الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٥٩:٢٨١)
المسألة الأولى: في صفة الهوي للسجود:
المدخل إلى المسألة:
• الإسناد ولو كان من ابتدائه إلى منتهاه ثقة عن ثقة، فلا يعتبر به إذا كان شاذا، لأنه من قبيل الوهم، فكيف إذا كان الإسناد منكرا، كرواية شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل بن حجر.
• لا يصح حديث في صفة الهوي إلى السجود، وقلة الأحاديث الواردة في الباب مع ضعفها دليل على أن الأمر واسع، وأن المصلي يعمل ما هو أهون عليه، فالكبير والثقيل يحتاج إلى تقديم اليدين، والشاب عكسه.
• أصح أثر ورد في الباب أثر عمر، وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى.
• على افتراض صحة أثر عمر فإنه حكاية فعل، لا ندري أكان فعله تعبدا، أم لكونها أهون عليه؛ لأن المصلي لا بد له في هويه إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.
• الهوي يتعلق بأحكام الصلاة، والصحابة لهم عناية بأحكامها، فإذا لم توجد سنة صحيحة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة إلا عن عمر، وهو حكاية فعل مختلف في وصلها وإرسالها، وعن ابنه ولا يثبت، فالاحتياط للعبادة ألا نجزم باستحباب صفة معينة إلا بدليل صريح.
[م-٦٦٦] اختلف العلماء في صفة الهوي للسجود، فقيل: يقدم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عن مالك قال الترمذي والخطابي، وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء.
وقيل: يقدم يديه، ثم ركبتيه، وهو المعتمد في مذهب المالكية، قال ابن رشد: هو أولى الأقوال بالصواب، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي، ونقله الشوكاني عن العترة.
وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم».وقيل: تقديم اليدين على الركبتين فرض، وهو قول شاذ.
وروى ابن عبد الحكم، عن مالك: يقدم أيهما شاء، وروى ابن حبيب: لا تحديد.وأما الجبهة والأنف:
فقيل: يضعهما دفعة واحدة، وهو قول في مذهب الحنفية، وبه صرح الرافعي في المحرر، ونقله في المجموع عن البندنيجي، وهو ظاهر مذهب الحنابلة.
وقيل: يقدم الجبهة على الأنف وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية.قال في البدائع: «ومنها أن يضع جبهته ثم أنفه، وقال بعضهم: أنفه ثم جبهته».
وقيل: يقدم أيهما شاء، اختاره أبو حامد من الشافعية.وقيل: يقدم أنفه، ثم جبهته، اختاره بعض الحنفية.
ولا ترتيب بينهما؛ لأنه عضو واحد.
• دليل من قال: يقدم ركبتيه، ثم يديه.
الدليل الأول:
(ح-١٨٤٠) ما رواه أبو داود من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه [منكر، تفرد به شريك، عن عاصم، وقد رواه عشرون نفسا فلم يقل أحد منهم ما قاله شريك، وقد اضطرب في إسناده، وفي متنه، وشريك ليس له عن عاصم غير هذا الحديث، فجمع في حديثه بين النكارة والاضطراب والتفرد].الدليل الثاني:
(ح-١٨٤١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر حديث الصلاة، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه. [إسناده منقطع عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وقد رواه عفان وعبد الوارث عن همام، عن عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل فوصلاه، وليس فيه قوله: (فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض)، وهو المعروف].وإذا كانت رواية شريك، لا تصلح للاعتبار، فكذلك رواية حجاج بن منهال، وأبي عمر الحوضي، عن همام، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، لا تصلح للاعتبار؛ ليس لأنها فقط منقطعة، فالضعيف غير مدفوع عن الاعتبار، وإنما لأنها خالفت رواية عفان بن مسلم، وعبد الوارث، عن همام، وهي رواية موصولة، وفي صحيح مسلم، والمنكر والشاذ لا يصلحان للاعتبار.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٤٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي كريب، حدثنا محمد بن حجر، ثنا سعيد بن عبد الجبار، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه، عن وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم سجد وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه.
[ضعيف جدا].
الدليل الرابع:
(ح-١٨٤٣) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين.
[منكر].
• ونوقش هذا:
قال البيهقي: «هذا إن كان محفوظا دل على النسخ، غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه: حديث نسخ التطبيق». وقال الحازمي وابن القيم بمثل ما قال البيهقي. (ح-١٨٤٤) يريد البيهقي الإشارة إلى ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن أبي يعفور، قال:
سمعت مصعب بن سعد، يقول: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله، فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب.الدليل الخامس:
(ح-١٨٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق العلاء بن إسماعيل العطار، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه.
[منكر].الدليل السادس:
(ث-٤٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر، كان يقع على ركبتيه. [اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى].
ويناقش:
هذا أصح أثر نقل في المسألة، مع الاختلاف في وصله وإرساله، وهو حكاية فعل، لا ندري أكان عمر -رضي الله عنه- فعله تعبدا أم لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لابد له إما أن يقدم يديه، أو يقدم ركبتيه إذا هوى للسجود، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.الدليل السابع:
(ث-٤٤٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه.
[منكر، وروي عن ابن عمر خلافه، وهو المعروف].
الدليل الثامن:
(ث-٤٤٤) ما رواه الطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة، أخبرهم، قال:
قال إبراهيم النخعي: حفظ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن ركبتيه كانتا تقعان إلى الأرض قبل يديه.
[ضعيف، لانقطاعه، ولضعف حجاج].
الدليل التاسع:
استدل الطحاوي من جهة النظر، فقال: «العلماء متفقون على أنه إذا سجد، فإن الرأس يضعها بعد الركبتين واليدين، لا قبلهما، وفي الرفع من السجود يقدم الرأس، ثم اليدين، ثم الركبتين، فما كان الرأس مؤخرا عند السجود، مقدما في الرفع، فالنظر أن تكون اليدان في السجود مؤخرتين كذلك؛ لأنهما مقدمتان في الرفع». وقال نحوه ابن القيم، ولكن بلفظ آخر، فقال: «المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولا، ثم الذي من فوقه، ثم الذي من فوقه حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولا، ثم الذي دونه حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه».
• دليل من قال: يضع يديه قبل ركبتيه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه، ثم ركبتيه».
[معلول، تفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن وليس له رواية عن أبي الزناد إلا هذا الحديث].الدليل الثاني:
(ث-٤٤٥) روى البخاري معلقا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه.
[روي مرفوعا وموقوفا، ولا يصح أي منهما].• دليل من قال: الأمر واسع:
لا يصح في الباب سنة مرفوعة، والأصل عدم الاستحباب احتياطا للعبادة، ولو كان هناك سنة في صفة الهوي لحفظها الله -سبحانه وتعالى- لنا، ولسخر من الصحابة من يعتني بنقل هذه الصفة بما يحفظ لنا سنة نبينا.
قال تعالى: [الليل: ١٢].
وقال سبحانه: [النحل: ٩].
فالله قد تكفل بحفظ شريعته، فإذا لم يوجد في السنة المرفوعة إلا حديثان:
أحدهما: حديث شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.
وهذا الحديث قد جمع أربع علل كل واحدة تسقط حديثه، منها:
الأولى: أن شريكا لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.
والثاني: أنه سيئ الحفظ.
والثالث: أن حديث عاصم قد رواه عشرون نفسا، منهم أئمة وثقات، كسفيان ابن عيينة، والثوري، وزائدة، وقد ذكرتهم في التخريج، وخرجت ألفاظهم، فلا يذكر أحد منهم ما ذكره شريك، وأي نكارة أشنع من هذا، أن يخالف الضعيف أئمة الحديث، فينفرد عنهم وهو لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.
والرابع: أن شريكا قد اضطرب في حديث عاصم اضطرابا كثيرا، لا في لفظه، ولا في إسناده ما لو اضطرب فيه الإمام مالك لرد حديثه، كيف وهذا الاضطراب جاء من رجل سيئ الحفظ، ثم تجد بعد ذلك من يقول: حديث وائل أرجح من حديث أبي هريرة، أو يحاول أن يعتبر به. والحديث الثاني: حديث أبي هريرة، وهو حديث غريب تفرد به محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، عن أبي الزناد، ولا يعرف بالرواية عنه، وليس له عنه إلا هذا الحديث، فكيف يكون لأبي الزناد عبد الله بن ذكوان حديث في الصلاة، محل عناية الرواة، ثم لا يعرف ذلك أصحابه المكثرون عنه، والمهتمون بجمع حديثه، وينفرد عنهم رجل لا يعرف بالرواية عنه، ولو كان الحديث في الآداب لقيل ربما قاله أبو الزناد مرة، ثم لم يحدث به، أما أن يكون الحديث في الصلاة، محل عناية العلماء، وفي مسألة ليس فيها كثير أحاديث لو علم بها أحد من الأئمة لسافر يقطع الأرض ليسمع هذا الحديث، فلقد كانوا يضربون أكباد الإبل في طلب ما هو أقل أهمية من هذا الحديث، وكل أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- مهمة، ثم لا يحدث به أبو الزناد أصحابه، ولا يعرفون هذا من حديثه، حتى ابنه عبد الرحمن ابن أبي الزناد، ومن أهل بيته لا يعرف هذا عنه، ويرويه رجل يحب العزلة والبادية، ولا يعرف بطلب الحديث، وليس له عن أبي الزناد إلا هذا الحديث اليتيم، فلا يمكن قبول مثل ذلك، ولا تصور وقوعه. هذا من جهة السنة المرفوعة، وقل مثل ذلك من جهة الآثار، كيف لم يعتن الصحابة بحكم المسألة، ولا يوجد أثر واحد قولي، يهدينا إلى سنة نبينا في الهوي، وكل الموجود حكاية فعل عن عمر -رضي الله عنه- وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى وأكثر، وعلى افتراض صحته لا ندري أكان عمر فعل هذا لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لا بد له في هويه: إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على تعيين الصفة، ونفي الاستحباب عن غيرها. وأما أثر ابن عمر فمداره على الدراوردي، وقد اختلف عليه فيه في رفعه ووقفه، واختلط عليه من حديث نافع في سجود اليدين مع الوجه، فظنه في تقديم اليدين على الركبتين. أتظن أن صفة الهوي من أحكام الصلاة، ويقصر الصحابة في نقل هذه السنة مع عنايتهم الشديدة بأحكام الصلاة، فهل الاحتياط أن نجزم بالاستحباب، أو الاحتياط في العبادة ألا نجزم به إلا بدليل صريح، ونقول: الأمر واسع، اعمل ما هو أسهل عليك، دون أن تعتقد أن هناك صفة مستحبة للهوي، والله أعلم.
• الراجح:
هذه المسألة مثلها مثل بعض المسائل في الصلاة وغيرها، تجد أن النصوص فيها قليلة ضعيفة، والآثار ليست حاسمة، وتجد أقوال الفقهاء فيها متكاثرة، كالمسح على الجبيرة، وقد مرت معنا في الطهارة. فالجمهور على تقديم الركبتين، خلافا لمالك، وبعض أهل الحديث، والعترة، فإن كنت تريد في الترجيح أن تتشدد وتطلب دليلا صحيحا صريحا ستجد أقوى الأقوال بأن الأمر واسع هو الأحظ، لكون النصوص ليست كاشفة عن حكم المسألة. وإن كنت تريد أقوال الفقهاء فستجد أن قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية على تقديم الركبتين فإنه يسعك ما وسع القوم، وأكرم بهم سلفا وفقها، ومن اقتدى بهم فقد اقتدى بأهل هدى، وليست كل مسألة خلافية يتكشف بعد البحث خيطها الأبيض من خيطها الأسود، وحسبك أنك بذلت وسعك، وأثرت نقاطا يتأملها القارئ من بعدك فقد ترزق المسألة بشخص يسد الثغرات، ويتجاوز العثرات، وما التوفيق إلا من الله العليم الحكيم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢٢)
قال الشافعي في الأم: أحب أن يبتدئ التكبير قائما وينحط وكأنه ساجد، ثم إنه يكون أول ما يضع على الأرض منه ركبتيه ثم يديه ثم وجهه، فإن وضع وجهه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه كرهته ولا إعادة عليه ولا سجود سهو. قال: وإن أخر التبكير عن ذلك بعني عن الانحطاط وكبر معتدلا أو ترك التكبير كرهت ذلك. قال الشيخ أبو حامد في تعليقه: والجبهة والأنف كعضو واحد يقدم أيهما شاء.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢١:٤٢٢)
مذهبنا أنه يستحب أن يقدم في السجود الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف، قال الترمذي والخطابي: وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والنخعي ومسلم بن بشار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، قال: وبه أقول. وقال الأوزاعي ومالك: يقدم يديه على ركبتيه، وهي رواية عن أحمد، وروي عن مالك أنه يقدم أيهما شاء ولا ترجيح، واحتج لمن قال بتقديم اليدين بأحاديث، ولمن قال بعكسه بأحاديث، ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة، ولكني أذكر الأحاديث الواردة من الجانبين، وما قيل عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال الخطابي: هو أثبت من حديث تقديم اليدين، وهو أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين، وقال الدارقطني: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به شريك القاضي عن ابن كليب، وشريك ليس هو منفردا به، وقال البيهقي: هذا الحديث يعد من أفراد شريك، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين، وزاد أبو داود في رواية له "وإذا نهضَ نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه"، وهي زيادة ضعيفة من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمعه، وقيل: ولد بعده. وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبر وذكر الحديث وقال في السجود: سبقت ركبتاه يديه". رواه الدارقطني والبيهقي وأشار إلى تضعيفه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه". رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود، وعن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل". رواه البيهقي وضعفه، وقال: عبد الله بن سعيد ضعيف. وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- قال: "كنا نضع الركبتين قبل اليدين" رواه ابن خزيمة في صحيحه، وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين، وكذا اعتمده أصحابنا، ولكن لا حجة فيه؛ لأنه ضعيف ظاهر التضعيف بين البيهقي، وغيره ضعفه، وهو من رواية يحيى بن مسلمة بن كهيل وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، قال أبو حاتم: هو منكر الحديث. وقال البخاري: في حديثه مناكير. والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٩٦:٩٧)
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أنه يسن عند الهوي إلى السجود أن يضع المصلي ركبتيه أولا، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه؛ لما روى وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثرهم. ولأن هذه الكيفية أرفق بالمصلي. وأحسن في الشكل ورأي العين. والمعتمد عند الحنفية أنه يضع جبهته ثم أنفه، وقال بعضهم: أنفه ثم جبهته. وعند النهوض من السجود يسن العكس عند الحنفية والحنابلة، وذلك بأن يرفع جبهته أولا ثم يديه ثم ركبتيه لحديث وائل بن حجر المتقدم. قال الحنابلة: إلا أن يشق عليه الاعتماد على ركبتيه؛ لكبر أو ضعف أو مرض، أو سمن ونحوه، فيعتمد بالأرض، لما روى الأثرم عن علي قال: من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض ألا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع. وذهب الشافعية إلى أنه يسن أن يعتمد في قيامه من السجود على يديه، مبسوطتين على الأرض؛ لأنه أبلغ خشوعا وتواضعا، وأعون للمصلي، وسواء في ذلك القوي والضعيف. وذهب المالكية إلى ندب تقديم اليدين عند الهوي إلى السجود، وتأخيرهما عند القيام، لما روى أبو هريرة مرفوعا: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه قالوا: ومعناه أن المصلي لا يقدم ركبتيه عند هويه للسجود كما يقدمهما البعير عند بروكه، ولا يؤخرهما في القيام كما يؤخرهما البعير في قيامه.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢١)
والسجود فرض بنص الكتاب والسنن والإجماع، ويستحب له التكبير للأحاديث السابقة في فصل الركوع، وذكرنا هناك اختلاف العلماء، وأن أحمد أوجب تكبيرات الانتقالات على أصح الروايتين عنه وجماعة ومن السلف لا يشرع، وذكرنا الدليل على الجميع، ويستحب مد التكبير من حين يشرع في الهوي حتى يضع جبهته على الأرض هذا هو المذهب، وفيه قول ضعيف حكاه الخراسانيون أنه يستحب أن لا يمده.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٤/٢٠٢)
أولا: سجود الصلاة:
٢- أجمع الفقهاء على فرضية السجود في الصلاة وأنه ركن من أركان الصلاة بنص الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى:. وأما السنة فمنها حديث المسيء صلاته قال فيه -صلى الله عليه وسلم-: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا.وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم».
كما أجمعوا على وجوب سجدتين في كل ركعة من ركعات الصلاة، سواء كانت هذه الصلاة فرضا أو سنة.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٨٢:٢٨٣)
المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه:
المدخل إلى المسألة:
• رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
• لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.
• قال الإمام البخاري يروى عن سبع عشرة نفسا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.
• لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.
• يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.
• سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.
[م-٦٦٧] اختلف العلماء في حكم رفع اليدين إذا كبر للسجود أو رفع منه، فقيل: لا يرفع يديه مع التكبير للسجود، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقيل: يستحب رفع اليدين للسجود، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب. ونقل المروذي عن أحمد أنه قال: لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز.
المغني - ابن قدامة- (٢/١٩٢:١٩٣)
أما السجود فواجب بالنص والإجماع؛ لما ذكرنا في الركوع، والطمأنينة فيه ركن؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا"، والخلاف فيه كالخلاف في طمأنينة الركوع، وينحط إلى السجود مكبرا؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأن الهوى إلى السجود ركن، فلا يخلو من ذكر، كسائر الأركان، ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه، وانتهاؤه مع انتهائه؛ والكلام في التكبير ووجوبه قد مضى. ولا يستحب رفع يديه، في المشهور من المذهب. ونقل عنه الميموني أنه رفع يديه. وسئل عن رفع اليدين في الصلاة؟ فقال: في كل خفض ورفع. وقال: فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث صحاح. والصحيح الأول؛ لأن ابن عمر قال: ولا يفعل ذلك في السجود. في حديثه الصحيح ولما وصف أبو حميد صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر رفع اليدين في السجود، والأحاديث العامة مفسرة بالأحاديث المفصلة، التي رويناها، فلا يبقى فيها اختلاف.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/١٩٦:١٩٩)
الفصل الأول في حكم السجود:
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانا.
• كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.
• قال -صلى الله عليه وسلم-: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» فأمره بالسجود، والأصل في الأمر الوجوب.
• لا يختلف العلماء أن السجود ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.
• السجود قربة داخل الصلاة مطلقا، وقربة خارج الصلاة إن كان له سبب شرعي صحيح، من سهو، أو تلاوة، أو شكر، ولا يتقرب به إلى الله بلا سبب.
[م-٦٥٣] السجود إن كان في الصلاة فهو ركن بالاتفاق لا تتم الصلاة إلا به، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: [الحج: ٧٧].
فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: [المجادلة: ٣]، وقد سبق الكلام على مثل هذا في حكم الركوع.
وأما السنة، فأحاديث كثيرة، منها (ح-١٨٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه السلام، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ارجع فصل، فإنك لم تصل»، ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها».
وجه الاستدلال من أكثر من وجه:
الأول: قوله: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» فأمره بالسجود، وبالطمأنينة فيه. والأصل في الأمر الوجوب. وقوله: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فكان التقصير بالسجود وبالطمأنينة فيه موجبا لإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد العبادة، وقد نفى عنه الصلاة الشرعية، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها. وأما السجود خارج الصلاة فإن كان له سبب، من سهو، أو تلاوة، أو شكر لحصول نعمة أو دفع نقمة، فهذا سجود مشروع. [م-٦٥٤] وأما التقرب بالسجود خارج الصلاة من غير سبب، ففيه وجهان للشافعية:أحدهما: يجوز، وصححه المحب الطبري الشافعي ويمكن أن يستدل له بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: [العلق: ١٩].
فأمرهم بالسجود، فدل على أنه عبادة مستقلة، وإن كان جزءا من الصلاة.
• ونوقش:
الأمر بالسجود: أمر بالصلاة، وأطلق السجود على الصلاة لكونه ركنا فيه، كما تقدم مثل ذلك في قوله: [الحج: ٧٧]؛ فإنه لا يوجد ركوع مستقل عن الصلاة، فكذلك السجود، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٣) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة. قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان. ويجاب عنه بما أجيب به الآية الكريمة، فالعلماء فهموا منه كثرة السجود في الصلاة، ولهذا تكلموا في أيهما أفضل، طول القيام في الصلاة أم كثرة السجود، كما سيأتي بحث ذلك في مسألة تالية إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
إذا جاز التقرب بالسجود على وجه الاستقلال عن الصلاة بسبب جاز التقرب بالسجود بغير سبب كالركعة، وبه فارق السجود الركوع فإنه لم يشرع استقلالا مطلقا، لا بسبب، ولا بغيره.
• ونوقش:
بأن القرب يشترط لفعلها إما إذن من الشارع بالفعل مطلقا، أو سبب شرعي صحيح يجوز فعلها، فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة، وإن كانت قربة.
والوجه الثاني:
لا يجوز السجود بلا سبب، وهو مذهب الحنفية، وبه قال إمام الحرمين والغزالي ورجحه الرافعي، وهو الصحيح عندهم، ويمكن تخريجه على مذهب كراهة الإمام مالك سجود الشكر لانفراده عن الصلاة بحجة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ولم يأذن بفعله، فالسجدة التي لا سبب لها أولى بالمنع.
واستدلوا على التحريم:
بأن العبادات توقيفية، تفتقر إلى إذن من الشارع، والأصل فيها الحظر إلا بدليل، ولا دليل على جواز التعبد بالسجود دون سبب شرعي.
وقياسا على الركوع، فإنه لو تطوع بركوع مفرد، كان حراما بالاتفاق، فكذلك السجود، والله أعلم.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٠٠:٢٠١)
المبحث الأول في صفة التجزئة:
السجود ركن من أركان الصلاة، له أقل، وله أكمل:
أما أقله فهو ما اشتمل على أمرين، واختلف في الثالث:
الأول: أن يسجد على الأعضاء التي يجب السجود عليها.
وهذا موضع قد اختلف الفقهاء فيه اختلافا كبيرا، حتى تجد في المذهب الواحد أقوالا وروايات مختلفة، لهذا سيكون ذكر أقل ما يجزئ ينبني على تحرير الخلاف في هذه المسألة، واختيار الراجح منها، وهو اجتهاد يخطئ الباحث فيه ويصيب، ويكفي القارئ أن يقف على أقوال الأئمة في هذه المسألة، وأما اختياري فهو يعنيني أنا بالدرجة الأولى، وكونه صوابا أو خطأ فالأجر من الله على الحالين، وهو بين يدي القارئ ليمحصه، ويتفحصه، ويختار منه ما يراه صوابا، وقد بذلت وسعي، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.الثاني: أن يطمئن في السجود، فما لم يطمئن في سجوده فكأنه لم يسجد، كما قال -صلى الله عليه وسلم- للمسيء «ارجع فصل فإنك لم تصل» فإذا سجدت على ما يجب عليك السجود عليه، وحققت الطمأنينة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» فقد فعلت أقل ما يجزئ في السجود.
الثالث: التسبيح فيه إما مطلقا أو بلفظ: «سبحان ربي الأعلى» وهذا على مذهب الحنابلة، وهو مذهب مرجوح، والجمهور على استحباب التسبيح.إذا عرفت ذلك نأتي لبيان هذين الأمرين، وسوف أقدم الخلاف في الطمأنينة في السجود؛ لأن البحث فيها لن يتفرع، ثم أنتقل إلى مسألة بيان الأعضاء التي يجب السجود عليها في أقوال أئمتنا وفقهائنا، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٠٦:٢١٢)
الفرع الثاني: في الأعضاء التي يجب السجود عليها:
المسألة الأولى: في حكم السجود على الجبهة:
المدخل إلى المسألة:
• ثبت الأمر بالسجود على الجبهة، والأصل في الأمر الوجوب.
• الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلا أن يكون مرفوعا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.
• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف، والسجود عليه ثابت بالسنة الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب.
• استيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع.
• الأنف تابع للجبهة، في السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لم يجزئه.
[م-٦٥٦] اتفق الفقهاء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء، (ح-١٨٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -رضي الله عنه-ما، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين... الحديث».
[م-٦٥٧] واختلف العلماء في هذا الأمر، أهو للوجوب أم للندب؟ وعلى القول بأنه للوجوب، أهو شامل لجميع الأعضاء، أم يختص ببعضها دون بعض؟
أما الخلاف في الجبهة:
فقيل: السجود على الجبهة ركن من أركان الصلاة على التعيين، فلو ترك السجود عليها في حال الاختيار لا يجزئه، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه وزفر، وإليه صح رجوع الإمام إليه، وعليه الفتوى، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن عابدين: «وأما جواز الاقتصار على الأنف فشرطه العذر على الراجح». وقال النووي: «أما الجبهة فجمهور العلماء على وجوبها، وأن الأنف لا يجزي عنها». وقال أبو حنيفة: الفرض: الجبهة، أو الأنف من غير تعيين، فإن اقتصر على الأنف وحده جاز مع الكراهة، وإن اقتصر على الجبهة فقولان عن أبي حنيفة:
ففي التحفة والبدائع: لا يكره عنده.
وفي المفيد والمزيد والدر المختار يكره الاقتصار على أحدهما. قال ابن المنذر عن قول أبي حنيفة: «وهو قول لا أحسب أن أحدا سبقه إليه، ولا تبعه عليه». وأبو حنيفة عاصر التابعين، ومع ذلك انظر كيف تعقبه ابن المنذر في كون هذا القول لم يسبق إليه، فماذا يقول ابن المنذر فيما يتفرد به ابن حزم مع تأخره، ويخالف فيه الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ولم ينفرد به أبو حنفية، قال ابن رجب: «ولو اقتصر على أنفه دون جبهته لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم». وعند أبي الفرج المالكي في الحاوي أن من اقتصر على الأنف دون الجبهة تجزئه صلاته ويعيد في الوقت.
• دليل الجمهور على أن السجود على الجبهة فرض:
الدليل الأول:
(ح-١٨٠٥) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العقدي، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته... الحديث. [حسن في الجملة، وسبق تخريجه].الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين...» الحديث.وجه الاستدلال:
أنه ذكر الجبهة بالنص، وأشار إلى الأنف فدل على أن الأنف تابع للجبهة، في السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لا يجزئه.
• دليل أبي حنيفة القائل بأن الفرض: الجبهة أو الأنف من غير تعيين:
الدليل الأول:
قال تعالى: [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
أن الأمر في الآية تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، والأنف بعض الوجه كالجبهة، ولا إجماع على تعيين الجبهة، فلا يجوز تعيينها، فيبقى الأمر على التخيير بين الجبهة والأنف.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
إن كان المقصود بالإجماع إجماع الأمة فلا يصح؛ لأن الحنابلة يقولون بوجوب السجود على جميع الأعضاء بما فيها الأنف. وإن كان المقصود بالإجماع إجماع الحنفية، فغير مسلم أيضا فهذا زفر يقول بوجوب السجود على جميع الأعضاء عدا الأنف، ومحمد بن الحسن وأبو يوسف يقولان بوجوب السجود على الجبهة على وجه التعيين، فلا يصح دعوى الإجماع لا في مذهب الحنفية، ولا في أقوال الأئمة.
الوجه الثاني:
أن الأمر بالسجود في الآية مجمل، وقد بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عباس: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، فأشار إلى الأنف، وسبق ذكره، وتخريجه.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين...» الحديث.
وجه الاستدلال:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، وفيه إشارة إلى أنهما في حكم العضو الواحد، واستيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع، كما لو سجد على كفه دون أصابعه، أو سجد على بعض أصابع رجليه فلا تتعين الجبهة دون الأنف.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلا أن يكون مرفوعا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسوف أبين ذلك عند البحث على حكم السجود على الأنف.
الوجه الثاني:
أن الأنف تابع للجبهة وليس العكس، ولهذا نص على الجبهة بالذكر، وأشار إلى الأنف، والتابع تابع، لا يستقل بنفسه، فالسجود عليه وحده إسقاط لما هو فرض أصالة، واستغناء بالتابع عن الأصل.
الدليل الثالث:
أن الأنف محل للسجود بالإجماع، بدليل جواز السجود عليه عند العذر، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
جواز السجود على الأنف عند العذر مسألة خلافية، فالمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أنه إذا عجز بالجبهة أومأ ما أمكنه، فلا يصح الإلزام.
الوجه الثاني:
على فرض جواز الاكتفاء بالأنف عند العذر، فلا يصح القياس عليه في غير المعذور، فقياس الصحيح على المعذور قياس مع الفارق، فالضرورة لها أحكامها، والعذر يسقط به القيام والركوع وغيرهما من الفرائض المجمع عليها، فلا يصح القياس عليه.
الوجه الثالث:
لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة، القول بجواز الاقتصار على الأنف، والمقصود بالسجود التذلل والخشوع، ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك.
الدليل الرابع:
أن الأنف أحد محلي سجود الوجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش:
الأنف محل لكمال السجود، وما كان كذلك لا يجوز الاقتصار عليه، ألا ترى أن الكفين والركبتين وأصابع القدمين محل لكمال السجود، ولا يجوز الاقتصار عليها دون الجبهة، وكذلك الأذنان محل لكمال المسح على الرأس، ولو اقتصر على مسحهما لم يجزه.
• الراجح:
أن السجود على الأنف وحده لا يجزئ، وكراهة أبي حنيفة الاقتصار على الأنف وحده قد اختلف أصحابه في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تحريمية، وعليه يكون السجود على الأنف واجبا، والقول بأنها كراهة تنزيهية ليس هو المعتمد في مذهب الحنفية، فالفتوى في المذهب على أنه لا يجزئ السجود على الأنف، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢٣:٤٢٤)
فالسجود على الجبهة واجب بلا خلاف عندنا، والأولى أن يسجد عليها كلها، فإن اقتصر على ما يقع عليه الاسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في الأم، وقطع به جمهور الأصحاب، وحكى ابن كج والدارمي وجها أنه يجب وضع جميعها وهو شاذ ضعيف، ولو سجد على الجبين وهو الذي في جانب الجبهة أو على خده أو صدغه أو مقدم رأسه أو على أنفه ولم يضع شيئا من جبهته على الأرض لم يجزئه بلا خلاف، ونص عليه في الأم، والصحيح من الوجهين أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته، فلو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما، وجب أن يتحامل حتى ينكبس ويظهر أثره على يدلو فرضت تحت ذلك المحشو، فإن لم يفعل لم يجزئه، وقال إمام الحرمين: عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ولا حاجة إلى التحامل كيف فرض محل السجود، والمذهب الأول، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني، وصاحب التتمة والتهذيب قال الشافعي والأصحاب: ويجب أن يكشف ما يقع عليه الاسم فيباشر به موضع السجود، وقد ذكر المصنف دليله، فإن حال دون الجبهة حائل متصل به، فإن سجد على كتفه أو كور عمامته أو طرف كمه أو عمامته وهما يتحركان بحركته في القيام والعقود أو غيرهما لم تصح صلاته بلا خلاف عندنا؛ لأنه منسوب إليه، وإن سجد على ذيله أو كمه أو طرف عمامته وهو طويل جدا لا يتحرك بحركته؛ فوجهان (الصحيح) أنه تصح صلاته، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والرافعي، قال إمام الحرمين: لأن هذا الطرف في معنى المنفصل. (والثاني): لا تصح، وبه قطع القاضي حسين في تعليقه كما لو كان على ذلك الطرف نجاسة فإنه لا تصح صلاته وإن كان لا يتحرك بحركته، وقد سبق الفرق بينهما في باب طهارة البدن، أما إذا سجد على ذيل غيره أو طرف عمامة غيره أو على ظهر رجل أو امرأة من غير ان تقع بشرته على بشرتها أو على ظهر غيرهما من الحيوانات الطاهرة، كالحمار والشاة وغيرهما أو على ظهر كلب عليه ثوب طاهر بحيث لم يباشر شيئا من النجاسة فيصح سجوده وصلاته في كل هذه الصور بلا خلاف، إذا وجدت هيئة السجود؛ قال صاحب التتمة: لكنه يكره على الظهر هذا كله إذا لم يكن في ترك المباشرة بالجبهة عذر، فإن كان على جبهته جراحة وعصبها بعصابة وسجد على العصابة أجزأه ذلك، وصحت صلاته، ولا إعادة عليه؛ لأنه إذا سقطت الإعادة مع الإيماء بالرأس للعذر فهنا أولى، قال صاحب الحاوي والمستظهري: وفيه وجه يخرج من مسح الجبيرة أو عليه الإعادة، والمذهب أنه لا إعادة، وبه قطع الجمهور، ونص عليه في الأم؛ قال الشيخ أبو محمد في التبصرة: وشرط جواز ذلك أن يكون عليه مشقة شديدة في إزالة العصابة، ولو عصب على جبهة عصابة مشقوقة لحاجة أو لغير حاجة وسجد ومس ما بين شقيها شيئا من جبهته الأرض أجزأه ذلك القدر، وكذا لو سجد وعلى جبهته ثوب مخرق فمس من جبهته الأرض أجزأه نص عليه في الأم، واتفقوا عليه ويجيء فيه الوجه الذي حكاه ابن كج.
المغني -ابن قدامة- (٢/١٩٤:١٩٦)
فصل: والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب، إلا الأنف، فإن فيه خلافا سنذكره إن شاء الله، وبهذا قال طاوس، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق. وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في القول الآخر: [لا يجب، السجود على غير الجبهة]؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سجد وجهي" وهذا يدل على أن السجود على الوجه، ولأن الساجد على الوجه يسمى ساجدا، ووضع غيره على الأرض لا يسمى به ساجدا، فالأمر بالسجود ينصرف إلى ما يسمى به ساجدا دون غيره، ولأنه لو وجب السجود على هذه الأعضاء لوجب كشفها كالجبهة. وذكر الآمدي هذا رواية عن أحمد. وقال القاضي في "الجامع": وهو ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قد نص في المريض يرفع شيئا يسجد عليه، أنه يجزئه، ومعلوم أنه قد أخل بالسجود على يديه. ولنا، ما روى ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أمرت بالسجود على سبعة أعظم؛ اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة". متفق عليه وروى عن ابن عمر رفعه: "إن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وسجود الوجه لا ينفى سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود، فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية، وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي الأصل، وهى مكشوفة عادة، بخلاف غيرها، فإن أخل بالسجود بعضو من هذه الأعضاء، لم تصح صلاته عند من أوجبه، وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء، سجد على بقيتها، وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه؛ ولم يجب عليه أن يرفع إليه شيئا؛ لأن السجود هو الهبوط، ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه، وإن سقط السجود عن الجبهة، لعارض من مرض أو غيره، سقط عنه السجود على غيره؛ لأنه الأصل وغيره تبع له، فإذا سقط الأصل سقط التبع، ولهذا قال أحمد في المريض يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه: إنه يجزئه.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٢٥:٤٢٦)
في مذاهب العلماء في السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح سجوده على شيء من ذلك، وبه قال داود وأحمد في رواية، وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق وأحمد في الرواية الأخرى: يصح. قال صاحب التهذيب: وبه قال أكثر العلماء. واحتج لهم بحديث أنس -رضي الله عنه- قال: "كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه". رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لقدر رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم مطير وهو يبقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه". رواه ابن حنبل في مسنده وعن الحسن قال: "كان اصحاب رسول الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته". رواه البيهقي، وبما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سجد على كور عمامته" وقياسا على باقي الأعضاء، واحتج أصحابنا بحديث خباب وهو صحيح كما سبق، وقد سبق بيانه ووجه الدلالة فيه، وبحديث رفاعة بن رافع: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمسيء صلاته: "إنه لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء -وذكر صفة الصلاة إلى أن قال- فيمكن وجهه وربما قال جبهته من الأرض -وذكر تمام صفة الصلاة ثم قال- لا يتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" رواه أبو داود والبيهقي بإسنادين صحيحين، وفي رواية البيهقي؛ قال: (فيمكن جبهته) بلا شك، وبحديث ابن عباس السابق في الفرع قبله، وأجاب أصحابنا عن حديث أنس أنه محمول على ثوب منفصل، وأما حديث ابن عباس المذكور في مسند أحمد فضعيف في إسناده مجروح، ولو صح لم يكن فيه دليل لستر الجبهة وأجاب البيهقي والأصحاب عن حديث الحسن أنه محمول على أن الرجل يسجد على العمامة مع بعض الجبهة، ويدل على هذا أن العلماء مجمعون على أن المختار مباشرة الجبهة للأرض، فلا يظن بالصحابة إهمال هذا، وأما المروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سجد على كور عمامته" فليس بصحيح. قال البيهقي: فلا يثبت في هذا شيء، وأما القياس على باقي الأعضاء أنه لا يختص وضعها على قول، وإن وجب ففي كشفها مشقة بخلاف الجبهة.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٣٦٩:٣٧٨)
المسألة الثالثة: في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود:
المدخل إلى المسألة:
• كل حائل جاز السجود عليه منفصلا جاز متصلا، دليله: الركبتان والقدمان.
• الأصل جواز السجود على الحائل إلا بدليل.
• مسمى السجود لا يختلف بين السجود على الحائل المتصل والمنفصل.
• حقيقة السجود يحصل بوضع أعضاء السجود على الأرض دون كشفها.
• الفرض بالسجود: التذلل والخشوع بوضع الوجه وسائر أعضاء السجود على الأرض، وهو يحصل بحائل وبغير حائل.
• المعنى لكراهة السجود على الحائل المتصل إما لما فيه من حركة المصلي في بسطه كل ما أراد السجود، وإما لما فيه الترفع عن تتريب الوجه بالتراب.
• لا مكروه مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة.
[م-٦٨٣] اختلف العلماء في الرجل يسجد على طرف ثوبه:
فقيل: يكره أن يسجد على طرف ثوبه، فإن كان لدفع حر أو برد، أو خشونة أرض فلا كراهة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والمعتمد في مذهب الحنابلة قال ابن القاسم في المدونة: «وقال مالك فيمن سجد على كور العمامة، قال: أحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الأرض، قلت له: فإن سجد على كور العمامة؟ قال: أكرهه؛ فإن فعل فلا إعادة عليه». وقيل: يجب مباشرة الأرض بالجبهة، وهو مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة. قال الشافعية: إذا سجد على طرف ثوبه، فإن كان يتحرك بحركته لم يجزه، فإن كان متعمدا بطلت صلاته، وإن كان ناسيا أو جاهلا لم تبطل، وأعاد السجود، وإن كان لا يتحرك بحركته، فوجهان، أصحهما الجواز، وهو مذهب الشافعية. قال النووي: «إن حال دون الجبهة حائل متصل به، فإن سجد على كفه، أو كور عمامته، أو طرف كمه، أو عمامته، وهما يتحركان بحركته في القيام والعقود، أو غيرهما لم تصح صلاته بلا خلاف عندنا؛ لأنه منسوب إليه. وإن سجد على ذيله، أو كمه، أو طرف عمامته، وهو طويل جدا، لا يتحرك بحركته، فوجهان، الصحيح أنه تصح صلاته، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والرافعي، قال إمام الحرمين: لأن هذا الطرف في معنى المنفصل.
والثاني: لا تصح، وبه قطع القاضي حسين في تعليقته كما لوكان على ذلك الطرف نجاسة، فإنه لا تصح صلاته، وإن كان لا يتحرك بحركته».• دليل من قال: يكره، والصلاة صحيحة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٩٤) ما رواه البخاري، حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه. ورواه مسلم حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا بشر بن المفضل به. ورواه البخاري حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا بشر به، وفيه: (...كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود).
وجه الاستدلال:
أنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، فأخذ منه دلالتين:
إحداهما: أن الأصل والمعتاد عدم بسطه.
الثانية: أنه متصل؛ لأن المنفصل لا يتعلق السجود عليه بطرف الثوب، ولقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي على الحصير، وعلى الخمرة، ولم يقيد ذلك بالحاجة.
• ونوقش هذا:
حمل الشافعية الحديث على أنه يسبط ثوبا لا يلبسه، أو على طرف ثوب لا يتحرك بحركته.
• وأجيب:
بأن قوله (بسط ثوبه، فسجد عليه) دليل على أن البسط معقب بالسجود، وإذا كان يبسطه، وهو في الصلاة فالظاهر أن ذلك في ثوبه المتصل به، وليس في بساط منفصل عنه، وكما أفادته الرواية الثانية عند البخاري في ذكر طرف الثوب. ولأن ثياب الصحابة لم تكن من الطول بحيث لا تتحرك بالحركة، وحين سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في الثوبين، قال: أوَلِكُلِّكُمْ ثوبان؟
الدليل الثاني:
(ح-١٨٩٥) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين. ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار به.
وجه الاستدلال:
فأمر الله بالسجود على سبعة أعضاء، فإذا جاز السجود بالإجماع على حائل متصل بالقدم، جاز ذلك على سائر الأعضاء قياسا عليه.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٩٦) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، مولى عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم مطير، وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد.
[ضعيف].وجه الاستدلال:
إذا جاز أن يجعل حائلا متصلا بين الأرض وبين يديه جاز ذلك في الجبهة؛ قياسا عليه، بجامع أن كلا منهما من أعضاء السجود.
• ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، وهو في اليدين، وليس في الجبهة، والجبهة هي الأصل في السجود، وبقية الأعضاء تبع لها، ألا ترى أنه لو وضع كل أعضاء السجود دون الجبهة لا يسمى ساجدا بخلاف العكس.
الدليل الرابع:
(ح-١٨٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعا يده في ثوبه إذا سجد.
[ضعيف].
الدليل الخامس:
(ح-١٨٩٨) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الله بن محرر قال: أخبرني يزيد بن الأصم، أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسجد على كور عمامته. قال ابن محرر: وأخبرني سليمان بن موسى، عن مكحول، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك.
[ضعيف جدا].
قال البيهقي: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك.
قال الحافظ: يعني مرفوعا.
وفي الباب من حديث أنس، ومن حديث جابر، ومن حديث ابن أبي أوفى، ولا تستحق أن تشتغل بها؛ لأنها تدور على متهمين بالكذب.
الدليل السادس:
(ث-٤٥٨) روى البخاري معلقا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كميه.
(ث-٤٥٩) وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن، قال: إن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته.
[هشام بن حسان ثقة إلا أن روايته عن الحسن فيها مقال].• دليل من قال: يجب مباشرة الأرض بالجبهة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٩٩) ما رواه أحمد، من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن وهب، يقول:
سمعت خبابا، يقول: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرمضاء، فلم يشكنا
ورواه عبد الرزاق وأحمد من طريق الثوري، عن أبي إسحاق به. وهو في صحيح مسلم من طريق زهير، وأبي الأحوص، فرقهما، عن أبي إسحاق. وإنما قدمت رواية شعبة والثوري لقدم سماعهما من أبي إسحاق.
وجه الاستدلال:
قوله: (فلم يشكنا) أي لم يزل شكوانا، وقد شكوا حر الرمضاء في الوجوه والجباه مما يدل أنهم طلبوا السجود على حائل متصل. فقد رواه البيهقي من طريق عيسى بن يونس، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا.• وأجيب بجوابين:
الأول: [أن زيادة جباهنا وأكفنا زيادة منكرة].
الجواب الثاني:
ليس فيه أنهم طلبوا السجود على الحائل فلم يزل شكواهم، كيف وقد كان يصلي على الحصير والخمرة، وإنما طلبوا الإبراد بالظهر، فأبى ذلك، وقد جاء في صحيح مسلم: قال زهير كما في صحيح مسلم: قلت لأبي إسحاق أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها قال: نعم. اهـ. والراوي أعلم بما روى.
وقد تقدم حديث أنس في البخاري: (...كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود).
الدليل الثاني:
(ح-١٩٠٠) ما رواه أحمد من طريق عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفي لتبرد، حتى أسجد عليه من شدة الحر. [حسن].
وجه الاستدلال:
لو كان السجود على الحائل المتصل جائزا لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف، ووضعها للسجود عليها.
• وأجيب:
بأنه يحتمل أنه لم يكن في ثوبه فضلة، وقد تقدم لنا في البخاري من حديث جابر -رضي الله عنه- وفيه: (...قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب -يعني ضاق- قال: فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به).
وفي رواية لمسلم: (...كانت عليَّ بردة ذهبت أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه... فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمقني، وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال هكذا، بيده -يعني شد وسطك- فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يا جابر، قلت: لبيك، يا رسول الله قال: إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك). فلم يكن في ثيابهم فضلة، فضلا عن تصور فضلة لا تتحرك بحركتهم، كما حملوا عليه حديث أنس -رضي الله عنه- المتفق عليه في السجود على طرف الثوب.الدليل الثالث:
(ث-٤٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب،
عن نافع، قال: كان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يسجد على كور العمامة.
[صحيح].وهو لا يدل على التحريم، بل هو متسق مع قول الجمهور بكراهة السجود على الحائل المتصل، ولو دل على التحريم لم يكن معارضا لحديث أنس المتفق عليه، فالموقوف لا يعارض المرفوع.
• الراجح:
القول بالكراهة أقوى القولين، وأعدلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق أدلة المسألة: «ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة: أنه يرخص في ذلك عند الحاجة، ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة». والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية-(٣٠/٣٠٤:٣٠٥)
السجود على كور العمامة:
١٢- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجوز السجود على كور العمامة وغيرها مما هو متصل بالمصلي من غير عذر من حر أو برد مع الكراهة التنزيهية عند الحنفية؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سجد على كور عمامته، وعن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته، وفي رواية: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه ،
وذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد إلى وجوب كشف الجبهة ومباشرتها بالمصلى، وعدم جواز السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته أو قلنسوته وغير ذلك مما هو متصل به، ويتحرك بحركته لقوله -صلى الله عليه وسلم-: إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض الحديث، ولما روي عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا وفي رواية فما أشكانا. وقال المالكية: السجود على الجبهة فرض، ويكره السجود على كور عمامته إن كان لفتين من شال رقيق كشاش ولا يعيد الصلاة، فإن كان أكثر من لفتين واستقرت عليه الجبهة فيعيد في الوقت، وإن كانت العمامة مشدودة على الرأس وسجد على كورها ولم تمس جبهته الأرض فصلاته باطلة يعيدها أبدا وجوبا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٣٥:٤٣٦)
(إحداها) قال أصحابنا الخراسانيون التنكس في السجود شرط لصحته، قالوا: وللساجد ثلاثة أحوال، (إحداها) أن تكون أسافله أعلى من أعاليه فتكون عجيزته مرتفعة عن رأسه ومنكبيه فهذه هيئة التنكس المطلوبة، ومتى كان المكان مستويا فحصولها هين ولو كان موضع الرأس مرتفعا قليلا، فقد رفع أسافله، وتحصل هذه الهيئة أيضا وتصح صلاته بلا شك، (الثانية) إلا أن تكون أعاليه أرفع من أسافله بأن يضع رأسه على ارتفاع فيصير رأسه أعلى من حقويه، فلا يجزئه لعدم اسم السجود كما لو أكب على وجهه ومد رجليه فإنه لا يجزئه، بلا شك قال صاحب التتمة إلا أن تكون به علة لا يمكنه السجود إلا هكذا فيجزئه، (الثالثة) أن يستوي أعاليه و أسافله لارتفاع موضع الجبهة، وعدم رفعه الأسافل أو لغير ذلك ففي صحة صلاته؛ وجهان (الصحيح): أنها لا تصح لفوات الهيئة المطلوبة، وبهذا قطع الغزالي في الوجيز والبغوي، ودليل وجوب أصل التنكس أنه تثبت إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ومعلوم أنه -صلى الله عليه وسلم- كان ينكس وعن أبي إسحاق السبيعي قال: "وصف لنا البراء بن عازب -رضي الله عنهما- -يعني السجود- فوضع يديه، واعتمد على ركبتيه ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسجد" رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وأبو حاتم بإسناد حسن، وهذا مع قوله -صلى الله عليه وسلم- "صلوا كما رأيتموني أصلي" يقتضي وجوبه والله أعلم: ولو تعذر التنكس لمرض أو لغيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة على شيء فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي ومن تابعه؛ (أظهرهما) عند الغزالي الوجوب؛ لأنه يجب التنكس ووضع الجبهة على شيء، فإذا تعذر أحدهما لزمه الآخر، (وأصحهما) عند غيره: لا يجب، بل يكفيه الخفض المذكور قال الرافعي: هذا أشبه بكلام الأكثرين؛ لأن هيئة السجود متعذرة، فيكفيه الخفض الممكن، قال: ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الأرض وأمكنه وضعها على وسادة مع التنكيس لزمه ذلك.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٦٧)
ويجب أيضًا أن ترتفع أسافله -عجيزته وما حولها- على أعاليه لخبر «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلا يكتفي برفع أعاليه على أسافله ولا بتساويهما، لعدم اسم السجود كما لو أكب ومد رجليه، إلا إن كان به علة لا يمكنه السجود إلا كذلك فيصح، فإن أمكنه السجود على وسادة بتنكيس لزمه؛ لحصول هيئة السجود بذلك، ولا يلزمه بلا تنكيس.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٥٢:٢٥٤)
المسألة الثالثة: في حكم التسبيح في السجود:
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسبيح.
• الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.
• كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.
• لم يعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبا لعلمه.
• القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.
• يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.
• القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبا ثم وجب ضعيف جدا، فلوكان التسبيح مستحبا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.
• لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عار عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.
• إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.
• سميت الصلاة تسبيحا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.• لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.
• لو كان التسبيح واجبا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين؟
[م-٦٦٣] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم. وقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يحد فيه دعاء موقوتا.
وتأوله أصحابه بأن معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، [م-٦٦٤] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:
فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد. وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعد من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:
فقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة
وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء، ولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حدا، أي لا يعين فيه تسبيحا بعينه، ولا عددا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك اللهم وبحمدك، ونحو ذلك. وقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٣٤)
حكم المسألة: فقال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله- يسن التسبيح في السجود والاجتهاد في الدعاء أن يقول: "اللهم لك سجدت وبك آمنت" إلى آخر حديث علي -رضي الله عنه- وأدنى سنة التسبيح، وما في حديث علي وسبوح وقدوس والدعاء، قال القاضي حسين وغيره: فإن أراد الاقتصار فعلى التسبيح أولى، وقد سبق هذا، وما يتعلقن به في فصل الركوع، وكل ذلك يعود هنا، وسبق هناك أذكار الركوع والسجود جميعا، ومما لم يسبق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كان يقول في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره وعلانيته وسره" رواه مسلم. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "فقدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالتمسته فوقعت يدي علي بطن قدمه في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ومعافاتك من عقوبتك وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه مسلم. قال صاحب الحاوي وغيره: يستحب أن يجمع هذا كله، قال أصحابنا: ولا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات إلا أن يرضى القوم المحضورون، وفيه كلام ذكرته في ذكر الركوع عن نص الشافعي، قال الشافعي في الأم: ويجتهد في الدعاء ما لم يكن إماما، فيثقل على من خلفه أو مأموما، فيخالف إمامه قال: والرجل والمرأة في الذكر سواء، ونقل الشيخ أبو حامد هذا النص عن الأم، ونقل عن نصه في الإملاء أنه لا يدعو لئلا يثقل على المأمومين، قال أبو حامد: النصان متقاربان في المعنى؛ يعني أنه يدعو بحيث لا يطول عليهم، واتفقوا على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود وغير حالة القيام، للحديث فلو قرأ غير الفاتحة لم تبطل، وفي الفاتحة خلاف سبق في فصل الركوع وسنوضحه في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى، وقد سبق في فصل الركوع بيان مذاهب العلماء في حكم التسبيح، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١١/٢٨٧)
التسبيح في السجود:
١٤- يقال في السجود ما قيل في الركوع، من حيث الصفة والعدد والاختلاف في ذلك. فالتسبيح في السجود سنة عند الحنفية في المشهور، وقيل: واجب. ومندوب عند المالكية. ومستحب عند الشافعية. وواجب عند الحنابلة في أقله، وهو الواحدة، وسنة في الثلاث، كما في الركوع. ولا خلاف إلا في أن تسبيح السجود أن يقول: سبحان ربي الأعلى، أما في الركوع فيقول: سبحان ربي العظيم.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٢٥٦:٢٥٨)
مطلب:
في بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة:
[م-٦٦٥] ورد في السجود أذكار وأدعية متنوعة، منها:
(ح-١٨٣٣) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين...» وإذا ركع، قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي...» وإذا سجد، قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين...». الحديث. (ح-١٨٣٤) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن. (ح-١٨٣٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نبأته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». (ح-١٨٣٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: افتقدت النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت». فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر. (ح-١٨٣٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». (ح-١٨٣٨) ومنها ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قمت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة. [حسن]. (ح-١٨٣٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه، وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره». فيستحب للمصلي أن ينوع من هذه الأذكار، ليأتي بجميع ما ورد في السنة. قال ابن المنذر بعد أن ذكر هذه الآثار: «للمرء أن يقول بأي خبر شاء من هذه الأخبار؛ إذ الاختلاف في ذلك من جهة المباح، فأي تسبيح، أو تعظيم، أو ذكر أتى به مما ذكرناه في هذه الأخبار فصلاته مجزية».
المغني -ابن قدامة- (٢/٢٠٣:٢٠٤)
فصل: وإن زاد دعاء مأثورا، أو ذكرا مثل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن. متفق عليه. وعن أبي سعيد. أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يا معاذ، إذا وضعت وجهك ساجدا فقل: اللهم أعنى على شكرك وحسن عبادتك». وقال علي -رضي الله عنه-: أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد وهو ساجد: رب إني ظلمت نفسى فاغفر لي. رواهما سعيد في "سننه". وعن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وسره وعلانيته". رواه مسلم. فحسن؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله. وقد قال: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». حديث صحيح. وقال القاضي: لا تستحب الزيادة على: «سبحان ربى الأعلى» في الفرض، وفي التطوع روايتان؛ لأنه، لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه سوى الأمر بالتسبيح، وقد ذكرنا هذه الأخبار الصحيحة، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع، والأمر بالتسبيح لا ينفي الأمر بغيره، كما أن أمره بالتشهد في الصلاة لم ينف كون الدعاء مشروعا، ولو ساغ كون الأمر بالشيء نافيا لغيره لكان الأمر بالدعاء نافيا للتسبيح؛ لصحة الأمر به، وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له فيه.