليسرى يحصل به الجمع بين الأحاديث المختلفة، فحديث سهل بن سعد: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) رواه البخاري.
ظاهر الحديث يدل على استحباب وضع اليمنى على الذراع فقط، لا دخل للكف اليسرى، وقد ترجم البخاري للحديث له بقوله: (باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)، فقوله: (وضع اليمنى) أي الكف. وقوله: (على اليسرى) هل قصد به البخاري الكف، أو قصد الذراع؟ فإن قصد بذلك الذراع كان الحديث مطابقا للترجمة، وإن قصد (باليسرى) الكف كما هو ظاهر مقابلة وضع اليمنى فلم يأخذ بظاهر حديث سهل بن سعد، ويكون الجزم بالترجمة يوحي بالدلالة إلى تصحيح ما ورد في الباب مما ليس على شرط البخاري من وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من حديث وائل بن حجر، وقد ورد بثلاثة ألفاظ:
أحدها: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)، رواه مسلم. واليد عند الإطلاق يراد بها الكف فقط.
وفي رواية: (قبض بيمينه على شماله) رواه النسائي.
وفي رواية ثالثة: (أخذ شماله بيمينه) رواه أبو داود.
والمقصود قبض بكفه اليمنى على كفه اليسرى.
فظاهر حديث وائل بن حجر أن الوضع خاص بالكفين، ولا دخل للذراع، ولا للكوع باعتباره أعلى الذراع، فهو جزء منه.
فأخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور، وقول في مذهب الشافعية إلى القول بوضع -وقيل بقبض- الكوع اليسرى باليمنى، والمقصود بالكوع المفصل؛ ليجمع بين أخذ الذراع كما في حديث سهل بن سعد، وبين وضع اليد اليمنى على اليسرى كما في حديث وائل بن حجر، فإن المفصل يقع في أعلى الذراع وأسفل الكف، وبهذا يرون أنهم أخذوا بحديث سهل بن سعد، وحديث وائل بن حجر؛ ليصدق أن اليد اليمنى على الذراع، وعلى الكف في الوقت نفسه.
قال الحافظ في الفتح: «قوله: (على ذراعه) أبهم موضعه من الذراع، وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد) وصححه ابن خزيمة وغيره، وأصله في صحيح مسلم بدون الزيادة» وقال القسطلاني في إرشاد الساري: (يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) أي يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ من الساعد، كما في حديث وائل المروي عند أبي داود والنسائي وصححه ابن خزيمة».
وقال في مرقاة المفاتيح: «(اليد اليمنى على ذراعه اليسرى): أي قرب ذراعه اليسرى».
فحملها على القرب ليطابق حديث وائل بن حجر.
واختار الحنفية في الجمع: أن يقبض بالخنصر والإبهام على طرفي مفصله ويضع البنصر والوسطى والسبابة على الذراع بسطا، ليجمع بين قبض الكف والوضع على الذراع، وقد سبق بسط ذلك في معرض ذكر الأقوال.
• ويناقش:
بأن الجمع بين الوضع على الكف، وبين الوضع على الذراع بالقول: بأن يقبض كوع يده اليسرى بكفه اليمين؛ ليصدق عليه أنه وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي الوقت نفسه وضع يده اليمنى على ذراعه على اعتبار أن الوضع على الكوع وضع على الذراع لكونه في أعلاه.
وكذلك اجتهاد مشايخ الحنفية بالجمع بين القبض والوضع بأن يقبض الخنصر والإبهام ويبسط الباقي.
فيقال: «لا حاجة إلى هذا التكلف للتوفيق والجمع؛ لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض أصلا؛ لأنه لا تناقض بين الأفعال المختلفة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات مختلفة على أن حديث سهل بن سعد حديث قولي، أخرجه مالك وأحمد والبخاري، وهو أيضا أصح ما ورد في ذلك، فهو أولى بالعمل».
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن في هذه الصفة إحداث صفة ثالثة، لأن الحديث ورد بإحدى صفتين على القول بالتعدد.
إحداهما: وضع اليد على الذراع، وظاهر الحديث اختصاص الذراع بذلك دون الكف على ما جاء في حديث سهل بن سعد.
والصفة الثانية: قبض اليد اليسرى باليمنى، وإذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف، وظاهره اختصاص الوضع أو القبض على اليد دون الذراع، فأحدثوا صفة ثالثة: وذلك بوضع اليد على الكوع، أو وضع يده اليمنى على يده اليسرى، والرسغ، والساعد.
يقول ابن عابدين في حاشيته: «قال سيدي عبد الغني في شرح هدية ابن العماد: وفي هذا نظر؛ لأن القائل بالوضع: يريد وضع الجميع، والقائل بالأخذ: يريد أخذ الجميع، فأخذ البعض، ووضع البعض ليس أخذا، ولا وضعا، بل المختار عندي واحد منهما موافقة للسنة. اهـ.
قال ابن عابدين: وهذا البحث منقول؛ ففي المعراج بعد نقله ما مر عن المجتبى، والمبسوط، والظهيرية: وقيل هذا خارج عن المذاهب، والأحاديث، فلا يكون العمل به احتياطا. اهـ.
ثم رأيت الشرنبلالي ذكر في الإمداد هذا الاعتراض، ثم قال: قلت: فعلى هذا ينبغي أن يفعل بصفة أحد الحديثين في وقت، وبصفة الآخر في غيره؛ ليكون جامعا بين المرويين حقيقة. اهـ».
أما حديث وائل بن حجر: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد) فقد تفرد به زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، وهو حديث شاذ، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. وأما أثر مولى آل دراج؛ فإنه لو صح لكان مبينا مكان اليد اليمنى من الذراع اليسرى، وذلك بأن يقبض بكفه اليمنى على مفصل الكف لازقا بالكوع، إلا أن الأثر ضعيف، فإن في إسناده أبا زياد مولى آل دراج، وهو مجهول، وأصح شيء ورد فيه أثر علي رضي الله عنه، حيث أمسك برسغه، وقد علقه البخاري بصيغة الجزم، وحسن إسناده البيهقي وابن حجر، والإمساك بالرسغ لا يمكن إلا بالإمساك بطرفيه: الكوع والكرسوع، فيكون هذا الأثر هو ما يمكن أن يستدل به الجمهور على اختيارهم بقبض كوع اليسرى، ويبقى النظر: أهو مخالف لحديث سهل بن سعد وحديث وائل بن حجر، فيقدم المرفوع على الموقوف، أم هو متفق معها دلالة، لأن المفصل جزء من الكف والذراع كان متفقا معها، هذا محل نظر، وللقارئ الكريم أن يرى ما يؤديه إليه اجتهاده، والله أعلم.
• الراجح:
عندنا مسألتان، إحداهما: الترجيح بين الوضع والقبض، والراجح أنها صفة واحدة، وهي القبض، والتعبير بالوضع لا ينافي القبض، وقد سبق بيان ذلك.
والثانية: الترجيح في المكان فالثابت صفتان أيضا:
إحداهما: قبض ذراعه اليسرى باليمنى على ما جاء في حديث سهل بن سعد.
والصفة الثانية: قبض يده اليسرى باليد اليمنى على ما جاء في حديث وائل بن حجر، والأفضل فعل هذا مرة، وهذا مرة؛ ليصيب السنة على جميع وجوهها، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٨٦:٨٧)
فرق الحنفية في كيفية القبض بين الرجل والمرأة، فذهبوا إلى أن الرجل يأخذ بيده اليمنى رسغ اليسرى بحيث يحلق الخنصر والإبهام على الرسغ ويبسط الأصابع الثلاث. وقال الكاساني: يحلق إبهامه وخنصره وبنصره ويضع الوسطى والمسبحة على معصمه، وأما المرأة فإنها تضع الكف على الكف، وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يقبض بيده اليمنى على كوع اليسرى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع اليمنى على اليسرى، وقال الشافعية: يقبض بكفه اليمنى على كوع اليسرى والرسغ وبعض الساعد، ويبسط أصابعها في عرض المفصل أو ينشرها صوب الساعد؛ لما روى وائل بن حجر قال: قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي فنظرت إليه وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٤٠:١٤١)
مسألة؛ قال: (ثم يضع يده اليمنى على كوعه اليسرى):
أما وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فمن سنتها في قول كثير من أهل العلم، يروى ذلك عن على، وأبي هريرة، والنخعي، وأبي مجلز، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وحكاه ابن المنذر عن مالك. وظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه إرسال اليدين، وروى ذلك عن ابن الزبير، والحسن. ولنا، ما روى قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وعليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين، ومن بعدهم. وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري. وعن ابن مسعود، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر به وهو واضع شماله على يمينه فأخذ يمينه فوضعها على شماله. رواه أبو داود. ورواهما الأثرم. وفي "المسند"، عن غطيف، قال: ما نسيت من الأشياء فلم أنس أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واضعا يمينه على شماله في الصلاة. ويستحب أن يضعها على كوعه، وما يقاربه؛ لما روى وائل بن حجر، أنه وصف صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال في وصفه: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى [والرسغ والساعد].
المغني -ابن قدامة- (٢/١٤١)
مسألة؛ قال: (ويجعلهما تحت سرته):
اختلفت الرواية في موضع وضعهما، فروى عن أحمد، أنه يضعهما تحت سرته. روى ذلك عن علي، وأبي هريرة، وأبي مجلز، والنخعي، والثوري، وإسحاق؛ لما روى عن علي رضى الله عنه، قال: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة. رواه الإمام أحمد، وأبو داود. وهذا ينصرف إلى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأنه قول من ذكرنا من الصحابة. وعن أحمد؛ أنه يضعهما فوق السرة. وهو قول سعيد بن جبير، والشافعي؛ لما روى وائل بن حجر قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي فوضع يديه على صدره، إحداهما على الأخرى وعنه أنه مخير في ذلك؛ لأن الجميع مروي، والأمر في ذلك واسع.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٦١٥:٦٣٠)
الفرع السابع: في مكان وضع اليدين:
المدخل إلى المسألة:
• وضع اليد اليمنى على الشمال ثابت في السنة الصحيحة، وأما وضعهما من البدن فلم يأت في الشريعة ما تقوم به الحجة.
• إذا لم تأت سنة صحيحة في مكان وضع اليدين، فإن ذلك لم يكن عن غفلة، ولا نسيان، تعالى الله عن ذلك، وإنما قصد الشارع إلى التيسير والتوسعة، فحيث وضع يديه تحقق المراد.
• المطلوب قبض الشمال باليمين، ولعل الحكمة في ذلك إظهار الخشوع، وحبس الكف عن الحركة، وهذا يتحقق سواء أوضعها تحت صدره، أم تحت سرته.
• الأحاديث المنكرة والشاذة لا تصلح للاعتبار؛ لأنها على تقدير وهم وقع فيه الراوي مخالفا رواية الأوثق أو الأكثر عددا.
[م-٥٠٩] ثبت لنا أن السنة وضع اليمنى على اليسرى حال الصلاة، وقد اختلفوا في مكان وضعهما:
فقيل: يضع يديه تحت السرة، وتضع المرأة تحت الصدر، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: يضع المصلي يديه تحت السرة مطلقا، رجلا كان أو امرأة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.وقيل: يضعهما على الصدر، وهو اختيار الإمام إسحاق.
وقيل: يضعهما تحت الصدر وفوق السرة، وبه قال عبد الوهاب البغدادي والقاضي عياض من المالكية، وهو مذهب الشافعية، ونسبه النووي للجمهور، وهو رواية عن أحمد. قال النووي: «وإذا وضع يديه حطهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهب الشافعي والأكثرين». وقيل: يخير إن شاء تحت الصدر، أو تحت السرة، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي وابن المنذر.
قال أحمد كما في مسائل الكوسج: «قلت: أين يضع يمينه على شماله؟ قال: «كل هذا عندي واسع».
قال الترمذي بعد أن ذكر الاختلاف: وكل ذلك واسع عندهم.
• دليل من فرق بين الرجل والمرأة:
علل الحنفية التفريق بين الرجل والمرأة بأنه أستر لها.
ويناقش:
هذه المصلحة على التسليم بها، لو كانت مقدرة لأمر بها الشارع، فلما لم يحفظ نص عن الشارع في التفريق بين الرجل والمرأة علم أن هذه ليست مصلحة معتبرة، [مريم: ٦٤]، والأصل: أن ما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل.
• دليل من قال: يضعهما على صدره:
(ح-١٢٧٠) ما رواه ابن خزيمة من طريق مؤمل، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره.
[منكر، فيه مؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه].الدليل الثاني:
(ح-١٢٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته، قال، يضع هذه على صدره.
وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المفصل.
[زيادة (يضع هذه على صدره) وقوله: (فوق المفصل) ليست محفوظة].الدليل الثالث:
(ح-١٢٧٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أبو توبة: حدثنا الهيثم -يعني: ابن حميد- عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره، وهو في الصلاة.
[إسناده إلى طاوس حسن إلا أنه مرسل].
• وأجيب:
بأن الشافعية لا يحتجون بالمرسل إلا بشروط لم تتوفر هنا.
الدليل الرابع:
(ث-٢٩٤) روى البخاري في التاريخ قال البخاري: قال موسى: حدثنا حماد بن سلمة، سمع عاصما الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي، رضي الله عنه: [الكوثر: ٢] وضع يده اليمني على وسط ساعده على صدره.
[ضعيف، وذكر وضعهما على الصدر مختلف فيه على عاصم الجحدري].• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأثر ضعيف، وإسناده مضطرب.
الوجه الثاني:
أن المفسرين قد ذكروا في تفسير الآية ثمانية أقوال، والذي اختاره المحققون منهم أن النحر المقصود به إما مطلق الذبح بحيث يجعل صلاته وذبحه لله رب العالمين، أو المراد بالنحر: نحر البدن.
يقول ابن جرير الطبري: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له».
وقد نقل ابن جرير هذا القول أيضا عن محمد بن كعب القرظي، وعطاء بن أبي رباح، ونقل عن ابن عباس وقتادة أن النحر: هو نحر البدن.
وعلق ابن كثير على تفسير ابن جرير، فقال: «وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، وعطاء».
كما قال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: [الأنعام: ١٦٢].ورجح ابن كثير: أن المراد بالنحر: ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له.
تبين من خلال البحث ما يلي:
أن حديث وائل بن حجر منكر، تفرد به مؤمل بن إسماعيل، وخالف من هو أوثق منه، والمنكر لا يصلح للاعتبار.
وحديث هلب الطائي شاذ، والشاذ خطأ، لا يصلح للاعتبار.
وطريق محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي مسلسل بالضعفاء.
وأثر علي رضي الله عنه ضعيف، ومضطرب سندا ومتنا.
وأحسنها مرسل طاوس، فمن يحتج بالمرسل مطلقا، يستقم له الاحتجاج به، ومن لم يعتبر المرسل حجة مطلقا -وهو الأقوى-أو يره حجة بشرط أن يعتضد بمثله فلن يصلح له الاحتجاج بمرسل طاوس، فلا يثبت به حكما، والله أعلم.
دليل من قال: يضعهما تحت الصدر:
استدل الشافعية بأدلة من قال: يضعهما على صدره، كحديث وائل بن حجر، وحديث هلب الطائي، وأثر علي، ومرسل طاوس، فحملوا قوله: (على صدره) أي على مقاربته، وذلك بأن تكون اليدان تحت الصدر فوق السرة، ولأن ما تحت الصدر القلب، وهو محل الخشوع، ولا يخفى أن هذه الآثار لا تطابق المدعى.
لهذا قال الشوكاني في النيل: «احتجت الشافعية لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه من حديث وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره.
وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر كما تقدم».• دليل من قال: يضعهما فوق سرته:
الدليل الأول:
(ح-١٢٧٣) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند، من طريق يحيى بن أبي زائدة، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي، قال: إن من السنة في الصلاة وضع الأكف، على الأكف تحت السرة.
[ضعيف جدا].الدليل الثاني:
(ث-٢٩٥) ما رواه أبو داود من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، قال:
قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة.
[منكر].
• دليل من قال بالتخيير:
الثابت من السنة وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. اهـ.
وقد ثبت ذلك من حديث سهل بن سعد عند البخاري، وأما تعيين المحل الذي يكون فيه الوضع من البدن فلم يثبت فيه شيء، وإذا لم تكن السنة صحيحة صريحة تقوم بها الحجة فإن ذلك لم يكن عن غفلة، ولا نسيان -تعالى الله- وإنما أراد الشارع من ذلك التوسعة على العباد، فإن شاء وضعهما تحت الصدر فوق السرة، وإن شاء وضعهما تحت السرة.يقول ابن المنذر في الأوسط: «...ليس في المكان الذي يضع عليه اليد خبر يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن شاء وضعهما تحت السرة، وإن شاء فوقها».