الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٢٢٨:٢٤٦)
الفرع الأول في حكم قراءتها:
المدخل إلى المسألة:
* لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب حديث في أعلى درجات الصحة اتفق عليه الشيخان، ودلالته نصية.
* كل نفي فإنه يحمل أولا على نفي الوجود، فإن وجد العمل حمل النفي على الصحة، فإن صح حمل النفي على الكمال، ولما كانت صورة الصلاة قد توجد في الخارج من دون الفاتحة تعين حمل النفي على الصحة: أي لا صلاة صحيحة.
* يمكن حمل النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) على الوجود، وذلك بحمل النفي على الصلاة الشرعية دون الباطلة؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على الحقيقة الشرعية؛ لكونه بعث لبيان الشرعيات دون اللغويات.
* لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب نفي بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره: لا صلاة بحضرة طعام.
* ليست كل زيادة على النص تعتبر نسخا حتى ترفع الحكم السابق.
[م-٥٣٤] اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة، فقال الحنفية: قراءة القرآن في الصلاة فرض: ولا يتعين ذلك في الفاتحة، وقراءة الفاتحة واجبة، والمراد بالواجب عندهم: ما تصح الصلاة بتركه مع الإثم ويجب بتركه ساهيا سجدتا السهو. قال في بدائع الصنائع: «المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين، فأما قراءة الفاتحة والسورة عينا في الأوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة».
وقال الجمهور: قراءة الفاتحة ركن.وقيل: قراءة الفاتحة سنة، اختاره ابن شبلون من المالكية، وبه قال أحمد في رواية إلا أنه قال: يجزئ غير الفاتحة، قال في الفروع: ظاهره أن الفاتحة سنة، وبه قال الحسن وجماعة من التابعين.
* دليل من قال: الفاتحة ركن:
الدليل الأول:
(ح-١٣٦٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. ورواه الدارقطني من طريق زياد بن أيوب، عن ابن عيينة به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب.
[رواه زياد عن ابن عيينة بلفظ: (لا تجزئ) وهو شاذ].وجه الاستدلال:
لنا ثلاثة طرق في توجيه الاستدلال بالحديث على بطلان الصلاة إذا لم تقرأ فيها فاتحة الكتاب.
الطريق الأول:
أن النفي إذا ورد على عبادة، فإنه يحمل أول ما يحمل على نفي الوجود، فإن لم يمكن حمل على نفي الصحة، فإن لم يمكن حمل على نفي الكمال.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا صلاة...) فالنفي هنا لا يمكن حمله على وجود الصلاة؛ لتصور وجود صورة الصلاة في الخارج، فصار النفي محمولا على الإجزاء:أي لا صلاة صحيحة، ولا يصح حمله على التمام، أي: لا صلاة كاملة؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس.
ولأن النفي لم يتوجه للصلاة، وإنما توجه على حصول الصلاة للرجل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ...) وهو عبارة عن نفي الانتفاع بها، ونفي خروجه من العهدة، وذلك يعني عدم صحتها.
وقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم الفريضة والنافلة.
الطريق الثاني:
أن المراد من نفي الصلاة نفي الصلاة بمعناها الشرعي، لا اللغوي؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه، لكونه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال، لأنه يؤدي إلى الإجمال، ولأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأن المركب كما أنه ينتفي بانتفاء جميع أجزائه فكذلك بانتفاء بعضها، ولأنه روي بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
الطريق الثالث:
لا يمتنع أن يكون النفي في قوله: لا صلاة نفي بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعا: لا صلاة بحضرة الطعام، فإنه في صحيح ابن حبان: لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٦٩) ما رواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك... الحديث.ورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام، فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي.
[لفظ: (لا تجزئ) لفظ شاذ، وقد رواه أصحاب شعبة بلفظ: فهي خداج، وكذا رواه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن].وجه الاستدلال:
أن الخداج في اللغة: هو الفاسد، فدل على بطلان الصلاة بمن دون الفاتحة.
* جواب الحنفية عن الحديث:
قوله (خداج غير تمام) فقد فسر الخداج بقوله: غير تمام، أي ناقص، والنقص لا يستلزم البطلان فإثبات صلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ إذ لا يجوز أن يوصف الباطل بالنقصان؛ إذ الباطل لا يثبت منه شيء.
* ورد هذا:
بأنه لا يسلم بأن الخداج هو النقصان، بل المراد به الفساد، ذكر ذلك الخطابي وابن عبد البر.
وعلى التسليم فإن النقص على قسمين: نقص يستلزم البطلان، وهو النقص من الفرائض، وهو ما يصدق عليه أنه نقص حقيقة، فمن خرج من صلاته قبل إتمامها فعليه إعادتها، والإتيان بها كما أمر، ومن ادعى جوازها مع الإقرار بنقصها فعليه الدليل.
ونقص لا يستلزم البطلان، كالنقص الذي يطال مستحبات الصلاة، وهي صلاة تامة من حيث الإجزاء، وتسميتها ناقصة تجوزا، وإلا هي من حيث الحقيقة والشرع صلاة تامة، فإذا أطلق النقص في الشرع فالأصل في الإطلاق الشرعي والحقيقي، وإذا حمل حديث أبي هريرة على حديث عبادة المتفق على صحته، في قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، أي لا صلاة شرعية كان نقص الفاتحة من القسم الأول، والله أعلم.
قال الباجي في المنتقى: «اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها وغير المجزئ يقال صلاة فاسدة وصلاة غير مجزئة كما يقال صلاة صحيحة وصلاة مجزئة وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم الفضيلة لمن كملت أجزاؤه، ووصف الصلاة بأنها خداج إذا لم يقرأ بأم القرآن يعني فسادها، وقد أكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: غير تام».
الدليل الثالث:
(ح-١٣٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد.
[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما].* دليل الحنفية على أن قراءة غير الفاتحة يجزئ عنها:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: [المزمل: ٢٠].وجه الاستدلال:
الآية الكريمة أمرت بقراءة ما تيسر، والأمر مطلق، وما تيسر: عام في جميع ما تيسر، ومن ضرورته عدم توقف الجواز على قراءة الفاتحة؛ لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة.
والقول بفرض قراءة الفاتحة لحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) زيادة على نص الآية، ومسقط للتخيير الذي فيها، والزيادة على النص نسخ، والقول به يؤدي إلى نسخ القرآن بخبر الآحاد، وهو لا يجوز، إلا أنه يوجب العمل، فمطلق القراءة في الصلاة فرض بموجب الآية، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة وليست بفرض، وتجبر بسجود السهو؛ لثبوتها بخبر الآحاد، فعملنا بهما على وجه لا يتغير به حكم الكتاب تفريقا بين الفرض والواجب على أصول الحنفية، فالفرض: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني.
* ويجاب عن استدلال الحنفية بأجوبة:
الجواب الأول:
لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ؛ لأن الزيادة إن رفعت الحكم الشرعي كانت نسخا، وإن لم ترفعه لم تكن نسخا، فالأمر بقراءة الفاتحة لا يرفع حكم الأمر بقراءة ما يتيسر.
قال الشافعي: الزيادة على النص تخصيص.
وجه ذلك: أن قوله تعالى: [المزمل: ٢٠] عام، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) خاص، وهو جار على تخصيص الكتاب بالسنة، قال الشنقيطي في أضواء البيان: تخصيص الكتاب بالسنة كثير، ونسبه العراقي في طرح التثريب لجمهور الأصوليين.
ومن أمثلة ذلك: تخصيص قوله تعالى: بقوله صلى الله عليه وسلم في السنة: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها".وتخصيص قوله تعالى: بقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان. وتحريم الميتة بالكتاب يشمل الأكل وغيره، وخصت السنة ذلك منها بالأكل.
والخاص مقدم في الحكم على العام.
الجواب الثاني:
قال الماوردي: الآية مجملة فسرها قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، لأن ظاهرها متروك بالاتفاق، لأنه لو تيسر عليه سورة البقرة لم يلزمه، ولو تيسر عليه بعض آية لم يجزه.
الجواب الثالث:
التفريق بين الفرض والواجب، ليس قائما على حقيقة شرعية، فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) دلالته على الركنية أقوى من دلالة قوله تعالى: ؛ لأن القطعي والظني إن كان لثبوت الدليل فالآية الكريمة أقوى من حديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، والقرآن كله قطعي الثبوت، ولكن الثبوت لا علاقة له بالدلالة.
وإن كان الفرق بين الآية الكريمة والحديث من حيث الدلالة: وهي ما يوجبه الدليل، ويقتضيه اللفظ- فحديث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) أقوى من الآية الكريمة في إفادة الركنية، فالأمر بالقراءة في الآية الكريمة يفيد وجوب القراءة، ولا يفيد الركنية؛ لأن الركنية قدر زائد على الوجوب، بخلاف نفي الصلاة؛ لانتفاء الفاتحة فإنه يفيد الركنية؛ وإذا اتفق الحنفية مع الجمهور على وجوب العمل بالدليل الظني، فإن وجوب العمل به لا يعني إلا وجوب العمل بدلالته، وهو القول بركنية الفاتحة، فوقع الحنفية في خطأين.
أحدهما: استفادة ركنية القراءة من الأمر بالقراءة في الآية، وليس فيها ما يدل على الركنية.
الثاني: إلغاء إفادة الركنية من الحديث، مع قوة دلالته على الركنية.
الجواب الرابع:
أن آية المزمل مكية، وكان نزولها قبل نزول الفاتحة، وقد وردت في قدر قيام الليل، لا في قدر القراءة، فكان قيام الليل في أول الأمر، كما أخبر الله في أول الآية: ثم نسخ تخفيفا بقوله: [المزمل: ٢٠].
* واعترض على هذا:
بأن الأمر جاء في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وهو متفق عليه وسوف يأتي إن شاء الله تعالى نقله ومناقشته.
الجواب الخامس:
أن الحنفية قد عملوا بأخبار آحاد مع أنها تضمنت زيادة على ما جاء في القرآن الكريم، فقال تعالى: .
وخصص الحنفية عموم (الأولاد) بما ورد في السنة: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
وخصص الحنفية العام في قوله تعالى: بقوله صلى الله عليه وسلم في السنة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها.
وقال تعالى: [المائدة: ٦]، وأجاز الحنفية الوضوء بالنبيذ.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٧١) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن...".وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يقرأ بما تيسر، ولم يقيد ذلك بالفاتحة، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضا لأخبره بذلك.
* ويجاب عن هذا الحديث:
الجواب الأول:
أن هذا الحديث ظاهره يدل على أن قراءة الفاتحة ليست بفرض، وحديث عبادة المتفق على صحته: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وحديث أبي هريرة في مسلم: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام) يدلان نصا على أن قراءة الفاتحة فرض، وإذا كان أحد الدليلين جرى على وفق البراءة الأصلية، وكان الدليل الآخر ناقلا عنها، قدم الناقل عن البراءة الأصلية.
الجواب الثاني:
مما يدل على وجوب قراءة الفاتحة أن أبا هريرة الراوي لحديث المسيء في صلاته قد أمر بقراءة الفاتحة كما في صحيح مسلم، حين قيل له: إنا نكون وراء الإمام، فقال أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك، ومن أصول الحنفية أن رأي الراوي مقدم على روايته؛ لأنه أعلم بما روى، كما قال ذلك الحنفية في الغسل من ولوغ الكلب في الإناء ثلاثا تقديما لرأي أبي هريرة على روايته بالغسل سبعا، ونظائرها كثيرة في مذهب الحنفية.
الجواب الثالث:
أجاب الحافظ ابن حجر بأنه قد ورد في حديث المسيء تفسير ما تيسر بالفاتحة وبما شاء الله أن تقرأ، ووقع في بعض طرقه: (ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن فاحمد الله، وكبر، وهلل)، فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعيين الفاتحة هو الأصل لمن كان معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها، وكان معه من القرآن غيرها قرأ ما تيسر، فإن لم يكن معه قرآن مطلقا انتقل إلى الذكر، (ح-١٣٧٢) فقد روى أبو داود من طريق محمد يعني ابن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه،
عن رفاعة بن رافع -بهذه القصة- قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك... الحديث.
[ذكر أم القرآن في الحديث ليس محفوظا] الجواب الرابع:
أن حديث المسيء في صلاته لم يشتمل على كل الفرائض، إما لأنه اقتصر إلى إرشاده على ما أخل به في صلاته، أو على ما كان واجبا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبا، فالتشهد والجلوس له كلاهما فرض في الصلاة على قول ولم يذكرا في حديث المسيء في صلاته، (ح-١٣٧٣) فقد روى النسائي من طريق سفيان، عن الأعمش، ومنصور، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد... الحديث.
فكون الفاتحة لم تذكر لا يكون دليلا على عدم فرضيتها؛ لأن الشريعة كانت تتنزل شيئا فشيئا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم الله علينا نعمته، فقد كانت الصلاة بلا أذان ولا إقامة، ثم شرعا، وكان الكلام في الصلاة جائزا ثم منع، وكانت القبلة إلى الشام، ثم حولت، وكان الراكع يطبق بين كفيه، ثم يضعهما بين فخذيه، ثم نسخ الأمر، وأمر الناس بأن يضعوا أيديهم على الركب، فهذا منه.
الدليل الثالث:
(ح-١٣٧٤) ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ثلاثا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك... الحديث.
وجه الاستدلال:
وصف الخداج بأنه غير تمام: أي ناقص، وإثبات الصلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ لأن الباطل لا يثبت منه شيء.
وسبق الجواب على هذا الاعتراض في أدلة القول الأول، وبينت ولله الحمد: أن النقص قد يعبر به عن نقص بعض أجزاء الصلاة، والصلاة إذا ذهب بعض أجزائها التي هي من أركانها لم تصح.
الدليل الرابع:
(ح-١٣٧٥) ما رواه أبو داود من طريق عيسى، عن جعفر بن ميمون البصري، حدثنا أبو عثمان النهدي، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد".
* وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا الحديث قد انفرد به جعفر بن ميمون، واضطرب في لفظه مع مخالفته لما هو أقوى منه من الأحاديث الصحيحة كحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وحديث أبي هريرة في مسلم، وغيرهما من الأحاديث.
الجواب الثاني:
أن يحيى بن سعيد القطان والثوري في رواية روياه عن جعفر بن ميمون به، بلفظ: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد)، وكل راو خالف الثوري والقطان في لفظيهما، فإن الحكم لهما عليه.
الجواب الثالث:
على تقدير صحة الحديث فإن معناه على ما ذكر النووي: إن أقل ما يجزئ فاتحة الكتاب، كما يقال: صم ولو ثلاثة أيام من الشهر: أي أكثر من الصوم فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة أيام.
* دليل من قال: الفاتحة سنة:
أن الإمام يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في صلاة الجماعة، والإمام لا يتحمل ركنا عن المأموم.
* ويناقش:
بأن تحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة مع أن فيه خلافا إلا أنه ليس أمارة على سنية قراءة الفاتحة، بدليل أن قراءة الفاتحة فريضة في حق الإمام والمنفرد، فلو كانت سنة لما بطلت صلاة المنفرد والإمام بتركها، والإمام يتحمل سهو المأموم، ولا يعني أن سجود السهو ليس بواجب، والله أعلم.
* الراجح:
أرى أن قول الجمهور في ركنية الفاتحة هو القول الصحيح، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٥/٢٨٨)
حكم قراءة سورة الفاتحة في الصلاة:
٥- ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية والحنابلة إلى أن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". إلا أن الشافعية قالوا: "هي ركن مطلقا"، والراجح عند المالكية: أنها فرض لغير المأموم في صلاة جهرية وفي المذهب عدة أقوال. وذهب الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بركن، ولكن الفرض في الصلاة عندهم قراءة ما تيسر من القرآن. لقوله تعالى: .
ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى أمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا، وتقييده بفاتحة الكتاب زيادة على مطلق النص، وهذا لا يجوز؛ لأنه نسخ فيكون أدنى ما يطلق عليه القرآن فرضا لكونه مأمورا به.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٢٦:٣٢٧)
وقراءة الفاتحة للقادر عليها فرض من فروض الصلاة وركن من أركانها ومتعينة لا يقوم مقامها ترجمتها بغير العربية ولا قراءة غيرها من القرآن، ويستوي في تعينها جميع الصلوات فرضها ونفلها جهرها وسرها والرجل والمرأة والمسافر والصبي والقائم والقاعد والمضطجع، وفي حال شدة الخوف وغيرها سواء في تعينها الإمام والمأموم والمنفرد، وفي المأموم قول ضعيف: إنها لا تجب عليه في الصلاة الجهرية وسنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى. وتسقط الفاتحة عن المسبوق، ويتحملها عنه الإمام بشرط أن تلك الركعة محسوبة للإمام احتراز من الامام المحدث، والذي قام الخامسة ناسيا، وسنوضح ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٢٧:٣٢٩)
في مذاهب العلماء في القراءة في الصلاة.
مذهب أن الفاتحة متعينة لا تصح صلاة القادر عليها إلا بها، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن العاص وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وخوات بن جبير والزهري وابن عون والأوزاعي ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وحكاه أصحابنا عن الثوري وداود وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة لكن تستحب وفى رواية عنه تجب ولا يشترط ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه وفي قدر الواجب ثلاث روايات عنه: (إحداها) آية تامة. (والثانية) ما يتناوله الاسم قال الرازي وهذا هو الصحيح عندهم. (والثالثة) ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد واحتج لأبي حنيفة بقول الله تعالى: { فاقرؤا ما تيسر منه } ، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: "كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" رواه البخاري ومسلم، وبحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها"، وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب" قالوا: فدل على أن غيرها يقوم مقامها. قالوا: ولأن سور القرآن في الحرمة سواء بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب وتحريم مس المحدث وغيرهما، واحتج أصحابنا بحديث عبادة بن الصامت المذكور في الكتاب "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". رواه البخاري ومسلم، فإن قالوا: معناه لا صلاة كاملة. قلنا: هذا خلاف الحقيقة وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم، فلا يقبل وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهى خداج" يقولها ثلاثا غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي -وقال مرة: فوض إلي عبدي- فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. رواه مسلم وعن عبادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب". رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة، وأبو حاتم ابن حبان بكسر الحاء في صحيحيهما بإسناد صحيح وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما يتيسر". رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة والجواب عن الآية التي احتجوا بها أنها وردت في قيام الليل لا في قدر القراءة، وعن الحديث أن الفاتحة تتيسر فيحمل عليها جمعا بين الأدلة أو يحمل على من يحسنها، وعن حديث أبي هريرة "لا صلاة إلا بقرآن" أنه حديث ضعيف، رواه أبو داود بإسناد ضعيف وجواب آخر، وهو أن معنى هذا الحديث لو صح أن أقل ما يجزي فاتحة الكتاب كما يقال صم ولو ثلاثة أيام من الشهر أي أكثر من الصوم، فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة أيام وعن قولهم: إن سور القرآن سواء في الحرمة أنه لا يلزم منه استواؤها في الإجزاء في الصلاة لا سيما، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في نفس الفاتحة فوجب المصير إليها، هذا مختصر ما يتعلق بالمسألة من الدلائل لنا ولهم اقتصرت فيها على الصواب من الدلائل الصحيحة إذ لا فائدة في الإطناب في الواهيات وبالله التوفيق.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٣٢)
حكم المسألة:
ففيمن ترك الفاتحة ناسيا حتى سلم أو ركع قولان مشهوران، أصحهما باتفاق الأصحاب وهو الجديد: لا تسقط عنه القراءة بل إن تذكر في الركوع أو بعده قبل القيام إلى الثانية عاد إلى القيام، وقرأ وإن تذكر بعد قيامه إلى الثانية لغت الأولى وصارت الثانية هي الأولى، وإن تذكر بعد السلام والفصل قريب لزمه العود إلى الصلاة ويبني على ما فعل فيأتي بركعة أخرى ويسجد للسهو، وإن طال الفصل يلزمه استئناف الصلاة، والقول الثاني القديم: إنه تسقط عنه القراءة بالنسيان فعلى هذا إن تذكر بعد السلام فلا شيء عليه، وإن تذكر في الركوع وما بعده قبل السلام، فوجهان: (أحدهما)، وبه قطع المتولي، يجب أن يعود إلى القراءة كما لو نسي سجدة ونحوها.
(والثانى): لا شيء عليه وركعته صحيحة وسقطت عنه القراءة كما لو تذكر بعد السلام، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه ونقله عن نصه في القديم وقطع به أيضا البندنيجي والقاضي أبو الطيب وصاحب العدة وهو الأصح.
المغني -ابن قدامة- (٢/٣٨١:٣٨٤)
مسألة؛ قال: (ومن ترك تكبيرة الإحرام، أو قراءة الفاتحة، وهو إمام أو منفرد، أو الركوع، أو الاعتدال بعد الركوع، أو السجود، أو الاعتدال بعد السجود، أو التشهد الأخير، أو السلام، بطلت صلاته، عامدا أو ساهيا)،
وجملة ذلك أن المشروع في الصلاة ينقسم قسمين: واجب، ومسنون، فالواجب نوعان؛ أحدهما، لا يسقط [عمدا ولا سهوا]، وهو الذي ذكره الخرقي، في هذه المسألة، وهو عشرة أشياء: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد، والقيام، والركوع حتى يطمئن، [والاعتدال عنه حتى يطمئن، والسجود حتى يطمئن، والاعتدال عنه بين السجدتين حتى يطمئن]؛ والتشهد في آخر الصلاة، والجلوس له، والسلام، وترتيب الصلاة، على ما ذكرناه. فهذه تسمى أركانا للصلاة لا تسقط في عمد ولا سهو. وفي وجوب بعض ذلك اختلاف ذكرناه فيما مضى. وقد دل على [وجوب أكثرها] ما روى أبو هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ارجع فصل؛ [فإنك لم تصل". فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ارجع فصل] فإنك لم تصل". ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني. قال: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". متفق عليه زاد مسلم: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر". [وهذا يدل على أن هذه المسماة في هذا لا تسقط بحال]، فإنها لو سقطت، لسقطت عن الأعرابي لجهله بها. والجاهل كالناسي. [فأما أحكامها في الترك] فإن من تركها عمدا بطلت صلاته في الحال، وإن ترك شيئا منها سهوا، ثم ذكره في الصلاة، أتى به، على ما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله، وإن لم يذكره حتى سلم وطال الفصل [بطلت الصلاة؛ لأنه لا يمكن بناء ما بقى منها على ما مضى مع طول الفصل]، وإن لم يطل [الفصل بنى على ما مضى من صلاته]، نص أحمد على هذا، في رواية جماعة. وبهذا قال الشافعي، [ونحوه قال مالك، ويرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة والعرف]، وقال بعض أصحابنا: متى ترك ركنا فلم يدركه حتى سلم، بطلت صلاته. [قال النخعي والحسن: من نسي سجدة من صلاة، ثم ذكرها في الصلاة، سجدها متى ذكرها، فإذا قضى صلاته، سجد سجدتي السهو] وعن مكحول، ومحمد بن أسلم الطوسي، في المصلى ينسى سجدة أو ركعة، يصليها متى ما ذكرها، ويسجد سجدتي السهو. وعن الأوزاعي، في رجل نسي سجدة من صلاة الظهر، فذكرها في صلاة العصر، يمضي في صلاته، فإذا فرغ سجدها. ولنا، على أن الصلاة لا تبطل مع قرب الفصل، أنه لو ترك ركعة أو أكثر، فذكر قبل أن يطول الفصل، أتى بما ترك، ولم تبطل صلاته إجماعا. وقد دل عليه حديث ذي اليدين، فإذا ترك ركنا واحدا، فأولى أن لا تبطل الصلاة؛ فإنه لا يزيد على ترك ركعة. والدليل على أن الصلاة تبطل بتطاول الفصل، أنه أخل بالموالاة، فلم تصح صلاته كما لو ذكر في يوم ثان. ولا حد لطول الفصل، والمرجع في ذلك إلى العرف. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وقال الخرقي في سجود السهو: يسجد ما كان في المسجد؛ لأنه محل الصلاة، فيحد قرب الفصل وبعده به. [وقال بعض أصحاب الشافعي] الفصل الطويل قدر ركعة. وهو المنصوص عن الشافعي. وقال بعضهم: قدر الصلاة التي نسي الركن فيها، [ولنا، أنه] لا حد له في الشرع، فيرجع فيه إلى العرف، [كسائر ما لا حد له].
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٠/٢٧١:٢٧٣)
ترك شيء من الصلاة نسيانا:
١٢- ذهب الحنفية إلى أنه إذا ترك المصلي فرضا من فرائض الصلاة كالقراءة والركوع والسجود فإن أمكنه التدارك بالقضاء يقضي، وإلا فسدت صلاته. وإذا ترك واجبا من واجبات الصلاة كقراءة الفاتحة وضم سورة عليها، ورعاية الترتيب في كل فعل مكرر في كل ركعة أو في جميع الصلاة، فإن تركه ناسيا يجبر بسجدتي السهو، وإن تركه عامدا لا يجبر بسجدتي السهو، وظاهر كلام أكثرهم أنه لا يجب السجود في العمد، وإنما تجب الإعادة جبرا لنقصانه. وأما إذا ترك سنة من سنن الصلاة -كجهر الإمام بالتكبير، وكالاستفتاح- فإن صلاته لا تفسد؛ لأن قيام الصلاة بأركانها، وقد وجدت، ولا يجبر بسجدتي السهو. وقال المالكية: المصلي إذا ترك ركنا من أركان الصلاة -كركوع أو سجود- سهوا، وطال بحيث لا يتداركه -إما بالعرف وإما بالخروج من المسجد- فإن الصلاة تبطل، وأما مع العمد فلا يتقيد البطلان بالطول. وقد اختلف المالكية في بطلان الصلاة بترك السنة المؤكدة: فقال ابن كنانة: تبطل الصلاة بترك السنة المؤكدة -عمدا أو جهلا- لتلاعبه، وقد شهره في البيان. وقال مالك وابن القاسم وشهره ابن عطاء الله: لا تبطل الصلاة بترك هذه السنة عمدا أو جهلا، ويستغفر الله لكون العبادة قد حوفظ على أركانها وشروطها، ولا سجود للسهو؛ لأن السجود إنما هو للسهو. وكلام خليل يحتمل وحدة السنة، كما عند ابن رشد في المقدمات، وأما إن كثرت السنن المتروكة فإنها تبطل.
ويحتمل كلامه الجنس فيتناول السنة ولو كثرت. ويرى الشافعية أن المصلي إذا ترك ركنا من أركان الصلاة -كركوع وسجود- عمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا فما بعد المتروك لغو، فإن تذكر قبل بلوغ مثله فعله، وإلا تمت به ركعته، وتدارك الباقي من صلاته. وإن كان المتروك سنة من الأبعاض -وهي القنوت، والقيام له والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول، والصلاة على آل النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول والآخر- أتى بسجود السهو إذا تركها سهوا، وكذا إذا تركها عمدا في الأظهر. وأما سائر السنن غير الأبعاض فلا تجبر بسجود السهو، سواء تركها عمدا أو سهوا. وذهب الحنابلة إلى أن أركان الصلاة -كقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد- لا تسقط في عمد ولا سهو ولا جهل، فمن ترك شيئا منها بطلت صلاته عامدا كان أو ساهيا أو جاهلا. ومن ترك واجبا من واجبات الصلاة كالتكبير للانتقال، والتسبيح والتحميد عامدا بطلت صلاته، ومن ترك شيئا منها ساهيا أو جاهلا أتى بسجدتي السهو. وأما السنن -كالاستفتاح والتعوذ- فلا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدا.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٢٥١:٢٦٤)
الفرع الثالث:
في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة:
المدخل إلى المسألة:
* النفي في قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب محمول على نفي الصلاة الشرعية، وذلك يقتضي عدم الإجزاء والاعتداد بها شرعا.
* أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته بالقراءة في الصلاة، ولا تجب قراءة في الصلاة سوى الفاتحة، فكان المجمل في حديث المسيء مبينا في حديث عبادة.
* أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته بالقراءة، والركوع، والرفع والسجود، وقال في آخره: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فكانت كل هذه فروضا في جميع الركعات.
* كل موضع شرعت فيه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن انتفاء الفاتحة من ذلك الموضع يعني انتفاء ذلك من صلاته.
[م-٥٣٦] اختلف الفقهاء في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة: فقيل: القراءة غير واجبة في الصلاة، قال به من المعتزلة إبراهيم بن علية، وشيخه أبو بكر الأصم، والحسن بن صالح بن حي. وقيل: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة، وبه قال الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية.
وقيل: فرض القراءة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، وسنة في الأخريين، فإن شاء قرأ، وإن شاء سبح، فلو تركهما في الأوليين وقرأها في الأخريين كانت قضاء، وهذا مذهب الحنفية، وقد سبق أنهم يرون أن قراءة القرآن فرض، ولا تتعين الفاتحة.
وقيل: تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا في ركعة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا، وهو قول مالك في المدونة، وهو أصح القولين في مذهبه، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة.
وقال مالك: تجب قراءة الفاتحة في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وإليه رجع مالك، فإن كانت الصلاة ثنائية وجبت في كل ركعة، وقال إسحاق نحوه.* دليل من قال: القراءة غير واجبة:
الدليل الأول:
(ح-١٣٧٧) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسما للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال. وقد سبق مناقشة هذا المذهب عند الكلام على حكم تكبيرة الإحرام، وبينت اتفاق العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بنية، والنية غير مرئية، وأن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، وقد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغليبا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبا، وذكرت شاهده من حديث ابن عمر، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
(ث-٣١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ؟ قال: فكيف كان الركوع والسجود، تام هو؟ قالوا: نعم، فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعير جهزتها بأقتابها وحقائبها. قال الشافعي: ولم يذكر أنه سجد للسهو، ولم يعد الصلاة، وإنما فعل ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار.
[منقطع، أبو سلمة لم يدرك عمر، قاله ابن كثير في مسند الفاروق].قال البيهقي: «وهو محمول عندنا على قراءة السورة، أو على الإسرار بالقراءة فيما كان ينبغي له أن يجهر به، ثم قد روي عن عمر أنه أعادها...».
* دليل من قال: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة:
الدليل الأول:
(ح-١٣٧٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولم يقل: في كل ركعة، فهذا يقتضي فرضية القراءة مرة واحدة، لا تكرارها.
ولأن الاستثناء من النفي إثبات، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء. ولأن النفي في قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق الامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى.
* ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن هذا الاستدلال يمكن تسليمه لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار.
الوجه الثاني:
قال البخاري في القراءة خلف الإمام جوابا على هذا الاستدلال، قال: «قد بين حين قال: "اقرأ، ثم اركع، ثم اسجد، ثم ارفع، فإنك إن أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وإلا كأنما تنقصه من صلاتك" فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن في كل ركعة قراءة وركوعا، وسجودا، وأمره أن يتم صلاته على ما بين له في الركعة الأولى». وهذا الوجه هو معنى الوجه الأول، وفيه: أن الإمام البخاري يرى صحة حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته في الجملة.
* دليل من قال: تجب الفاتحة في كل ركعة:
الدليل الأول:
استدل الجمهور بحديث عبادة بن الصامت المتقدم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، (ح-١٣٧٩) وروى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما يفعل في الركعة الأولى، وقال: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
واسم الإشارة في قوله: (ثم افعل ذلك) راجع إلى الأقوال والأفعال، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٨٠) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه قال: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك... وقال في آخره: ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة.
[ذكر أم القرآن في الحديث ليس محفوظا].
الدليل الثالث:
(ح-١٣٨١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، واللفظ لمسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك بن الحويرث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ورواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث.الدليل الرابع:
(ث-٣١٧) روى مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء الإمام.
[صحيح موقوفا، وروي مرفوعا ولا يصح، وقد احتج به مالك وأحمد]. قيل لأحمد: من قال: لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب؟ قال: إذا كان خلف الإمام أجزأته على حديث جابر: إلا وراء الإمام، قال: وإذا جهر الإمام فلا يقرأ. (ح-١٣٨٢) وروى ابن ماجة من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن مسعر به، وزاد: كنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.
[صحيح موقوفا].
الدليل الخامس:
ولأنها ركعة يجب فيها القيام والركوع والسجود فوجب فيها القراءة مع القدرة كالركعة الأولى.
* دليل من قال: فرض القراءة في الركعتين الأوليين:
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: [المزمل: ٢٠].
والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وإنما أوجبنا في الثانية استدلالا بالأولى؛ لأنهما يتشاكلان من كل وجه، فأما الأخريان فيفارقانهما في حق السقوط في السفر، وصفة القراءة وقدرها، فلا يلحقان بهما.
ولأن الصلاة المصرح بها إذا أطلقت تنصرف إلى الصلاة الكاملة وهي الركعتان عرفا؛ لعدم شرعية الواحدة عند الحنفية الدليل الثاني:
(ث-٣١٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله، أنهما قالا: اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين.
[إسناده ضعيف].* ويجاب بجوابين:
الجواب الأول:
أن قول الصحابي يحتج به بشرطين:
الأول: ألا يخالف نصا مرفوعا.
والثاني: ألا يخالفه صحابي آخر، وأثر علي رضي الله عنه قد خالف المرفوع من حديث أبي قتادة وسبق ذكره في أدلة الجمهور، وخالفه جابر رضي الله عنه.
الجواب الثاني:
أن عليا رضي الله عنه قد اختلف القول عنه، قال ابن عبد البر في الاستذكار: رواه أهل الكوفة عن علي، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك. وقول علي رضي الله عنه الموافق للسنة أولى بالقبول من المخالف لها.
* دليل من قال: إذا قرأ في ثلاث أجزأته:
قال إسحاق: «إذا قرأ في ثلاث ركعات بفاتحة الكتاب أجزأه، لا شك في ذلك؛ لإجماع الأمة أنه إذا أدرك الإمام راكعا كبر، وقد أدرك الركعة وقراءتها».
* ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن الدليل أخص من المدلول، فإن سقوط القيام والقراءة عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعا لا يدل على سقوط القيام والقراءة عن الإمام والمنفرد إذا ترك القراءة متعمدا في ركعة من أربع ركعات، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن البخاري وابن حزم قد أنكرا أن يكون في المسألة إجماع، والخلاف فيها محفوظ حتى بين الصحابة رضي الله عنهم، وسوف يأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى في مظانها.
* الراجح:
أرجح الأقوال هو القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٦١)
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٦١:٣٦٣)
في مذاهب العلماء في القراءة في كل الركعات: قد ذكرنا أن مذهبا وجوب الفاتحة في كل ركعة، وبه قال أكثر العلماء، وبه قال أصحابنا عن علي وجابر رضي الله عنهما، وهو مذهب أحمد وحكاه ابن المنذر عن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور وهو الصحيح عن مالك وداود وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الركعتين الأوليين، وأما الأخريان فلا تجب فيهما قراءة بل إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت، وقال الحسن البصري: وبعض أصحاب داود لا تجب القراءة إلا في ركعة من كل الصلوات، وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه إن قرأ في أكثر الركعات أجزأه، وعن الثوري إن قرأ في ركعة من الصبح أو الرباعية فقط لم يجزه، وعن مالك إن ترك القراءة في ركعة من الصبح لم تجزه، وإن تركها في ركعة من غيرها أجزأه، واحتج لمن لم يوجب قراءة في الأخيرتين بقول الله تعالى: { فاقرءوا ما تيسر منه } ، وبحديث عبد الله بن عبد الله بن العباس قال: "دخلنا على ابن عباس فقلنا لشاب سل ابن عباس أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر فقال: لا لا. فقيل له لعله كان يقرأ في نفسه فقال: خمشى هذه شر من الأولى كان عبدا مأمورا بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلات خصال، أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وقوله: خمشى هو بالخاء والشين والمعجمتين؛ أي خمش الله وجهه وجلده خشمًا، كقوهم عقرى حلقى. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: "لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا". رواه أبو داود بإسناد صحيح، وبحديث عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" رواه البخاري ومسلم. قالوا: وهذا لا يقتضي أكثر من مرة وبحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب"، وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة السابق في حديث "المسيء صلاته"، وقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، وفي رواية ذكرها البيهقي بإسناد صحيح "ثم افعل ذلك في كل ركعة"، وبحديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل الركعات وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وسمعنا الآية أحيانا ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب" رواه مسلم. وأصله في صحيحي البخاري ومسلم لكن قوله: "يقرأ في الأخيرتين بفاتحة الكتاب" انفرد به مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين قدر نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة وفي الأخيرتين قدر نصف ذلك". واستدل أصحابنا أيضا بأشياء لا حاجة إليها مع ما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة.
* وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها وردت في قيام الليل: وعن حديث ابن عباس أنه نفي، وغيره أثبت، والمثبت مقدم على النافي وكيف وهم أكثر منه وأكبر سنا وأقدم صحبة وأكثر اختلاطا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا سيما أبو هريرة وأبو قتادة وأبو سعيد، فتعين تقديم أحاديثهم على حديثه والرواية الثانية عن ابن عباس تبين أن نفيه في الرواية الأولى كان على سبيل التخمين والظن لا عن تحقيق فلا يعارض الأكثرين الجازمين بإثبات القراءة، وعن حديث عبادة أن المراد قراءة الفاتحة في كل ركعة بدليل ما ذكرنا من الأحاديث.
وعن حديث أبي هريرة جوابان:
(أحدهما):
أنه ضعيف سبق بيان تضعيفه في مسألة اختلاف العلماء في تعيين الفاتحة.
(والثاني):
أن المراد الفاتحة في كل ركعة جمعا بين الأدلة: وعن حديث علي أنه ضعيف؛ لأنه من رواية الحارث الأعور وهو كذاب مشهور بالضعف عند الحافظ.
وقد روى عنه عن علي كرم الله وجهه خلافه والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٥/٢٨٨)
ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية والحنابلة إلى أن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". إلا أن الشافعية قالوا: هي ركن مطلقا، والراجح عند المالكية: أنها فرض لغير المأموم في صلاة جهرية وفي المذهب عدة أقوال. وذهب الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بركن، ولكن الفرض في الصلاة عندهم قراءة ما تيسر من القرآن. لقوله تعالى: .
ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى أمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا، وتقييده بفاتحة الكتاب زيادة على مطلق النص، وهذا لا يجوز؛ لأنه نسخ فيكون أدنى ما يطلق عليه القرآن فرضا لكونه مأمورا به.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢١٢:٢١٣)
قال أصحابنا:
إذا حضر مسبوق فوجد الإمام في القراءة وخاف ركوعه قبل فراغه من الفاتحة فينبغي أن لا يقول دعاء الافتتاح والتعوذ، بل يبادر إلى الفاتحة لما ذكره المصنف، وإن غلب على ظنه أنه إذا قال الدعاء والتعوذ أدرك تمام الفاتحة استحب الإتيان بهما، فلو ركع الإمام وهو في أثناء الفاتحة فثلاثة أوجه: (أحدها) يتم الفاتحة. (والثاني) يركع ويسقط عنه قراءتها ودليلهما ما ذكره المصنف قال البندنيجي هذا الثاني هو نصه في الإملاء قال وهو المذهب. (والثالث) وهو الأصح وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي وصححه القفال، والمعتبرون أنه إن لم يقل شيئا من دعاء الافتتاح والتعوذ ركع وسقط عنه بقية الفاتحة، وإن قال شيئا من ذلك لزمه أن يقرأ من الفاتحة بقدره لتقصيره بالتشاغل، فإن قلنا: عليه إتمام الفاتحة فتخلف ليقرأ كان متخلفا بعذر، فيسعى خلف الإمام على نظم صلاة نفسه، فيتم القراءة ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد حتى يلحق الإمام، ويعذر في التخلف بثلاثة أركان مقصودة وتحسب له ركعته، فإن زاد على ثلاثة ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في فصل متابعة الإمام فإن خالف، ولم يتم الفاتحة بل ركع عمدا عالما بطلت صلاته لتركه القراءة عامدا، وإن قلنا: يركع ركع مع الإمام، وسقطت عنه القراءة، وحسبت له الركعة، فلو اشتغل بإتمام الفاتحة كان متخلفا بلا عذر، فإن سبقه الإمام بالركوع، وقرأ هذا المسبوق الفاتحة، ثم لحقه في الاعتدال لم يكن مدركا للركعة؛ لأنه لم يتابعه في معظمها صرح به إمام الحرمين والأصحاب، وهل تبطل صلاته إذا قلنا بالمذهب: إن التخلف بركن واحد لا يبطل الصلاة، فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون، (أصحهما): لا تبطل كما في غير المسبوق. (والثاني): تبطل؛ لأنه ترك متابعة الإمام فيما فاتت به ركعة، فكان كالتخلف بركعة، فإن قلنا: تبطل وجب استئنافها، وحرم الاستمرار فيها مع العلم ببطلانها، وإن قلنا: لا تبطل. قال الإمام: ينبغي أن لا يركع؛ لأن الركوع غير محسوب له، ولكن يتابع الإمام في الهوى إلى السجود، ويصير كأنه أدركه الآن، والركعة غير محسوبة له، ثم صورة المسألة إذا لم يدرك مع الإمام ما يمكنه فيه إتمام الفاتحة، فأما إذا أتى بدعاء
الافتتاح وتعوذ ثم سبح أو سكت طويلا، فإنه مقصر بلا خلاف ولا تسقط عنه الفاتحة صرح به الإمام.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٠/٢٦٤:٢٦٥)
لا تجب القراءة على المأموم خلف الإمام، ويتحملها عنه الإمام، سواء أكان مسبوقا أم غير مسبوق عند الأئمة: أبي حنيفة ومالك وأحمد، على خلاف بينهم في حكم قراءته خلف الإمام، من كراهة القراءة عند الحنفية سرا وجهرا، وعند المالكية جهرا، واستحبابها عند الحنابلة. وعند الشافعية: يتحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة إذا كان مسبوقا، فأدرك الإمام في الركوع، أو في القيام بقدر لا يتسع لقراءة الفاتحة، كما يتحمل عنه سهوه في حال اقتدائه.
أما غير المسبوق فلا يتحمل عنه الإمام القراءة.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٤٠٣:٤٠٤)
المدخل إلى المسألة:
* ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع، فلا مجال للاجتهاد فيه.
* ترتيب الآيات واجب للتلاوة، لا فرق فيه بين الصلاة وخارجها، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الفاتحة وغيرها.
* قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتنكيس الآيات لا فرق فيه بين وقوعه في ركعة واحدة أو وقوعه في ركعتين.
* وجوب تلاوة الفاتحة مرتبة مختص بالصلاة، وإن وجب الترتيب للتلاوة، والضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كستر العورة.
* الإخلال بترتيب الآيات مبطل للقراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبا منها ك الفاتحة، وهل ترك الترتيب عمدا يبطل الصلاة؛ لتركه واجبا مختصا بالصلاة؟
* الإخلال بترتيب الآيات إذا وقع عمدا، وتغير به المعنى أبطل الصلاة.
[م-٥٤١] ترتيب الكلمات والآيات في السورة ثبت بالنص فهو توقيفي بالإجماع وترتيب السور ثبت باجتهاد الصحابة في أصح قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، وهل توافق الصحابة على ترتيب المصحف زمن عثمان يرفع الخلاف؟ الصحيح: لا، ولكن اتفاقهم يجعل هذا الترتيب مقدما على غيره، لا ناسخا لغيره، وبحث مثل هذا في علوم القرآن، إلا أن لهذا الخلاف أثرا فقهيا في حكم تنكيس الكلمات والآيات والسور في قراءة الصلاة، وهو الذي يعنينا في صفة الصلاة.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٥٤)
فصل: يلزمه أن يأتى بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة، غير ملحون فيها لحنا يحيل المعنى، فإن ترك ترتيبها، أو شدة منها، أو لحن لحنا يحيل المعنى، مثل أن يكسر كاف، أو يضم تاء، أو يفتح ألف الوصل في، لم يعتد بقراءته، إلا أن يكون عاجزا عن غير هذا. ذكر القاضي نحو هذا في "المجرد"، وهو مذهب الشافعي. وقال القاضي في "الجامع": لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وإنما هي صفة للحرف، ويسمى تاركها قارئا. والصحيح الأول؛ لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، بدليل أن شدة راء أقيمت مقام اللام، وشدة ذال أقيمت مقام اللام أيضا، فإذا أخل بها أخل بالحرف وما يقوم مقامه، وغير المعنى، إلا أن يريد أنه أظهر المدغم، مثل من يقول "الرحمن" مظهرا للام، فهذا تصح صلاته؛ لأنه إنما ترك الإدغام، وهو معدود لحنا لا يغير المعنى. قال: ولا يختلف المذهب، أنه إذا لينها، ولم يحققها على الكمال، أنه لا يعيد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى، ويختلف باختلاف الناس. ولعله إنما أراد في "الجامع" هذا المعنى، فيكون قوله متفقا. ولا يستحب المبالغة في التشديد، بحيث يزيد على قدر حرف ساكن؛ لأنها في كل موضع أقيمت مقام حرف ساكن؛ فإذا زادها على ذلك زادها عما أقيمت مقامه، فيكون مكروها. وفى ثلاث شدات، وفيما عداها إحدى عشرة شدة، بغير اختلاف.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٥٧:٣٥٨)
قال الشافعي والأصحاب:
تجب قراءة الفاتحة مرتبة متوالية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ هكذا"، وثبت أنه صلى الله وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فإن ترك الترتيب فقدم المؤخر وأخر المقدم، فإن تعمد ذلك بطلت قراءته ولا تبطل صلاته؛ لأن ما فعل أنه قرأ آية أو آيات في غير موضعها ويلزمه استئناف الفاتحة، وإن فعل ذلك ساهيا لم يعتد بالمؤخر، ويبني على المرتب من أول الفاتحة. نص عليه في الأم واتفق الأصحاب عليه: قال البغوي وغيره إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة، هكذا قاله الأصحاب. قال الرافعي ينبغي أن يقال: إن كان يعتبر الترتيب مبطلا للمعني تبطل صلاته كما إذا تعمد كما قالوا: إذا تعمد تغيير التشهد تغييرا يبطل المعنى فإن صلاته تبطل. وأما الموالاة فمعناها أن يصل الكلمات بعضها ببعض ولا يفصل إلا بقدر التنفس، فإن أخل بالموالاة فله حالان: (أحدهما): أن يكون عامدا فينظر إن سكت في أثناء الفاتحة طويلا بحيث أشعر بقطعه القراءة أو إعراضه عنها مختارا أو لعائق بطلت قراءته ووجب استئناف الفاتحة، هذا هو المذهب، وحكى إمام الحرمين والغزالي عن العرقيين أنه لا تبطل قراءة، وليس بشيء، والموجود في كتب العراقيين وجوب الاستئناف، وإن قصرت مدة السكوت لم يؤثر بلا خلاف، وإن نوى قطع القراءة ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف، نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه: قال في الأم؛ لأنه حديث نفس وهو موضوع عنه، وإن نوى قطعها وسكت طويلا بطلت بلا خلاف، وإن سكت يسيرا بطلت أيضا على الصحيح المشهور، وبه الأكثرون، ونص عليه في الأم، وأشار إليه المصنف، وفيه وجه أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية الفردة لا تؤثر وكذا السكوت اليسير، وكذا إذا اجتمعا وإن أتى في أثناء الفاتحة بتسبيح أو تهليل أو غيرهما من الأذكار أو قرأ آية من غيرها عمدا بطلت قراءته بلا خلاف سواء كثر ذلك أو قل؛ لأنه مناف لقراءتها هذا فيما لا يؤمر به المصلي، فأما ما أمر به إليه كتأمين المأموم لتأمين إمامه وسجوده لتلاوته ففيه خلاف نذكره قريبان إن شاء الله تعالى. (الحال الثاني) أن يخل بالموالاة ناسيا، فالصحيح الذي نص عليه الشافعي في الأم وقطع به الأصحاب أنه لا تبطل قراءته بل يبني عليها؛ لأنه معذور سواء كان أخل بالموالاة بسكوت أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها نص عليه في الأم، وقاله الأصحاب قال في الأم؛ لأنه مغفور له في النسيان، وقد قرأ الفاتحة كلها، وسواء قلنا يعذر بترك الفاتحة ناسيا أم لا، ومال إمام الحرمين والغزالي إلى انقطاع الموالاة بالنسيان إذا قلنا: لا تسقط القراءة بالنسيان، والمذهب الأول ولو أعيي في أثناء الفاتحة فسكت للإعياء، بنى على قراءته حين أمكنه؛ صحت قراءته، نص عليه في الأم؛ لأنه معذور وأما قول المصنف ويجب أن يقرأها مرتبا فهو بفتح التاء ويجوز كسرها، وقوله: فإن قرأ في خلالها غيرها إلى آخره ليس مراده به تفسير الترتيب والتفريع عليه؛ إذ ليس في هذا ترك ترتيب، وإنما هو بيان للمسألة الثانية، وهي أن الموالاة واجبة كالترتيب، فبين أنه لو ترك الموالاة عمدا لا تجزيه القراءة، واستغنى به عن قوله، ويجب الموالاة والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٩/٢٤٢:٢٤٣)
الموالاة بين كلمات الفاتحة:
٧- قال المالكية: يكره الدعاء في الصلاة المفروضة قبل قراءة الفاتحة وبعدها وفي أثنائها بأن يخللها به لاشتماله على الدعاء ولا يكره في النفل.
وقال الشافعية: تجب الموالاة بين كلمات الفاتحة بأن يصل الكلمات بعضها ببعض، ولا يفصل إلا بقدر التنفس للاتباع مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فلو أخل بها سهوا لم يضر، كترك الموالاة في الصلاة بأن طول ركنا قصيرا ناسيا، بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوا، فإنه يضر؛ لأن الموالاة صفة والقراءة أصل، فإن تخلل ذكر أجنبي لا يتعلق بالصلاة قطع الموالاة، وإن قلَّ كالتحميد عند العطاس وإجابة المؤذن والتسبيح للداخل؛ لأن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة، فليستأنفها هذا إن تعمد، فإن كان سهوا فالصحيح المنصوص أنه لا يقطع بل يبني. وقيل: إن طال الذكر قطع الموالاة وإلا فلا. فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه إذا توقف فيها فلا يقطع الموالاة في الأصح لندب ذلك للمأموم في الأصح والثاني يقطعها؛ لأنه ليس مندوبا كالحمد عند العطاس وغيره، ومحل الخلاف في العامد فإن كان ساهيا لم يقطع ما ذكر جزما. ويقطع الموالاة السكوت العمد الطويل لإشعاره بالإعراض مختارا كان أو لعائق لإخلاله بالموالاة المعتبرة، أما الناسي فلا يقطع على الصحيح، وكذا يقطع يسير قصد به قطع القراءة في الأصح لتأثير الفعل مع النية، كنقل الوديعة بنية الخيانة، فإنه يضمن وإن لم يضمن بأحدهما منفردا، والثاني: لا يقطع؛ لأن قصد القطع وحده لا يؤثر والسكوت اليسير وحده لا يؤثر أيضا، فكذا إذا اجتمعا فإن لم يقصد القطع، ولم يطل السكوت لم يضر؛ كنقل الوديعة بلا نية تعد، وكذا إن نوى قطع القراءة ولم يسكت. وقال الحنابلة: إن قطع قراءة الفاتحة بذكر من دعاء أو قراءة أو سكوت يسير أو فرغ الإمام من الفاتحة في أثناء قراءة المأموم قال: "آمين"، ولا تنقطع قراءته لقول أحمد: إذا مرت به آية رحمة سأل وإذا مرت به آية عذاب استعاذ، وإن كثر ذلك استأنف قراءتها إلا أن يكون السكوت مأمورا به كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة، ثم يسمع قراءة الإمام فينصت له، فإذا سكت الإمام أتم قراءتها وأجزأه، أومأ إليه أحمد وكذلك إن كان السكوت نسيانا أو نوما أو لانتقاله إلى غيرها غلطا لم يبطل فمتى ذكر أتى بما بقي منها، فإن تمادى فيما هو فيه بعد ذكره أبطلها ولزمه استئنافها كما لو ابتدأ بذلك، فإن نوى قطع قراءتها من غير أن يقطعها لم تنقطع؛ لأن فعله مخالف لنيته والاعتبار بالفعل لا بالنية، وكذا إن سكت مع النية سكوتا يسيرا لما ذكرناه من أنه لا عبرة بالنية، فوجودها كعدمها، وذكر القاضي في الجامع أنه متى سكت مع النية أبطلها، ومتى عدل إلى قراءة غير الفاتحة عمدا أو دعاء غير مأمور به بطلت قراءته، ولم يفرق بين قليل أو كثير وإن قدم آية منها في غير موضعها عمدا أبطلها، وإن كان غلطا رجع إلى موضع الغلط فأتمها.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٣٨٤:٣٩١)
المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة بتشديداتها:
المدخل إلى المسألة:
* الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، وعند الحنفية: الركن القراءة، ولا تتعين في الفاتحة، فعلى الأول: إذا سلمت الفاتحة من النقص صحت الصلاة، وعند الحنفية لا فرق في الحكم بين الفاتحة وغيرها.
* إذا قلنا: الفاتحة ركن، فهل هو ركن واحد، أو كل حرف منها ركن، الصحيح الأول، ورجحه البهوتي في كشاف القناع وهو مذهب الحنفية والمالكية.
* الطواف ركن في الحج، وقال الحنفية: إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا جزء الركن حكم الواجب، وليس حكم الركن.
* إذا قلنا: الفاتحة ركن واحد، فمراعاة شداتها واجب لها، والإخلال به لا يخل بالركن ما لم يغير المعنى، وسهوه مغتفر؛ لأن للأكثر حكم الكل.
* ضابط الإخلال في قراءة الفاتحة بتخفيف المشدد إذا غير المعنى عند الحنفية، وهو الصواب، فإذا سلم المعنى لم يؤثر تخفيف المشدد.
* بطلان العبادة مع سلامة المعنى قول شديد يحتاج إلى برهان، والأصل عدمه.
* قال القاضي أبو يعلى: لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وهي صفة في الكلمة، يبقى معناها من دونه كالحركة، ويسمى تاركها قارئا.
[م-٥٣٨] الحرف المشدد قائم مقام حرفين، فإذا خفف القارئ الحرف المشدد فكأنه ترك حرفا من الفاتحة، وكذلك إذا شدد حرفا مخففا كان بمنزلة من زاد حرفا على الفاتحة، وفي الفاتحة إحدى عشرة شدة إن اعتبرنا البسملة ليست آية منها كما هو مذهب جمهور العلماء، أو أربع عشر شدة إن اعتبرنا البسملة منها كما هو مذهب الشافعية، وقد تقدم الخلاف في البسملة.
[م-٥٣٩] وقد اختلف العلماء في حكم المنفرد والإمام إذا ترك حرفا أو شدة من الفاتحة، وكذا المأموم عند من يوجب قراءة الفاتحة عليه إما مطلقا كالشافعية، أو في السرية كما في اختيار بعض المالكية وبعض الحنابلة، وأقوالهم كالتالي:
القول الأول: مذهب الحنفية:
لا فرق عند الحنفية بين ترك الشدة من الفاتحة أو من غيرها؛ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم قراءة ما تيسر من القرآن، وقد سبق بحث المسألة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع الخطأ في القدر الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة.
والحكم في ترك الشدة عندهم كالحكم في الخطأ إذا وقع في الإعراب من نصب مرفوع، أو عكسه.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «ترك المد وال تشديد كالخطأ في الإعراب». وقال في حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح: «الخطأ في الإعراب، ويدخل فيه تخفيف المشدد وعكسه (يعني: تشديد المخفف)... إلخ».وحكم الخطأ في الإعراب: إن تغير به المعنى فلهم قولان:
الأول: مذهب المتقدمين:
فقد ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ما يغير المعنى يفسد به الصلاة مطلقا، سواء أكان اعتقاده كفرا أم لا، كما لو قرأ قوله تعالى: برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء، وكما لو قرأ (إياك نعبد) بتخفيف ال تشديد، وسواء أكان مثله في القرآن أم لا، حتى ولو كان ذلك في غير القرآن، كما لو مد همزة (أكبر) من قوله: الله أكبر.
وقال أبو يوسف: «إن غير المعنى وكان مثله في القرآن لم تفسد به الصلاة. وإن كان لا يغير المعنى، فإن كان مثله في القرآن نحو: (إن المسلمون) لم تفسد به الصلاة باتفاق الأئمة الثلاثة. وإن كان لا يغير المعنى، وليس مثله في القرآن مثل: (قيامين بالقسط): فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تفسد الصلاة به، وعند أبي يوسف تفسد. فالعبرة في الفساد وعدمه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد تغير المعنى تغيرا فاحشا، سواء أكان اللفظ موجودا في القرآن أم لا. وعند أبي يوسف إن كان اللفظ نظيره موجود في القرآن لم تفسد الصلاة به مطلقا، سواء أتغير به المعنى تغيرا فاحشا أم لا، وإن لم يكن موجودا في القرآن فتفسد مطلقا، ولا يعتبر الإعراب أصلا. هذا خلاصة مذهب المتقدمين وأخذ به بعض المتأخرين؛ لكونه أحوط».الثاني: مذهب أكثر المتأخرين من الحنفية كابن مقاتل ومحمد بن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني إلى أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقا، ولو كان اعتقاده كفرا، وعلى هذا مشى في الخلاصة، فقال: وفي النوازل: لا تفسد في الكل، وبه يفتى. وحجتهم: أن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، ولأن اشتراط الصواب في الإعراب يوقع الناس في الحرج، وهو مرفوع شرعا. ومحل الاختلاف في الخطأ والنسيان، أما في العمد فتفسد به الصلاة مطلقا إذا كان مما يفسد الصلاة، أما إذا كان ثناء فلا يفسد، ولو تعمد ذلك.
القول الثاني: مذهب المالكية:
قالوا: إذا ترك منها الإمام أو المنفرد آية أو أقل أو أكثر أو تركها كلها سهوا، ولم يمكنه تلافي ذلك سجد للسهو، ولم تبطل صلاته، حتى على القول بوجوبها في كل ركعة، وظاهر المدونة أنه يعيد أبدا احتياطا، وهو ظاهر المذهب.
وقيل: يعيد إذا تركها في ركعة من ثنائية أو في ركعتين من رباعية، وهذا مبني على أن الفاتحة تجب في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية فإن لم يسجد للسهو، أو تركها عمدا بطلت حتى على القول بأنها لا تجب في كل ركعة. وقيل: لا سجود عليه، لأن الأقل تبع للأكثر.
القول الثالث: مذهب الشافعية:
المصلي إن شدد حرفا مخففا أساء، وأجزأه، قال بعضهم: إلا إذا تغير المعنى وتعمد. وإن خفف المصلي حرفا مشددا من الفاتحة متعمدا، ولو كان مأموما لم تصح قراءته ولا صلاته؛ فإن لم يتعمد بطلت قراءة تلك الكلمة ولم تبطل صلاته.فإن ذكر، وهو في الركعة رجع إليها، وأعادها على الصواب، وأعاد ما بعدها؛ ليكون على الولاء. فإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية، بطلت الأولى التي أخل فيها في قراءة الفاتحة، وحلت الثانية مكانها؛ لأن ترك الفاتحة أو بعضها ناسيا كترك الركوع والسجود؛ ولأن كل حرف من الفاتحة ركن منها، وترك التشديدة كترك الحرف، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك، أعاد الصلاة.
* دليل الشافعية على هذا التفصيل:
أقمنا في مسألة سابقة وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والشافعية يوجبون القراءة على المصلي ولو كان مأموما خلافا للجمهور.
فإذا وجبت الفاتحة وجبت جميع حروفها؛ لأن حروفها جزء منها، والجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، فإذا شدد مخففا فقد جاء بجميع حروف الفاتحة، إلا أنه أساء بالزيادة عليها، ولم تبطل صلاته. أما إن خفف حرفا مشددا من الفاتحة فإنه قد نقص منها، فلم يبطل ما مضى منها لكونه جاء به على الصواب، وبطلت هذه الكلمة لإخلاله بحرف من حروفها، وبطلت قراءة ما بعده؛ لأن ما بعده لا يحتسب له، لأن كل قراءته بعدها في حكم الملغى، فإن أمكن تلافيه بأن عاد قريبا، فأعاد الكلمة على الصواب وأعاد ما بعده صحت صلاته، كما لو ترك سجودا وتذكر قبل أن يصل إليه في الركعة الثانية فإنه يعود إليه. وإن ذكر في الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى، وحلت الثانية محلها. وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد الصلاة؛ لأن طول الفصل يمنع من البناء. وقال القاضي حسين: «ذكر الشافعي -رحمه الله- أنه لو ترك حرفا من أمر القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى، أما إذا افتتح سورة أخرى فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب». وجه قول القاضي حسين: «أنه لما أدخل في الفاتحة غيرها وجب استئنافها. والأول أصح؛ قال الشافعي في الأم: «فإن جاء بها متوالية، لم يقدم منها مؤخرا، وإنما أدخل بينها آية من غيرها أجزأت؛ لأنه قد جاء بها متوالية، وإنما أدخل بينها ما له قراءته في الصلاة، فلا يكون قاطعا لها به، وإن وضعه غير موضعه، ولو عمد أن يقرأ منها شيئا، ثم يقرأ قبل أن يكملها من القرآن غيرها كان هذا عملا قطاعا لها، وكان عليه أن يستأنف لا يجزيه غيرها، ولو غفل فقرأ ناسيا من غيرها لم يكن عليه إعادة ما مضى منها؛ لأنه معفو له عن النسيان في الصلاة إذا أتى على الكمال». وقال الشافعي في القديم: إذا نسي الفاتحة صحت صلاته، وجعل النسيان بمثابة إدراك المقتدي الإمام راكعا، فإنه يصير مدركا للركعة. واحتج بما يروى عن عمر -رضي الله عنه- فإنه نسي القراءة في صلاة المغرب، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، فقال: فلا بأس. قال إمام الحرمين: وهذا قول متروك، لا تفريع عليه، ولا يعتد به.القول الرابع: مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: إن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها، فإن كان قريبا منها، أعاد الكلمة التي ترك وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها وبعد عنه بحيث يخل بالموالاة أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه واستئناف الفاتحة، لتركه حرفا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على الكمال فلا إعادة قولا واحدا في المذهب
فمذهب الحنابلة قائم على مراعاة الموالاة في قراءة الفاتحة بحيث يصل الكلمات بعضها ببعض.
فإذا ترك الشدة فإن كان قريبا منها بحيث لا يخل ذلك بالموالاة أعاد الكلمة التي وقع فيها الخلل وما بعدها، وصح له قراءة ما مضى، وأمكن البناء عليه.
وإن فات محل الفاتحة وبعد عنه، بحيث أخل بالموالاة، فإن كان ما زال في الركعة في أي جزء منها لزمه العودة إلى القيام واستئناف الفاتحة؛ لأن ما وقع بعد ترك الشدة في حكم الملغى، ولا يمكن البناء على ما قرأه من الفاتحة للإخلال بالموالاة، وإن شرع في قراءة الركعة الثانية فقد بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها. هذا هو حكم الأئمة الأربعة في ترك الشدة من الفاتحة، وخلاصته كالتالي:
إذا خفف حرفا مشددا، فالحنفية لا يبطل الصلاة إذا لم يغير المعنى، فإن تغير المعنى بطلت، لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الفرض في القراءة، ولم يتعين في الفاتحة. وقيل: إن كان له مثل في القرآن ولو تغير المعنى لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول أبي يوسف باعتبار كأنه تكلم بكلمة من القرآن. وقيل: لا يبطل أبدا؛ لأن تخفيف المشدد في حكم الخطأ في الإعراب، والتزامه الإعراب حرج، وعليه أكثر المتأخرين من الحنفية. وقال المالكية: إذا نسي آية أو أقل سهوا مضى في صلاته، وسجد للسهو، وأعاد احتياطا. وقال الشافعية والحنابلة: إذا خفف حرفا مشددا من الفاتحة لزمه إعادة الكلمة إذا لم يخل بالموالاة، فإن أخل لزمه استئناف الفاتحة ما لم يصل إلى الركعة الثانية، وقال الحنابلة: ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها على خلاف بينهم في مسألتين:
الأولى: قراءة الآيات من سورة أخرى لا يقطع الموالاة عند الشافعية خلافا للحنابلة فإن البعد عن الفاتحة عرفا يقطع الموالاة.
الثانية: لا فرق بين المأموم وغيره عند الشافعية في الحكم خلافا للحنابلة، حيث لا يرون القراءة واجبة على المأموم.
وقد علمت تعليلاتهم عند عرض أقوالهم.
* الراجح:
أميل إلى أن الركن هو قراءة الفاتحة، وليس كل حرف منها يعتبر ركنا.
قال البهوتي في كشاف القناع: «الفاتحة ركن واحد، محله القيام، لا أن كل حرف ركن». وقد قال الحنفية في الطواف إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا الأقل حكم الواجب، وليس حكم الركن، مع أن مسألتنا لم يأت في الأكثر فقط، بل أتى بعموم الفاتحة ولم يترك منها إلا شدة، فإذا تركها سهوا وكان المعنى لم يتغير لم تبطل الصلاة بتركه وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقول القاضي أبي يعلى من الحنابلة، وقول قديم للشافعية، وهو أقوى من قول المالكية الذين يرون أن ترك الآية سهوا لا يبطل الصلاة، وأما إن غير المعنى فالقول بالبطلان أحوط والجزم ببطلان الصلاة بترك شدة منها قول شديد يحتاج إلى برهان قوي يذهب فيه المفتي إلى إفساد العبادة، والأصل عدم البطلان، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٥/٢١٥:٢١٦)
اللحن في القراءة في الصلاة:
٣- ذهب الفقهاء إلى أن تعمد اللحن في الصلاة إن كان في الفاتحة يبطل الصلاة واختلفوا فيه إذا لم يتعمد، أو كان في غير الفاتحة. قال الشافعية والحنابلة: إن كان اللحن لا يغير المعنى كرفع هاء الحمد لله كانت إمامته مكروهة كراهة تنزيهية وصحت صلاته وصلاة من اقتدى به. وإن غير المعنى كضم "تاء" أنعمت، وكسرها، وكقوله: اهدنا الصراط المستقين بدل "المستقيم". فإن كان يمكن له التعلم فهو مرتكب للحرام، ويلزمه المبادرة بالتعلم، فإن قصر، وضاق الوقت لزمه أن يصلي، ويقضي، ولا يصح الاقتداء به، وإن لم يمكنه التعلم لعجز في لسانه، أو لم تمض مدة يمكن له التعلم فيها فصلاته صحيحة، وكذا صلاة من خلفه، هذا إذا وقع اللحن في الفاتحة، وإن لحن في غير الفاتحة كالسورة بعد الفاتحة صحت صلاته، وصلاة كل أحد صلى خلفه؛ لأن ترك السورة لا يبطل الصلاة فلا يمنع الاقتداء به. وقال الحنفية: تفسد الصلاة باللحن الذي يغير المعنى تغييرا يكون اعتقاده كفرا سواء وجد مثله في القرآن أم لا، إلا ما كان في تبديل الجمل مفصولا بوقف تام، وإن لم يكن مثله في القرآن، والمعنى بعيد، ويتغير به المعنى تغييرا فاحشا تفسد الصلاة به أيضا، كـ "هذا الغبار" بدل "هذا الغراب"، وكذا إن لم يوجد مثله في القرآن، ولا معنى له مطلقا، كالسرائل، بدل "السرائر". وإن كان في القرآن مثله وكان المعنى بعيدا ولكن لا يغير المعنى تغييرا فاحشا تفسد الصلاة به عند أبي حنيفة ومحمد، وقال بعض الحنفية: لا تفسد لعموم البلوى، وهو قول أبي يوسف وإن لم يكن في القرآن ولكن لم يتغير به المعنى نحو: "قيامين" بدل: "قوامين" فالخلاف بينهم بالعكس: فالمعتبر في عدم الفساد عند عدم تغير المعنى كثيرا وجود المثل في القرآن عند أبي يوسف. والموافقة في المعنى عند أبي حنيفة ومحمد، فهذه قواعد المتقدمين من أئمة الحنفية، وأما المتأخرون: كابن مقاتل، وابن سلام، وإسماعيل الزاهد، وأبي بكر البلخي، والهندواني، وابن الفضل، فاتفقوا على أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقا، وإن أدى اعتقاده كفرا، ككسر "ورسوله"، في قوله تعالى: لأن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، وإن كان الخطأ بإبدال حرف بحرف: فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة كالصاد مع الطاء بأن قرأ الطالحات، بدل "الصالحات" فهو مفسد باتفاق أئمتهم، وإن لم يمكن التمييز بينهما إلا بمشقة كالظاء مع الضاد والصاد مع السين فأكثرهم على عدم الفساد لعموم البلو، ولم يفرق الحنفية بين أن يقع اللحن في القراءة في الصلاة في الفاتحة أو في غيرها. وقال المالكية في أصح الأقوال عندهم: لا تبطل الصلاة بلحن في القراءة ولو ب الفاتحة، وإن غير المعنى، وأثم المقتدي به إن وجد غيره، ممن يحسن القراءة.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٣)
إذا لحن في الفاتحة لحنا يخل المعنى بأن ضم تاء أنعمت أو كسرها أو كسر كاف إياك نعبد أو قال: إياء بهمزتين لم تصح قراءته وصلاته إن تعمد، وتجب إعادة القراءة إن لم يتعمد، وإن لم يخل المعنى كفتح دال نعبد ونون نستعين وصاد صراط ونحو ذلك لم تبطل صلاته ولا قراءته، ولكنه مكروه ويحرم تعمده، ولو تعمده لم تبطل قراءته ولا صلاته، هذا هو الصحيح، وبه قطع الجمهور، وفي التتمة وجه أن اللحن الذي لا يخل المعنى لا تصح الصلاة معه، قال: والخلاف مبني على الإعجاز في النظم والإعراب جميعا أو في النظم فقط.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٣:٣٩٤)
في دقائق مهمة ذكرها الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة تتعلق بحروف الفاتحة؛ قال: شرط السين من البسملة وسائر الفاتحة أن تكون صافية غير مشوبة تغيرها لطيفة المخرج من بين الثنايا -يعني وأطراف اللسان- فإن كان به لثغة تمنعه من إصفاء السين، فجعلها مشوبة بالثاء، فإن كانت لثغته فاحشة لم يجز للفصيح الاقتداء به، وإن كانت لثغته يسيرة لسقيها إبدال السين جازت إمامته ويجب إظهار التشديد في الحرف المشدد فإن بالغ في التشديد لم تبطل صلاته لكن الأحسن اقتصاره على الحد المعروف للقراءة وهو أن يشدد التشديد الحاصل في الروح، وليس من شرط الفاتحة فصل كل كلمة عن الأخرى كما يفعله المتقشفون المتجاوزون للحد بل البصريون يعدون هذا من العجز والعي، ولو أراد أن يفصل في قراءة بين البسملة والحمد لله رب العالمين قطع همزة الحمد وخففها والأولى أن يصل البسملة بالحمد لله؛ لأنها آية منها والأولى أن لا يقف على أنعمت عليهم؛ لأن هذا ليس بوقف ولا منتهى آية أيضا عند الشافعي -رحمه الله- قال: ومن الناس من يبالغ في الترتيل، فيجعل الكلمة كلمتين، وأصل إظهار الحروف كقولهم نستعين، يقفون بين السين والتاء وقفة لطيفة فينقطع الحرف عن الحرف والكلمة عن الكلمة، وهذا لا يجوز؛ لأن الكلمة الواحدة لا تحتمل التقطيع والفصل والوقف في أثنائها، وإنما القدر الجائز من الترتيل أن يخرج الحرف من مخرجه ثم ينتقل إلى ما بعده متصلا بلا وقفة وترتيل القرآن وصل الحروف والكلمات علي ضرب من الثاني، وليس من الترتيل فصل الحروف ولا الوقت في غير موضعه، ومن تمام التلاوة إشمام الحركة الواقعة على الحرف الموقوف عليه اختلاسا لا إشباعا ولو أخرج بعض الحروف من غير مخرجه بأن يقول نستعين تشبه التاء الدال أو الصاد لا بصاد محضة ولا بسين محضة بل بينهما، فإن كان لا يمكنه التعلم صحت صلاته وإن أمكنه وجب التعلم، ويلزمه قضاء كل صلاة في زمن التفريط في التعلم.
هذا حكم الفاتحة فأما غيرها، فالخلل في تلاوته إن غير المعنى، وهو متعمد بأن قرأ (إنما يخشى الله من عباده العلماء) برفع الله ونصب العلماء، أو قرأ بعض الكلمات التي في الشواذ كقراءة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما) (وفيمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (وأقيموا الحج والعمرة لله)، فهذا كله تبطل به الصلاة، وإن كان خللا لا يغير المعنى ولا يزيد في الكلام لم تبطل به الصلاة، ولكنها تكره، هذا آخر كلام الشيخ أبي محمد رحمه الله.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٥٤:١٥٥)
فصل: وأقل ما يجزئ فيها قراءة مسموعة، يسمعها نفسه، أو يكون بحيث يسمعها لو كان سميعا، كما قلنا في التكبير، فإن ما دون ذلك ليس بقراءة. والمستحب أن يأتي بها مرتلة معربة، يقف فيها عند كل آية، ويمكن حروف المد واللين، ما لم يخرجه ذلك إلى التمطيط؛ لقول الله تعالى: وروى عن أم سلمة، أنها سئلت عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: كان يقطع قراءته آية آية:. رواه الإمام أحمد، في "مسنده" وعن أنس، قال: كانت قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدا ثم قرأ. يمد، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. أخرجه البخاري فإن انتهى ذلك إلى التمطيط والتلحين كان مكروها؛ لأنه ربما جعل الحركات حروفا. قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة. وقال: قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم قال: يحسنه بصوته من غير تكلف. وقد روى في خبر آخر "أحسن الناس قراءة، من إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله". وروى: "إن هذا القرآن نزل بحزن، فاقرأوه بحزن".
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٤٥٢:٤٥٩)
الفرع السابع في العجز عن قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن:
المسألة الأولى: إذا لم يحسن القراءة من القرآن مطلقا:
المدخل إلى المسألة:
* الأصل في العبادات سقوطها بالعجز إلا ما شرع له بدل، فينتقل إليه.
* الانتقال إلى البدل يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.
* لا يشرع السكوت في الصلاة إلا لاستماع القرآن، قال تعالى: أو للفصل بين القراءة والركوع على الصحيح.
* قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". رواه مسلم، فإذا عجز عن القرآن بقي الذكر.
[م-٥٤٥] إذا لم يكن مع المصلي شيء من القرآن، لا الفاتحة، ولا غيرها، فما الواجب عليه؟
فقيل: إذا عجز عن القرآن انتقل إلى بدله، وكان فرضه الذكر من تسبيح وتحميد، وتهليل وتكبير، وهو مذهب الشافعية والحنابلة
قال الماوردي: «في الحاوي: إذا لم يحسن الفاتحة ولا شيئا من القرآن، فعليه أن يسبح الله سبحانه، ويحمده بدلا من القراءة، وقال أبو حنيفة: قد سقط عنه فرض الذكر».
وقيل: فرضه الذكر إذا لم يجد قارئا يصلي خلفه، اختاره محمد بن الإمام سحنون وأشهب وابن القاسم من المالكية، جاء في التاج والإكليل نقلا عن ابن عرفة: «يلزم جاهلها تعلمها، فإن ضاق الوقت ائتم، فإن لم يجد فلابن سحنون، وابن القاسم وأشهب: فرضه ذكر الله».
وقيل: تلزمه الصلاة خلف قارئ، وهو مذهب المالكية، ووجه عند الحنابلة، قال المالكية: فإن لم يجد سقطت عنه القراءة، وهو المعتمد في المذهب المالكي. قال ابن مفلح: وتلزمه الصلاة خلف قارئ في وجه وفاقا لمالك. وقال الحنفية: تسقط القراءة عن الأمي لعجزه عنها، إلى غير بدل، وهل يلزمه أن يصلي خلف قارئ؟ قولان في مذهب الحنفية. أحدهما: يلزمه إن كان معه في المسجد، وصلاتهما متوافقة، فلو صلى الأمي وحده في هذه الحال لم تصح صلاته، قال القاضي أبو حازم: وهو قياس قول أبي حنيفة. وقيل: تصح صلاته وإن كان معه في المسجد؛ لأنه لم يظهر من القارئ رغبة في أداء الصلاة جماعة، فلا بد من رغبة القارئ بالجماعة لوجوب الاقتداء. قال في بدائع الصنائع: «القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام، ألا ترى أنها سقطت في حق الأمي»؟
* دليل الشافعية والحنابلة:
الدليل الأول:
(ح-١٤١٢) روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله، هذا لله عز وجل، فما لي؟ قال: «قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني»، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير».
[أرجو أن يكون حسنا].الدليل الثاني:
(ح-١٤١٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه:... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره».
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله... إلخ) يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف].
الدليل الثالث:
(ح-١٤١٤) ما رواه مسلم من طريق زهير، حدثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عميلة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت».
ولا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجيحا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون فيقول: لا إنما هن أربع فلا تزيدن علي ورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «...أربع من أطيب الكلام، وهن من القرآن، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
[هلال لم يسمعه من سمرة، وحرف (وهن من القرآن) ليست محفوظة].الدليل الرابع:
ولأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فجاز أن ينتقل فيه عند العجز إلى بدل كالقيام.
دليل من قال: يلزمه الصلاة خلف قارئ فإن لم يجد سقطت القراءة:
أما وجوب الائتمام بمن يحسنها إذا عجز عن القراءة:
فلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها؛ لأن قراءة الإمام له قراءة، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما كون الذكر لا يجب عليه؛ فلأن بدل القرآن يفتقر إلى نص، والذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء صلاته زيادة لم تصح. وقال المازري: «وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة».
وقياسا على سقوط تكبيرة الإحرام إذا عجز عنها، ولا يجب عليه تعويضها.
* ويناقش:
أما الجواب عن قولكم: إن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه أو بالائتمام.
فيقال: الفاتحة واجبة عليه مع القدرة كسائر الواجبات، فإذا عجز سقطت، فهذا الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئا من القرآن، وطلب تعليمه ما يجزئه قد أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الذكر، ولو كان الائتمام واجبا لأمره به.
وأما القول بأن البدل لم يصح ذلك في حديث المسيء، فالجواب أنه قد صح ذلك من حديث ابن أبي أوفى كما تقدم بيان ذلك في أدلة الشافعية والحنابلة.
* دليل من قال: يلزمه الاقتداء بالقارئ بشرط وجوده في المسجد ورغبتهما في الجماعة:
أما إذا كان القارئ خارج المسجد: فلا يلزمه الاقتداء؛ لأن تتبع القراء خارج مسجده يلحقه بذلك مشقة وحرج، وهو مدفوع عن هذه الملة. وأما إذا كان القارئ في المسجد، فيشترط شرطان:
أن تكون صلاتهما متوافقة؛ لأن اختلاف صلاتهما تمنع الاقتداء عند الحنفية.
الثاني: أن تظهر رغبتهما في الجماعة؛ فلو كان بجواره قارئ، ولم يظهر رغبته في الجماعة لم يلزمه الاقتداء به؛ لأنه لا ولاية له عليه ليلزمه، وإنما تثبت القدرة إذا صادفه حاضرا مطاوعا.
* الراجح:
مذهب الشافعية والحنابلة، وأن من لم يكن معه قرآن، ولم يمكنه التعلم أو القراءة من المصحف أن ينتقل إلى الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٧٤:٣٧٨)
قال أصحابنا: إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة وجب عليه تحصيل القدر بتعلم أو تحصيل مصحف يقرؤها فيه بشراء أو إجارة أو إعارة، فإن كان في ليل أو ظلمة لزمه تحصيل السراج عند الإمكان، فلو امتنع من ذلك عند الإمكان أثم ولزمه إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة ودليلنا القاعدة المشهورة في الأصول والفروع أن ما لا يتم الواجب إلا به، وهو مقدور للمكلف فهو واجب، وهذا الذي ذكرناه من أنه تجب إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة هو المذهب، وبه قطع الجمهور وفي الحاوي وجه آخر أنه تجب إعادة ما صلى من حين أمكنه التعليم إلى أن شرع في التعليم فقط، والصحيح الأول فإن تعذرت عليه الفاتحة لتعذر التعليم لضيق الوقت أو بلادته أو عدم المعلم أو المصحف أو غير ذلك لم يجز ترجمة القرآن بغير العربية بل ينظر إن أحسن غيرها من القرآن لزمه قراءة سبع آيات ولا يجزيه دون سبع، وإن كانت طوالا بلا خلاف ونقل الشيخ أبو محمد في التبصرة وآخرون اتفاق الأصحاب على هذا، ولا يضر طول الآيات وزيادة حروفها على حروف الفاتحة، وهل يشترط أن لا ينقص عن حروفها فيه خلاف جعله المصنف قولين وحكاه جمهور الأصحاب في طريقتي العراق وخراسان وجهين، وقال صاحب الشامل والبيان اختلف أصحابنا فيه فبعضهم حكاه قولين وبعضهم حكاه وجهين ونقلهما القاضي أبو الطيب في تعليقه قولين: (أحدهما) تجب أن تكون بعدد حروف الفاتحة وهو الذى نقل المزني. (والثاني) لا تجب نص عله الشافعي في باب استقبال القبلة، قال: تجب سبع آيات طوال لكن أو قصارا. وحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: (أصحها) باتفاقهم بشرط
أن لا ينقص حروف الآيات السبع عن حروف الفاتحة، ولا يشترط أن كل آية بقدر آية بل يجزيه أن يجعل آيتين بدل آية بحيث يكون مجموع الآيات لا ينقص عن حروف الفاتحة، والحرف المشدد بحرفين في الفاتحة، والبدل ذكره الشيخ أبو محمد في التبصرة وهو واضح. (والثاني) يجب أن يعدل حروف كل آية من البدل حروف آية من الفاتحة على الترتيب فيكون مثلها أو أطول حكاه البغوي وآخرون وضعفوه. (والثالث) يكفي سبع آيات ناقصات كما يكفي صوم قصير عن طويل وقول المصنف لا يمكن اعتبار الساعات إلا بمشقة لا يسلم بل يمكنه ذلك بالاستظهار بأطول منه كما قلنا: هنا ثم إن لم يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور كان له العدول إلى مفرقة بلا خلاف عليه، نص في الأم واتفقوا عليه، لكن الجمهور أطلقوا المسألة، وقال إمام الحرمين: لو كانت الآية الفردة لا تغير معنى منظوما إذا قرئت وحدها كقوله: (ثم نظر) فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآية المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن قرآنا أصلا فسيأتي بالذكر، والمختار ما سبق عن إطلاق الأصحاب، وإن كان يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور فوجهان حكاهما السرخسي في الأمالي وغيره.
(أحدهما):
لا تجزيه المتفرقة بل تجب قراءة سبع آيات متوالية، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي. (أصحهما): تجزيه المتفرقة من سورة أو سور، وبه قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي وصاحب البيان وهو المنصوص في الأم، أما إذا كان يحسن دون سبع آيات كآية أو آيتين فوجهان.(أصحهما) يقرأ ما يحسنه ثم يأتي بالذكر عن الباقي لأنه عاجز عن الباقي فانتقل إلى بدله.
(والثاني) يجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة لأنه أقرب إليها من الذكر فلو لم يحسن إلا بعض الفاتحة، ولم يحسن بدلا من الذكر وجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدرها بلا خلاف ولو أحسن آية أو آيات من الفاتحة ولم يحسن جميعها فإن لم يحسن لباقيها بد؟ وجب تكرار ما أحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة بلا خلاف، وإن حسن لباقيها بدلا ففيه خلاف حكاه المصنف هنا وجهين، وكذا حكاهما الجمهور في طريقتي العراقيين وخراسان وجهين وحكاهما المصنف في التنبيه قولين وكذلك حكاهما الشيخ نصر في تهذيبه.(وأصحهما) باتفاقهم أنه يجب قراءة ما يحسنه من الفاتحة ثم يأتي ببدل الباقي؛ لأن الشيء الواحد لا يكون أصلا وبدلا.
(والثاني) يجب تكرار ما يحفظه من الفاتحة حتى يبلغ قدرها، ويجري الخلاف سواء كان البدل الذي يحسنه قرآنا أو ذكرا صرح به الشيخ أبو حامد وغيره، لكن لا يجوز الانتقال إلى الذكر إلا بعد العجز عن القرآن. (فإن قلنا) بالأصح: إنه يقرأ ما يحسنه ويأتي بالبدل؛ وجب الترتيب بينهما، فإن كان يحفظ أول الفاتحة أتى به، ثم يأتي بالبدل ولا يجوز العكس، وإن كان يحفظ آخرها أتى بالبدل، ثم قرأ الذي يحفظه منها فلو عكس لم يجزيه على المذهب، وبه قطع الأكثرون، وحكى البغوي وجها أنه لا يجب هذا الترتيب، بل كيف أتى به أجزأه فهو غريب ضعيف، وقد قال إمام الحرمين: اتفق أئمتنا على أن هذا الترتيب واجب، وعلل بعلتين؛ (إحداهما) أن الترتيب في أركان الصلاة واجب وعليه البدل قبل النصف الثاني من الفاتحة فليقدمه، (والثانية) أن البدل له حكم المبدل والترتيب شرط في نصفي الفاتحة، وكذا في نصفها وما قام مقام النصف الأول، واعلم أن الأحوط والمستحب لمن يحفظ آية من الفاتحة أن يكررها سبع مرات، ويأتي مع ذلك ببدل ما زاد عليها ليخرج من الخلاف وممن نبه على هذا الشيخ أبو محمد في التبصرة هذا حكم من يحسن شيئا من القرآن، ولا خلاف أنه متى أحسن سبع آيات من القرآن لا يجوز له أن يتركها وينتقل إلى الذكر، فإن كان يحسن دون سبع فهل يكرره أم يأتي ببدل الباقي فيه الخلاف السابق، فإن لم يحسن شيئا منه وجب عليه أن يأتي بالذكر بدلها، وهذا لا خلاف فيه عندنا، واستدل أصحابنا فيه بحديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالي عليه وسلم؛ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزيني منه، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: يا رسول الله، هذا لله فما لي؟ قال: "قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني"، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد ملأ يده من الخير" رواه أبو داود والنسائي، ولكنه من رواية إبراهيم السكسكي، وهو ضعيف، ويغني عنه حديث رفاعة بن رافع قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل يصلي في ناحية المسجد فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه، ثم جاء فسلم فرد عليه، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل. ثم جاء فسلم عليه. ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل. قال مرتين أو ثلاثا. فقال له في الثالثة أو الرابعة: والذي بعثك بالحق لقد اجتهدت في نفسي فعلمني وأرني. فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم: إذا أردت أن تصلي فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعا، ثم اعتدل قائما. وذكر تمام الحديث" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. واختلف أصحابنا في الذكر على ثلاثة أوجه: (أحدها) وهو قول أبي علي الطبري أنه يتعين أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتجب هذه الكلمات الخمس وتكفيه. (والثاني): أنها تتعين ويجب معها كلمتان من الذكر ليصير سبعة أنواع مقام سبع آيات، والمراد بالكلمات أنواع الذكر لا الألفاظ المسردة. (والثالث): وهو الصحيح عند المصنف وجمهور الأصحاب وهو الصحيح أيضًا في الدليل أنه لا يتعين شيء من الذكر، بل يجزيه جميع الأذكار من التهليل والتسبيح والتكبير وغيرها، فيجب سبعة أذكار، ولكن هل يشترط أن لا ينقص حروف ما أتى به عن حروف الفاتحة، فيه وجهان: (أصحهما) يشترط، وهما كالوجهين في البدل من القرآن، قال إمام الحرمين: ولا يراعى هنا إلا الحروف بخلاف ما إذا أحسن قرآنا غير الفاتحة، فإنا نراعي الآيات وفي الحروف خلاف، وقال البغوي: يجب سبعة أنوع من الذكر يقام كل نوع مقام آية قال الرافعي هذا أقرب من قول الإمام.
* واحتج لأبي علي الطبري بحديث ابن أبي أوفى، وليس فيه غير الكلمات الخمس، وأجاب القائلون بالصحيح بأن الحديث ضعيف، ولو صح لم يكن فيه نفي وجوب زيادة من الأذكار. (فإن قيل): لو وجب زيادة لذكرت. (قيل): يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله أعلم. (فإن قيل): ما الفرق بين الذكر والقرآن حيث جوزتم على قول أبي علي خمس كلمات ولم تجوزوا من القرآن إلا سبع آيات بالاتفاق. (فالفرق) ما ذكره صاحب التتمة أن القرآن بدل للفاتحة من جنسها فاعتبر فيه قدرها والذكر بخلافها فجاز أن يكون دونه كالتيمم عن الوضوء.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٧٨)
إذا عجز عن القرآن، وانتقل إلى الأذكار، فقد ذكرنا أنه يجزيه التسبيح والتهليل والتبكير والتحميد والحوقلة ونحوها، وأما الدعاء المحض ففيه تردد للشيخ أبي محمد الجويني قال إمام الحرمين: ولعل الأشبه أن الذي يتعلق منه بأمور الآخرة يجزيه دون ما يتعلق بالدنيا، وهو الذي قاله الإمام هو المرجح رجحه الغزالي في البسيط.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٧٨:٣٧٩)
إذا أتى ببدل الفاتحة من قراءة أو ذكر حيث يجوزان بالشرط السابق، واستمر العجز عن الفاتحة أجزأته صلاته، ولا إعادة، فلو تمكن من الفاتحة في الركوع أو ما بعده فقد مضت ركعته على الصحة، ولا يجوز الرجوع إلى الفاتحة، وإن تمكن قبل الشروع في البدل لزمه قراءة الفاتحة، وإن كان في أثناء البدل فوجهان حكاهما السرخسي في الأمالي قولين: (الصحيح) أنه يلزمه الفاتحة بكمالها. (والثاني): يكفيه أن يأتي من الفاتحة قدر ما بقي، وإن تمكن بعد فراغ البدل، وقبل الركوع فطريقان حكاهما السرخسي وصاحب البيان وآخرون. (أصحهما): لا يلزمه كما لو قدر المكفر بلا صوم على الرقبة بعد الصوم. (والثاني): فيه وجهان كما لو تمكن في أثناء البدل، وممن حكى الوجهين في هذه الصورة الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة، وإمام الحرمين والغزالي قال أصحابنا: والتمكن قد يكون بتلقين، وقد يكون بمصحف وغيرهما.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٧٩)
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٤٧٨:٤٨١)
المسألة الرابعة: في المصلي يعجز عن الفاتحة ويعرف غيرها من القرآن:
المدخل إلى المسألة:
* الانتقال إلى بدل الواجب يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.
* تعويض الفاتحة من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر.
* القرآن أشبه بالفاتحة من الأذكار، من حيث نظمه، وإعجازه.
* لا يشرع في الصلاة سكوت، قال تعالى: إلا ما كان بعد القراءة وقبل الركوع؛ لأخذ النفس.
[م-٥٥٠] اختلف العلماء في الرجل يعجز عن تعلم الفاتحة، ويكون معه غيرها من القرآن:
فقيل: يقرأ ما معه من القرآن بدلا عن الفاتحة على اختلاف بينهم في مقدار البدل، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال بعض المالكية القائلين بوجوب الذكر بدلا عن الفاتحة؛ فإن القرآن أعظم الذكر، واختاره ابن حزم. قال ابن حزم: «من عجز عن أم القرآن وقدر على غيرها من القرآن سقطت عنه، ولزمه ما تيسر له من القرآن». وقال المالكية في المختار: إن لم يمكنه الائتمام بأن لم يجد من يأتم به سقطت عنه الفاتحة والقيام لها، وصلى فذا وقام للركوع كالإحرام، وندب له الفصل بين الإحرام والركوع بسكوت أو ذكر، أو قرآن، والفصل به أولى من غيره من الأذكار. فالتعبير بالأولى يدل على عدم الوجوب، وسبب الفصل بالقرآن ليس بدلا عن الفاتحة، لأن أم القرآن لا بدل لها في الصلاة عندهم، ولكن من أجل الفصل بين تكبيره للإحرام وتكبيره للركوع، جاء في مناهج التحصيل: «قراءة أم القرآن في الصلاة لا بدل لها، والقرآن لو قرأه كله في الصلاة ما وقع موقع الإجزاء». وقال في منح الجليل: «(وندب) بضم فكسر على المختار (فصل) بسكوت أو ذكر أو سورة أخرى وهما أولى من السكوت والثالث أولى من الثاني (بين تكبيره) للإحرام أو القيام (و) تكبير (ركوعه) لئلا يشتبه أحدهما بالآخر».
* دليل الجمهور على وجوب قدرها من القرآن:
الدليل الأول:
قال تعالى: [المزمل: ٢٠]. فإذا عجز عن الفاتحة كان مأمورا بقراءة ما تيسر.
الدليل الثاني:
(ح-١٤١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: ...فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره».
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله... إلخ) يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف].
وجه الاستدلال:
قوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأه...) إلخ. فأطلق القرآن، فدخل فيه الفاتحة وغيرها، فلا ينتقل إلى الذكر إلا إذا كان عاجزا عن القرآن.
الدليل الثالث:
ولأن المصلي إذا كان يشرع له قراءة ما تيسر من القرآن مع قدرته على الفاتحة؛ فلأن يشرع له قراءة ما تيسر مع عجزه عنها من باب أولى.
الدليل الرابع:
ولأن المقصود من إقامة الصلاة ذكر الله، قال تعالى: [طه: ١٤]، فلا يشرع في الصلاة سكوت، هذا من حيث وجوب البدل.
الدليل الخامس:
أن المصلي إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية انتقل إلى الذكر بموجب حديث ابن أبي أوفى -وقد سبق تخريجه- فإذا عجز عن الفاتحة وقدر على غيرها من القرآن انتقل إليه؛ لأن التعويض من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر، قال تعالى: [سورة ص: ١].
ولأن الفرق بين كلام الناس وكلام الله كالفرق بين الخالق والمخلوق، ولأن القرآن أشبه بالفاتحة من غيره، من حيث نظمه، وإعجازه.
* دليل المالكية على سقوط القراءة بال عجز عن الفاتحة:
الواجبات تسقط بالعجز، قال تعالى: [البقرة: ٢٨٦].
وقال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: «...إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم»، رواه البخاري ومسلم. ولأن الشارع لم يوجب على المصلي قراءة ما عدا الفاتحة على الصحيح، فإذا عجز عنها سقطت كسائر الواجبات، وإيجاب البدل يفتقر إلى نص صحيح، ولا يوجد نص صحيح يوجب قراءة غير الفاتحة، لا أصلا ولا بدلا، وما ورد من أحاديث في السنة في إيجاب الذكر بدلا عن القرآن لا يصح منها شيء عند المالكية.
* الراجح:
أن المصلي إذا عجز عن الفاتحة كان فرضه الذكر لحديث ابن أبي أوفى، وهو حديث حسن إن شاء الله، وأعظم الذكر كتاب الله سبحانه وتعالى.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٤٨٢:٤٨٥)
المسألة الخامسة: في مقدار ما يجزئ عن الفاتحة من القرآن:
المدخل إلى المسألة:
* لا يشترط في البدل أن يكون مساويا للمبدل منه.
* قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، متفق عليه، والمطلق جار على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله.
* شروط العبادة صفة فيها، والقول في صفة العبادة كالقول في العبادة يحتاج إلى التوقيف، وإيجاب عدد أو مقدار في البدل لا دليل عليه.
[م-٥٥١] اختلف العلماء في المقدار المجزئ من القرآن عن الفاتحة.
فقيل: المعتبر قدرها في الآيات والحروف، فلو قرأ آية طويلة بلغ عدد حروفها عدد حروف الفاتحة لم يجزئ، وهو الأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة.
وقيل: المعتبر عدد الآيات دون الحروف، فإذا قرأ سبع آيات من غيرها أجزأته، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة. وقيل: يقرأ بقدرها في عدد الحروف فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: «وأنكر بعضهم هذا الوجه، وعلى تقدير صحته ضعفه». وقيل: يشترط كون البدل مشتملا على ثناء ودعائك الفاتحة، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية
وقيل: يجزئ من القرآن ما تيسير، دون تحديد، وبه قال ابن حزم.
* دليل من قال: يشترط عدد الآيات والحروف:
أما اشتراط العدد: فلقوله تعالى: [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني: هي الفاتحة.
(ح-١٤٢٠) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم». فحين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفاتحة أخبر عنها بأنها هي السبع، فتبين أن ما كان دون السبع لا يجزئه، وإن طال لرعاية العدد فيها. وقد يقال: إن للعدد سبعة اعتبارا في أقدار الله، فالسموات سبع، والطواف والسعي والرمي سبع، والسجود على الأعضاء السبعة، وأيام الأسبوع سبعة، والفاتحة آياتها سبع، فالبدل عن الفاتحة يجب أن يراعى فيه العدد سبعة، والله أعلم.وأما اشتراط الحروف: فلأن تقدير الحسنات بعدد الحروف، فإن له بكل حرف عشر حسنات، فكان عدد الحروف مقصودا للثواب.
* وجه من قال: المعتبر عدد الآيات دون مقدار الحروف:
القياس على قضاء الصيام، فلو صام يوما قصيرا عن يوم طويل صح الصوم، ولا يشترط المساواة في الساعات.
ولأن اعتبار المساواة في الحروف فيه مشقة على المصلي، والحرج مدفوع.
* وجه من قال: يشترط الحروف فقط:
أن المعتبر في البدل هو الثواب، وهو مقدر بعدد الحروف دون عدد الآيات.
* وجه من قال: يشترط اشتماله على ثناء ودعاء:
هذا القول بناه بالنظر إلى موضوع آيات الفاتحة، فالفاتحة فرضت في الصلاة دون غيرها لما اشتملت عليه من ثناء ودعاء، فكان أولها متضمنا لتعظيم الله بحمده وكمال رحمته وكمال تصرفه في ملكه، والثاني متضمنا افتقار العبد إلى هداية الله له إلى صراط الله المستقيم ومخالفة طريق المغضوب عليهم وهم اليهود ومن شابههم، وطريق الضالين وهم النصارى ومن شابههم.
* ويناقش:
بأن الله سبحانه وتعالى قال: [المزمل: ٢٠].
وإذا كان هذا العبد عاجزا عن تحصيل الفاتحة فكيف يكلف أن يكون البدل عنها مشتملا على موضوعها من ثناء ودعاء.
* دليل من قال: يجزئ ما تيسر من القرآن:
من القرآن قوله تعالى: [المزمل: ٢٠].
(ح-١٤٢١) ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه... إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن... الحديث.
* الراجح:
القول بعدم التحديد، لا في عدد الآي، ولا في قدر الحروف.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/٤٩١:٤٩٧)
المسألة السابعة: إذا عجز عن القرآن والذكر:
المدخل إلى المسألة:
* من أمر بأمرين فقدر على أحدهما وعجز عن الآخر وجب عليه ما قدر عليه؛ لأن القدرة على أحدهما لا تسقط بالعجز عن الآخر، والمقدر لا يسقط بالمعسور.
* القيام في الصلاة ركن مقصود بنفسه، لا يسقط بال عجز عن القراءة.
* الوسائل نوعان: وسائل لا تقصد بنفسها، وإنما شرعت لتحصيل غيرها، فإذا سقط المقصد سقطت وسيلته، كإمرار الموسى على رأس الأقرع في النسك.
ومن الوسائل: ما هو وسيلة لغيره ومقصود بنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه، والقيام في الصلاة من النوع الثاني.
[م-٥٥٤] إذا عجز عن القرآن والذكر سقطت عنه القراءة، وهل يسقط عنه القيام؟
في ذلك خلاف راجع إلى مسألة الاختلاف في منزلة القيام بالصلاة:
أهو ركن مقصود بنفسه وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية، فلا يسقط بال عجز عن القراءة أو بدلها.
أم هو ركن مقصود للقراءة، كما هو مذهب المالكية، فإذا عجز عن القراءة سقط القيام لها؛ فيقف للإحرام وللهوي للركوع، ويستحب الفصل بين التكبيرتين بوقوف ما أم هو ركن مقصود للسجود، كما هو مذهب الحنفية، فلا يسقط إلا بالعجز عن السجود، وقد سبق بحث منزلة القيام في الصلاة في مبحث سابق، فارجع إليه.
وعلى هذا إذا عجز عن القراءة عند الحنفية والمالكية، أو عجز عن بدلها عند الشافعية والحنابلة، فما هو الواجب على المصلي؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن المصلي إذا عجز عن القراءة فإنه يقف فرضا في الركعات التي تكون القراءة فيها فرضا، والقراءة عندهم فرض في جميع ركعات النفل والوتر، وفي الفرض ذوات الركعتين، وأما ذوات الأربع: ففرض القراءة في ركعتين منهما، وفي الأخريين إن شاء سكت، وإن شاء قرأ، وإن شاء سبح.
وأما مقدار الوقوف: فحيث تجب القراءة إذا عجز عن ها المصلي وقف مقدار القراءة المفروضة، وهي آية مطلقا عند الإمام أبي حنيفة، ومقدار آية طويلة أو ثلاث آيات قصار عند أبي يوسف ومحمد. وحيث لا تجب القراءة في الأخريين فالركن فيه أصل القيام، لا امتداده، هذا ملخص مذهب الحنفية.
القول الثاني: مذهب المالكية.
ذهب المالكية إلى أن القيام يجب في الفرض للإحرام استقلالا إلا لمسبوق، وحال قراءة الفاتحة للإمام والفذ، ومن أجل الهوي للركوع ولو للمأموم.
فإذا عجز عن تعلم الفاتحة ولم يمكنه الائتمام بمن يحسنها سقطت الفاتحة، وسقط القيام لها، ولا يجب عليه إبدالها بذكر أو سورة أخرى على المعتمد، ولا الوقوف بقدرها، وبه قال جمهورهم.
لأن القيام شرع من أجل القراءة، فيقف فقط للإحرام وللهوي للركوع، ويندب له الوقوف يسيرا ولو قل بسكوت، أو ذكر، أو قرآن؛ للفصل بين تكبيره وركوعه، لئلا تلتبس تكبيرة القيام بتكبيرة الركوع فإن لم يفصل وركع أجزأه.
قال الخرشي: «يجب القيام للفرض ك الفاتحة، وقيام الهوي للركوع، ولو للمأموم، وتكبيرة الإحرام لغير المسبوق في صلاة الفرض».
وقال الدردير في الشرح الكبير: «(يجب بفرض) أي في صلاة فرض (قيام) استقلالا للإحرام، والقراءة، وهوي الركوع، إلا حال السورة فيجوز الاستناد، لا الجلوس؛ لأنه يخل بهيئتها». وقال خليل في مختصره: «وإن عجز عن فاتحة قائما جلس». وقال الدسوقي: «سواء كان يقدر على القيام من غير قراءة، أم لا؛ لأن القيام كان لها». وقال القرافي في الذخيرة: «وإذا لم يجب البدل -يعني عن الفاتحة بسبب عجزه- فعند القاضي عبد الوهاب يقف وقوفا، فإن لم يفعل أجزأه؛ لأن القيام وسيلة القراءة، وإذا بطل المقصد بطلت الوسيلة».
* دليل المالكية على سقوط القيام بعجزه عن القراءة:
أما كون الفاتحة تسقط بلا بدل:
فقد تقدم الاستدلال عليه في أكثر من مسألة من المسائل السابقة، راجع إذا صلى ولم يكن معه شيء من القرآن. وأما الدليل على أنه لا يجب عليه القيام بقدر القراءة إذا سقطت: فيرى المالكية أن المقصود من القيام هو القراءة؛ لأن القيام في حقه مقدر بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود من القيام.
جاء في التاج والإكليل عن ابن يونس: «القيام للإمام والفذ قدر قراءة أم القرآن من الفروض المتفق عليها».
فإذا عجز عن القراءة سقط عنه القيام لها، ولذلك المسبوق يسقط عنه القيام؛ لسقوط القراءة عنه، ووجب عليه القيام فقط حال الإحرام وهذا واجب بالإجماع، وكذا للهوي من الركوع. قال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسا أو منحنيا، أو مستندا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته».
* وجه القول بالبطلان:
أن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
* ويناقش:
بأن القول: إن القيام وجوبه وجوب وسائل، وليس مقصودا بنفسه غير صحيح، فلا يمتنع أن يكون القيام مقصودا للقراءة، ومقصودا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه. يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة». بل إن القيام لله من أعظم العبادات كما سيأتي التدليل عليه في أدلة القول التالي.
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول في مذهب المالكية أن المصلي إذا عجز عن القراءة والذكر وجب عليه القيام بقدر قراءة الفاتحة. قال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام... وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها». قال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا». وقال البهوتي في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم».
* واستدلوا لذلك بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: [البقرة: ٢٨٦].
(ح-١٤٢٢) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم». ورواه مسلم.
فإذا عجز عن القراءة لم يسقط عنه القيام؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
الدليل الثاني:
أن القيام ركن، والقراءة ركن، وإذا كان القيام ركنا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه.الدليل الثالث:
(ح-٣٢٤١) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، فعلق الجواز قاعدا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.
الدليل الرابع:
القيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى:
فأمر بالقيام في الصلاة، وأثنى الله على المؤمنين بقوله سبحانه.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما حين صلى قاعدا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار؛ لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله، فدل على أنه من أعظم العبادات، فلا يسقط مع القدرة عليه.الراجح:
ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأن القيام لله عبادة مستقلة بنفسها، لا يسقط بسقوط القراءة، وأنه مقدر بقدر قراءة الفاتحة، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٦/٢٠٤)
الجهل بالفاتحة:
١٦- من جهل الفاتحة بأن لم يمكنه معرفتها لعدم معلم أو مصحف أو نحو ذلك، أتى في الصلاة ببدلها من القرآن الكريم، فإن لم يعلم شيئا من القرآن، أتى بالذكر بلسان عربي؛ لما روى أبو داود وغيره أن رجلا قال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني عنه. فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». ولا يجزئ بالأعجمية عند الجمهور، ويجزئ عند أبي حنيفة.