الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/١٥٩:١٧٥)
الفرع الأول في قرآنية البسملة:
المدخل إلى المسألة:
* كتابة البسملة في المصحف من لدن الصحابة متواتر وهذا كاف في إثبات قرآنيتها.
* إجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه دليل على قرآنية البسملة.
* كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها، فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها.
* اشتراط التواتر في كل حرف من حروف الخلاف في القرآن يؤدي إلى انتفاء كثير من أحرف الخلاف الثابتة عن الأئمة السبعة وغيرهم.
* لم يجهر النبي صلى الله عليه وسلم ب البسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور.
* لا يصح بالجهر بالبسملة حديث مرفوع.
[م-٥٣١] البحث في حكم البسملة والجهر بها في الصلاة مبني على الخلاف في قرآنيتها، لهذا يحتاج قبل البحث عن حكم البسملة في الصلاة وعن حكم الجهر بها إلى تحرير الخلاف في قرآنية البسملة.
وقبل الكلام في ذلك نحرر مناط الاتفاق قبل أن نذكر مواضع الخلاف:
فالعلماء متفقون على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ومتفقون على أن البسملة ليست جزءا من سورة براءة.
واختلفوا فيما عدا ذلك:
فقيل: ليست قرآنا مطلقا، بل هي ذكر كتبت للتبرك بها، وهذا مذهب المالكية، وطائفة من الحنفية، وحكي رواية عن أحمد قال ابن تيمية: ولا يصح عنه، وإن كان قولا في مذهبه.
قال الحطاب: «البسملة ليست عندنا من الحمد، ولا من سائر القرآن، إلا من سورة النمل». وقيل: البسملة آية من القرآن على خلاف بينهم، أتكون آية مستقلة، أم آية من الفاتحة ومن كل سورة، أم آية من الفاتحة فقط على النحو التالي:
فقيل: آية مستقلة من القرآن نزلت للفصل بين السور، لا هي من الفاتحة، ولا هي آية من أول كل سورة، وهذا هو المشهور عند الحنفية، ورواية عن أحمد، قال ابن تيمية: وهذا أعدل الأقوال. قال المرداوي في الإنصاف: «وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه». وقال الشافعية: البسملة آية تامة من الفاتحة، وهل هي آية تامة في أوائل السور؟ على ثلاثة أقوال:أصحها أنها آية كاملة من أول كل سورة.
وقيل: بعض آية، وتكون مع صدر السورة آية كاملة، كالحمد لله رب العالمين آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في قوله تعالى: [يونس: ١٠]. وقيل: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور، وهذا القول الأخير رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه. وقيل: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة، وهذا ما ذهب إليه ابن الجزري، وابن حزم، وقول لابن تيمية. هذا مجمل الأقوال في المسألة، وقد أفضى الخلاف إلى ستة أقوال، كالتالي:
الأول: أنها ليست آية من القرآن، وهذا أضعف الأقوال.
الثاني: أنها آية مستقلة بنفسها، ليست جزءا من أي سورة.
الثالث: أنها آية تامة من الفاتحة، ومن أول كل سورة.
الرابع: أنها آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في أوائل السور.
الخامس: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور.
السادس: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة.
قال ابن حزم: «ومن كان يقرأ برواية من عد من القراء آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله بن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن: فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل، وهم: ابن عامر، وأبو عمرو ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع». وقال في بدائع الصنائع: «عدها قراء أهل الكوفة من الفاتحة، ولم يعدها قراء أهل البصرة منها».
* ثمرة الخلاف:
من قال: إنها آية من الفاتحة أوجب قراءتها مع الجهر بها في الصلاة بخلاف من قال: إنها ليست آية من الفاتحة.
فإذا خلصنا من تصور الأقوال، وثمرة الخلاف أنتقل إلى معرض الاستدلال:
* دليل من قال: البسملة ليست قرآنا مطلقا:
الدليل الأول:
أن القرآن لا يثبت إلا بالقطع والنقل المتواتر، و البسملة قد استدل على قرآنيتها بنقل الآحاد، وهو لا يفيد إلا الظن.
* ونوقش هذا:
أما كتابتها في المصحف من لدن الصحابة فهو متواتر، وهذا كاف في إثبات قرآنيتها، ولا يلزم لإثبات قرآنيتها أن تتواتر الأخبار بكونها قرآنا، والقول بأن القرآن لا يثبت إلا بالقطع مسألة خلافية، فهناك من القراء من لا يشترط القطع لصحة القراءة، والله أعلم.
قال ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين».
فذكر ثلاثة شروط لصحة القراءة، أن توافق العربية، وأن توافق الرسم العثماني، وأن يصح سندها، ولم يذكر التواتر، والله أعلم. ثم قال: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. وقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف».
الدليل الثاني:
أن البسملة لو كانت قرآنا لكفر النافي لها، فلما لم يكفر من أنكر قرآنيتها دل على أنها ليست من القرآن.
* ويناقش:
بأن المانع من الكفر ليس لكونها ليست قرآنا وإنما المانع قيام الاختلاف على قرآنيتها، ولا يصح اعتبار الاختلاف بذاته دليلا على أنها ليست قرآنا؛ لأن الاختلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، فيبقى النظر فيما تقتضيه الأدلة، فلا يكون عدم الحكم بكفر المنكر لقرآنيتها دليلا على أنها ليست قرآنا، ولأن هذا الدليل يمكن أن يقلب عليكم، فيقال: لو لم تكن قرآنا لما أجمع الصحابة على كتابتها بين دفتي المصحف مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه، كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
* دليل من قال: البسملة آية مستقلة بنفسها للفصل بين السور: أما الدليل على أنها من القرآن:
الدليل الأول:
إجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن حتى كرهوا التشكيل والنقط كي لا يختلط بالقرآن غيره، فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله عز وجل، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملا، ومنه البسملة.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٣٧) ما رواه أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة فيه: عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه: . وهذا لفظ ابن السرح.
[الراجح أنه مرسل].وجه الاستدلال:
قوله: (حتى تنزل عليه)، والتنزيل خاص بالقرآن.
* وأما الدليل على أنها ليست آية من الفاتحة:
الدليل الأول:
(ح-١٣٣٨) لما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ، قال: مجدني عبدي -وقال مرة فوض إلي عبدي- فإذا قال: [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: [الفاتحة: ٦،٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.
ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم.
وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الحمد، ولم يذكر البسملة، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٣٩) ما رواه البخاري من طريق شعبة، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ؟ [الأنفال: ٢٤] ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح الفاتحة بقوله: ولو كانت البسملة منها لذكرها.
الدليل الثالث:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالبسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور.
* وأما الدليل على أنها ليست آية من أول كل سورة:
الدليل الأول:
(ح-١٣٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد يعني ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن سورة من القرآن، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: [الملك:١].
[حسن لغيره].ولا يختلف القراء أن سورة الملك ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين في قصة بدء الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ...جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فعل ذلك ثلاثا ثم أرسلني، فقال: [العلق: ٣]، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده... الحديث.
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر البسملة، ولو كانت آية منها لبدأ بها.
* ونوقش:
بأنه يحتمل أن تكون البسملة نزلت بعد ذلك كالشأن في الآيات التي تأخرت في النزول عن السور التي أثبتت فيها.
* دليل من قال: البسملة آية من الفاتحة وآية من كل سورة:
الدليل على أن البسملة آية من الفاتحة:
الدليل الأول:
(ح-١٣٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و [الفاتحة: ١] إحداها.
قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه. ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب.[روي مرفوعا وموقوفا، والموقوف أصح].
الدليل الثاني:
(ح-١٣٤٣) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة [الفاتحة: ١] فعدها آية، و [الفاتحة: ٢] آيتين، [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه.
[ضعيف].* وأما الدليل على كونها آية من كل سورة:
(ح-١٣٤٤) فلما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار،
عن أنس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم [الكوثر: ٣] ... الحديث.
* ونوقش هذا:
بأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في التلاوة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات.
* دليل من قال: آية من الفاتحة فقط:
أدلة هذا القول ملفقة من أدلة قولين سابقين:
فاستدلوا بكونها آية من الفاتحة بأدلة الشافعية القائلين بأنها آية من الفاتحة ومن غيرها.
واستدلوا على كونها ليست آية في غير الفاتحة بأدلة الحنفية بأنها ليست آية من كل سورة كحديث أبي هريرة: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وإجماع الفقهاء والقراء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، والإخلاص أربع آيات ونحوها من الأدلة السابق ذكرها.
* دليل من قال: البسملة آية كاملة من الفاتحة وبعض آية من غيرها:
الجمع بين حديث أبي هريرة في فضل سورة تبارك حيث لم تعتبر البسملة آية منها، وحديث أنس في نزول سورة الكوثر الدال على أن البسملة آية منها، فكان الجمع بين الحديثين أن تكون البسملة من السورة، ولكنها ليست آية كاملة، وإنما بعض آية. ولقد علمت أن حديث أنس ليس فيه إلا مجرد قراءة البسملة مع سورة الكوثر، فلا دلالة فيه على أن البسملة آية منها.* دليل من قال: البسملة آية في قراءة دون قراءة:
أن القرآن نزل على سبعة أحرف، ومن هذه الأحرف اختلاف القراء في عدها آية من الفاتحة كما في قراءة ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وبعضهم لا يعدها آية من الفاتحة، وكل ذلك متواتر، ومقطوع به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مثل ثبوت لفظ (من) في سورة التوبة [التوبة: ١٠٠] في قراءة دون قراءة.
وكذلك لفظ: (هو) في سورة الحديد، كقوله تعالى: فقد جاءت (هو) في قراءة دون قراءة.
وقوله تعالى: فالهاء جاءت في قراءة دون قراءة.
فكذلك الشأن في البسملة في أول الفاتحة، فمن أثبتها في قراءة كانت منها، ومن لم يثبتها لم تكن منها، والله أعلم.
* ونوقش:
بأن كتابة البسملة في أوائل كل سورة ينفي أن يكون اختلافهم بناء على اختلاف القراء، فهم مجمعون على قراءة البسملة في ابتداء السور، وإنما اختلفوا فيما بينهم في حال الوصل فقط.
قال الشاطبي في منظومته:
ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسيف لست مبسملا
ولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خير من تلا
ومعنى الكلام أنه يقول: ولا بد من البسملة في ابتداء كل سورة سوى موضعين: في وصل السورة بالسورة الأخرى فإنها تسقط بالدرج كما تسقط همزة الوصل، وفي ابتداء سورة براءة، وعليه فالقراء متفقون في ابتداء السور على البسملة، فحملوا كتابة ما في المصحف على ذلك، وأما في غير أوائل السور كابتداء الأجزاء والأحزاب والأعشار فقد خير المشايخ بين ذكرها أو إسقاطها.
* الراجح:
القول بأن البسملة آية من القرآن نزلت للفصل بين السور، ليست آية من الفاتحة، ولا من أول كل سورة، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٨/٨٣:٨٥)
البسملة جزء من القرآن الكريم:
٢- اتفق الفقهاء على أن البسملة جزء من آية في قوله تعالى: واختلفوا في أنها أية من الفاتحة، ومن كل سورة. والمشهور عند الحنفية، والأصح عند الحنابلة، وما قال به أكثر الفقهاء هو: إن البسملة ليست آية من الفاتحة ومن كل سورة، وإنها آية واحدة من القرآن كله، أنزلت للفصل بين السور، وذكرت في أول الفاتحة. ومن أدلتهم ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: قال الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: ، قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فالبداءة بقوله: دليل على أن التسمية ليست آية من أول الفاتحة. إذ لو كانت آية من الفاتحة لبدأ بها، وأيضا: لو كانت البسملة آية منها لم تتحقق المناصفة، فإنه يكون في النصف الأول أربع آيات إلا نصفا، وقد نص على المناصفة؛ ولأن السلف اتفقوا على أن سورة الكوثر ثلاث آيات. وهي ثلاث آيات بدون البسملة. وورد في كل مذهب من المذاهب الثلاثة غير ما سبق. ففي المذهب الحنفي أن المعلى قال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن، فهذا عن محمد بيان أنها آية للفصل بين السور، ولهذا كتبت بخط على حدة. وقال محمد: يكره للحائض والجنب قراءة التسمية على وجه قراءة القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآنا حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة كونها قرآنا الجهر بها كالفاتحة... وروى ابن عباس أنه قال لعثمان: لم لم تكتب التسمية بين التوبة والأنفال، قال: لأن التوبة من آخر ما نزل، فرسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، ولم يبين لنا شأنها، فرأيت أولها يشبه أواخر الأنفال، فألحقتها بها، فهذا بيان منهما على أنها كتبت للفصل بين السور. والمشهور عند المالكية: أن البسملة ليست آية من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها جزء من آية، ويكره قراءتها بصلاة فرض -للإمام وغيره- قبل فاتحة أو سورة بعدها، وقيل عند المالكية بإباحتها، وندبها، ووجوبها في الفاتحة.وروي عن الإمام أحمد أن البسملة من الفاتحة؛ لما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قرأتم: فاقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها؛ ولأن الصحابة أثبتوها في المصاحف بخطهم، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن، وما روي عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن. وما رواه ابن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، وعدها آية، آيتين. وقال ابن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية وروي عن الإمام أحمد: أن البسملة آية مفردة، كانت تنزل بين كل سورتين فصلا بين السور. وعنه أيضا: أنها بعض آية من سورة النمل، وما أنزلت إلا فيها. وعنه أيضا: البسملة ليست بآية إلا من الفاتحة وحدها.
٣- ومذهب الشافعية: أن البسملة آية كاملة من الفاتحة ومن كل سورة؛ لما روت أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فعدها آية منها، ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله سبع آيات، إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم وعن علي رضي الله عنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قرأتم: فاقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن والسبع المثاني، بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، ولأن الصحابة أثبتوها فيما جمعوا من القرآن في أوائل السور، وأنها مكتوبة بخط القرآن، وكل ما ليس من القرآن فإنه غير مكتوب بخط القرآن، وأجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والبسملة موجودة بينهما، فوجب جعلها منه. واتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن من أنكر أنها آية في أوائل السور لا يعد كافرا للخلاف السابق في المذاهب.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٢/٣٣٣:٣٣٤)
حكم المسألة:
فمذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية كاملة من أول الفاتحة بلا خلاف وليست في أول براءة بإجماع المسلمين، وأما باقي السور غير الفاتحة وبراءة ففي البسملة في أول كل سورة منها ثلاثة أقوال حكاها الخراسانيون اصحهما وأشهرها وهو الصواب أو الأصوب أنها آية كاملة. (والثاني) أنها بعض آية. (والثالث) أنها ليست بقرآن في أوائل السور غير الفاتحة. والمذهب أنها قرآن في أوائل السور غير براءة، ثم هل هي في الفاتحة وغيرها قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن أم على سبيل الحكم لاختلاف العلماء فيها؟ فيه وجهان مشهوران لأصحابنا حكاهما المحاملي وأصحاب الحاوي والبندنيجي:
(أحدهما) على سبيل الحكم، بمعنى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها في أول الفاتحة، ولا يكون قارئا لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأها بالبسملة. (والصحيح) أنها ليست على سبيل القطع؛ إذ لا خلاف بين المسلمين أن نافيها لا يكفر، ولو كانت قرآنا قطعا لكفر، كمن نفى غيرها، فعلى هذا يقبل في إثباتها خبر الواحد كسائر الأحكام، وإذا قال هي قرآن على سبيل القطع لم يقبل في إثباتها خبر الواحد كسائر القرآن، وإنما ثبت بالنقل المتواتر عن الصحابة في إثباتها في المصحف كما سيأتي تحريره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى، وضعف إمام الحرمين وغيره قول من قال: إنها قرآن على سبيل القطع قال إمام: هذه غباوة عظيمة من قائل هذا؛ لأن ادعاء العلم حيث لا قاطع محال. وقال صاحب الحاوي: قال جمهور أصحابنا: هي آية حكما لا قطعا. وقال أبو علي بن أبي هريرة: هي آية من أول كل سورة غير براءة قطعا ولا خلاف عندنا أنها تجب قراءتها في أول الفاتحة، ولا تصح الصلاة إلا بها لأنها كباقي الفاتحة قال الشافعي والأصحاب: ويسن الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة وهذا لا خلاف فيه عندنا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٣٤:٣٤٠)
في مذاهب العلماء في إثبات البسملة وعدمها:
(اعلم) أن مسألة البسملة عظيمة مهمة ينبني عليها صحة الصلاة التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد، ولهذا المحل الأعلى الذي ذكرته من وصفها اعتنى العلماء من المتقدمين والمتأخرين بشأنها، وأكثروا التصانيف فيها مفردة، وقد جمع الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي ذلك في كتابه المشهور وحوى فيه معظم المصنفات في ذلك مجلدا كبيرا، وأنا إن شاء الله تعالى أذكر هنا جميع مقاصده مختصرة، وأضم إليها تتمات لا بد منها، فأقول: قد ذكرنا أن مذهبنا أن البسملة آية من أول الفاتحة بلا خلاف، فكذلك هي آية كاملة من أول كل سورة غير براءة على الصحيح من مذهبنا كما سبق، وبهذا قال خلائق لا يحصون من السلف، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هذا قول ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وطاوس وعطاء ومكحول وابن المنذر وطائفة وقال: ووافق الشافعي في كونها من الفاتحة أحمد وإسحق وأبو عبيد وجماعة من أهل الكوفة ومكة وأكثر أهل العراق وحكاه الخطابي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير ورواه البيهقي في كتابه الخلافيات بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والزهري وسفيان الثوري، وفي السنن الكبير له عن علي وابن عباس وأبي هريرة ومحمد بن كعب رضي الله عنهم .
* وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وداود: ليست البسملة في أوائل السور كلها قرآنا لا في الفاتحة ولا في غيرها، وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست بقرآن في أوائل السور، وعنه رواية أنها ليست من الفاتحة أيضا. وقال أبو بكر الرازي من الحنفية وغيره منهم: هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة، وليست من السور بل هي قرآن كسورة قصيرة، وحكي هذا عن داود وأصحابه أيضا، ورواية عن أحمد وقال محمد بن الحسن ما بين دفتي المصحف قرآن، وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد؛ فإنه يكفر بالإجماع، وهذا في البسملة التي في أوائل السور غير براءة، وأما البسملة في أثناء سورة النمل: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } فقرآن بالإجماع، فمن جحد منها حرفا كفر بالإجماع، (واحتج) من نفاها في أول الفاتحة وغيرها من السور بأن القرآن لا يثبت بالظن ولا يثبت إلا بالتواتر، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين". إلى آخر الحديث ولم يذكر البسملة رواه مسلم، وقد سبق قريبا بطوله، وبحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له"، وهي { تبارك الذي بيده الملك } رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية أبي داود: "تشفع" قالوا: وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية سوى البسملة، وبحديث عائشة في مبدأ الوحي "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. ولم يذكر البسملة في أولها"، رواه البخاري ومسلم، وبحديث أنس رضي الله عنه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم"، رواه مسلم، وفي رواية له: "فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها"، قالوا: ولأنها لو كانت من القرآن لكفر جاحدها، وأجمعنا أنه لا يكفر. (قالوا): ولأن أهل العدد مجمعون على ترك عدها آية من غير الفاتحة، واختلفوا في عدها في الفاتحة قالوا: ونقل أهل المدينة بأسرهم عن آبائهم التابعين عن الصحابة رضي الله عنهم افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين. قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "تقرأ أم القرآن فقال: الحمد لله رب العالمين".
* واحتج أصحابنا بأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على إثباتها في المصحف جميعا في أوائل السور، سوى براءة بخط المصحف بخلاف الأعشار وتراجم السور، فإن العادة كتابتها بحمرة ونحوها، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز؛ لأن ذلك يحمل على اعتقاد أنها قرآن فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا فهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة رضي الله عنهم، قال أصحابنا: هذا أقوى أدلتنا في إثباتها. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أحسن ما يحتج به أصحابنا كتابتها في المصاحف التي قصدوا بكتابتها في الخلاف عن القرآن، فكيف يتوهم عليهم أنهم أثبتوا مئة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، قال الغزالي في المستصفى: أظهر الأدلة كتابتها بخط القرآن. قال: ونحن نقنع في هذه المسألة بالظن ولا شك في حصوله. (فإن قيل): لعلها أثبتت للفصل بين السور. (فجوابه) من أوجه (أحدها) أن هذا فيه تغرير لا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل . و(الثاني) أنه لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال، ولما حسن كتابتها في أول الفاتحة. (الثالث) أن الفصل كان ممكنا بتراجم السور كما حصل بين براءة والأنفال. (فإن قيل): لعلها كتبت للتبرك بذكر الله. (فجوابه) من هذه الأوجه الثلاثة، (ومن وجه رابع) أنه لو كانت للتبرك لاكتُفيَ بها في أول المصحف، أو لكتبت في أول براءة ولما كتبت في أوائل السور التي فيها ذكر الله كالفاتحة والأنعام وسبحان والكهف والفرقان والحديد ونحوها، فلم يكن حاجة إلى البسملة، ولأنهم قصدوا تجريد المصحف مما ليس بقرآن، ولهذا لم يكتبوا التعوذ والتأمين مع أنه صح الأمر بهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا الآيات النازلة في براءة عائشة رضي الله عنها لم يبسمل ولما تلا سورة الكوثر حين نزولها بسمل، فلو كانت للتبرك لكانت الآيات في براءة عائشة أولى مما تبرك فيه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأهله وأصحابه من السرور بذلك، وعن أم سلمة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية"، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } قال: "هي فاتحة الكتاب. قال: فأين السابعة؟ قال: { بسم الله الرحمن الرحيم } ". رواهما ابن خزيمة في صحيحه ورواهما البيهقي وغيره، وعن أنس رضي الله عنه قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاء ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، قال: أنزلت عليَّ سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر" رواه مسلم، وعن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "كانت مدا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم" رواه البخاري، وعن ابن عباس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم". رواه الحاكم في المستدرك، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورواه أبو داود وغيره، وأخرج الحاكم في المستدرك أيضا ثلاثة أحاديث كلها عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما:(الأول) أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا جاءه جبريل عليه السلام فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة".
(الثاني) "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم".
(الثالث) "كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم".
وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم "أن الفاتحة هي السبع من المثاني وهي السبع آيات وأن البسملة هي الآية السابعة"، وفي سنن الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم: إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها". قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقاة وروي موقوفا. فهذه الأحاديث متعاضدة محصلة للظن القوي بكونها قرآنا حيث كتبت، والمطلوب هنا هو الظن لا القطع، خلاف ما ظنه القاضي أبو بكر الباقلاني؛ حيث شنع على مذهبنا وقال: لا يثبت القرآن بالظن، وأنكر عليه الغزالي، وأقام الدليل على أن الظن يكفي فيما نحن فيه (مما) ذكره حديث "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم" قال: والقاضي معترف بهذا، ولكنه تأوله على أنها كانت تنزل، ولم تكن قرآنا. قال: وليس كل منزل قرآنا. قال الغزالي: وما من منصف إلا ويرد هذا التأويل ويضعفه، واعترف أيضا بأن البسملة كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل السور مع إخباره صلى الله عليه وسلم أنها منزلة، وهذا موهم كل أحد أنها قرآن، ودليل قاطع أو كالقاطع أنها قرآن فلا وجه لترك بيانها لو لم تكن قرآنا. (فإن قيل): لو كانت قرآن لبينها. (فالجواب) أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بقوله: إنها منزلة وبإملاتها على كتابه، وبأنها تكتب بخط القرآن كما يبين عند إملاء كل آية أنها قرآن اكتفاء بعلم ذلك من قرينة الحال ومن التصريح بالإنزال. (فإن قيل): قوله: لا يعرف فصل السور دليل على أنها للفصل. (قلنا): موضع الدلالة قوله: حتى ينزل فأخبر بنزولها، وهذه صفة كل القرآن وتقدير الله لا يعرف بالشروع في سورة أخرى إلا بالبسملة؛ فإنها لا تنزل إلا في أوائل السور. قال الغزالي في آخر كلامه: الغرض بيان أن المسألة ليست قطعية بل ظنية، وأن الأدلة وإن كانت متعارضة فجواب الشافعي فيها أرجح وأغلب. (وأما) الجواب عن قولهم لا يثبت القران إلا بالتواتر فمن وجهين :
(أحدهما) أن إثباتها في المصحف في معنى التواتر .
(والثاني) أن التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآنا على سبيل القطع، أما ما يثبت قرآنا على سبيل الحكم، فيكفي فيه الظن كما سبق بيانه، والبسملة قرآن على سبيل الحكم على الصحيح، وقول جمهور أصحابنا كما سبق، (وأما) الجواب عن حديث "قسمت الصلاة" فمن أوجه ذكرها أصحابنا: (أحدها) أن البسملة إنما لم تذكر لاندراجها في الآيتين بعدها. (الثاني) أن يقال معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى "الحمد لله رب العالمين"، وحينئذ تكون البسملة داخلة.(الثالث) أن يقال: المقسوم ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، واحترزنا بالكاملة عن قوله تعالى: { وقيل: الحمد لله رب العالمين } وعن قوله تعالى: { وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين } وأما البسملة فغير مختصة.
(الرابع) لعله قاله قبل نزول البسملة فإن النبي صلى الله عليه وسلم "كان ينزل عليه الآية فيقول ضعوها في سورة كذا".
(الخامس) أنه جاء ذكر البسملة في رواية الدارقطني والبيهقي فقال: "فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله: ذكرني عبدي". ولكن إسنادها ضعيف. (فإن قيل): قد أجمعت الأمة على أن الفاتحة سبع آيات، واختلف في السابعة فمن جعل البسملة آية قال السابعة: { صراط الذين } إلى آخر السورة: ومن نفاها قال: { صراط الذين أنعمت عليهم } سادسة { وغير المغضوب عليهم } إلى آخرها هي السابعة، قالوا: ويترجح هذا لأن به يحصل حقيقة التنصيف، فيكون لله تعالى ثلاث آيات ونصف، وللعبد مثلها وموضع التنصيف: { إياك نعبد وإياك نستعين } فلو عدت البسملة آية ولم يعد { غير المغضوب عليهم } صار لله تعالى أربع آيات ونصف، وللعبد آيتان ونصف، وهذا خلاف تصريح الحديث بالتنصيف؛ (فالجواب) من أوجه:
(أحدها) منع إرادة حقيقة التنصيف بل هو من باب قول الشاعر :
إذا مت كان الناس نصفين شامت .. وآخر مثن بالذي كنت أصنعفيكون المراد أن الفاتحة قسمان، فأولها لله تعالى، وآخرها للعبد.
(والثاني) أن المراد بالتنصيف قسمان: الثناء والدعاء من غير اعتبار لعدد الآيات.(الثالث) أن الفاتحة إذا قسمت باعتبار الحروف والكلمات والبسملة منها كان التنصف في شطريها أقرب مما إذا قسمت بحذف البسملة، فلعل المراد تقسيمها باعتبار الحروف. (فإن قيل): يترجح جعل الآية السابعة { غير المغضوب } لقوله: فإذا قال العبد: { اهدنا الصراط } إلى آخر السورة قال: فهؤلاء لعبدي فلفظة، هؤلاء جمع يقتضى ثلاثة آيات، وعلى قول الشافعي ليس للعبد إلا آيتان؛ (فالجواب) أن أكثر الرواة رووه: "فهذا لعبدي"، وهو الذي رواه مسلم في صحيحه، وإن كان هؤلاء ثابتة في سنن أبي داود والنسائي بإسناديهما الصحيحين، وعلى هذه الرواية تكون الإشارة بهؤلاء إلى الكلمات أو إلى الحروف أو إلى آيتين ونصف من قوله تعالى: { وإياك نستعين } إلى آخر السورة، ومثل هذا يجمع كقول الله تعالى: { الحج أشهر معلومات } ، والمراد شهران وبعض الثالث أو إلى آيتين فحسب، وذلك يطلق عليه اسم الجمع بالاتفاق، ولكن اختلفوا في أنه حقيقة أم مجاز وحقيقته ثلاثة، والأكثرون على أنه مجاز في الاثنين، حقيقة في الثلاثة، قال الشيخ أبو محمد المقدسي: هذا كله إذا سلمنا أن التنصف توجه إلى آيات الفاتحة، وذلك ممنوع من أصله، وإنما التنصف متوجه إلى الصلاة بنص الحديث. (فإن قالوا): المراد قراءة الصلاة. (قلنا): بل المراد قسمة ذكر الصلاة؛ أي الذكر المشروع فيها، وهو ثناء ودعاء، فالثناء منصرف إلى الله تعالى سواء ما وقع منه في القراءة، وما وقع في الركوع والسجود وغيرهما، والدعاء منصرف إلى العبد سواء ما وقع منه في القراءة والركوع والسجود وغيرها، ولا يشترط التساوي في ذلك لما سبق، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد إخباره بقسمة أذكار الصلاة أمرا آخر، وهو ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد هذه الآيات التي هي من جملة المقسوم لا أن ذلك تفسير بعض المقسوم. (فإن قيل) يترجح كونه تفسيرا لذكره عقيبه. (قلنا): ليس كذلك؛ لأن قراءة الصلاة غير منحصرة في الفاتحة فحمل الحديث على قسمة الذكر أعم وأكثر فائدة، فهذا الحديث هو عمدة نفاة البسملة، وقد بان أمره والجواب عنه. (وأما الجواب) عن حديث شفاعة تبارك، وهو أن المراد ما سوى البسملة؛ لأنها غير مختصة بهذه السورة، ويحتمل أن يكون هذا الحديث قبل نزول البسملة فيها، فلما نزلت أضيفت إليها بدليل كتابتها في المصحف، ويؤيد تأويل هذا الحديث أنه رواية أبي هريرة فمن يثبت البسملة، فهو أعلم بتأويله. (وأما الجواب) عن حديث مبدأ الوحي، وهو أن البسملة نزلت بعد ذلك كنظائر لها من الآيات المتأخرة عن سورة في النزول، فهذا هو الجواب المعتمد، وبه أجاب الشيخ أبو حامد وسليم الرازي وغيرهما. (وجواب آخر) وهو أن البسملة نزلت أولا، وروي في ذلك حديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما ألقى علي جبريل بسم الله الرحمن الرحيم"، ونقله الواحدي في أسباب النزول عن الحسن وعكرمة، وهذا ليس بثابت فلا اعتماد عليه .
* وأما حديث أنس فسيأتي جوابه في مسألة الجهر بالبسملة، (وأما) قولهم: لو كانت قرآنا لكفر جاحدها، فجوابه من وجهين.
(أحدهما) أن يقلب عليهم، فيقال: لو لم تكن قرآنا لكفر مثبتها.
(الثاني) أن الكفر لا يكون بالظنيات بل بالقطعيات والبسملة ظنية، (وأما) قولهم أجمع أهل العدد على أنه لا تعد آية فجوابه من وجهين:
(أحدهما) أن أهل العدد ليسوا كل الامة فيكون إجماعهم حجة بل هم طائفة من الناس عدوا كذلك، إما لأنه مذهبهم في البسملة، وإما لاعتقادهم أنها بعض آية وأنها مع أول السورة آية.(الثاني) أنه معارض بما ورد عن ابن عباس وغيره "من تركها فقد ترك مئة وثلاث عشرة آية". وأما الجواب عن نقل أهل المدينة وإجماعهم، بل قد اختلف أهل المدينة في ذلك كما سبق الخلاف عن الصحابة فمن بعدهم من أهل المدينة وغيرهم، وستأتي قصة معاوية حين تركها في صلاته فأنكر عليه المهاجرون والأنصار، فأي إجماع مع هذا؟! قال ابن عبد البر: الخلاف في المسألة موجود قديما وحديثا. قال: ولم يختلف أهل مكة أن { بسم الله الرحمن الرحيم } أول آية من الفاتحة، ولو ثبت إجماع أهل المدينة لم يكن حجة مع وجود الخلاف لغيرهم هذا مذهب الجمهور، وأما قولهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "كيف تقرأ أم القرآن فقال: الحمد لله رب العالمين". فجوابه أن هذا غير ثابت، وإنما لفظه في كتاب الترمذي "كيف تقرأ في الصلاة فقرأ أم القرآن"، وهذا لا دليل فيه، وفي سنن الدارقطني عكس ما ذكروه وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريدة: "بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قال: قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم". وعن علي وجابر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه والله أعلم.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/١٧٦:١٩٠)
الفرع الثاني في قراءة البسملة في الصلاة:
المدخل إلى المسألة:
* لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة، والبسملة ليست منها على الصحيح.
* عدم الجهر بالبسملة، أهو دليل على أنها ليست من القرآن كالاستعاذة؛ لأن القرآن يجهر به في الجهرية، أم هو دليل على أنها ليست من الفاتحة فحسب؟
* الجهر والإسرار حكم توقيفي، متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنا أم لا.
* من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، وهناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقا كالبسملة في الصلاة.
* الجهر لا يختص بالقرآن كالتأمين، وعكسه البسملة، آية من القرآن ولا يجهر بها، والمحكم السماع وليس القياس.
* البسملة آية من الفاتحة في إحدى القراءتين، وليست منها في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى.
[م-٥٣٢] اختلف العلماء في قراءة البسملة في الصلاة بناء على اختلافهم في قرآنيتها:
فقيل: تسن قراءة البسملة في الصلاة، وهو قول الحنفية، والحنابلة، وحكي قولا في مذهب المالكية واستحب بعض المالكية قراءة البسملة بنية الخروج من الخلاف، قال بعض المالكية: وهذا لا ينافي كراهة قراءتها إذا فعلها على وجه أنها فرض.
وقيل: تجب قراءتها، وهو مذهب الشافعية.
وقيل: تكره في الفريضة من الإمام وغيره، وتباح في النافلة، وهذا مذهب الإمام مالك. جاء في المدونة: «قال -يعني ابن القاسم- وقال مالك: لا يقرأ في الصلاة في المكتوبة، لا سرا في نفسه، ولا جهرا، قال: وقال مالك: وهي السنة وعليها أدركت الناس... وفي النافلة: إن أحب فعل، وإن أحب ترك، ذلك واسع».
وقيل: تباح قراءتها، حكاه الدسوقي في حاشيته. واعترض عليه:
بأنها ذكر، وأقل أحكامه أنه مندوب، فكون الإنسان يذكر الله، ولا ثواب له بعيد جدا.
* ويمكن أن يجاب:
بأن الثواب أوسع، وقد يثاب على المباح، وبعض العبادات قد تحكم عليه بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا يكون مندوبا لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمله، كما في قصة الرجل الذي كان يختم قراءته بسورة الإخلاص، فمن جهة أنه مباح لإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يكون مندوبا لكون النبي صلى الله عليه وسلم أكمل منه محبة لصفة الرحمن، ولم ينقل أنه كان يعمل ذلك، فلا تعارض. هذه محصلة الأقوال في المسألة، والله أعلم، ونأتي بعد ذلك إلى أدلة القوم.
* دليل من قال بالاستحباب:
الدليل الأول:
لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة على الصحيح، وقد ذكرنا في المسألة السابقة الأدلة على أن البسملة ليست آية من الفاتحة. (ح-١٣٤٥) وأصرح الأدلة على عدم وجوب قراءة البسملة ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ...سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: { الحمد لله رب العالمين } [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي...» الحديث.
وجه الاستدلال:
أن الله -سبحانه وتعالى- قسم الفاتحة بينه وبين عبده ولم يدخل في القسمة البسملة، ولو كانت آية منها لدخلت، وإذا لم تكن آية من الفاتحة لم تجب قراءتها؛ لأن الواجب في الصلاة هو قراءة الفاتحة، فكان حديث أبي هريرة دليلا على عدم وجوب قراءة البسملة، ونفي الوجوب لا يدل على نفي الاستحباب، وأما الدليل على استحباب قراءتها فانظر الأدلة التالية.الدليل الثاني:
(ح-١٣٤٦) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، حدثنا الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ [الفاتحة: ٧] فقال: «آمين». فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. [لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن عبد الله المجمر، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها].وجه الاستدلال:
قوله: قرأ ثم قرأ بأم القرآن فإنه دليل على أنها ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن من الفاتحة فإن قراءتها ليست واجبة في الصلاة، فإنه لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى فاتحة الكتاب على الصحيح.
الدليل الثالث:
(ح-١٣٤٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، يعني: حرفا حرفا.
[صحيح].
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جار على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
(ح-١٣٤٨) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و [الفاتحة: ١] إحداها».
قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه.
ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: سبع آيات، إحداهن [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب.[روي مرفوعا وموقوفا، والموقوف أصح].
وجه الاستدلال:
الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعا، ولم يخالفه صحابي مثله؛ لأن الظن أنهم فعلوا ذلك بهدي من معلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدليل الخامس:
(ث-٣١٠) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان لا يدع يفتتح القراءة به. ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وزاد: فإذا فرغ من الحمد قرأ. ورواه أبو عاصم، عن ابن جريج به، وزاد: إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة، رواه الطحاوي. (ث-٣١١) ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس وابن عمر كانا يفتتحان بـ.....
[صحيح].
الدليل السادس:
(ث-٣١٢) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بغير المغضوب عليهم ولا الضالين. [صحيح].
* دليل من كره قراءة البسملة في الفريضة:
الدليل الأول:
كل دليل احتج به المالكية على أن البسملة ليست آية من القرآن ساقوه دليلا على أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة لا يبسمل، وقد ذكرت أدلتهم مع مناقشتها، فانظرها هناك.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٤٩) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ[الفاتحة: ٢].
الدليل الثالث:
(ح-١٣٥٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بـ[الفاتحة: ٢]. وفي رواية لمسلم: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ. رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به. وفي رواية لمسلم: فكانوا يستفتحون بـ[الفاتحة: ٢]، لا يذكرون [الفاتحة: ١] في أول قراءة ولا في آخرها. رواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس به. وقوله: (في أول القراءة، ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة.
وجه الاستدلال:
دلَّ الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بـ[الفاتحة: ٢]، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالبسملة. ورواية مسلم: (لم أسمع أحدا منهم يقرأ) دليل على ترك القراءة، وليس على ترك الجهر. وعلى التنزل أن يكون معنى الخبر في ترك الجهر، فإن ذلك دليل على أنها ليست من القرآن، فلو كان الجهر مختصا بالفاتحة لقيل البسملة من القرآن، وليست من الفاتحة، أما إذا كان الجهر لا يختص بالفاتحة، فيجهر المصلي بالقرآن كله بالصلاة الجهرية من غير فرق بين الفاتحة وغيرها، فإن عدم الجهر بالبسملة دليل على أنها خالفت حكم القرآن، وأن حكمها حكم الاستعاذة، والاستعاذة ليست من القرآن، والله أعلم.
* ويجاب:
بأن حديث: (لم أسمع أحدا منهم يقرأ) دليل على نفي السماع المتعلق بالجهر، وليس نفيا للقراءة، وبينهما فرق، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فالبحث في المسألة من حيث الصناعة الحديثية يجب أن يكون بمعزل من الفقه؛ لأن الفقه ليس معصوما، فالحديث عندما يحمل على نفي الجهر فليس ذلك اعتمادا على الفقه، بل رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة روياه عن وكيع، حدثنا عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بلفظ: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون ب[الفاتحة: ١].
وهذا الإسناد في غاية الصحة، ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به إمام مثل وكيع في الحفظ والإتقان، فقد تابعه على هذا جماعة من الرواة، كما لم يتفرد به شعبة عن قتادة، ولو تفرد لم يقدح ذلك في صحة حديثه، كما أنه لم يتفرد به قتادة عن أنس، فقد توبع على ذلك، وكل ذلك سوف أبحثه إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل عند الكلام على حكم الجهر بالبسملة فانظره في المبحث التالي. أما الأخذ من مسألة الإسرار بها على أن ذلك دليل على عدم قرآنيتها؛ لأن القرآن إذا قرئ في الصلاة جهر به، سواء أكان ذلك في قراءة الفاتحة، أم كان ذلك في قراءة ما يتيسر من السور الأخرى، فهذه مسألة فقهية قائمة على الفهم، وهي محل خلاف بين الجمهور وبين المالكية، والجهر والإسرار حكم توقيفي، فهناك من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة لا في الفاتحة، ولا في غيرها، كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، ولا مانع أن يكون هناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقا كالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر والإسرار متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنا أم لا، والجهر قد لا يختص بالقرآن، فهذا التأمين نجهر به، وهو ليس قرآنا بالإجماع، وقد يلتمس الفقيه العلة من الإسرار بالبسملة، وهو اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فلو قيل: إن البسملة لما كانت آية مستقلة، وليست سورة، والجهر إنما يختص بالسور، وإن كان الشأن في هذا كله هو الاتباع. وقد يقال: إن ترك الجهر من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أبي بكر وعمر وعثمان بناء على إحدى القراءتين، فإن هناك قولا فقهيا يرى البسملة آية في إحدى القراءتين، وليست آية في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى، وعليه فمن اختار أن يقرأ بقراءة ما نقل أنها آية فعليه أن يجهر بها كسائر القرآن، وقد بحثت مسألة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، وذكرت أدلة القوم، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الرابع:
(ح-١٣٥١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: ولم أرَ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد عليه حدثا في الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقول ذلك.
[أرجو أن يكون حسنا، وهو شاهد صالح لحديث أنس].الدليل الخامس:
يمكن أن يستدل للتفريق بين الفرض والنفل وأن النفل أوسع من الفرض (ح-١٣٥٢) بما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ... الحديث. ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض.
الدليل السادس:
أن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي في الذخيرة، وقد ناقشت هذا الدليل في مسألة التعوذ، فانظره هناك وفقك الله.
* دليل من قال: تجب قراءة البسملة مع الفاتحة:
الدليل الأول:
أجمع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله عز وجل، والقول بأنها آية مستقلة للفصل بين السور قول ضعيف؛ لثبوتها في أول الفاتحة، وليس قبلها شيء، وإذا وجبت قراءة الفاتحة وجبت قراءة البسملة؛ لأن البسملة آية منها. وقد تقدمت أدلة الشافعية على كون البسملة آية من الفاتحة في المبحث السابق، ومن هذه الأدلة: (ح-١٣٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه. [روي مرفوعا وموقوفا، والموقوف أصح]. وكونه موقوفا لا يبطل الاحتجاج به؛ لأن عد الآي توقيفي، لا مدخل للاجتهاد فيه، فيكون له حكم الرفع.
* ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن عد الآي وإن كان الأصل فيه التوقيف إلا أن الخلاف في البسملة دال على أن اعتبارها من الفاتحة أمر اجتهادي ظني.
الوجه الثاني:
بأن هذا معارض بما ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا:
(ث-٣١٣) فقد رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعة، ثم قال:.
[موقوف صحيح].
قال البخاري بعد رواية غندر: «تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة».
وهذا دليل على أن رواية نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة بأنه قرأ سرا، وليس جهرا.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٥٤) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة [الفاتحة: ١] فعدها آية، و [الفاتحة: ٢] آيتين، [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه.[ضعيف].
الدليل الثالث:
إذا ثبت أن البسملة آية في غير الفاتحة، كانت آية من الفاتحة من باب أولى؛ لثبوت كونها آية من الفاتحة في بعض القراءات المتواترة. (ح-١٣٥٥) من ذلك: ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار، عن أنس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم [الكوثر: ٣]... الحديث.
* ونوقش هذا:
بأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في الصلاة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات.
* الراجح:
أن الإمام إن قرأ بقراءة من اعتبرها آية وجب عليه قراءتها، وإن قرأ بقراءة من لم يسمعها آية لم يجب عليه قراءتها، والقراءتان سبعيتان، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٨/٨٨)
البسملة في الصلاة:
٥- اختلف الفقهاء في حكم قراءة البسملة بالنسبة للإمام والمأموم والمنفرد، في ركعات الصلاة، لاختلافهم في أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة. وحاصل مذهب الحنفية في ذلك: أنه يسن قراءة البسملة سرا للإمام والمنفرد في أول الفاتحة من كل ركعة، ولا يسن قراءتها بين الفاتحة والسورة مطلقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن البسملة ليست من الفاتحة، وذكرت في أولها للتبرك. قال المعلى: إن هذا أقرب إلى الاحتياط لاختلاف العلماء والآثار في كونها آية من الفاتحة، وروى ابن أبي رجاء عن محمد أنه قال: يسن قراءة البسملة سرا بين السورة والفاتحة في غير الصلاة الجهرية؛ لأن هذا أقرب إلى متابعة المصحف، وإذا كانت القراءة جهرا فلا يؤتى بالبسملة بين السورة والفاتحة، لأنه لو فعل لأخفى، فيكون ذلك سكتة في وسط القراءة، وليس ذلك مأثورا. وفي قول آخر في المذهب: تجب بداية القراءة بالبسملة في الصلاة؛ لأنها آية من الفاتحة. وحكم المقتدي عند الحنفية أنه لا يقرأ لحمل إمامه عنه، ولا تكره التسمية اتفاقا بين الفاتحة والسورة المقروءة سرا أو جهرا. والمشهور عند المالكية: أن البسملة ليست من الفاتحة، فلا تقرأ في المكتوبة سرا أو جهرا من الإمام أو المأموم أو المنفرد؛ لما ورد عن أنس أنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ويكره قراءتها بفرض قبل الفاتحة أو السورة التي بعدها، وفي قول عند المالكية: يجب، وهناك قول بالجواز. وفي رواية في مذهب الإمام مالك أنه يجوز قراءة البسملة في صلاة النفل قبل الفاتحة والسورة في كل ركعة سرا أو جهرا. وللخروج من الخلاف في حكم قراءة البسملة في الصلاة، قال القرافي: الورع البسملة أول الفاتحة، وقال: محل كراهة الإتيان بالبسملة إذا لم يقصد الخروج من الخلاف الوارد في المذهب، فإن قصده فلا كراهة. والأظهر عند الشافعية: أنه يجب على الإمام والمأموم والمنفرد قراءة البسملة في كل ركعة من ركعات الصلاة في قيامها قبل فاتحة الكتاب، سواء أكانت الصلاة فرضا أم نفلا، سرية أو جهرية، لحديث رواه أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاتحة الكتاب سبع آيات، إحداهن: بسم الله الرحمن الرحيم وللخبر: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ويدل على دخول المأمومين في العموم ما صح عن عبادة: كنا نخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وتقرأ البسملة عند ابتداء كل سورة في ركعات الصلاة، ويجهر بها في حالة الجهر بالفاتحة والسورة، وكذا يسر بها معهما، على القول بأن البسملة آية من سائر السور. وعلى الأصح عند الحنابلة: لا يجب قراءة البسملة مع الفاتحة ومع كل سورة في ركعات الصلاة؛ لأنها ليست آية من الفاتحة ومن كل سورة؛ لحديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين... ولأن الصحابة أثبتوها في المصاحف بخطهم، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن. وعلى الأصح: يسن قراءة البسملة مع فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين من كل صلاة، ويستفتح بها السورة بعد الفاتحة، ويسر بها؛ لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. وعلى الرواية الأخرى عن أحمد في قرآنية البسملة يجب على الإمام والمنفرد والمأموم قراءة البسملة مع الفاتحة في الصلاة. هذا، وتقرأ البسملة بعد التكبير والاستفتاح والتعوذ في الركعة الأولى، أما فيما بعدها فإنه يقرؤها بعد تكبير القيام إلى تلك الركعة، وتقرأ البسملة في حال القيام، إلا إذا صلى قاعدا لعذر، فيقرؤها قاعدا.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٥١:١٥٣)
فصل: واختلفت الرواية عن أحمد؛ هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة، أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة. وذهب إليه أبو عبد الله بن بطة، وأبو حفص. وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد. قال ابن المبارك: من ترك فقد ترك مئة وثلاث عشرة آية. وكذلك قال الشافعي: هي آية من كل سورة؛ لحديث أم سلمة وروى أبو هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قرأتم: فاقرؤوا: فإنها أم الكتاب، وإنها السبع المثاني، وآية منها". ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- أثبتوها في المصاحف بخطها، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن. وروي عن أحمد، أنها ليست من الفاتحة، ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة. وهي المنصورة عند أصحابه، وقول أبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وعبد الله بن معبد الزماني واختلف عن أحمد فيها، فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين، فصلا بين السور. وعنه: إنما هي بعض آية من سورة النمل. كذلك قال عبد الله بن معبد، والأوزاعي: ما أنزل الله إلا في سورة النمل: والدليل على أنها ليست من الفاتحة، ما روى أبو هريرة، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدى ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل". أخرجه مسلم فلو كانت آية لعدها، وبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف، لأن آيات الثناء تكون أربعا ونصفا، وآيات الدعاء [اثنتين ونصفا]. وعلى ما ذكرناه يتحقق التنصيف. فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان: "يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم. فيذكرني عبدي". قلنا: ابن سمعان متروك الحديث، لا يحتج به. قاله الدارقطني واتفاق الرواة على خلاف روايته أولى بالصواب. وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "سورة هي ثلاثون آية، شفعت لقارئها، ألا وهي". وهي ثلاثون آية سوى، وأجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون، ولو كانت منها لكانت أربعا، ولأن مواضع الآي تجري مجرى الآي أنفسها، في أنها لا تثبت إلا بالتواتر، ولم ينقل في ذلك تواتر فأما قول أم سلمة فمن رأيها، ولا ينكر الاختلاف في ذلك. على أننا نقول: هي آية مفردة للفصل بين السور. وحديث أبي هريرة موقوف عليه، فإنه من رواية أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، قال أبو بكر: [راجعت فيه نوحا، فوقفه] وهذا يدل على أن رفعه كان وهما من عبد الحميد. وأما إثباتها بين السور في المصحف، فللفصل بينها، ولذلك أفردت سطرا على حدتها.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٢/١٩١:٢٢٧)
الفرع الثالث في الجهر بالبسملة:
المدخل إلى المسألة:
* أجمع العلماء على صحة الصلاة، سواء أجهر بالبسملة أم أسر بها.
* الإسرار بالبسملة هو المنقول من السنة الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه عمل أبي بكر وعمر وعثمان، وروي عن علي بن أبي طالب.
* لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله العقيلي والدارقطني، وابن تيمية وغيرهم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل.
* صح الجهر بالبسملة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ونقله البيهقي في الخلافيات عن آل محمد، فمنهم من فعل ذلك اجتهادا، ومنهم من فعل ذلك بغرض التعليم خوفا من ترك قراءتها.
* الجهر والإسرار توقيفي، فيجهر بالتأمين ويسر بالتعوذ، وكلاهما ليسا من القرآن بالاتفاق، ويسر بالبسملة ويجهر بغيرها من القرآن.
* الرواية الصريحة بنفي الجهر مفسرة للرواية المحتملة: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)، والمتشابه يجب رده إلى المحكم، أما رد الروايات الصريحة بالمحتملة فلا يصح، كما لا يجوز رد المحكم إلى المتشابه.
[م-٥٣٣] اختلف العلماء في الجهر بالبسملة، فقيل: يكره، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة. وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ونقله البيهقي عن آل محمد. ساق البيهقي بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: اجتمع آل محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر بـ.... وقيل: يستحب الجهر فيها للمصلحة، كالتأليف والتعليم، نص عليه أحمد، واختاره ابن تيمية. وقيل: الجهر والإسرار سواء،
* دليل من قال: يكره الجهر بها:
الدليل الأول:
لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل. فهذا الإمام الدارقطني، قد أفرد المسألة في مصنف، وجمع فيها الآثار المرفوعة والموقوفة، وهو شافعي النزعة، وحين سئل عنها بمصر، قال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوفا، وهذا من إنصافه رحمه الله. وقد سبقه العقيلي، فقال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند. وقال ابن تيمية: «إذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح، فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها، كما يمتنع أنه كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل... ثم قال: «وإذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح، فكيف يمكن بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها، ولم تنقل الأمة هذه السنة، بل أهملوها وضيعوها؟».
الدليل الثاني:
(ح-١٣٥٦) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ.... الحديث.
الدليل الثالث:
(ح-١٣٥٧) ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة، عن وكيع، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، بلفظ: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون ب[الفاتحة: ١].
[هذا الإسناد في غاية الصحة].
ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به، فقد تابعه على هذا جماعة من الرواة، فقد تابعه علي بن الجعد، وعقبة بن خالد وعبيد الله بن موسى، وعبد الرحمن بن زياد، وزيد بن الحباب، وأسود بن عامر، وغيرهم. ولم ينفرد بذلك شعبة عن قتادة، ولو تفرد إمام مثل شعبة في حديث لم يضره، فقد تابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما في سنن النسائي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان وشيبان كما في الجعديات وصحيح ابن حبان، وشرح معاني الآثار. وهمام من رواية عبيد الله بن موسى عنه كما في سنن الدارقطني، ثلاثتهم رووه عن قتادة به. وهذه متابعة لرواية شعبة من رواية وكيع ومن تابعه عنه. وقد رواه غير قتادة عن أنس بنفي الجهر، رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يقرؤون في أول السورة، ولا في آخرها كما رواه أبو قلابة، وقيل: أبو نعامة عن أنس، وهو المحفوظ، بلفظ: "كانوا لا يقرؤون". كما روي من طريق ثابت عن أنس، بلفظ: "فلم يجهروا بـ". كما رواه منصور بن زاذان عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما. ورواه غيرهم، وأقتصر على ما ذكرت ففيه الكفاية في الاحتجاج.
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
رواه شعبة عن قتادة بنفي الجهر نقلا صحيحا صريحا.
قال ابن تيمية: «والجهر بها -يعني بالبسملة- لم ينقل نقلا صحيحا صريحا، مع أن العادة والشرع يقتضيان أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية، وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالما بالأدلة القطعية قطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بها».
* رد الشافعية على هذا بردود منها:
الرد الأول: مسلك الترجيح بين روايات حديث أنس:
وذلك أن حديث قتادة رواه عنه أصحابه بثلاثة ألفاظ، وهو حديث واحد، فبعضهم رواه على اللفظ، وبعضهم رواه على المعنى بما فهموه، وكان المقدم في الاحتجاج بما روي على اللفظ، لا بما روي على المعنى، لأن الفهم يدخله ما يدخله، وإليك ألفاظ حديث قتادة.اللفظ الأول: رواه قتادة عن أنس بلفظ: (كانوا لا يجهرون بـ، وهذا اللفظ محمول على المعنى؛ لأنه خارج الصحيحين، وتقدم تخريجه.
اللفظ الثاني: (كانوا يفتتحون الصلاة وفي لفظ: القراءة ب).
(ح-١٣٥٨) رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة ب[الفاتحة: ٢].
وتابع حفصا الحوضي وعمرو بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن السكن، ومحمد بن جعفر في رواية، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن سعيد القطان، كلهم رووه عن شعبة بلفظ: كانوا يفتتحون الصلاة ب[الفاتحة: ٢].
وتابع شعبة على هذا اللفظ كل من: هشام الدستوائي، وهمام بن يحيى في رواية، وأيوب إن كان محفوظا، وسعيد بن أبي عروبة في رواية، وأبي عوانة، وهشام بن حسان، وغيرهم، رووه عن قتادة، عن أنس. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وهكذا رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس.قال ابن عبد البر: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط من أول فاتحة الكتاب...». يقصد ابن عبد البر من هذا الطريق خاصة.
وهذه الرواية محمولة على اللفظ:
أولا: لأنه اختيار البخاري في صحيحه، وقد رواها عن قتادة كبار أصحابه، شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهمام، وقد تابع قتادة على هذا اللفظ كل من حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
وثانيا: لأن هذا اللفظ يوافق لفظ حديث عائشة في مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب[الفاتحة:٢].
اللفظ الثالث: عن شعبة: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ.
وهذا اللفظ من أفراد مسلم رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به.
وتابع محمد بن جعفر على ذلك أبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد.قال الدارقطني: «وكذلك رواه معاذ بن معاذ وحجاج بن محمد، ومحمد بن بكر البرساني، وبشر بن عمر، وقراد أبو نوح، وآدم بن أبي إياس، وعبيد الله بن موسى، وأبو النضر، وخالد بن يزيد المزرفي، عن شعبة مثل قول غندر، وعلي بن الجعد، عن شعبة سواء».
وقد تجنب البخاري إخراج الحديث بهذا اللفظ، مما يدل على أن روايته على المعنى، وليس على اللفظ. وجمع بين اللفظين الأوزاعي عن قتادة، فرواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس، بلفظ: (فكانوا يستفتحون ب[الفاتحة: ٢]، لا يذكرون في أول قراءة ولا في آخرها).
فقوله: (ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة.
فكان صدر الحديث مرويا باللفظ، وآخره على المعنى.
وإذا كان حديث قتادة حديثا واحدا، منه ما أداه راويه على اللفظ ومنه ما أداه راويه على المعنى، ولا بد من قول ذلك؛ لأن في بعض الروايات من المعنى ما ليس في الأخرى، كان اللفظ مقدما على المعنى؛ فيكون الراجح في لفظه: (أنهم كانوا يفتتحون الصلاة ب[الفاتحة: ٢])، لموافقته حديث عائشة.
والمقصود: أنهم يفتتحون بهذه السورة، والتي منها، لا أنه نفي لقراءة البسملة، وتسمية الفاتحة ب[الفاتحة: ٢] ثابت في صحيح البخاري.
(ح-١٣٥٩) فقد روى البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى مرفوعا:... [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته.
هذا معنى جواب الشافعية على نفي قراءة البسملة.
وقد أعل الدارقطني والخطيب والبيهقي وبعض الشافعية لفظ (نفي القراءة) ورأوا أن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه (كانوا يفتتحون القراءة ب[الفاتحة: ٢]) (٤).
قال الدارقطني في السنن: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس.* وأجيب على هذا الرد:
الجواب الأول:
أن القاعدة عند أهل العلم أنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع، والجمع غير متعذر، وسوف نبين وجه الجمع عند الجواب على دعوى الاضطراب.
الجواب الثاني:
كون إحدى الروايات محتملة والباقي صريحة، لا يقتضي هذا التعارض بينها، بل تحمل الرواية المحتملة على الرواية الصريحة.
قال ابن رجب: «إذا كان أحد الألفاظ محتملا، والآخر صريحا لا احتمال فيه، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل: هو ما دل عليه اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم. لا سيما وبعضهم قد زاد في الحديث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة في القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي على كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم، مع ما اشتهر من بلاغته، وفصاحته، وبلوغه الذروة العليا من ذلك.
والذي روى نفي قراءة البسملة من أصحاب حميد، هو مالك، ومالك مالك في فقهه، وعلمه، وورعه، وتحريه في الرواية، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟
فالواجب في هذا ونحوه: أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هذا من باب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه».
وقال ابن تيمية رحمه الله: من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: (يستفتحون الصلاة ب[الفاتحة: ٢] ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علما برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل.الجواب الثالث:
كيف يحكم على رواية نفي الجهر بالشذوذ، وراويها عن قتادة مثل شعبة... والراوي عن شعبة جماعة من أصحابه على رأسهم محمد بن جعفر، وهو المقدم في أصحاب شعبة، وتابع محمد بن جعفر على هذا جمع كثير منهم وكيع وعلي ابن الجعد، كما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان، عن قتادة، ثم قال ابن حجر: ويشهد لحديث أنس رضي الله عنه المذكور حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه، وذكر الحديث.
الجواب الرابع:
أن قتادة قد كتب بالحديث إلى الأوزاعي باللفظين كما في صحيح مسلم: فكانوا يستفتحون ب[الفاتحة: ٢]، لا يذكرون: في أول القراءة، ولا في آخرها.
فدل على أن قتادة كان يروي الحديث على الوجهين.
الرد الثاني: الحكم على حديث أنس بالاضطراب.
قال ابن عبد البر: لا يجوز الاحتجاج بحديث قتادة؛ لتلونه، واضطرابه، واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، فلا حجة في شيء منها عندي؛ لأنه قال مرة: كانوا يفتتحون (بالحمد لله رب العالمين) ومرة، قال: كانوا لا يجهرون ومرة: كانوا لا يقرؤونها، ومرة: لم أسمعهم يقرؤونها، ومرة قال، وقد سئل عن ذلك بعد، فقال: كبرت، ونسيت.
فحاصل هذه الطريقة إنما نحكم بتعارض الروايات ولا نجعل بعضها أولى من بعض، فيسقط الجميع، ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في معالم السنن عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع بن خديج في المزارعة لاضطرابه وتلونه وقال: هو حديث كثير الألوان، وأشار الدارقطني إلى اضطرابه في العلل وكذا فعل الخطيب كما في كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرا. وحكم الحازمي في الاعتبار على رواية: نفي الجهر بالبسملة بالاضطراب، وقال: ولهذا امتنع البخاري من إخراجه، وهو من مفاريد مسلم.
* وأجيب على هذا الرد:
الجواب الأول:
أن الاضطراب لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع غير متعذر:
ووجه الجمع بين رواية: أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ.
وبين روايتي: فلم أسمع أحدا منهم يقرأ.
ورواية: فلم يكن أحد منهم يجهر بـ.
أن يقال: الرواية الأولى: دلت على نفي سماع قراءة البسملة بالمفهوم، فلا يلزم من قوله: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) على نفي قراءتها سرا، بل على نفي الجهر بها. وباقي الروايات: دلت على نفي سماع القراءة بالمنطوق، وكون المنطوق أقوى من المفهوم فهذا مسلم، فإذا اتفق المفهوم مع المنطوق فلا حاجة لدعوى التعارض، غايته: أن أحدهما أصرح دلالة من الآخر وأقوى.
فخلاصة طريقة الجمع: أن يحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ولا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا البسملة سرا.
الجواب الثاني:
أن ابن عبد البر والخطيب قد نقل عنهما تصحيحه أيضا، وليس قولهما بالاضطراب بأولى من قولهما بالصحة. فقد قال ابن عبد البر في كتاب الإنصاف بعد أن رواه من رواية أيوب، وشعبة، وهشام الدستوائي، وشيبان، وابن أبي عروبة، وأبي عوانة، عن قتادة، قال: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط من أول فاتحة الكتاب».
وقال في التمهيد: «فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة ب[الفاتحة: ٢]».
الجواب الثالث:
أن كلام ابن عبد البر والخطيب والبيهقي معارض بتصحيح البخاري ومسلم، وقولهما مقدم على قول غيرهما، وقد تأيد ذلك بقول جمع من علماء هذا الفن، كابن رجب وتقدم كلامه، وابن تيمية، وابن حجر والزيلعي. بل هذا الإمام ابن خزيمة بالرغم من أنه شافعي المذهب فقد ذهب إلى تصحيحه، وحمل نفي قراءة البسملة على الإسرار بها. وقال ابن تيمية رحمه الله: نقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله؛ إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة، وضبطه هو الغاية عندهم. قال الحافظ ابن حجر: «ويؤيده -يعني حمل النفي على عدم الجهر- من رواه عنه بلفظ فلم يكونوا يجهرون بـ، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عند النسائي وابن حبان وهمام عند الدارقطني. وشيبان عند الطحاوي وابن حبان. وشعبة أيضا من طريق وكيع عنه، عند أحمد أربعتهم عن قتادة. قال الحافظ: «ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، ثم ذكر أنه قد رواه عن أنس كل من إسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبي قلابة، وأبي نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر.
ثم قال الحافظ: فطريق الجمع بين هذه الألفاظ: حمل نفي القراءة، على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر.... ».
الرد الثالث على حديث أنس:
أن أنسا رضي الله عنه قد سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعارض ما رواه قتادة عنه، فيتساقطا.
(ح-١٣٦٠) فقد روى أحمد، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، قال قتادة:
سألت أنس بن مالك بأي شيء كان يستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد.
[صحيح].
تابع أبو مسلمة سعيد بن يزيد (ثقة) قتادة على هذا:
فرواه أحمد، قال: حدثنا غسان بن مضر.
ورواه أحمد أيضا، قال: حدثنا إسماعيل (يعني ابن علية) كلاهما (غسان وإسماعيل) عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، قال:
قلت لأنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ:، أو ؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك.
هذا لفظ غسان بن مضر.
وفي لفظ إسماعيل: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد.
[صحيح].
قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي: «وهذا دليل على توقف أنس، وعدم جزمه بواحد من الأمرين، وروي عنه الجزم بكل واحد منهما فاضطربت أحاديثه، وكلها صحيحة، فتعارضت، فسقطت...».
* وأجيب على هذا الرد من وجوه:
الوجه الأول:
لقد سئل أنس من قبل قتادة، وسئل من قبل أبي مسلمة، فإن كان المسؤول عنه واحدا، فأجاب أنس قتادة بما حفظه من صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاته مع خلفائه أبي بكر وعمر وعثمان، وتوقف عن إجابة أبي مسلمة، فالحجة في جواب أنس فيما تذكر، لا فيما توقف فيه، سواء أكان سؤال أبي مسلمة سابقا لسؤال قتادة، فيكون تذكر بعد أن كان ناسيا، أم كان متأخرا عنه، بأن يكون نسي بعد أن كان ذاكرا، فإذا تذكر أنس وجزم بالجواب كان تذكره هو الحجة، وليس من شرط قبول كلام الراوي ألا يتطرق إليه نسيان سابق أو لاحق. قال الحافظ ابن حجر: «إن سؤال أبي مسلمة كان متقدما على سؤال قتادة بدليل قوله في روايته: لم يسألني عنه أحد قبلك، فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكر لذلك، فأجاب بأنه لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه، فلعله تذكره لما سأله قتادة، أو قاله لهما معا، فحفظه قتادة دون أبي مسلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع، وأستبعد أن يكون أنس قد نسي، ثم تذكر؛ لأن الأمر يتعلق بالصلاة، فهل يمكن لأنس أن يذهل عن شيء حفظه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وحفظه عن خلفائه وقد صحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة، فإذا كان حكم قراءة الفاتحة في الصلاة ليس عرضة للنسيان، فكذلك حكم البسملة فيها، ولقد رأيت من كبار السن من لا يتعرف على أولاده بسبب تقدم العمر، ولا يضيع شيئا من صلاته. وإن كان المسؤول عنه مختلفا، فلا يستنكر اختلاف الجواب لاختلاف السؤال، وإن كنت أرجح أن جواب أنس رضي الله عنه لقتادة لم يختلف عن جوابه لأبي مسلمة: فقول أنس لقتادة: ما سألني عنه أحد قبلك، ليس اعتذارا عن الجواب، وإنما إشادة بقتادة، وحرصه على العلم. وكان الجواب في إحدى الروايتين: أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، وهو يتضمن نفي قراءة البسملة، كما في رواية البخاري.
وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدا منهم يقرأ. وقول أنس لأبي مسلمة: لا أحفظه، أي لا أحفظ الجهر بالبسملة، فيكون الضمير في قوله: (لا أحفظه) عائدا إلى المسؤول عنه، ويكون قوله: لا أحفظه جوابا وليس اعتذارا عن الجواب كما فهمه بعضهم، فيتفق الجواب في الروايتين:
إحداهما: تنقل الاستفتاح بـ.
والثانية: لا تحفظ الجهر بـ، والمعنى واحد، يدل على عدم الجهر بالبسملة.
والدليل على أن السؤال من قتادة ومن أبي مسلمة كان عن الاستفتاح بالبسملة، لا عن الاستفتاح بأي سورة.
أن مسلما روى الحديث من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة بلفظ: فلم أسمع أحدا منهم يقرأ.
ثم ساق مسلم رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، قال: فقلت لقتادة أسمعته من أنس، قال: نعم، نحن سألناه.
قال ابن حجر في النكت تعليقا «فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة، لا عن سماع الاستفتاح بأي سورة».
يقصد الحافظ: أن شعبة كان سؤاله لقتادة عن عدم سماع قراءة البسملة.
وأما سؤال أبي مسلمة فهو أصرح، حيث قال لأنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ:، أو الحمد لله رب العالمين؟
الوجه الثاني:
قتادة حين سأل أنسا رضي الله عنه، أكان يسأله عن الاستفتاح بأي سورة، أم كان يسأله عن الاستفتاح، أهو بالبسملة أم بالحمد لله رب العالمين؟
فلا يصح أبدا أن يقال: إن قول أنس: إنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين أي يفتتحون بهذه السورة جوابا على سؤال قتادة، وهو مما لا يخفى على عامة المسلمين، فقتادة أكبر شأنا من أن يسأل عن ابتداء مطلق القراءة، أكان بالفاتحة أم بغيرها؟ لأن علم مثل هذا ضروري، يدركه صبيان المسلمين، فينبغي أن يحمل جواب أنس: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين على معنى نفي قراءة البسملة، وهو الذي يسأل عنه قتادة، وقد يخفى على العالم، ويقع فيه النزاع، بين كبار أهل العلم، لا على الافتتاح بالفاتحة.
الوجه الثالث:
على فرض أن يكون جواب أنس لقتادة مختلفا عن جوابه لأبي مسلمة، فإنه لا بد من الترجيح بينهما والترجيح سيكون لصالح رواية قتادة؛ لأن قتادة أحفظ من أبي مسلمة ولا مقارنة إن كان النسيان من قبل أبي مسلمة، وكذا إن كان النسيان من قبل أنس، فيقال: حفظ قتادة جواب أنس وقت تذكره، ولم ينقله أبو مسلمة، فمن حفظه حجة على من سأله في وقت نسيانه، ذكر ذلك ابن عبد البر في الإنصاف الرد الرابع للشافعية:
أن رواية الأوزاعي، عن قتادة مكاتبة، وكاتبه مجهول؛ لأن قتادة ولد أعمى.
* وأجيب:
الجواب الأول:
أن الأوزاعي لم يتفرد بروايته عن قتادة حتى يعلل به حديثا رواه البخاري ومسلم، فقد رواه عن قتادة شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهم من الطبقة الأولى من أصحاب قتادة، كما تابعهم على هذا همام وشيبان وأبو عوانة وحجاج الباهلي، وحماد بن سلمة، وهشام بن حسان وغيرهم، وكلهم ثقات، وقد سبق تخريج ذلك.
الجواب الثاني:
كونه مكاتبة لا يقدح في صحة الحديث عند جمهور أهل العلم، قد ذكر القاضي عياض: أن العمل بالمكاتبة عليه جمهور العلماء وأدخلوه في المسند بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه، ووثوقه بأنها من كاتبها، وقد تقبل الأوزاعي كتاب قتادة، وعمل بمقتضاه، ورواها مسلم في صحيحه، وكل ذلك دليل على صحة الكتاب.
الرد الخامس:
أن حديث أنس بنفي قراءة البسملة معارض بما رواه هو وغيره مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم من الجهر بها، وإذا تعارض الإثبات والنفي قدم الإثبات؛ لأن معه زيادة علم، وسوف أذكر هذه الأحاديث في أدلة الجهر بالبسملة إن شاء الله تعالى، ونجيب عنها.
الدليل الرابع على ترك الجهر:
(ح-١٣٦١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: ولم أرَ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد عليه حدثا في الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: [الفاتحة: ٢].
[أرجو أن يكون حسنا، وهو شاهد صالح لحديث أنس].
وظاهره يدل على نفي القراءة، لكنه محمول على نفي السماع المتضمن عدم الجهر بدلالة حديث أنس الصريحة بنفي الجهر.
الدليل الخامس:
(ح-١٣٦٢) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: [الفاتحة: ٤]، قال: مجدني عبدي -وقال مرة فوض إلي عبدي- فإذا قال: [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: [الفاتحة: ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله. ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم.وجه الاستدلال:
فإذا لم تدخل البسملة في قسمة آي الفاتحة لم تأخذ حكم الفاتحة من وجوب القراءة ومشروعية الجهر بها.
* دليل من قال: يستحب الجهر بالبسملة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقه الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة استدلوا به هنا على مشروعية الجهر، لأن ما كان آية منها فيجهر بها كسائر أبعاضها، وعلى التنزل أن تكون آية من القرآن، وليست من الفاتحة فإن القرآن كله إذا قرئ في الصلاة فإنه يجهر به، من غير فرق بين الفاتحة وبين قراءة ما يتيسر من غير الفاتحة.
وقد سبق لنا مناقشة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، فانظره إن أردت.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٦٣) ما رواه النسائي من طريق الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول: كلما سجد الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
* وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن حديث أبي هريرة لم يروه إلا نعيم بن عبد الله المجمر، وفيه علتان: العلة الأولى: التفرد، حيث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم المجمر، وأين أصحاب أبي هريرة عن هذا الحديث؟
قال ابن عبد الهادي نقلا من نصب الراية: «ذكر البسملة مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام كان يجهر بالبسملة في الصلاة». والتفرد علة عند المتقدمين، إلا أني أرى أن الحمل فيه على تفرد سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، وحكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وعادة أهل الحديث أن يكون الحمل على أضعف رجل في الإسناد.
العلة الثانية: المخالفة، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها، وهو المحفوظ.
الجواب الثاني:
لا يلزم من العلم بقراءة أبي هريرة للبسملة أن يكون قد جهر بها، فالقراءة أخص من الجهر، فقد يكون سمع منه البسملة في مخافتة لقربه منه، وربما سمع بعض الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم بعض الآي في الصلاة السرية، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تسمع أحيانا بعض قراءة من بجانبك، وإن لم يقصد الجهر، وقد يكون أبو هريرة جهر للتعليم، كما جهر عمر بدعاء الاستفتاح، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن الحديث قال: (فقرأ البسملة ثم قرأ بأم القرآن) والعطف يقتضي المغايرة، وفيه إشارة إلى أن البسملة ليست من أم القرآن، فلا تأخذ حكمها في الجهر. ولو تنازلنا وقلنا: حديث أبي هريرة ظاهره يدل على الجهر بالبسملة، فإن دلالته من قبيل دلالة الظاهر. والظاهر عند الأصوليين: ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر بخلاف دلالة النص، فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدا. وإذا تعارض الظاهر مع النص قدم النص، وحديث أنس رضي الله عنه نص في عدم الجهر بالبسملة، فكيف يقدم حديث أبي هريرة على حديث أنس، وقد روى أبو هريرة الحديث القدسي في قسمة الفاتحة بين الله وبين العبد، ولم تدخل البسملة في القسمة، والله أعلم.
الجواب الرابع:
أن أبا هريرة كان يقصد بهذا الحديث الرد على من ترك التكبير في الصلاة في رفعه وخفضه، كما هو ظاهر من لفظ الصحيحين، وهو ما عناه بقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت التسمية محفوظة في حديث أبي هريرة، ولا إخالها، فالمراد منه مشروعية التسمية، لا مشروعية الجهر بها، ويكون التشبيه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عنى به أبو هريرة مطلق التشبيه، لا مقتضاه من كل وجه، كما جهر أبو هريرة بالاستعاذة ونقلت عنه الرواية بهذا في مبحث الاستعاذة، ولم يقصد أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالاستعاذة، بل قصد أبو هريرة إلى التنبيه إلى مشروعية الاستعاذة، لا مشروعية الجهر بها.الدليل الثالث:
(ح-١٣٦٤) ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق عثمان بن خرزاذ، حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح، والمغرب فكان يجهر ب[الفاتحة: ١] قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.[حديث معلول اختلف فيه في إسناده ولفظه].
الدليل الرابع:
(ث-٣١٤) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن معاوية صلى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ: [الفاتحة: ١]، ولم يكبر بعض هذا التكبير الذي يكبر الناس، فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار فقالوا: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت، أين: [الفاتحة: ١]؟ والله أكبر حتى تهوي ساجدا؟ فلم يعد معاوية لذلك بعد. ورواه يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية.
[تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم، على اختلاف عليه في إسناده ولفظه].* ويجاب:
بأن الحديث فيه اضطراب في إسناده ولفظه، وعلى فرض صحته فالموقوف لا يعارض به المرفوع من حديث أنس، وحديثه في الصحيحين.
الدليل الخامس:
(ح-١٣٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، يعني: حرفا حرفا.
[صحيح].وروي أن ذلك كان في الصلاة، وأنه عدها آية منها، ولا يصح، وسبق تخريجه.
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جار على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل.
* وأجاب الجصاص على هذا الاستدلال:
الأول: أن أم سلمة نعتت قراءة النبي عليه السلام ولم تذكر أن ذلك كان في الصلاة.
الجواب الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء؛ لأن أكثر ما فيه أنه قرأها، ونحن كذلك نقول أيضا ولكنه لا يجهر بها.
الجواب الثالث: جائز أن يكون النبي عليه السلام أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ من غير جهر بها، فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض؛ لأنه عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفردا بل كان يصليها في جماعة.الدليل السادس:
(ح-١٣٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه. ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب.[روي مرفوعا وموقوفا، والموقوف أصح] وجه الاستدلال:
الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعا، ولم يخالفه صحابي مثله؛ لأن الظن أنهم أخذوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن الأثر تضمن أحكاما منها: قراءة البسملة، وهذا لا إشكال فيه، وأن البسملة آية من الفاتحة، وهذا فيه خلاف سبق تحريره، وعلى التنزل أنها آية من الفاتحة فلا يلزم منه الجهر، لأن الجهر توقيفي، متلقى من الشارع، فالتأمين يجهر به على الصحيح، وهو ليس من القرآن، والبسملة لا يجهر بها، وإن كانت من القرآن، والأثر لم يتعرض للجهر فلا حجة فيه على مسألتنا، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن هذا الأثر معارض للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين... الحديث رواه مسلم، وسبق ذكره، وهو أصح من هذا الأثر، والله أعلم.
الدليل السابع:
(ث-٣١٥) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال:
صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بغير المغضوب عليهم ولا الضالين.
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمان، قال: قرئ على عبد الملك بن محمد، وأنا أسمع، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: فقرأ، فجهر بـ.[صحيح]
الدليل الثامن:
(ح-١٣٦٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي، حدثني أبي، عن أبيه قال: صلى بنا المهدي فجهر بـ، فقلت له في ذلك، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بـ.
[ضعيف]. وهناك آثار أخرى تركتها اقتصارا على ما ذكر، واختصارا لأن البحث قد كتب فيه العلماء مؤلفات خاصة، ولو توجه الباحث لجمع جميع الآثار لخرج مجلد وحده في حكم الجهر بالبسملة، والعلماء مجمعون على صحة صلاة من جهر ومن أسر بالبسملة، فالخطب سهل، ولله الحمد.
* دليل من قال: يستحب الإسرار إلا أن يجهر بها أحيانا لمصلحة:
أن الجهر بالبسملة أحيانا يكون فيه بعض المصالح، من ذلك:
المصلحة الأولى: ترك المداومة على السنة إذا خيف اعتقاد وجوبها، خاصة إذا كان مداوم ذلك ممن يقتدى به.
المصلحة الثانية: إذا كان الجهر بها لمصلحة التعليم من أجل أن يعلم عامة الناس أن البسملة تقرأ، ولا تترك، ولذلك كان ابن عباس يجهر في قراءة الفاتحة في الجنازة أحيانا.
المصلحة الثالثة: الجهر أحيانا لمصلحة التأليف.
جاء في مطالب أولي النهى: «اختار الشيخ تقي الدين أن يجهر المصلي بالبسملة أحيانا تألفا لمن يقتدي به من الشافعية... فإنه أي فعل ذلك أحيانا المنصوص عن الإمام أحمد، ويكون قصده بذلك تعليما للسنة وللتأليف، واستعطاف القلوب، وعدم النفرة، فإن المخالف في فرع إذا رأى شخصا مثابرا على فعل لا يراه، ربما يصير في نفسه منه شيء، ثم ينمو ذلك الشيء، ويزاد إلى أن يؤدي إلى النفرة التي تؤثر في النفس، فينشأ منها ما لا خير فيه».
* دليل من قال: الجهر والإسرار سواء:
هذا القول نظر في أدلة الجمهور وفي أدلة الشافعية فأخذ منهما جواز الإسرار والجهر، فأيهما اختار فقد أصاب.
* ويناقش: بأن الجهر لم يثبت في حديث صحيح، ولو كان الجهر سنة لنقل إلينا في الأحاديث الصحيحة، وأما الإسرار فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن خلفائه أبي بكر، وعمر، وعثمان، وروي عن علي رضي الله عنه، فليس الجهر والإسرار على حد سواء في الحكم، والله أعلم.
* الراجح:
أن الإسرار هو الثابت بالسنة الفعلية المرفوعة، وهو عمل الخلفاء الراشدين، وأن الجهر بها أحيانا يجوز إذا كان لمصلحة، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون بقدرها، فلا يغلب الجهر الإسرار، ومصلحة التعليم يمكن أن تكون بالقول، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٤١:٣٥٦)
في مذاهب العلماء في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الجهر بها حيث يجهر بالقراءة في الفاتحة والسورة جميعا فلها في الجهر حكم باقي الفاتحة والسورة هذا قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والقراء، فأما الصحابة الذين قالو به فرواه الحافظ أبو بكر الخطيب عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمار بن ياسر وأبي بن كعب وابن عمر وابن عباس وأبي قتادة وأبي سعيد وقيس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي وعبد الله جعفر، ومعاوية وجماعة المهاجرين والأنصار الذين حضروه لما صلى بالمدينة وترك الجهر، فأنكروا عليه فرجع إلى الجهر بها رضي الله عنهم أجمعين، (قال الخطيب): وأما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها، فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا، ومنهم سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء ومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز، وأبو الشعثاء ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد بن علي والأزرق بن قيس وعبد الله بن مغفل بن مقرن، فهؤلاء من التابعين قال الخطيب: وممن قال به بعد التابعين عبد الله بن عمر العمري والحسن بن زيد وعبد الله بن حسن وزيد بن علي بن حسين ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه، ورواه البيهقي عن بعض هؤلاء وزاد في التابعين عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي ومن تابعهم المعتمر بن سليمان، ونقله ابن عبد البر عن بعض هؤلاء، وزاد فقال هو قول جماعة أصحاب ابن عباس طاوس وعكرمة وعمرو بن دينار وقول ابن جريج ومسلم بن خالد وسائر أهل مكة، وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور.
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي: والجهر بالبسملة هو الذي قرره الأئمة الحفاظ واختاروه وصنفوا فيه مثل محمد بن نصر المروزي وأبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم بن حبان وأبي
الحسن الدارقطني وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقى والخطيب وأبي عمرو بن عبد البر وغيرهم رحمهم الله. وفي كتاب الخلافيات للبيهقي عن جعفر بن محمد قال: اجتمع آل محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر "ببسم الله الرحمن الرحيم"، ونقل الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر "ببسم الله الرحمن الرحيم"، وقال أبو جعفر محمد بن علي: لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر. قال أبو محمد: واعلم أن أئمة القراءة السبعة (منهم) من يرى البسملة بلا خلاف عنه. (ومنهم) من رُوي عنه الأمران وليس فيهم من لم يبسمل بلا خلاف عنه، فقد بحثت عن ذلك أشد البحث فوجدته كما ذكرته. ثم كل من رويت عنه البسملة ذكرت بلفظ الجهر بها إلا روايات شاذة جاءت عن حمزة -رحمه الله- بالإسرار بها، وهذا كله ما يدل من حيث الإجمال على ترجيح إثبات البسملة والجهر بها. وفي كتاب البيان لابن أبى هاشم عن أبي القاسم بن المسلسي قال: كنا نقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول فاتحة الكتاب وفي أول سورة البقرة وبين السورتين في الصلاة، وفي الفرض كان هذا مذهب القراء بالمدينة.
* وذهبت طائفة إلى أن السنة الإسرار بها في الصلاة السرية والجهرية، وهذا حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير والحكم وحماد والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبيد وحكي عن النخعي وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن ابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار سواء (واعلم) أن مسألة الجهر ليست مبنية على مسألة إثبات البسملة؛ لأن جماعة ممن يرى الإسرار بها لا يعتقدونه قرآنا بل يرونها من سنته كالتعوذ والتأمين وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنا، وإنما أسروا بها وجهر أولئك لما ترجح عند كل فريق من الأخبار والآثار. واحتج من يرى الإسرار بحديث أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" رواه البخاري وعن أنس أيضًا رضي الله عنه، قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" رواه مسلم، وعنه "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" رواه مسلم، وفي رواية الدراقطني "فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين" رواه مسلم وروي عن ابن عبد الله بن مغفل، قال: "سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقل: أي بني إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع رجلًا منهم يقوله فإذا قرأت فقل الحمد لله رب العالمين". رواه الترمذي والنسائي قال الترمذي: حديث حسن، وعن ابن مسعود، رضي الله عنه قال: "ما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما" قالوا: ولأن الجهر بها منسوخ قال سعيد بن جبير: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة، وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن فقالوا: إن محمدا يدعو إلى إله اليمامة فأمر رسول الله صلي لله عليه وسلم فأخفاها فما جهر بها حتى مات". قالوا: وسئل الدارقطني بمصر حين صنف كتاب لجهر فقال لم يصح في الجهر بها حديث. قالوا: وقال بعض التابعين الجهر بها بدعة قالوا وقياسا على التعوذ. قالوا: ولأنه لو كان الجهر ثابتا لنقل نقلا متواترا أو مستفيضا كوروده في سائر القراءة، واحتج أصحابنا والجمهور علي استحباب الجهر بأحاديث وغيرها جمعها ولخصها الشيخ أبو محمد المقدسي فقال: (اعلم) أن الأحاديث الواردة في الجهر كثيرة. (منهم) من صرح بذلك. (ومنهم) من فهم من عبارته ولم يرد تصريح بالإسرار بها على النبي صلى الله عليه وسلم إلا روايتان. (إحداهما) عن ابن مغفل وهي ضعيفة. (والثانية) عن أنس وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها كما سنوضح إن شاء الله تعالى. (ومنهم) من استدل بحديث "قسمت الصلاة" السابق، ولا دليل فيه على الإسرار. (ومنهم) من يستدل بحديث عن عائشة، وحديث عن ابن مسعود واعتمادهم على حديثي أنس وابن مغفل لم يدع أبو الفرج بن الجوزي في كتابه التحقيق غيرهما فقال لنا: حديثان فذكرهما، وسنوضح أنه لا حجة فيهما، وأما أحاديث الجهر فالحجة قائمة بما يشهد له بالصحة (منها). وهو ما روي عن ستة من الصحابة أبي هريرة وأم سلمة وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب رضي الله عنهم: أما أبو هريرة فوردت عنه أحاديث دالة على ذلك من ثلاثة أوجه (الأول) ما هو مستنبط من متفق على صحته رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: "في كل صلاة قراءة" وفي رواية "بقراءة" وفي أخرى: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: "فما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم". وفي رواية: "فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى منا أخفيناه منكم". كل هذه الألفاظ في الصحيح بعضها وفي الصحيحين وبعضها في أحدهما، ومعناه يجهر بما جهر به ويسر بما أسر به، ثم قد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يجهر في صلاته بالبسملة، فدل على أنه سمع الجهر بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادي: الجهر بالتسمية مذهب لأبي هريرة حفظ عنه، واشتهر به. رواه عنه غير واحد من أصحابه. (الوجه الثاني) حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: "صليت وراء أبي هريرة -رضي الله عنه- فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم الكتاب حتى إذا بلغ ولا الضالين، قال: آمين. وقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد الله أكبر. وإذا قام من الجلوس من الاثنين قال: الله أكبر. ثم يقول: إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم". رواه النسائي في سننه وابن خزيمة في صحيحه قال: ابن خزيمة في مصنفه، فأما الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، فقد صح، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ثابت متصل لا شك ولا ارتياب عند أهل المعرفة بالأخبار في صحة سنده واتصاله، فذكر هذا الحديث، ثم قال: فقد بان وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وأخرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه، وقال: هذا حديث صحيح. وكلهم ثقات ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيح. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. واستدل به الحافظ البيهقي في كتاب الخلافيات. ثم قال: رواة هذا الحديث كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم محتج بهم في الصحيح. وقال في السنن الكبير: وهو إسناد صحيح، وله شواهد واعتمد عليه الحافظ أبو بكر الخطيب في أول كتابه الذي صنفه في الجهر بالبسملة في الصلاة، فرواه من وجوه متعددة مرضية، ثم هذا الحديث ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل في اتصاله وثقة رجاله. (الوجه الثالث) ما رواه الدارقطني في سننه من طريقين عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا إدريس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح بسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو هريرة: هي آية من كتاب الله اقرؤوا إن شئتم فاتحةَ الكتاب؛ فإنها الآية السابعة" في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا أم الناس قرأ بسم الله الرحمن الرحيم قال الدارقطني رجال إسناده كلهم ثقات. وقال الخطيب: قد روى جماعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويأمر به: فذكر هذا الحديث" وقال بدل قرأ جهر. وعن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم"، وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم". قال الشيخ أبو محمد المقدسي: فلا عذر لمن يترك صريح هذه الأحاديث عن أبي هريرة، ويعتمد روايته حديث "قسمت الصلاة"، ويحمله على ترك التسمية مطلقا أو على الإسرار، وليس في ذلك تصريح بشيء منهما والجميع رواية صحابي واحد، فالتوفيق بين رواياته أولى من اعتقاد اختلافها مع أن هذا الحديث الذي رواه الدارقطني بإسناده حديث "قسمت الصلاة" بعينه، فوجب حمل الحديثين على ما صرح به في أحدهما. وأما حديث أم سلمة فرواه جماعة من الثقات عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عنها -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين"، وفي رواية: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يقطعها حرفا حرفا"، وفي رواية "كان النبي صلي الله تعالى عليه وسلم إذا قرأ يقطع قراءته آية آية"، رواه الحاكم في المستدرك وابن خزيمة والدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات أو هو إسناد صحيح. وقال الحاكم في المستدرك: هو صحيح على شرط الخبارى ومسلم ورواه عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم "قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية الحمد لله رب العالمين آيتين الرحمن الرحيم ثلاث آيات مالك يوم الدين أربع آيات. وقال: هكذا إياك نعبد وإياك نستعين وجمع خمس أصابعه". قال أبو محمد: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المقاطيع أخبر عنه أنه عند كل مقطع آية؛ لأنه جمع عليه أصابعه فبعض الرواة حين حدث بهذا الحديث، نقل ذلك زيادة في البيان، وفي عمر بن هارون: هذا كلام لبعض الحفاظ إلا أن حديثه أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وأما الزيادة التي في حديثه وهي قوله قرأ في الصلاة، فرواها الطحاوي من حديث ابن جريج بسنده، وذكر الرازي له تأويلات ضعيفة أبطلتها في الكتاب الطويل، وأما حديث ابن عباس فرواه الدارقطني في سننه والحاكم في المستدرك بإسنادهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الحاكم: هذا إسناد صحيح، وليس له علة وأخرج الدارقطني حديثين كلاهما عن ابن عباس، وقال: في كل واحد منهما هذا إسناد صحيح، ليس في رواته مجروح. (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم: "جهر ببسم الله الرحمن الرحيم". (والثاني): "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". وهذا الثاني رواه الترمذي، وقال: ليس إسناده بذاك قال أبو محمد المقدسي: فحصل لنا والحمد لله عدة أحاديث عن ابن عباس صححها الأئمة. لم يذكر ابن الجوزي في التحقيق شيئا منها بل ذكر حديثا رواه عمر بن حفص المكي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين حتى قبض". قال ابن الجوزي وعمر بن حفص أجمعوا على تركه، وليس هذا بإنصاف ولا تحقيق، فإنه يوهم أنه ليس عن ابن عباس في الجهر سوى هذا الحديث الضعيف، وأما حديث أنس فالاستدلال به من أوجه؛ (الأول) أن في صحيح البخاري من حديث عمرو بن عاصم عن همام وجرير عن قتادة قال: "سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت مدا. "ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم". قال الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي: هذا حديث صحيح لا نعرف له علة. قال: وفيه دلالة على الجهر مطلقا يتناول الصلاة وغيرها؛ لأن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اختلفت في الجهر بين حالتي الصلاة وغيرها لبينها أنس، ولما أطلق جوابه، وحيث أجاب بالبسملة دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها في قراءته، ولولا ذلك لأجاب أنس (بالحمد لله رب العالمين) أو غيرها. (الوجه الثاني) أن في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاء ثم رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، قال: «أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) إلى آخرها» وهذا تصريح بالجهر بها خارج الصلاة، فكذا في الصلاة كسائر الآيات، وقد أخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه عقب الحديث المحتج به في نفي الجهر كالتعليل له به؛ لأن الحديثين من رواية أنس. (فإن قيل): إنما جهر بها في الحديث؛ لأنه تلا ما أنزل ذلك الوقت فيلزمه أن يبلغه جميعه فجهر كباقي السور. (قلنا): فهذا دليل لنا؛ لأنها تكون من السورة، فيكون له حكم باقيها في الجهر حتى يقوم دليل خلافه. (الوجه الثالث): ما اعتمده الإمام الشافعي من إجماع أهل المدينة في عصر الصحابة -رضي الله عنهم- خلافا لما ادعته المالكية من الإجماع. قال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك. قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسور التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من شهد من المهاجرين من كل مكان يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للتي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجدا ورواه يعقوب بن سفيان الإمام عن الحميدي، واعتمد عليه يعقوب أيضا في إثبات الجهر بالبسملة، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد احتج بعبد المجيد وسائر رواته متفق على عدالتهم قال البيهقي وتابعه على ذلك عبد الرزاق عن ابن جريج. ورواه ابن خيثم بإسناد آخر ورواه الدارقطني في سننه وقال: رجالهم كلهم ثقات. قال الدارقطني: وحدثنا أبو بكر النيسابوري. قال: حدثنا الربيع. قال: ثنا الشافعي فذكره إلا أنه قال: فلم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن، ولم يقرأ للسورة بعدها فذكر الحديث، وزاد والأنصاري، ثم قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن وللسورة ورواه الشافعي من وجه آخر. وقال: فناداه المهاجرون والأنصار حين سلم يا معاوية أسرقت صلاتك أين (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ وقد حصل الجواب في الكتاب الكبير عما أورد في إسناد هذا الحديث ومتنه، ويكفينا أنه على شرط مسلم. (الوجه الرابع) روى الدارقطني في سننه ومسنده عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الدارقطني: إسناده صالح، وفيه عن محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: صليت خلف المعتمر بن سلمان ما لا أحصي صلاة المغرب والصبح، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلوا أن أقتديَ بصلاة أبي، وقال: أبي ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس رضي الله عنه: ما آلوا أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات، وأخرجه الحاكم في المستدرك. وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. وأخرج الحاكم أيضا عن شريك بن عبد الله عن أنس قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الحاكم: رواته كلهم ثقات. قال الحاكم: ففي هذه الأخبار معارضة لحديث قتادة عن أنس السابق في ترك قراءة البسملة، وهو كما قال: لأنه إذا صح عنه ما ذكرناه فعلا ورواية فكيف يظن به أنه يروي ما يفهم خلافه فهو لم يقتدِ في جهره بها إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس "إني لا آلوا أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا". قال أبو محمد المقدسي: قد حصل لنا والحمد لله عدة أحاديث جياد في الجهر. وتعرض ابن الجوزي لتضعيف بعض رواته عن أنس لم نذكرها نحن. وتعرض مما ذكرناه لرواية شريك وطعن فيه. (وجواب) ما قال. أن شريكا من رجال الصحيحين ويكفينا أن نحتج بمن احتج به البخاري ومسلم، وفيما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المشهود لها بالصحة ما يرد قول ابن الجوزي: إنه لم يصح عن أنس شيء في الجهر. وأما حديث علي رضي الله عنه الذي بدأ الدارقطني بذكره في سننه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في صلاته قال الدارقطني: هذا إسناد علوي لا بأس به، وقد احتج به ابن الجوزي على المالكية في تركهم البسملة في الصلاة، ولم يحتج في المسألة بغيره ثم ساق الدارقطي الروايات في ذلك عن غير علي من الصحابة، ثم ختمها برواية عنه حين قال: سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال: (الحمد لله رب العالمين). فقيل: إنما هي ست آيات. فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) آية. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات. وإذا صح أن عليا يعتقدها من الفاتحة فلها حكم باقيها في الجهر.
* وأما حديث سمرة فأخرجه الدارقطني والبيهقي عن حميد عن الحسن عن سمرة رضي الله تعالي عنه، قال: "كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان؛ سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة". وأنكر ذلك عمران بن حصين، فكتبوا إلى أبي بن كعب، وكتب أن صدق سمرة؛ قال الدارقطني: كلهم ثقات، وكان عليُّ بن المديني يثبت سماع الحسن من سمرة. قال الخطيب: فقوله: سكتة إذا قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يعني إذا أراد أن يقرأ؛ لأن السكتة إنما هي قبل قراءة البسملة لا بعدها. (وأما الجواب) عن استدلالهم بحديث أنس: "كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين". وعن حديث عائشة فهو أن المراد كانوا يفتتحون سورة الفاتحة لا بالسورة، وهذا التأويل متعين للجمع بين الروايات؛ لأن البسملة مروية عن عائشة رضي الله عنها فعلا، ورواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن مثل هذه العبارة وردت عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم وهما ممن صح عنه الجهر بالبسملة، فدل على أن مراد جميعهم اسم السورة فهو كقوله بالفاتحة، وقد ثبت أن أول الفاتحة البسملة فتعين الابتداء بها، وأما الرواية التي في مسلم "فلم أسمع أحدا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)" فقال أصحابنا: هي رواية للفظ الأول بالمعنى الذي فهمه الراوي عبر عنه على قدر فهمه فأخطأ، ولو بلغ الحديث بلفظه الأول لأصاب، فإن اللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ، ولم يخرج البخاري والترمذي وأبو داود غيره، والمراد به اسم السورة كما سبق، وثبت في سنن الدارقطني عن أنس قال: "كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكانوا يفتتحون بأم القرآن فيما يجهر به". قال الدارقطني: هذا صحيح. وهو دليل صريح لتأويلنا، فقد ثبت الجهر بالبسملة عن أنس وغيره، كما سبق فلا بد من تأويل ما ظهر خلاف ذلك. قال الشيخ أبو محمد المقدسي: ثم للناس في تأويله والكلام عليه خمس طرق؛ (إحداها) وهي التي اختارها ابن عبد البر أنه لا يجوز الاحتجاج به لتلونه واضطرابه واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، فلا حجة في شيء منها عندي؛ لأنه قال مرة: كانوا يفتتحون (بالحمد لله رب العالمين). ومرة كانوا لا يجهرون (بسم الله الرحمن الرحيم). ومرة كانوا لا يقرؤنها، ومرة لم أسمعهم يقرؤنها، ومرة قال: وقد سئل عن ذلك كبرت ونسيت، فحاصل هذه الطريقة إنما نحكم بتعارض الروايات، ولا نجعل بعضها أولى من بعض، فيسقط الجميع، ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في معالم السنن عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع بن خديج في المزارعة لاضطرابه وتلونه، وقال: هو حديث كثير الألوان. (الطريقة الثانية) أن نرجح بعض ألفاظ هذه الروايات المختلفة على باقيها، ونرد ما خالفها إليها، فلا نجد الرجحان إلا للرواية التي على لفظ حديث عائشة: "أنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله"؛ أي بالسورة، وهذه طريقة الإمام الشافعي ومن تبعه؛ لأن أكثر الرواة على هذا اللفظ، ولقوله في رواية الدارقطني: "بأم القرآن" فكأن أنسا أخرج هذ الكلام مستدلا به على من يجوز قراءة غير الفاتحة أو يبدأ بغيرها ثم افترقت الرواة عنه، (فمنهم) من أداه بلفظه فأصاب، (ومنهم) من فهم منه حذف البسملة فعبر عنه بقوله: "كانوا لا يقرؤن" أو فلم أسمعهم يقرؤن البسملة، (ومنهم) من فهم الإسرار فعبر عنه، (فإن قيل): إذا اختلفت ألفاظ روايات حديث قضى المبين منها على المجمل، فإن سلم أن رواية يفتتحون محتملة، فرواية لا يجهرون تعين المراد. (قلنا): ورواية "بأم القرآن" تعين المعنى الآخر، فاستويا، وسلم لنا ما سبق من الأحاديث المصرحة بالجهر عن أنس وغيره، وتلك لا تحتمل تأويلا، وهذه أمكن تأويلها بما ذكرناه فأولت وجمع بين الروايات وألفاظها. (الطريقة الثالثة) أن يقال: ليس في هذه الروايات ما ينافي أحاديثَ الجهر الصحيحة السابقة، أما الرواية المتفق عليها فظاهرة، وأما قوله: لا يجهرون فالمراد به نفي الجهر الشديد الذي نهى الله تعالى عنه بقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)، فنفى أنس رضي الله عنه الجهر الشديد دون أصل الجهر؛ بدليل أنه هو روى الجهر في حديث آخر، وأما رواية من روى (يسرون) فلم يرد حقيقة الإسرار، وهذه طريقة الإمام أبي بكر بن خزيمة، وإنما أراد بقوله: (يسرون) التوسط المأمور به الذي هو بالنسبة إلى الجهر المنهي عنه كالإسرار، واختار هذا اللفظ مبالغة في نفي الجهر الشديد المنهي عنه، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: الجهر (بسم الله الرحمن الرحيم) قراءة الأعراب. أراد الجهر الشديد قراءة الأعراب لجفائهم وشدتهم؛ لأن ابن عباس ممن رأى الجهر بالبسملة كما سبق. (الطريقة الرابعة) رجحها الإمام ابن خزيمة وهي رد جميع الروايات إلى معنى أنهم كانوا يسرون بالبسملة دون تركها، وقد ثبت الجهر بها بالأحاديث السابقة عن أنس، وكأن أنسا بالغ في الرد على من أنكر الإسرار بها فقال: "أنا صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه فرأيتهم يسرون بها"؛ أي وقع ذلك منهم مرة أو مرات لبيان الجواز، ولم يرد الدوام بدليل ما ثبت عنه من الجهر رواية، وفعلا كما سبق فتكون أحاديث أنس قد دلت على جواز الأمرين ووقوعهما من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهما الجهر والإسرار، ولهذا اختلفت أفعال الصدر الأول في ذلك وهو كالاختلاف في الأذان والإقامة، قال أبو حاتم بن حبان: هذا عندي من الاختلاف المباح والجهر أحب إليَّ، فعلى هذا قول من روى: "لم يقرأ" أي لم يجهر، ولم أسمعهم يقرؤن أي يجهرون. (الطريقة الخامسة) أن يقال: نطق أنس بكل هذه الألفاظ المروية في مجالس متعددة بحسب الحاجة إليها في الاستدلال والبيان. (فإن قيل): هلا حملتم حديث أنس رضي الله عنه على أن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الجهر بدليل أنه حكى ذلك عن الخلفاء بعده. (قلنا): منع ذلك أن الجهر مروي عن أنس من فعله كما سبق من حديث المعتمر عن أبيه عن أنس، فلا يختار أنس لنفسه إلا ما كان آخر الأمرين قال أبو محمد: وإن رمنا ترجيح الجهر فيما نقل أنس قلنا: هذه الرواية التي انفرد بها مسلم المصرحة بحذف البسملة أو بعدم الجهر بها قد عللت وعورضت بأحاديث الجهر الثابتة عن أنس، والتعليل يخرجها من الصحة إلى الضعف؛ لأن من شرط الصحيح أن لا يكون شاذا ولا معللا، وإن اتصل سنده بنقل عدل ضابط عن مثله فالتعليل بضعفه لكونه اطلع فيه على علة خفية قادحة في صحته كاشفة عن وهم لبعض رواته، ولا ينفع حينئذ إخراجه في الصحيح؛ لأنه في نفس الأمر ضعيف، وقد خفي ضعفه، وقد تخفى العلة على أكثر الحفاظ، ويعرفها الفرد منهم فكيف والأمر هنا بالعكس، ولهذا امتنع البخاري وغيره من إخراجه، وقد علل حديث أنس هذا بثمانية أوجه ذكرها أبو محمد مفصلة، وقال الثامن: فيها أن أبا سلمة سعيد بن زيد قال: سألت أنسا "أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك". رواه أحمد بن حنبل في مسنده وابن خزيمة في كتابه والدارقطني في سننه. وقال: إسناده صحيح، وهذا دليل على توقف أنس وعدم جزمه بواحد من الأمرين وروي عنه الجزم بكل واحد منهما فاضطربت أحاديثه، وكلها صحيحة فتعارضت فسقطت، وإن ترجح بعضها فالترجيح الجهر لكثرة أحاديثه، ولأنه إثبات فهو مقدم على النفي، ولعل النسيان عرض له بعد ذلك، قال ابن عبد البر: من حفظ عنه حجة على من سأله في حال نسيانه والله أعلم.
* وأما الجواب عن حديث ابن عبد الله بن مغفل فقال أصحابنا والحفاظ هو حديث ضعيف؛ لأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول. قال ابن خزيمة: هذا الحديث غير صحيح من جهة النقل؛ لأن ابن عبد الله مجهول. وقال ابن عبد البر: ابن عبد الله مجهول لا يقوم به حجة. وقال الخطيب: أبو بكر وغيره هذا الحديث ضعيف؛ لأن ابن عبد الله مجهول لا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي حديث حسن؛ لأن مداره على مجهول ولو صح وجب تأويله جمعا بين الأدلة السابقة، وذكروا في تأويله وجهين. (أحدهما) قال أبو الفتح الرازي في كتابه في البسملة: إن ذلك في صلاة سرية لا جهرية؛ لأن بعض الناس قد يرفع قراءته بالبسملة وغيرها رفعا يسمعه من عنده، فنهاه أبوه عن ذلك. وقال: هذا محدث، والقياس أن البسملة لها حكم غيرها من القرآن في الجهر والإسرار. (الثاني) جواب أبي بكر الخطيب قال: ابن عبد الله مجهول، ولو صح حديثه لم يؤثر في الحديث الصحيح عن أبي هريرة في الجهر؛ لأن عبد الله بن مغفل من أحداث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة من شيوخهم، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم" فكان أبو هريرة يقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن مغفل يبعد لحداثة سنه، ومعلوم أن القارئ يرفع صوته ويجهر بقراءته في أثنائها أكثر من أولها فلم يحفظ عبد الله الجهر بالبسملة؛ لأنه بعيد، وهي أول القراءة وحفظها أبو هريرة لقربه وإصغائه وجودة حفظه وشدة اعتنائه.
* وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه، (فجوابه) أنه ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن جابر التمامي عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود ومحمد بن جابر ضعيف باتفاق الحافظ مضطرب الحديث لا سيما في روايته عن حماد بن أبي سليمان. هذا (وفيه) ضعف آخر وهو أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود بالاتفاق، فهو منقطع ضعيف وإذا ثبت ضعفه من هذين الوجهين لم يكن فيه حجة. (ولو كانت) لكانت الأحاديث الصحيحة السابقة المصرحة بالجهر مقدمة لصحتها وكثرتها، ولأنها إثبات وهذا نفي والإثبات مقدم. وأما قول سعيد بن جبير أن الجهر منسوخ فلا حجة فيه، وإن كان قد روي متصلا عنه عن ابن عباس. وقال فأنزل الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) فيسمع المشركون فيهزؤون (ولا تخافت) عن أصحابك، فلا تسمعهم: (وابتغ بين ذلك سبيلا)، وفي رواية "فخفض النبي صلى الله عليه وسلم ببسم الله الرحمن الرحيم" قال البيهقي: يعني -والله أعلم- فخفض بها دون الجهر الشديد الذي يبلغ أسماع المشركين، وكان يجهر بها جهرا يسمع أصحابه. وقال أبو محمد: وهذا هو الحق؛ لأن الله تعالى كما نهاه عن الجهر بها نهاه عن المخافتة، فلم يبقَ إلا التوسط بينهما، وليس هذا الحكم مختصا بالبسملة بل كان القراءة فيه سواء.
* وأما ما حكوا عن الدارقطني فلا يصح عنه؛ لأن الدارقطني صحح في سننه كثيرا من أحاديث الجهر كما سبق وكتاب السنن صنفه الدارقطني بعد كتاب الجهر بدليل أنه أحال في السنن عليه، فإن صحت تلك الحكاية حمل الأمر على أنه اطلع آخرا على ما لم يكن اطلع عليه أولا، ويجوز أن يكون أراد ليس في الصحيحين منها شيء، وإن كان قد صحت في غيرها، وهذا بعيد فقد سبق استنباط الجهر من الصحيحين من حديث أنس وأبي هريرة، (وأما قولهم) قال بعض التابعين: الجهر بالبسملة بدعة، ولا حجة فيه؛ لأنه يخبر عن اعتقاده ومذهبه كما قال أبو حنيفة: العقيقة بدعة وصلاة الاستسقاء بدعة، وهما سنة عند جماهير العلماء للأحاديث الصحيحة فيهما، ومذهب واحد من الناس لا يكون حجة على مجتهد آخر فكيف يكون حجة على الأكثرين مع مخالفته للأحاديث الصحيحة السابقة، (وأما قياسهم) على التعوذ (فجوابه) أن البسملة من الفاتحة ومرسومة في المصحف بخلاف التعوذ، (وأما قولهم) لو كان الجهر ثابتا لنقل تواترا، فليس ذلك بلازم؛ لأن التواتر ليس بشرط لكل حكم. والله أعلم بالصواب وله الحمد والمنة.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٦/١٨١:١٨٢)
الجهر بالبسملة:
٦- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه تسن قراءة البسملة سرا في الصلاة السرية والجهرية. قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وهذا ما حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك. وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وقال أبو هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها. وذهب الشافعية إلى أن السنة الجهر بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة، وفي السورة بعدها. فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة. قال النووي: الجهر بالتسمية قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والقراء، ثم ذكر الصحابة الذين قالوا به منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وابن عمر، وابن عباس. وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن ابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار سواء. ويرى المالكية على المشهور كراهة استفتاح القراءة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم مطلقا في أم القرآن وفي السورة التي بعدها سرا وجهرا. قال القرافي من المالكية: الورع البسملة أول الفاتحة خروجا من الخلاف إلا أنه يأتي بها سرا ويكره الجهر بها.