الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٣/٤٠٢:٤٢٠)
الفصل الأول: في حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع:
المدخل إلى المسألة:
* كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.
* ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.
* القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
* القول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم المسيء التكبير؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجب بعيد جدًّا، يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، والأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.
* التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.
* فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.* ثبوت التكبير من فعله -عليه الصلاة والسلام- يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة موجودين، ولم ينكر الترك.
* كيف يظن بصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار.
* القول بأن الحجة فيما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
[م-٦١٥] إذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير، وعامة العلماء على مشروعيته للانتقال إلى الركوع، واختلفوا في حكمه:
فقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد. قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث».
وقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة...».
وقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق، وعمر، وابن مسعود، وابن عمر وابن جابر... وعوام أهل العلم».
فهذا لو صح عنهم صريحًا لم نرغب عن غيره، فليت شعري مَنْ الناسُ بعدَهُمُ؟ لكن المنقول عن الترمذي وابن المنذر والطحاوي وابن بطال وغيرهم أنهم كانوا يكبرون للركوع كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يكبر، والفعل يدل على المشروعية، ولا مرية فيه، لكنه لا يستفاد بمجرده وجوب التكبير، ولا نفيه. وقال في بدائع الصنائع: «أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء».
وقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة.
وقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم.
قال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض».
وقيل: ركن إلا في حق المأموم فواجب، ذكره الزركشي من الحنابلة.وقيل: ليس بسنة إلا في الجماعة، اختاره طائفة من العلماء.
قال ابن عبد البر: «قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده، فلا بأس عليه ألا يكبر».هذا ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى أربعة أقوال:
قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن إلا في حق المأموم، وقيل: ليس بسنة إلا في حق الجماعة.
* دليل من قال: تكبيرات الانتقال سنة:
الدليل الأول:
(ح-١٦١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
وجه الاستدلال:
كون النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمره بتكبيرة الإحرام، ثم يأتي على الركوع والسجود والرفع منه فيذكره، ولا يذكر التكبير دليل على أن تكبيرات الانتقال ليست واجبة، فلو كانت واجبة لعلمه إياها؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه -عليه السلام- ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة».
* ونوقش هذا الاستدلال:
الجواب الأول:
أن سكوت هذا الحديث عن إيجاب التكبير لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وكل هذه الأشياء لا تمنع من وجوبها في أدلة أخرى.
هذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن التكبير لم يقم دليله، بخلاف التسليم، وقراءة الفاتحة، والتشهد على افتراض أن لفظة: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) محفوظة، وليست شاذة، وقد رواها النسائي والبيهقي، والحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، وسيأتي تخريجها في مظانها إن شاء الله تعالى.
يقول ابن عبد البر: «إن التسليم قد قام دليله، وثبت النص فيه بقوله: (تحليلها التسليم)، وبأنه كان يسلم من صلاته طول حياته، فثبت التسليم قولًا وعملًا، وأما التكبير فيما عدا الإحرام فقد كان تركه الصدر الأول... ولم يعب بعضهم تركه، بل جعلوه من باب الكمال والتمام، ولذلك قلنا: إن التكبير فيما عدا الإحرام سنة».
وكذلك قراءة الفاتحة قام دليلها بحديث عبادة المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فإن قيل: إذا كان التكبير واجبًا فلماذا لم يذكر في حديث أبي هريرة؟
* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
يحتمل أن التكبير لم يكن واجبًا أول الأمر، ثم وجب بعد ذلك.
* ويناقش:
القول بأن الركوع والسجود تقدم وجوبه على وجوب التكبير بعيد جدًّا، يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، لأن التكبير إن شرع استحبابًا مع الركوع والسجود، ثم نسخ الاستحباب إلى الوجوب فهذا لو وقع لنقل وحفظ، والأصل أن حكمه قد استقر مع التشريع الأول، والانتقال عنه يحتاج إلى دليل صريح لا نزاع فيه، كما نقل نسخ التطبيق. وإن كان تشريع التكبير قد تأخر عن تشريع الركوع والسجود، بحيث إنهم كانوا يركعون ويسجدون ويرفعون من دون تكبير، ثم شرع التكبير بعد ذلك، فهذه دعوى لا دليل عليها، وهي أشد غرابة من الافتراض الأول؛ فلو تأخر تشريعه لنقل وحفظ.
الجواب الثاني:
ربما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد اقتصر على تعليمه ما أساء فيه فقط.
* ويناقش:
بأن هذا الافتراض بعيد جدًّا؛ لأنه قد ذَكَرَ له تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له تكبيرة الركوع والسجود، فكيف يتصور أنه قد أساء في تكبيرة الإحرام، وما أساء في تكبيرة الركوع والسجود، فإن من أحسن التكبير للركوع والسجود حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
الجواب الثالث:
أن التكبير وإن لم يحفظ من حديث أبي هريرة، فقد حفظ من حديث رفاعة، فقد جاء فيه تكبيرات الانتقال، وهي قصة واحدة، وسوف نأتي على ذكره في أدلة القائلين بالوجوب إن شاء الله تعالى، ونجيب عنه، فانظره مشكورًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٦١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا الحسن بن عمران -رجل كان بواسط- قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان لا يتم التكبير، يعني: إذا خفض، وإذا رفع.[ضعيف].
* ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، فلا يقوى على معارضة أحاديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكبر إذا ركع، ويكبر إذا سجد، وهي أحاديث في غاية الصحة، أو أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير.الدليل الثالث:
(ح-١٦١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال:
صليت خلف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد -صلى الله عليه وسلم- أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد -صلى الله عليه وسلم.ورواه البخاري من طريق أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، قال:
صلى مع علي -رضي الله عنه- بالبصرة فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع.
الدليل الرابع:
(ح-١٦١٥) ما رواه البخاري من طريق همام، عن قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم.
وجه الاستدلال من الأثرين:
هذه الآثار تدل على أن التكبير في كل خفض ورفع لم يكن في منزلة الواجبات عندهم، ولولا ذلك ما قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق، وكيف يقبل صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تضييع هذا الواجب، حتى أصبح فعله بينهم مستغربًا، وكيف يظن بصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار، وحتى يقع استغرابه من عالم فقيه مثل عكرمة، ولو كان الترك من قبل الأمراء خاصة لوجد التخريج لهم.كل هذا يدل أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة، وقد فعله جماعة من السلف، وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله للذي لم يفعله: إن صلاتك لا تتم إلا به، فكان هذا شأن السنن.
* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن هذا مما أحدثه الناس بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى كان الأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولا حجة فيه، بل الحجة فيما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المنذر: «ولا حجة في أحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقول أحد».
* ورد هذا الجواب من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا الكلام متوجه لو كان الناس يذهبون إلى القول بعدم مشروعية التكبير، أو كان هناك سنة مرفوعة صريحة في وجوب التكبير، ثم يدع الناس التكبير، فيقال: لا حجة في قول أحد، ولا في فعله إذا قضى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره.
فثبوت التكبير من فعله -عليه الصلاة والسلام- يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة فيه متواجدين، ولم يُنْكَر الترك، والقول بأن الحجة فيما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، والقول بأن التكبير سنة هو مذهب أبي حنفية، ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وكما قال ابن عبد البر: عليه جماهير الأمصار.
الوجه الثاني:
القول بأن هذا مما أحدثه الأمراء لا يسلم، بل إن الترك كان من عامة الناس، مصحوبًا بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم، وكانوا يصلون خلفهم، وهل في الناس من هو أنصح من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لا تجد نصًّا ينكر على من ترك التكبير. حتى خفي ذلك على عكرمة، وجعله يصف من يكبر بالأحمق، هذا لا نظنه من أنفسنا وإخواننا، فكيف نظنه بالصحابة رضوان الله عليهم.
الجواب الثاني:
أن الترك المنسوب في الصدر الأول إنما هو على ترك الجهر، لا على ترك التكبير، أو على نقصه إذا انحط إلى السجود، وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية؛ لأن الخفض يشاهد بالأبصار، فظنوا أن الإمام لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع والسجود، فيحتاج للتكبير للإعلام به، لإمكان الاقتداء.
* ورد هذا:
إذا لم يسمع التكبير من الإمام، فدعوى أنه يكبر سِرًّا خلاف الظاهر، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم استدلوا على قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- في السرية على اضطراب لحيته، ولم يعتمدوا على قياس قراءته في السرية على قراءته في الجهرية؛ باعتبار الجميع عبادة من جنس واحد، فأين الدليل على أنه كان يكبر سرًّا.
بل إن ما رواه البخاري عن عكرمة، حين قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت: لابن عباس: إنه أحمق... فقوله: (فكبر ثنتين وعشرين) ظاهره يدل على أن الإنكار للتكبير، وليس متوجهًا للجهر به فقط، فحمل الإنكار على الجهر خلاف الظاهر.
وإذا انتقص التكبير في حال الركوع وفي حال السجود، كان هذا دليلًا على عدم الوجوب، فإن الجهر في حال الركوع وفي حال السجود لم يكن من أجل وجوب التكبير، وإنما من أجل الاقتداء، فهو بمنزلة من يبلغ عن الإمام في حال ضعفه، فلا يجب التبليغ لذاته، ويؤخذ منه أنه لا يجب التكبير على المأموم، ولا على المنفرد لعدم الحاجة إلى الاقتداء به.الدليل الخامس من الآثار:
(ث-٤٣٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر، عن يزيد الفقير، قال: كان ابن عمر، ينقص التكبير في الصلاة. قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر.
[صحيح].
فهذا ابن عمر مع ما عرف منه من شدة احتياطه وتحريه ينقص من التكبير، فلو كان يرى أن التكبير حتم ما كان لينقص منه، وفيه جواب على من رأى أن انتقاص التكبير كان من إحداث الأمراء.
وقوله: (لم يكبر) صريح في نفي التكبير، فحمله على نفي الجهر خلاف الظاهر، وقد سبق الجواب على ذلك.
* دليل من قال: تكبيرات الانتقال واجبة أو ركن:
الدليل الأول:
(ح-١٦١٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً... فذكر قصة، وفيه:...قال أبو موسى: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله تبارك وتعالى، قال على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم...» الحديث.وجه الاستدلال:
قوله -صلى الله عليه وسلم- قال: »إذا كبر وركع فكبروا... وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا»، فأمر بالتكبير، والأصل بالأمر الوجوب.
* ونوقش هذا الحديث:
بأن حديث أبي موسى أخص من الدعوى لأنه أمر للمؤتم فقط، فلا يستفاد منه وجوب التكبير على المنفرد، ولا على الإمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المأموم لم يؤمر به ابتداء، وإنما سيق لبيان أن أفعاله تقع بعد فعل إمامه، لا قبله، ولا معه، ولهذا قال في الحديث: «فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم»، فكان الأمر بالتكبير غير مراد منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: «وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين» من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا...».
الدليل الثاني:
(ح-١٦١٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته».وجه الاستدلال:
قوله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كبر وركع فكبروا... وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا»، فأمر بالتكبير، والأصل بالأمر الوجوب.
* ونوقش هذا الحديث:
بأن حديث أبي موسى أخص من الدعوى؛ لأنه أمر للمؤتم فقط، فلا يستفاد منه وجوب التكبير على المنفرد، ولا على الإمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المأموم لم يؤمر به ابتداء، وإنما سيق لبيان أن أفعاله تقع بعد فعل إمامه، لا قبله، ولا معه، ولهذا قال في الحديث: «فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم»، فكان الأمر بالتكبير غير مراد منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: «وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين» من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا...».
الدليل الثاني:
(ح-١٦١٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته».الدليل الثالث:
(ح-١٦١٨) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
ورواه مسلم من طريق عقيل به.
فإن قيل: أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا تدل على الوجوب. فالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين: مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا الفعل.
والأمر الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث مالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.
* ويجاب:
بأنه سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: (لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي. وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي -صلى الله عليه وسلم- وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية. (ح-١٦١٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال: حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم». زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي... الحديث.
ومن المعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، ولا شك أن المخاطب بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» هو مالك بن الحويرث: لأن الخطاب موجه له ولرفقته في أصل التشريع، وتدخل الأمة معه تبعًا باعتبار عموم أحكام الشريعة، وقد رآه مالك بن الحويرث يصلي جلسة الاستراحة، أكانت جلسة الاستراحة واجبة على مالك بن الحويرث، وقد رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يفعلها؟ وما يدري مالك بن الحويرث أن هذه الجلسة ليست واجبة، ومقامه عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرين يومًا، وقد أمر بأن يصلي كما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، فإن قلنا: إن جميع ما رآه مالك بن الحويرث واجب عليه أن يفعله، فقد خالفنا الإجماع، وإن قلنا: إن بعض ما رآه منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، كجلسة الاستراحة مثلًا، لم يصح الاستدلال بالحديث على وجوب التكبير، لهذا لا يمكن الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن الاستدلال به على وجوب التكبيرات بهذا العموم، إلا لو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- المجردة الاستحباب، والله أعلم.
* دليل من قال: لا يسن التكبير إلا في الجماعة:
هذا القول نظر إلى أن التكبير من أجل إمكان الاقتداء، فالاقتداء بالإمام واجب، فإذا ركع أو سجد أو رفع وجب على المأموم أن يتابع الإمام في ذلك، ولا يمكنه العلم بذلك إلا عن طريق سماع التكبير، خاصة في حال الركوع والسجود، لهذا خُصَّ الأمر بالتكبير في حال الجماعة فقال في حديث أبي موسى السابق: (فإذا كبر فكبروا)، ولم يتوجه أمر بالتكبير إلا في حال الجماعة. وبه نفهم لماذا لم يعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- المسيء في صلاته؛ لأنه يخاطبه في صلاته منفردًا، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر...» إلخ الحديث.
* ويناقش:
إذا كان التكبير لإمكان الاقتداء فهو واجب لغيره، ويكون واجبًا على الإمام وحده دون المأموم، ويجب في حال إذا لم يمكن العلم بانتقال الإمام إلا بالتكبير، كما في حال السجود، وقد يلحق به الرفع من الركوع، أما في الانحطاط للركوع وللسجود فالإمام يمكن رؤيته، والعلم بفعله، خاصة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الصف الذي خلفه أن يقتدوا به، وأن يقتدي كل صف بالصف الذي أمامه يشعر أن الاقتداء بالفعل، وليس بالتكبير.
(ح-١٦٢٠) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: «تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم...» الحديث. فقوله: «فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم» أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فلم يتوقف الاقتداء على سماع التكبير، مع إمكان سماعه، أو التبليغ بالتكبير إذا لم يسمع، وجعل الاقتداء بالأفعال، مما يشعر أن الاقتداء لا يتوقف على التكبير إلا في بعض أفعال الصلاة كما سبق، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٣/٢٠٧:٢٠٨)
تكبيرات الانتقالات:
٤- يرى جمهور الفقهاء أن تكبيرات الانتقالات سنة. قال ابن المنذر: بهذا قال أبو بكر الصديق وعمر وجابر وقيس بن عبادة والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو حنيفة ومالك والشافعي، ونقله ابن بطال أيضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ومكحول والنخعي وأبي ثور، ودليل الجمهور حديث المسيء صلاته، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه صلاته، فعلمه واجباتها، فذكر منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر تكبيرات الانتقالات وهذا موضع البيان ووقته ولا يجوز التأخير عنه. أما الأحاديث التي تثبت التكبير في كل خفض ورفع فمحمولة على الاستحباب، منها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس. والحديث فيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ويرى أحمد بن حنبل في المشهور عنه أن تكبير الخفض والرفع واجب، وهو قول إسحاق بن راهويه وداود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به وأمره للوجوب، وفعله. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقد روى أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ -إلى قوله- ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا، ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول الله: أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته. وهذا نص في وجوب التكبير». ولأن مواضع هذه الأذكار أركان الصلاة فكان فيها ذكر واجب كالقيام. وقال أبو عمر: قد قال قوم من أهل العلم إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام وشعار الصلاة، وليس بسنة إلا في الجماعة. فأما من صلى وحده فلا بأس أن يكبر.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٦)
ويسن أن يكبر للركوع بلا خلاف عندنا قال أصحابنا: ولا يصل تكبيرة الركوع بالقراءة بل يفصل بينهما بسكتة لطيفة كما سبق، قالوا: ويبتدئ بالتكبير قائما، ويرفع يديه، ويكون ابتداء رفع يديه، وهو قائما ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى، ويمد التكبير
إلى أن يصل إلى حد الراكعين هذا هو المذهب، ونص عليه في الأم، وقطع به العراقيون وغيرهم وحكى جماعة من الخراسانيين قولين: (أحدهما): هذا وهو الجديد. (والثاني): وهو القديم لا يمد التكبير بل يشرع به قالوا، والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات، وهل تحذف أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها الصحيح المد، ولو ترك التكبير عمدا أو سهوا حتى ركع لم يأت به لفوات محله.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٧:٣٩٨)
في مذاهب العلماء في تكبيرات الانتقالات (اعلم) أن الصلاة الرباعية يشرع فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، منها خمس تكبيرات في كل ركعة، أربع للسجدتين والرفعتين منها، والخامسة للركوع فهذه عشرون، وتكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وأما الثلاثية فيشرع فيها سبع عشرة، سقط منها تكبيرات ركعة وهن خمس، وأما الثنائية فيشرع فيها أحد عشر للركعتين وتكبيرة الإحرام، وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الحرام فهي فرض، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمر وابن مسعود وابن عمر وابن جابر وقيس بن عباد وشعيب والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعوام أهل العلم، ونقل أصحابنا عن سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري أنهم قالوا: لا يشرع إلا تكبيرة الإحرام فقط، ولا يكبر غيرها، ونقله ابن المنذر أيضا عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ونقله أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري عن جماعات من السلف، منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين والقاسم بن محمد وسالم وسعيد بن جبير، وأما قول البغوي في شرح السنة: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات؛ فليس كما قال، ولعله لم يبلغه ما نقلناه أو أوراد اتفاق العلماء بعد التابعين على مذهب من يقول إجماع بعد الخلاف، وهو المختار عند متأخري الأصوليين، وبه قال من أصحابنا أبو علي بن خيران والقفال والشاشي وغيرهما، وقال أحمد بن حنبل: جميع التكبيرات واجبة. واحتج لأحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبرهن، واحتج لمن أسقطهن غير تكبيرة الاحرام بحديث عن الحسن عن ابن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه رضي الله عنه "أنه صلى مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير" رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما هكذا، وفي رواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده زيادة "لا يتم التكبير يعني إذا خفض وإذا رفع"، ودليلنا على أحمد حديث "المسيء صلاته"؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بتكبيرات الانتقالات، وأمره بتكبيرة الإحرام، وأما فعله صلى الله عليه وسلم، فمحمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة، ودليلنا على الآخرين حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرقع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" رواه البخاري ومسلم ولفظه لمسلم. وعن مطرف قال: "صليت أنا وعمران بن حصين مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فكان إذا سجد كبر وإذا رفع كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي ثم قال لقد صلي بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري ومسلم. وعن عكرمة قال: "صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما". رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وفي المسألة أحاديث كثيرة في الصحيح، وفيما ذكرناه كفاية، والجواب عن حديث ابن أبزى من أوجه:(أحدها) أنه ضعيف؛ لأنه رواية الحسن عن ابن عمران. (والثاني) أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير وقد سمعه غيره ممن ذكرنا، فقدمت رواية المثبت. (والثالث) لعله ترك التكبيرات أو نحوها لبيان الجواز، وهذان الجوابان ذكرهما البيهقي. والجواب الأول جواب محمد بن جرير الطبري وغيره.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٣/٤٦٦:٤٧٢)
المبحث الثاني: في وقت ابتداء التكبير:
المدخل إلى المسألة:
* السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
* التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع؛ فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.
* لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبا لتوجه الأمر به من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته بيانا للشريعة، وحرصا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.
* الأصل في أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- الاستحباب.
* إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
* إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.
[م-٦١٨] اختلف العلماء في وقت ابتداء التكبير للركوع، فقيل: يسن أن يبتدئ التكبير قائما، وقال به بعض الحنفية، وهو المنصوص عن الإمام الشافعي في الأم، وقطع به العراقيون، واختاره النووي في المجموع، وقال: هو المذهب، ورجحه متأخرو الشافعية، وصوبه الإسنوي في المهمات. قال الإمام الشافعي في الأم: «وإذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير قائما، فكان فيه، وهو يهوي راكعا». وقيل: يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائما جاء في تهذيب المدونة: «ويكبر في حال انحطاطه لركوع أو سجود». وقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات. وقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة.
* حجة من قال: يبدأ بالتكبير قائما ثم ينحني للركوع:
يشرع للراكع أن يرفع يديه مع التكبير في أصح قولي أهل العلم، ويتعذر أو يتعسر أن يرفع يديه مع هويه للركوع، والأصل في الرفع أن يكون مقارنا للتكبير وعليه يبدأ بالتكبير قائما رافعا يديه فإذا حاذت يداه منكبيه انحنى للركوع، ثم أتم التكبير راكعا، فإذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
* حجة من قال: يسن أن يبدأ بتكبيرات الانتقال من حين الشروع:
(ح-١٦٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.وجه الاستدلال:
قول أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
قال الترمذي: «وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم، قالوا: يكبر الرجل، وهو يهوي للركوع والسجود».
والأصل في أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- الاستحباب، ولو كان واجبا لتوجه الأمر به من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته بيانا للشريعة، وحرصا على سلامة صلاة المسلمين من النقص، فلم يحفظ نص يأمر به الشارع المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الشروع، وأنه لو تعمد خلاف ذلك لبطلت صلاته، أو خالف ذلك ساهيا لوجب أن يتدارك ذلك بسجود السهو، فإذا لم يثبت ذلك، فالأصل صحة الصلاة، وعدم وجوب سجود السهو.
* حجة من قال: يجب أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع:
الدليل الأول:
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة السابق: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه). فإن قيل: إن هذه أفعال، والفعل المجرد إذا كان على وجه التعبد يدل على المشروعية. فالجواب: أن أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة على الوجوب؛ لقوله في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فكانت جميع أفعاله -صلى الله عليه وسلم- بيانا لهذا المجمل في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والفعل إذا كان بيانا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل إلا أن يدل دليل على أنه من السنن، كجلسة الاستراحة، ونحوها.
* ويناقش:
سبق لي مناقشة الاستدلال في حديث مالك على وجوب أفعال الصلاة، وأن مالك بن الحويرث قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فمكث عنده عشرين يوما يصلي خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ينصرف إلى أهله (صلوا كما رأيتموني أصلي) وإذا كان فيما شاهده مالك بن الحويرث من صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- منه ما هو واجب، ومنه ما هو من السنن كجلسة الاستراحة، لم يكن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صلوا كما رأيتموني أصلي) مقصورا على الأمر بالواجبات دون السنن، وإذا لم يكن دليلا على الوجوب في حق من وجه له هذا الخطاب مباشرة، لم يدل على الوجوب فيمن دخل في عموم الخطاب بصورة غير مباشرة.
الدليل الثاني:
أن من كبر قبل الركوع، أو أتمه بعده، فركوعه لا يعتد به، قياسا على من تمم قراءته راكعا، أو أخذ في التشهد قبل القعود؛ لوقوع الذكر في غير محله.
* ويناقش:
لا نسلم أن التكبير إذا وقع جزء يسير منه قبل الشروع أو بعده أنه في حكم من أوقع التكبير كله في غير محله؛ فإذا أوقع أكثر التكبير في محله فللأكثر حكم الكل، واليسير مغتفر، المهم ألا يوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو يشرع فيه كله بعد الانتقال، فإن هذا التكبير في غير محله، فإن وقع ذلك منه لم يعتد به؛ لمخالفته السنة، وأما بطلان صلاته فإنه مبني على حكم تكبيرات الانتقال، والجمهور على أنها سنة، وهو الصواب لا سيما في حق المنفرد، والمأموم، وكذا في حق الإمام إلا أن يتوقف عليه اقتداء المأموم بالإمام، خاصة في حال الرفع من السجود والركوع، فيجب لغيره؛ والله أعلم.
* حجة المالكية في تأخير التكبير إذا قام من الركعتين:
ذكر خليل في التوضيح وجهين لهذا:
الأول: العمل، وكفى به. وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله فأمرهم بذلك، فلم ينكر ذلك عليه أحد.
الثاني: أن التكبير على قسمين: إما مفتتح به ركن، كتكبيرة الإحرام. وإما في حال الحركة إذا انتقل عن ركن، كالتكبير للركوع وغيره، والجلوس الأول ليس بركن، فأخر التكبير ليفتتح به ركنا وهو القيام، كتكبيرة الإحرام. وقيل: إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
* الراجح:
أرى أن تكبيرات الانتقال تنقسم إلى قسمين:
تكبيرات يشرع معها رفع اليدين، كتكبيرة الركوع، والرفع منه، فهذا في حال الركوع له صفتان:
الصفة الأولى: أن يكون الرفع مقارنا للتكبير، وهذا مذهب الشافعية، وصفته كما قالوا: يكون ابتداء رفع يديه، وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى، وعللوا ذلك بأن الرفع حال الانحناء متعذر أو متعسر.
الصفة الثانية: أن يرفع يده قبل التكبير، فإذا بلغت يداه حذاء منكبيه شرع في الهوي مكبرا، فيكون رفع اليدين قبل الانحناء، ويكون الشروع في التكبير من حين أن يهوي للركوع.
قال أحمد كما في مسائل أبي الفضل: «يرفع يديه عند الافتتاح، وقبل الركوع وبعد الركوع».
فظاهر كلام أحمد أن الرفع للركوع يكون قبل الشروع في التكبير والركوع، وبعد الفراغ من الركوع.
وفي حال الرفع من الركوع سوف يقول سمع الله لمن حمده من حين أن يشرع في الرفع، سوف يتم رفع يديه إلى منكبيه بعد أن ينتصب قائما، ولا يمكنه أن ينهي رفع اليدين في حال الانتقال؛ لتعسره.
وقسم من تكبيرات الانتقال لا يشرع معه رفع اليدين، كالهوي للسجود، والرفع منه، وكذا القيام من التشهد الأول على الصحيح، فالمشروع له أن يبتدئ التكبير من حين أن يشرع في الانتقال، ويتمه قبل الانتقال إلى الركن الذي يليه، وهذا على سبيل الأفضل، فلو ابتدأ التكبير قبل الانتقال وأتمه في الركوع، أو بدأ فيه حال الانتقال وأتمه بعده، فلا حرج إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/١٣١)
التكبير عند ابتداء الركوع:
٨ ذهب أكثر أهل العلم وجمهور الفقهاء إلى أن من السنة أن يبتدئ الركوع بالتكبير للأحاديث النبوية الواردة في ذلك منها: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة. الحديث. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يصلي بهم فكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ولأنه شروع في ركن من أركان الصلاة فشرع فيه التكبير كحالة ابتداء الصلاة. وذهب الحنابلة إلى أن تكبيرة الركوع كغيرها من تكبيرات الانتقال من واجبات الصلاة التي تبطل الصلاة بتركها عمدا، وتسقط إذا تركت سهوا أو جهلا، ولكنها تجبر بسجود السهو، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ الركوع بالتكبير. وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه.
ويسن للإمام عند الجمهور والحنابلة معا أن يجهر بهذه التكبيرة، ليعلم المأموم انتقاله، فإن لم يستطع لمرض أو غيره بلغ عنه المؤذن أو غيره.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٣/٤٧٣:٤٧٦)
المبحث الثالث في مد تكبيرات الانتقال لتستوعب جميع المحل:
المدخل إلى المسألة:
* القول في صفة العبادة كالقول في العبادة، الأصل فيها المنع إلا بدليل.
* لو كان مد التكبيرات مشروعا لكان أولى الناس بفعله، والمحافظة عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولو فعلوها لحفظ ذلك، ونقل للأمة.
* لا مجال لمد (الله أكبر) أكثر من المد الطبيعي في لفظ الجلالة، ومقداره حركتان، لا يزيد عليهما.
* مد كلمة (أكبر) قد يخرجها من النطق الصحيح إلى اللحن القبيح، كما لو مد همزة (أكبر) أو مد الباء من (أكبر) فتصير (أكبار).
[م-٦١٩] اختلف الفقهاء في استحباب استيعاب الانتقال بالتكبير، بحيث يكون ابتداؤه مع شروعه بالانتقال، وفراغه منه بفراغه من الانتقال:
فقيل: يستحب، وهو قول المالكية، والحنابلة، والجديد من قولي الشافعي، قال النووي: وهو المذهب، ونص عليه في الأم، وقطع به العراقيون وغيره.
جاء في حاشية ابن عابدين: «السنة كون ابتداء التكبير عند الخرور، وانتهائه عند استواء الظهر». وجاء في مواهب الجليل: «ويستحب أن يعمر الركن من أول الحركة إلى آخرها بالتكبير، فإن عجل أو أبطأ فلا شيء عليه، إلا في القيام في اثنتين فلا يكبر حتى يستوي قائما على المشهور». وهو معنى قول الحنابلة: يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال، وانتهاؤه مع انتهائه، فإن كمله في جزء من الانتقال، ولم يستوعبه به أجزأه. وقال الغزالي في الوسيط: «للشافعي رضي الله عنه قولان: أحدهما: أن يمد التكبير إلى أن يستوي راكعا. والثاني: الحذف حذارا عن التغيير بالمد وهو جار في تكبيرات الانتقالات كلها».
* وجه القول باستيعاب الانتقال بالتكبير:
حتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.
* ويناقش:
بأن مد التكبير لكي يستوعب الانتقال من ركوع وسجود وقيام، هذا المد صفة في العبادة، وصفة العبادة خاصة الصلاة إما أن تكون مشروعة، فأولى الناس بفعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. وإما أن تكون غير مشروعة. فإن كانت مشروعة، فما الحاجة إلى الاعتماد على دليل نظري في عبادة تتكرر كل يوم عشرات المرات، في النفل والفرض، ويشهدها المسلمون في صلواتهم، وتتوافر الهمم على نقل تلك الصفة، ثم لا يوجد أثر واحد يمكن الاعتماد علاه في مشروعيتها، أليس هذا كافيا في نفي المشروعية عن هذه الصفة؟ فالمطلوب أن يقول المصلي (الله أكبر) ليس فيها مد إلا مدا طبيعيا في لفظ الجلالة بمقدار حركتين، لا يزيد عليهما. وأما مد كلمة (أكبر) فقد يخرجها من النطق الصحيح إلى اللحن القبيح، كما لو مد همزة (أكبر) فتتحول الجملة الخبرية إلى استفهام، وهذا يخشى على صاحبه من بطلان صلاته، أو يقع في مد الباء من (أكبر) فتصير (أكبار)، فيتحول المعنى إلى (طبل)، فيتحرف المعنى، والله أعلم. وقال الحنفية والشافعي في القديم: لا يمد التكبير. قال ابن نجيم في البحر الرائق: «وكبر بلا مد وركع». قال النووي في المجموع: «وأما تكبيرات الانتقالات كالركوع والسجود ففيها قولان: القديم يستحب أن لا يمدها...».
* حجة هذا القول:
الحجة الأولى:
قال الرافعي في شرح الوجيز: «روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: التكبير جزم، والتسليم جزم».
وفسر ابن نجيم: التكبير جزم: أي بلا مد، وذلك بحذفه من غير تطويل. قال الحافظ في التلخيص: «لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي». قلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك. (ث-٤٣٦) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال:... قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد.
[ضعيف جدا فيه يحيى بن العلاء متهم].الدليل الثاني: قال الرافعي: «ولأنه لو حاول المد لم يأمن أن يجعل المد على غير موضعه، فيغير المعنى، مثل أن يجعله على الهمزة فيصير استفهاما».
وسبق شرح هذا في مناقشة القول الأول.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٨)
يُسن للإمام الجهر بتكبيرات الصلاة كلها، وبقوله: سمع الله لمن حمده؛ ليعلم المأمومون
انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت لمرض وغيره، فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره من المأمومين جهرا يسمع الناس، وهذا لا خلاف فيه، ودليلنا من السنة حديث سعيد بن الحارث قال: "صلي لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذلك، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا يصلي". وعن جابر رضي الله عنه قال: "اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصيلنا وراءه وهو قاعد وأبو بكر -رضي الله تعالى عنه- يسمع الناس تكبيره" رواه مسلم. وفي رواية ولمسلم أيضا "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر وأبو بكر رضي الله تعالي عنه خلفه فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا"، وعن عائشة -رضي الله عنهما- في قصة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجلس إلى جنبه -يعني أبا بكر رضي الله عنه- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير" رواه مسلم بفظه والبخاري بمعناه.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٣/٤٢٤:٤٦٥)
الفصل الثالث في رفع اليدين مع تكبيرات الانتقال:
المبحث الأول: يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين:
المدخل إلى المسألة:
* رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
* لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.
* قال الإمام البخاري يروى عن سبعة عشر نفسا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.
* لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.
* يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.
* سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.
[م-٦١٧] اختلف العلماء في رفع اليدين مع تكبيرة الركوع، فقيل: لا يرفع يديه في شيء من التكبيرات إلا في تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب الحنفية، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وهي أشهر الروايات عنه، وبه قال الثوري، والحسن. جاء في المدونة: «وقال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئا خفيفا... قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفا إلا في تكبيرة الإحرام». وقيل: يرفع يديه عند الرفع من الركوع، وهو رواية ابن عبد الحكم عن مالك. وقيل: يرفع يديه للركوع وللرفع منه، وهو رواية ابن وهب عن مالك، والمنصوص عن أحمد. جاء في البيان والتحصيل: «قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه». وقال في التلقين: وعنه -أي عن مالك- في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان. قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين؟ قال: لا». وقيل: يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، وإذا قام من اثنتين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وبه قال ابن وهب من المالكية. قال البخاري في رفع اليدين للصلاة: «يروى عن سبع عشرة نفسا، من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع منهم أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلمة البدري، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، وأنس بن مالك خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومالك بن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأم الدرداء رضي الله تعالى عنهم».
وزاد البيهقي جماعة لم يذكرهم البخاري، منهم أبو بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وعبد الله بن جابر البياضي، وعقبة بن عامر.
وقال غيره: رواه قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة، وقال غيره: رواه نيف وثلاثون من الصحابة. وقال البيهقي: «قد سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال الإمام أحمد -يعني البيهقي-: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله رضي الله عنه». قال ابن رجب: «وفي هذه العبارات تسامح شديد».
وقال ابن كثير: «إنما يصح ويروى عن بعض هؤلاء... قال الشافعي: روى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلا من الصحابة، وبهذا نقول، ونحو من هذا الكلام قال أحمد بن حنبل والبخاري رحمهم الله تعالى».
وقال الأوزاعي: «الذي بلغنا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما اجتمع عليه علماء أهل الحجاز، والشام، والبصرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر للركوع...».وقيل: يرفع يديه في الركوع، والرفع منه، وللسجود، والرفع منه، أي في كل خفض ورفع، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم. وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب. ونقل المروذي عن أحمد أنه قال: «لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز». فأهم هذه الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:
لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام.
يقابله: يرفع يديه في كل خفض ورفع.
وقيل: يرفع يديه للركوع والرفع منه، وزاد بعضهم: وعند القيام من اثنتين، ولا يرفع يديه للسجود، ولا للرفع منه. والله أعلم.* دليل من قال: لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام:
(ح-١٦٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة.
[أخطأ فيه الإمام سفيان، وقال بعض العلماء: أخطأ فيه وكيع، وقد رواه ابن إدريس عن عاصم ولم يذكر فيه نفي الرفع عن الركوع، وهو المحفوظ].الدليل الثاني:
(ح-١٦٢٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أسباط، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه، ورواه أبو داود من طريق شريك، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود. ورواه الحميدي في مسنده، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا افتتح الصلاة رفع يديه، قال سفيان: وقدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه، ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه.
[حسن إلا زيادة (ثم لا يعود)؛ فإنه حدث بها يزيد بن أبي زياد بعد تغيره، وقد حدث به قبل تغيره فلم يذكر فيه: (ثم لا يعود)].الدليل الثالث:
(ح-١٦٢٤) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.
وقد قال محمد: فلم يرفعوا أيديهم بعد التكبيرة الأولى.
[رفع الحديث، وذكر أبي بكر وعمر في لفظه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود بسند منقطع].الدليل الرابع:
(ح-١٦٢٥) ما رواه الطحاوي من طريق نعيم بن حماد قال: حدثنا الفضل بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، وعن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات وبالمزدلفة، وعند الجمرتين». [ضعيف، وقد اختلف في وقفه ورفعه].الدليل الخامس:
* دليل من قال: يرفع يديه للإحرام وللركوع والرفع منه:
الدليل الأول:
(ح-١٦٢٦) ما رواه البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود. وعموم قوله: (لا يفعل ذلك في السجود) يشمل حين يسجد، وحين الرفع منه. ورواه البخاري من طريق شعيب، ومسلم من طريق ابن جريج، كلاهما عن ابن شهاب به، بنحوه، وفيه:.... ولا حين يرفع رأسه من السجود.
ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن الزهري به، بنحوه، وفيه:... ولا يرفعهما بين السجدتين.
الدليل الثاني:
(ح-١٦٢٧) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن خالد (يعني الحذاء)، عن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صنع هكذا.
الدليل الثالث:
(ح-١٦٢٨) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه، عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه.
* دليل من قال: يرفع يديه للقيام من الركعتين أيضا:
الدليل الأول:
(ح-١٦٢٩) روى البخاري من طريق عبد الأعلى، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.
[ذكر الرفع إذا قام من الركعتين اختلف في ذكره، وفي وقفه ورفعه].وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.
[ذكر الرفع إذا قام من الركعتين اختلف في ذكره، وفي وقفه ورفعه].الدليل الثاني:
(ح-١٦٣٠) ما رواه النسائي من طريق المعتمر، قال: سمعت عبيد الله -وهو ابن عمر- عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين يرفع يديه كذلك حذو المنكبين. [لم يذكر الرفع من القيام من الركعتين إلا عبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله ورواه كبار أصحاب الزهري فلم يذكروا فيه الرفع من القيام من الركعتين، ولعل هذا هو المحفوظ].الدليل الثالث:
(ح-١٦٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدهم أبو قتادة بن ربعي، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تباعة، قال: بلى. قالوا: فاعرض. قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر، فركع، ثم اعتدل، فلم يصب رأسه، ولم يقنعه، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم رفع، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه معتدلا، ثم هوى ساجدا، وقال: الله أكبر، ثم جافى، وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجدا، وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها، حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركا، ثم سلم.
[الحديث صحيح في الجملة، وقد تفرد بذكر الرفع من القيام من الركعتين عبد الحميد بن جعفر، وهو صدوق له أوهام، والحديث في البخاري وليس فيه هذه الزيادة].الدليل الرابع:
(ح-١٦٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد- عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن فلان بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك، وكبر.
[انفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وقد رواه جماعة عن موسى بن عقبة فلم يذكروا ما ذكره ابن أبي الزناد، في مقدمتهم ابن جريج].وجه الاستدلال:
قوله: (حتى إذا قام من السجدتين كبر، ورفع يديه).
الدليل الخامس:
(ح-١٦٣٣) ما رواه أبو داود في السنن من طريق يحيى بن أيوب، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، أنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كبر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك.[منكر، والمعروف رواية الصحيحين أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين، وقاله أبو حاتم الرازي].
* دليل من قال: يرفع يديه في كل خفض ورفع:
الدليل الأول:
(ح-١٦٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، أنه رأى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه في صلاته، إذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بها فروع أذنيه.
[الحديث صحيح إلا أن ذكر الرفع إذا سجد وإذا رفع من السجود ليس محفوظا].الدليل الثاني:
(ح-١٦٣٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن حميد، عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه في الركوع والسجود.
[شاذ، والمحفوظ وقفه على أنس، ليس فيه الرفع في السجود].الدليل الثالث:
(ح-١٦٣٦) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر، ويفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد.
[منكر، والمعروف أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين].
وروى أبو طاهر المخلص في المخلصيات من طريق ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؛ ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم.
قال ابن صاعد: ليس أحد يقول: يرفع يديه إلا ابن أبي عدي، وغيره يقول: يكبر.[شاذ، ومحمد بن عمرو متكلم في روايته عن أبي سلمة، والمحفوظ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، كما هي رواية الصحيحين عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة].
الدليل الرابع:
(ح-١٦٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن بن اليحصبي، عن وائل بن حجر الحضرمي قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه مع التكبير.
[في إسناده اليحصبي مجهول].
الدليل الخامس:
(ح-١٦٣٨) ما رواه ابن ماجة، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا رفدة بن قضاعة الغساني، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة. (ح-١٦٣٩) ورواه ابن حبان في المجروحين، حدثنا محمد بن العباس الدمشقي، قال: حدثنا هشام بن عمار به، وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه في كل خفض ورفع.
[ضعيف].الدليل السادس:
(ح-١٦٤٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل خفض، ورفع، وركوع، وسجود، وقيام، وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك.
[شاذ بهذا اللفظ، والحديث في البخاري مرفوعا بغير هذا اللفظ].قال ابن رجب في شرح البخاري: «ويجاب عن هذه الروايات كلها على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظا، ولم يكن قد اشتبه ذكر التكبير بالرفع، بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين، فلعلهما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك مرة، وقد عارض ذلك نفي ابن عمر، مع شدة ملازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم- وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين».
وهذا الجمع يتجه لو كانت الأحاديث التي ظاهرها التعارض صحيحة، فيقال بالجمع بدلا من تعطيل أحدهما، أما إذا كانت الأحاديث في ترك رفع اليدين في السجود صحيحة بل في غاية الصحة، والأحاديث المقابلة إما شاذة، لا يعتبر بها، وإما منكرة، فإن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة سوف يكون على حساب دلالة الأحاديث الصحيحة، فإنك لا تجمع بين حديثين إلا قيدت مطلقا، أو خصصت عاما، أو تأولت بأنك حملته على حال دون حال، على خلاف الظاهر مراعاة للحديث الضعيف مما يعود على جزء من دلالة الأحاديث الصحيحة بالبطلان، مع أن المقابل ليس بذلك القوة التي تجعلك تتحمل مثل هذا الإهدار، فإذا كانت ليست في الصحة بذاك، فلا ينبغي أن تزاحم بها الأحاديث الصحيحة، وإن كنت تعذر من اجتهد من أهل العلم، ورأى أن هذه الأحاديث صالحة للحجة، فهو وما ذهب إليه؛ إذ المسألة من مسائل الخلاف، والله أعلم.
* الراجح:
أرى أن الراجح في رفع الأيدي في الصلاة يكون في مواضع ثلاثة، عند تكبيرة الافتتاح، وإذا أراد الركوع، وإذا رفع من الركوع، هذه الأحاديث السالمة من المعارضة، يليها في الترجيح الرفع إذا قام من الركعتين، وأضعفها الرفع إذا أراد السجود، وإذا رفع من السجود، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٨:٣٩٩)
ويستحب رفع اليدين حذو المنكبين للركوع وللرفع منه وفي تكبيرة الإحرام لكل مصل من قائم وقاعد ومضطجع وامرأة وصبي ومفترض ومتنفل، نص عليه في الأم، واتفق عليه الأصحاب، ويكون ابتداء رفعه وهو قائم مع ابتداء التكبير، وقد سبق في فصل تكبيرة الإحرام عن البغوي أنه يستحب تفريج الأصابع هنا، وفي كل رفع ولو كانت يداه أو إحداهما عليلة فحكمه ما سبق في رفع تكبيرة الإحرام.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٣٩٩:٤٠٦)
في مذاهب العلماء في رفع اليدين للركوع وللرفع منه (اعلم) أن هذه مسألة مهمة جدا، فإن كل مسلم يحتاج إليها في كل يوم مرات متكاثرات لا سيما طالب الآخرة ومكثر الصلاة ولهذا اعتنى العلماء بها أشد اعتناء حتى صنف الإمام عبد الله البخاري كتابا كبيرا في إثبات الرفع في هذين الموضعين والإنكار الشديد على من خالف ذلك فهو كتاب نفيس وهو سماعي ولله الحمد، فسأنقل هنا إن شاء الله تعالى منه معظم مهمات مقاصده وجمع فيه الإمام البيهقي أيضا جملة حسنة، وسأنقل من كتابه هنا إن شاء الله تعالى مهمات مقاصده، ولولا خوف الإطالة لأريتك فيه عجائب من النفائس، وأرجو أن أجمع فيه كتابا مستقلا:
(اعلم) أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بإجماع من يعتد به، وفيه شيء ذكرناه في موضعه، (وأما) رفعهما في تكبيرة الركوع وفي الرفع منه فمذهبنا أنه سنة فيهما، وبه قال أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، حكاه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وابن الزبير وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- وجماعة من التابعين منهم طاوس وعطاء ومجاهد والحسن وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير ونافع وغيرهم، وعن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكاه ابن المنذر عن أكثر هؤلاء، وعن أبي سعيد الخدري والليث بن سعد وأبي ثور قال: ونقله الحسن البصري عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- قال: وقال الأوزاعي: أجمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة وحكاه ابن وهب عن مالك، قال ابن المنذر، وبه قال الإمام أبو عبد الله البخاري، يروى هذا الرفع عن سبعة عشر نفسا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم أبو قتادة الأنصاري وأبو أسيد الساعدي البدري ومحمد بن مسلمة البدري وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأبو موسى الأشعري وأبو حميد الساعدي رضي الله عنهم، قال: وقال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم فلم يستثن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم، قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه، قال: وروينا الرافع أيضا هنا، وعن عدة من علماء أهل مكة وأهل الحجاز وأهل العراق والشام والبصرة واليمن وعدة من أهل خراسان منهم سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعمر به عبد العزيز والنعمان بن أبي عياش والحسن بن سيرين وطاوس ومكحول وعبد الله بن دينار ونافع وعبيد الله بن عمر والحسن بن مسلم وقيس بن سعيد وعدة كثيرة، وكذلك روي عن أم الدرداء -رضي الله عنها- أنها كانت ترفع يديها، وكان ابن المبارك يرفع يديه، وكذلك عامة أصحابه ومحدثي أهل بخارى منهم عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعبد الله بن محمد المشيدي، وعدة ممن لا يحصى لا اختلاف بين من وصفنا من أهل العلم، وكان عبد الله بن الزبير -يعني الحميدي شيخه- وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويرونها حقا وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم هذا كلام البخاري، ونقله ورواه البيهقي عن هؤلاء الصحابة المذكورين، قال: وروينا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن جابر الصحابيين -رضي الله تعالى- عنهم ثم رواه عن هؤلاء التابعين الذين ذكرهم البخاري، قال: وروينا أيضا عن أبي قلابة وأبي الزبير ومالك والأوزاعي والليث وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك ويحيى بن يحيى وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان فهؤلاء هم أئمة الإسلام شرقا وغربا في كل عصر.
* وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع يديه في الصلاة إلا لتكبيرة الإحرام وهي رواية عن مالك، واحتج لهم بحديث البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما- قال: «رأيت رسو ل الله -صلى الله عليه وسلم- إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود». رواه أبو داود، وقال: ليس بصحيح، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لأصلين بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرفع يديه إلا مرة» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة" رواه الدارقطني والبيهقي، وعن علي -رضي الله عنه- أنه "كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة ثم لا يرفع في شيء منها" رواء البيقي، وعن علي -رضي الله عنه- أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة" وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمس؟ اسكنوا في الصلاة" رواه مسلم في صحيحه، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن من افتتاح الصلاة وفي استقبال القبلة وعلى الصفا والمروة وبعرفات وجمع في المقامين عند الجمرتين". واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك" رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طرق كثيرة، وعن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث "إذا صلى كبر ثم رفع يديه فإذا أراد أن يركع رفع يديه. وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هكذا"، وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر" رواه أبو داود بهذا اللفظ والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وقوله: وإذا قام من السجدتين يعني به الركعتين، والمراد إذا قام من التشهد الأول كذا فسره الترمذي وغيره وهو ظاهر وعن وائل بن حجر -رضي الله عنه- أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم" رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر ووصف همام -وهو أحد الرواة حيال أذينه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد بين كفيه". رواه مسلم في صحيحه، وعن محمد بن عمرو عن عطاء أنه سمع أبا حميد في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة يقول: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: فاعرض. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال الله أكبر وركع، ثم اعتدل فاعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه -وذكر الحديث إلى أن قال- ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال: وقوله: قام من السجدتين يعني الركعتين. وفي رواية لأبي داود والترمذي أيضا قالوا في آخره: "صدقت هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري في كتاب رفع اليدين من طرق، وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يرفع يديه عند الركوع" رواه البخاري في كتاب رفع اليدين وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله تعالي عليه وسلم مثله رواه البخاري في رفع اليدين والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرة غير منحصرة، وفيما ذكرناه كفاية قال القاضي أبو الطيب قال أبو علي زوى الرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون من الصحابة رضي الله عنهم.(وأما) الجواب عن احتجاجهم بحديث البراء -رضي الله عنه- فمن أوجه:
(أحدها) وهو جواب أئمة الحديث وحفاظهم أنه حديث ضعيف باتفاقهم ممن نص على تضعيفه سفيان بن عيينة والشافعي وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وغيرهم من المتقدمين، وهؤلاء أركان الحديث وأئمة الإسلام فيه، وأما الحافظ والمتأخرون الذين ضعفوا فأكثروا من الخبر وسبب تضعيفه أنه من رواية سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء -رضي الله عنه- واتفق هؤلاء الأئمة المذكورون وغيرهم على أن يزيد بن أبي زياد غلط عليه وأنه رواه أولا "إذا افتتح الصلاة رفع يديه" قال سفيان: فقدمت الكوفة فسمعته يحدث به ويزيد فيه ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه. قال سفيان: وقال لي أصحابنا: إن حفظه قد تغير، أو قد ساء. قال الشافعي: ذهب سفيان إلى تغليط يزيد بن أبي زياد في هذا الحديث. وقال الحميدي: هذا الحديث رواه يزيد، ويزيد يزيد. وقال أبو سعيد الدارمي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا يصح، وسمعت يحيى بن معين يضعف يزيد بن أبي زياد. قال الدارمي: ومما يحقق قول سفيان أنهم لقنوه هذه اللفظة أن سفيان الثوري وزهير بن معاوية وهشاما وغيرهم من أهل العلم لم ينكروها، إنما جاء بها من سمع منه بأخرة. قال البيهقي: ومما يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء أبو عبد الله وذكر إسناده إلى سفيان بن عيينة؛ قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء -رضي الله عنه- قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع" قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: "يرفع يديه إذا استفتح الصلاة ثم لا يعود"، فظننت أنهم لقنوه. قال البيهقي: وروى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، قال فيه: "ثم لا يعود". ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج بحديثه، وهو أسوأ حالا عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد، ثم روى البيهقي بإسناد عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه ذكر فصلا في تضعيف حديث يزيد بن أبي زياد هذا، قال: ولم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أقوى من يزيد، وذكر البخاري في تضعيفه نحو ما سبق.
(والجواب الثاني) ذكره أصحابنا قالوا: صح. ووجب تأويله على أن معناه لا يعود إلى الرفع في ابتداء استفتاحه، ولا في أوائل باقي ركعات الصلاة الواحدة، ويتعين تأويله جمعا بين الأحاديث.
(الجواب الثالث) أن أحاديث الرفع أولى؛ لأنها إثبات، وهذا نفي فيقدم الإثبات لزيادة العلم.
(الرابع) أن أحاديث الرفع أكثر فوجب تقديمها (وأما) حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- فجوابه من هذه الأوجه الأربعة، فأما الأوجه الثلاثة الأخيرة فظاهرة، وأما تضعيفه فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن المبارك أنه قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود، وروى البخاري في كتاب رفع اليدين تضعيفه عن أحمد بن حنبل وعن يحيى بن آدم وتابعهما البخاري على تضعيفه، وضعفه من المتأخرين الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وأما حديث علي -رضي الله تعالى عنه- فجوابه من أوجه أيضا: (أحدها) تضعيفه ممن ضعفه البخاري، ثم روى البخاري تضعيفه عن سفيان الثوري، وروى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: روي هذا الحديث عن علي من هذا الطريق الواهي، وقد ثبت عن علي -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليد في الركوع والرفع منه والقيام من الركعتين كما سبق، فكيف يظن به أنه يختار لنفسه خلاف ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله"؟ قال البيهقي: قال الزعفراني: قال الشافعي: ولا يثبت عن علي وابن مسعود، يعني ما روي عنهما أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في غير تكبيرة الافتتاح. قال الشافعي: ولو كان ثابتا عنهما لأشبه أن يكون رآهما الراوي مرة أغفلا ذلك. قال: ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه ابن عمر لكانت له الحجة، وأما حديث جابر بن سمرة فاحتجاجهم به من أعجب الأشياء وأقبح أنواع الجهالة
بالسنة؛ لأن الحديث لم يرد في رفع الأيدي في الركوع والرفع منه لكنهم كانوا يرفعون أيديهم في حالة السلام من الصلاة ويشيرون بها إلى الجانبين، ويريدون بذلك السلام على من عن الجانبين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث ويبينه أن مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه من طريقين: (أحدهما) الطريق السابق، والثاني: عن جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلنا: السلام عليكم ورحمة الله عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله". هذا لفظه بحروفه في صحيح مسلم، وكذا رواه غير مسلم من أصحاب السنن وغيرهم، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قفال: «ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده» هذا لفظ صحيح مسلم قال البخاري: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة فإنما كان في الرفع عند السلام لا في القيام قال: ولا يحتج بمثل هذا من له حظ من العلم؛ لأنه معروف مشهور لا اختلاف فيه، ولو كان كما توهمه هذا المحتج لكان رفع الأيدي في الافتتاح وفي تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه يبين رفعا، وقد بينه حديث أبي نعيم ثم ذكر بإسناده رواية مسلم التي نقلها الآن، ثم قال البخاري: فليحذر امرؤ أن يتأول أو يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال عز وجل: { فليذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، وأما قوله عن ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن" فجوابه من أوجه:(أحدها) أنه ضعيف مرسل، وهذا جواب البخاري وقد بين ذلك وأوضحه.
(الثاني) أن هذا نفي وغيره إثبات وهو مقدم.
(الثالث) أنه لو ثبت عنه لم يجز لأحد ترك السنن والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم به، ويؤيد هذا أن الرفع ثابت في مواطن كثيرة غير هذه السبعة قد بينها البخاري بأسانيده وسأفرع بها بفرع مستقل في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، فهذا تنقيح ما يتعلق بالمسألة ودلائلها من الجانبين وأختمها بما ختم به البيهقي -رحمه الله تعالى- فإنه روى عن الإمام أبي بكر بن إسحاق الفقيه، قال: قد صح رفع اليدين يعني في هذه المواضع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الخلفاء الراشدين ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة لم يرووا النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه، وقد نسي ابن مسعود كيفية قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي نسخ التطبيق في الركوع وغير ذلك، فإذا نسي هذا كيف لا ينسى رفع اليدين ثم روى البيهقي عن الربيع قال: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين عند الركوع. فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيما لله تعالى وسنة متبعة؛ نرجو فيها ثواب الله تعالى، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما، وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة، قال: اجتمع الأوزاعي والثوري عشاء فقال الأوزاعي للثوري لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه، فقال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم تعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف، وحديثه ضعيف مخالف للسنة، فاحمر وجه الثوري، فقال الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت؟ قال: نعم. فقال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق. فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد. وروى البخاري في كتاب رفع اليدين بإسناده الصحيح عن نافع "أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى" وروى البخاري عن أم الدرداء -رضي الله تعالى عنها-: "أنها كانت ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها وحين تفتتح الصلاة وحين تركع، وإذا قالت سمع الله لمن حمده رفعت يديها، وقالت: ربنا ولك الحمد". قال البخاري: ونساء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء، وبإسناده الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال: "رفع اليدين في الصلاة شيء تزيد به صلاتك". قال البخاري: ولم يثبت عند أهل البصرة ممن أدركنا من أهل الحجاز وأهل العراق منهم الحميدي ومحمد بن المثنى ويحيى بن معين واحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم، وهؤلاء أهل العلم من أبناء أهل زمانهم لم يثبت عند أحد منهم علمه في ترك رفع الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه قال: وكان ابن المبارك يرفع يديه وهو أكثر أهل زمانه علما فيما يعرف، فلو لم يكن عند من لم يعلم عن السلف علم فاقتدى بابن المبارك فيما اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لكان أولى به من أن يقتدي بقول من لا يعلم، وقال معمر قال ابن المبارك صليت إلى جنب النعمان فرفعت يدي فقال: ما حسبت أن لم يطير. قلت: إن لم أطر في الأولى لم أطر في الثانية ثم روى البخاري رفع الأيدي في هذه المواضع عن أعلام أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم قال: فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيادي ثم رواه عن جماعات آخرين ثم قال: فمن زعم أن رفع اليدين بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ومن بعدهم وأهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة وعدة من أهل العراق وأهل الشام واليمن وعلماء خراسان منهم ابن المبارك حتى شيوخنا، ولم يثبت عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- ترك الرفع وليس أسانيده أصح من أسانيد الرفع قال البخاري، وأما رواية الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الرفع عند الافتتاح وعند الركوع والرفع ورواية الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع في هذه المواضع وفي القيام من الركعتين، فالجميع صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة، واختلفوا فيها بعينها مع أنه لا اختلاف في ذلك، وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم والله تعالى أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٣/١٣٠:١٣١)
رفع اليدين عند تكبير الركوع:
٧- ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وهو رواية عن مالك إلى أن رفع اليدين عند تكبيرة الركوع وعند الرفع منه سنة ثابتة، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه كفعله عند تكبيرة الإحرام، أي يبدأ رفع يديه عند ابتداء تكبيرة الركوع وينتهي عند انتهائها، لتضافر الأحاديث الصحيحة في ذلك، منها ما روى محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد في عشرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدهم أبو قتادة -رضي الله عنه- قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صفة صلاته، وفيه أنه رفع يديه عند الركوع. وقال البخاري: قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم -يعني عند الركوع. وإلى هذا ذهب الأوزاعي وعلماء الحجاز والشام والبصرة. وقال الحنفية والثوري وابن أبي ليلى وإبراهيم النخعي وهو المشهور عن مالك: إن المصلي لا يرفع يديه إلا لتكبيرة الإحرام لأدلة منها: قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لأصلين بكم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرفع يديه إلا في أول مرة». وقول البراء بن عازب رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود. وقول ابن مسعود رضي الله عنه: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.