الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٤٣٢:٤٤٤)
الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام:
المدخل إلى المسألة:
• تسمية جلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية فقهية، وليست تسمية شرعية.
• الصحيح في جلسة الاستراحة على القول بمشروعيتها أنها صفة في النهوض إلى القيام، وليست جلسة، كما أن تقديم الركبتين في الجلوس في أحد القولين صفة في الهوي.
• تسميتها جلسة أثار اعتراض بعض الفقهاء بأنها جلسة خالية من الذكر والتكبير على خلاف سائر جلسات الصلاة.
• لم يصح في جلسة الاستراحة إلا حديث مالك بن الحويرث، قال أحمد: ليس لهذا الحديث ثان.
• قد يترك العالم القول بالحديث مع صحته لمعارض يراه أقوى عنده، كتردد الفعل بين التعبد وداعي الحاجة.
تعريف جلسة الاستراحة:
إذا قام المصلي إلى القيام، وكان في وتر من صلاته استوى قاعدا قبل أن ينهض، ثم قام.
وهي جلسة خفيفة، لا ذكر فيها، وتسميتها بجلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية، وليست شرعية، حيث لا أعلم نصا صحيحا في تسميتها. وموضعها في كل ركعة يقوم منها، لا يعقبها تشهد كالركعة الأولى والثالثة من الفريضة.
[م-٦٩٤] وقد اختلف العلماء في مشروعيتها:
فقيل: لا تشرع مطلقا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمعتمد في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية. جاء في البحر الرائق: «جلسة الاستراحة مكروهة عندنا». وقيل: تستحب مطلقا، وهو المشهور من مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها الخلال، وقال: إن أحمد رجع عن الأول، وبه قال ابن حزم. وقيل: تشرع عند الحاجة لمرض أو كبر، وهو قول للشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.• دليل من قال باستحباب جلسة الاستراحة:
الدليل الأول:
(ح-١٩٢٤) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدهم أبو قتادة بن ربعي، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تباعة، قال: بلى. قالوا: فاعرض. قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر... وذكر حديثا طويلا في صفة صلاة النبي وفيه: ثم هوى ساجدا، وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها، حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك...
[الحديث صحيح في الجملة وزيادة جلسة الاستراحة شاذة من حديث عبد الحميد بن جعفر].الدليل الثالث:
(ح-١٩٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا دخل المسجد، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فصل، فإنك لم تصل. فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء... وذكر الحديث، وفيه: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
قال البخاري: وقال أبو أسامة، في الأخير: حتى تستوي قائما.
[ذكر جلسة الاستراحة في حديث المسيء في صلاته ليس بمحفوظ، وقد أشار إلى تعليلها البخاري].قال ابن رجب: «هذه اللفظة -يعني الجلوس بعد السجدتين- قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما، وهذا هو الأشبه؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه شيئا من سنن الصلاة المتفق عليها، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة؟ هذا بعيد جدا، ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين. قال: والصحيح عنه أنه قال بعد ذكر السجدتين (ثم ارفع حتى تستوي قائما).
• أجاب القائلون بعدم الاستحباب:
جلسة الاستراحة مترددة بين كون النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها للحاجة، وبين كون النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها على وجه التعبد، ومع التردد فالأصل عدم المشروعية، ويؤيد الاحتمال الأول أمران:
إحداهما: كون وفود العرب إنما وفدت على النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر عمره.
الثاني: كون أكثر الأحاديث التي وصفت صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تذكر جلسة الاستراحة، وبأن أكابر الصحابة المختصين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس بسنة.
ولم تصح جلسة الاستراحة إلا من حديث مالك بن الحويرث.قال أحمد كما في المغني: «أكثر الأحاديث على هذا». أي على الترك.
وقال أحمد عن حديث مالك بن الحويرث: ليس لهذا الحديث ثان، نقلها ابن رجب في فتح الباري، وسبق العزو إليه.
ويقول ابن القيم: «...سائر من وصف صلاته -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث. ولو كان هديه -صلى الله عليه وسلم- فعلها دائما لذكرها كل من وصف صلاته -صلى الله عليه وسلم- ومجرد فعله -صلى الله عليه وسلم- لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة».
(ح-١٩٢٧) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت.
[حسن].(ث-٤٦٥) روى مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛ أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي.
[صحيح].
فلولا أن المغيرة بن حكيم راجع ابن عمر لاعتقد أن فعل ابن عمر من سنة الصلاة.
• ونوقش:
كون هذه الجلسة لم تذكر في أكثر الأحاديث، فإن ذلك لا ينفيها، وليس من شروط قبول السنة أن تذكر أكثر الأحاديث، فالسكوت عنها ليس نفيا لها، وقد ذكرها أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يسمعون عرضه لصفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصدقوه على عرضه، والقول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها للحاجة هذا اتهام لهؤلاء الصحابة بأنهم لا يفرقون بين ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بدافع الحاجة، وما فعله على وجه التعبد، وهب أن مثل هذا قد يجوز على مالك بن الحويرث لقصر مدة إقامته في المدينة، فكيف يجوز هذا على عشرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعهم أبو حميد الساعدي.
قال في المجموع: «قول الإمام أحمد بن حنبل إن أكثر الأحاديث على هذا معناه: أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتا، لا نفيا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجل من أن يقول شيئا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها، ولا نفيها لم يلزم رد سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة».
• ويجاب:
بأنك قد علمت بأن حديث أبي حميد الساعدي لا يثبت، ولو ثبت لكان القول بمشروعيتها متعينا.
وأما فعل ابن عمر فالظاهر أنه في الإقعاء بين السجدتين، وليس في القيام من الركعة الأولى والثالثة، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تشرع جلسة الاستراحة:
الدليل الأول:
(ح-١٩٢٨) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلا دخل المسجد فصلى، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل... وذكر الحديث، وفيه: ...ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فقال له بعد السجود الثاني ارفع حتى تستوي قائما، فلم يذكر له جلسة الاستراحة.
• وأجيب:
بأن حديث المسيء قد اقتصر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- على تعليمه الواجبات، فلم يذكر له شيئا من السنن حتى المتفق عليها، وهذا بين ولولا أنه احتج به بعض الفقهاء ما ذكرته، والله أعلم.
الدليل الثاني:
احتجوا بما وقع في حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما.
قال ابن الملقن: «احتج به بعض الشراح من المالكية لمذهبه... قال: فيكون هذا في حال الصحة، وذاك في حال الضعف جمعا بين الحديثين، فإنه أولى من اطراح أحدهما.
فتعقبه قائلا: وهذا كلام فقيه صرف، فالحديث الذي استدل به لنفيها لا يعرف مخرجه البتة».
• وأجيب:
الاستدلال بهذا الحديث دليل على أن تركها دليل على عدم وجوبها ولم يقل به أحد، لا على عدم مشروعيتها.
الدليل الثالث:
(ح-١٩٢٩) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه، فإذا كبر أرسلهما، ثم سكت... وذكر الحديث، وفيه: وكان يمكن جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم، لا يعتمد على يديه... الحديث.
[ضعيف جدا].
الدليل الرابع:
(ث-٤٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: رأيت ابن الزبير، إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه.
[صحيح].
الدليل الخامس:
(ث-٤٦٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة وفي الركعة الأولى والثالثة.
[صحيح].
قال البيهقي: هو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السنة أولى.الدليل السادس:
(ث-٤٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد، من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس.
[صحيح].
وأجابوا عنه بما أجيب عن أثر ابن مسعود، وهو أنه لا حجة في الموقوف إذا عارض المرفوع.
الدليل السابع: من القياس.
قالوا: هذه الجلسة لو كانت مستحبة لكان لها ذكر مسنون، فلما أجمعنا على أنه لا ذكر لها دل على أنها غير مستحبة.
ولأن التكبيرات ثنتان وعشرون، فإن قلنا بجلسة الاستراحة لزم إما الزيادة عليها إن قلنا: بالتكبير عند الرفع منها.
أو يلزم ترك التكبير عند الرفع، مع أن المعهود من صلاته -صلى الله عليه وسلم- هو التكبير في كل خفض ورفع.
• فيجاب:
لا يستدِلُّ بالقياس مع وجود الأثر، فالسنة مقدمة على ظاهر القياس. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تسميتها بجلسة من قبل الفقهاء أحدث مثل هذا النظر، ولا تعرف التسمية من جهة الشرع، لهذا يمكن اعتبارها صفة في النهوض، فالقيام إلى الركعة الثالثة على القول بمشروعية الاستراحة أن يستوي جالسا قبل أن ينهض ثم يقوم هذه صفة القيام إلى الركعة، لا أنه يقصد في نهوضه جلسة تعتبر زيادة في جلسات صلاته، فلا تعد من جلسات الصلاة.
• دليل من قال: تسن للحاجة:
هذا القول عمل بأدلة الفريقين، فحمل أدلة القول بأن الجلسة لا تستحب على زمن القوة والشباب، وحمل حديث مالك بن الحويرث على وقت الحاجة إذا كبر الرجل أو مرض.
• ويناقش:
بأن جلسة الاستراحة فيها كلفة ومشقة، فكون الكبير يشرع في القيام من حين النهوض أسهل عليه، نعم التفريق في صفة النهوض، أيعتمد على يديه، أم يعتمد على ركبتيه؟ في التفريق بين الكبير والشاب له وجه بخلاف جلسة الاستراحة، فإن فيها مشقة، فهي إما مشروعة مطلقا، أو ليست مشروعة، فتترك، والله أعلم.
• الراجح:
الذي أميل إليه هو عدم مشروعية جلسة الاستراحة، وحديث مالك بن الحويرث قد يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل هذه للحاجة إليها، فإن اعترض بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، عند البخاري، وهو شاب.
• فيجاب عنه:
أن قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي): إن حملنا الحديث على الرؤية البصرية، فهي تدل على جواز هذه الهيئة مطلقا، وعلى استحبابها عند الحاجة.
ولهذا الفقهاء يقولون: لا يتعين جلسة معينة في الصلاة لا يجزئ غيرها إلا أنه لا يفعل الإقعاء المكروه، فأي جلسة جلسها في الصلاة صحت صلاته، ومن ذلك جلسة الاستراحة، لهذا لم يكن من الواجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- تنبيه مالك بن الحويرث أنه لا يجلس إلا لو كانت هذا الجلسة لا تجوز إلا بقيد الحاجة، ولا أحد قال بهذا.
وإن حملنا الحديث على الرؤية العلمية: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي كما علمتم من صلاتي فالذي علمناه من صلاته أنه كان لا يجلس في أول الأمر عندما لم يكن محتاجا، وجلس في آخر عمره عندما احتاج إلى ذلك، فنصلي كما علمناه من صلاته، في شبابه وكبره، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٥/٢٦٦:٢٦٧)
جلسة الاستراحة:
١٢- ذهب الحنفية والمالكية وهو مقابل الأصح لدى الشافعية، والصحيح من المذهب لدى الحنابلة إلى أن المصلي إذا قام من السجدة الثانية لا يجلس جلسة الاستراحة، ويكره فعلها تنزيها لمن ليس به عذر.
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود، وابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- وبه قال الثوري وإسحاق، قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، وقال أبو الزناد: تلك السنة. ويرى الشافعية في الأصح وهو رواية ثانية عن أحمد اختارها الخلال أنه يسن بعد السجدة الثانية جلسة للاستراحة في كل ركعة تقوم عنها، لما روى مالك بن الحويرث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى. وصفةُ الجلوس هنا كالجلوس بين السجدتين قدرا وهيئة، ويكره تطويله، وهذا يخالف قول الرافعي: "أنها خفيفة" وقول النووي في مجموعه "أنها خفيفة جدا".
ثم قطع الرافعي: بأنها للفصل بين الركعتين، وحكى النووي وجها أنها: من الثانية، وهناك وجه ثالث أبداه صاحب الذخائر وهو: أنها من الركعة الأولى ومن خصائص جلسة الاستراحة عند من يقول بها -أنها لا يدعو فيها بشيء.
المجموع شرح المهذب (٣/٤٤١)
فهلْ تُسَنُّ جلسة الاستراحة فيها النصان اللذان ذكرهما المصنف عن الشافعي، وللأصحاب فيها ثلاثة طرق (أحدها): وهو قول أبي إسحاق المروزي هما محمولان علي حالين، فإن كان المصلي ضعيفا لمرض أو كبر أو غيرهما استحب، وإلا فلا (الطريق الثاني) القطع بأنها تستحب لكل أحد وبهذا قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي والمحاملي في المقنع والفوراني في الإبانة وإمام الحرمين والغزالي في كتبه وصاحب العدة وآخرون، ونقل الشيخ أبو حامد اتفاق الأصحاب عليه (الطريق الثالث) فيه قولان:
(أحدهما) يستحب و(الثاني) لا يستحب وهذا الطريق أشهر، واتفق القائلون به على أن الصيحح من القولين استحبابها فحصل من هذا أن الصحيح في المذهب استحبابها، وهذا هو الصواب الذي ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٤٣:٤٤٤)
في مذاهب العلماء في استحباب جلسة الاستراحة: مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة كما سبق، وبه قال مالك بن الحويرث وأبو حميد وأبو قتادة وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- وأبو قلابة وغيره من التابعين، قال الترمذي: وبه قال أصحابنا وهو مذهب داود ورواية عن أحمد، وقال كثيرون أو الأكثرون: لا يستحب بل إذا رفع رأسه من السجود نهض حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي الزياد ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، قال: قال النعمان بن أبي عباس: أدركت غير واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعلُ هذا، وقال أحمد بن حنبل: أكثرُ الأحاديث على هذا، واحتج لهم بحديث "المسيء صلاته"، ولا ذكر لها فيه، وبحديث وائل بن حجر المذكور في الكتاب، قال الطحاوي: ولأنه لا دلالة في حديث أبي حميد، قال: ولأنها لو كانت مشروعة لسن لها ذكر كغيرها. (واحتج) أصحابنا بحديث مالك بن الحويرث أنه "رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا" رواه البخاري. بهذا اللفظ ورواه أيضا من طرق كثيرة بمعناه عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث المسيء صلاته: "اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حت تطمئن جالسا" رواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ في كتاب السلام وعن أبي حميد وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- أنه وصف صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ثم هوى ساجدا ثم ثنى رجله وقعد حتى رجع كل عظم موضعه ثم نهض: وذكر الحديث" فقالوا: صدقت. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وإسناد أبي داود إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد سبق بيان الحديث بطوله في الركوع والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما علمه الواجبات دون المسنونات، وهذا معلوم سبق ذكره مرات، وأما حديث وائل فلو صح وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة؛ لأنه ليس فيه تصريح بتركها ولو كان صريحا لكان حديث مالك بن الحويرث وأبي حميد وأصحابه مقدما عليه، لوجهين (أحدهما) صحة أسانيدها (والثاني) كثرة رواتها، ويحتمل حديث وائل أن يكون رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقت أو أوقات تبينا للجواز، وواظب على ما رواه الأكثرون ويؤيد هذا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمالك بن الحويرث بعد أن قام يصلي معه ويتحفظ العلم منه عشرين يوما وأراد الانصراف من عنده إلى أهله "اذهبوا إلي أهليكم ومرهم وكلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا كله ثابت في صحيح البخاري من طرق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هذا وقد رآه يجلس للاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد لما أطلق صلى الله عليه وسلم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبى إسحاق المروزي من القوي والضعيف، ويجاب به أيضا عن قول من لا معرفة له ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه، وأما قول الإمام أحمد بن حنبل إن أكثر الأحاديث على هذا، ومعناه أن أكثر الاحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتا لا نفيا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجل من أن يقول شيئا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها ولا نفيها لم يلزم رد سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة، وأما قول الطحاوي إنها ليست في حديث أبي حميد فمن العجب الغريب فإنها مشهورة فيه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب السنن والمسانيد للمتقدمين، وأما قوله: لو شرعت لكان لها ذكر فجوابه أن ذكرها التكبير، فإن الصحيح أنه يمد حتى يستوعبها ويصل إلى القيام كما سبق، ولو لم يكن فيها ذكر لم يجز رد السنن الثابتة بهذا الاعتراض، والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (٢/٢١٥)
فصل: يستحب أن يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من السجود، وانتهاؤه عند اعتداله قائما، ليكون مستوعبا بالتكبير جميع الركن المشروع فيه، وعلى هذا بقية التكبيرات، إلا من جلس جلسة الاستراحة، فإنه ينتهى تكبيره عند انتهاء جلوسه، ثم ينهض للقيام بغير تكبير. وقال أبو الخطاب: ينهض مكبرا. وليس بصحيح؛ فإنه يفضى إلى أن يوالى بين تكبيرتين في ركن واحد، لم يرد الشرع بجمعهما فيه.
الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (٤/٤٤٥:٤٥٩)
الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية:
المدخل إلى المسألة:
• النهوض من السجود إلى القيام وسيلة وكيف قام المصلي من السجود إلى القيام أجزأ عنه.
• لا يصح حديث مرفوع في الاعتماد على صدور القدمين إذا نهض المصلي إلى القيام.
• صح في الاعتماد على صدور القدمين أثران صحيحان عن ابن مسعود، وابن الزبير -رضي الله عنهما.
• الاعتماد على اليدين جاء في حديث مالك بن الحويرث، في بعض طرقه، وأكثر الرواية على عدم ذكره؛ لهذا لم يأخذ به الإمام أحمد وقدم عليه الآثار الموقوفة، والله أعلم.
• الاعتماد على اليدين صح من فعل ابن عمر -رضي الله عنهما- بعد ما أسن.
[م-٦٩٥] اختلف العلماء في صفة النهوض:
فقيل: يستحب أن ينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه بيديه، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة ونص بعض الحنفية على كراهة الاعتماد على اليدين.
وقيل: يقوم معتمدا على يديه، وهو مذهب المالكية والشافعية. قال ابن ناجي: وخفف -يعني الإمام مالكا- تركه في المدونة، قال فيها: فإن شاء اعتمد على يديه في القيام أو ترك، فظاهره الإباحة. وروى عن مالك يكره ترك اعتماده. وقال الإمام الشافعي: «وإذا أراد القيام من السجود، أو الجلوس اعتمد بيديه معا على الأرض ونهض ولا أحب أن ينهض بغير اعتماد». وقيل: ينهض بالاعتماد على اليدين المقبوضتين على هيئة العاجن، ذهب إلى هذا أبو حامد الغزالي، وتبعه بعض الشافعية، وأنكره النووي وابن الصلاح.• دليل من قال: لا يعتمد على يديه:
(ح-١٩٣٠) ما رواه أبو داود، قال: محمد بن عبد الملك الغزال، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة.
[زيادة إذا نهض في الصلاة زيادة شاذة].الدليل الثاني:
(ح-١٩٣١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق حفص بن عمر، قال: أخبرنا همام، قال: ثنا شقيق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد وقعتا ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، وإذا نهض في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، واعتمد على فخديه.
[مرسل وشقيق مجهول].الدليل الثالث:
(ح-١٩٣٢) روى أبو داود من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
[منكر، تفرد به شريك، عن عاصم، وقد رواه عشرون نفسا فلم يقل أحد منهم ما قاله شريك، وقد اضطرب في إسناده، وفي متنه، وشريك ليس له عن عاصم غير هذا الحديث، فجمع في حديثه بين النكارة والاضطراب والتفرد].
الدليل الرابع:
(ح-١٩٣٣) ما رواه الترمذي من طريق أبي معاوية قال: حدثنا خالد، عن صالح، مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهض في الصلاة على صدور قدميه.
[ضعيف جدا].الدليل الخامس:
(ح-١٩٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي قال: إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع.
[ضعيف جدا].
الدليل السادس:
(ح-١٩٣٥) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه، فإذا كبر أرسلهما، ثم سكت... وذكر الحديث، وفيه: وكان يمكن جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم، لا يعتمد على يديه... الحديث.
[ضعيف جدا].
الدليل السابع:
(ث-٤٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: رأيت ابن الزبير، إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه.
[صحيح].
الدليل الثامن:
(ث-٤٧٠) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة، وفي الركعة الأولى والثالثة.
[صحيح].
قال البيهقي: هو عن ابن مسعود صحيح.
الدليل التاسع:
(ث-٤٧١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عيسى بن ميسرة، عن الشعبي، أن عمر، وعليا، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم.
[ضعيف جدا].
• دليل من قال: يعتمد على يديه:
الدليل الأول:
(ح-١٩٣٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي. قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.
اختلف على أيوب في ذكر الاعتماد على الأرض، فلم يروه عنه إلا وهيب على اختلاف عليه في ذكره. وقد رواه حماد بن زيد وابن علية، وعبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة، عن أيوب، فذكروا جلسة الاستراحة، ولم يذكروا الاعتماد على الأرض فكأن أراد بقوله: مثل صلاة شيخنا أي في كونه يجلس قبل أن ينهض، لا في الاعتماد على الأرض، فتأمله.
• ويجاب:
قال ابن رجب: «هذه الرواية ليست صريحة في رفع الاعتماد على الأرض بخصوصه؛ لأن فيها أن صلاة عمرو بن سلمة مثل صلاة مالك بن الحويرث، وصلاة مالك مثل صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس تصريحا برفع جميع حركات الصلاة، فإن المماثلة تطلق كثيرا، ولا يراد بها التماثل من كل وجه، بل يكتفى فيها بالمماثلة من بعض الوجوه أو أكثرها، لكن رواية الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة بنحوه، وقال فيه: كان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى، فاستوى قاعدا قام، واعتمد على الأرض، خرجه النسائي وغيره».
الدليل الثاني:
(ث-٤٧٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر، نهض في الصلاة ويعتمد على يديه.
[حسن].
الدليل الثالث:
من النظر؛ أن الاعتماد باليدين على الأرض أبلغ بالتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب.
الدليل الرابع:
(ح-١٩٣٧) روى حرب الكرماني في مسائله من طريق الوليد بن مسلم، قال: سألت أبا عمرو الأوزاعي عن القيام من السجود والتشهد على صدور القدمين، ولا أعتمد على يدي؟ قال: تلك قومة الشبان، قال أبو عمرو: وقال ابن شهاب: سنة الصلاة اعتماد الرجل على يديه.
[مرسل صحيح].
• دليل من قال: السنة القيام بالاعتماد على اليدين كهيئة العاجن: (ح-١٩٣٨) روى أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له فقال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله.
[المعروف وقفه على ابن عمر دون ذكر العجن].• الراجح:
أما الأحاديث المرفوعة فلا يوجد حديث مرفوع صحيح في الاعتماد على صدور القدمين، بخلاف الاعتماد على اليدين ففيه حديث مالك بن الحويرث، وإن كان قد اختلف فيه الرواة في ذكر الاعتماد على اليدين، أهو موقوف على عمرو بن سلمة، أم هو مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأكثر الرواة على عدم ذكر الاعتماد على اليدين، وإنما اتفقوا فيه على جلسة الاستراحة قبل أن ينهض كما تبين لك ذلك من خلال تخريج الحديث، ولعل هذا الاختلاف هو الذي حمل الإمام أحمد وهو من أئمة الأثر أن يترك العمل بحديث مالك بن الحويرث مع كونه مرفوعا بإسناد صحيح، ويقدم عليه الأخذ بالأثر الموقوف في الاعتماد على القدمين، كأثر ابن الزبير وابن مسعود رضي الله عنهما مع وقفها، وذلك أن الرواية الموقوفة مع صحة إسنادها لم يختلف عليهم فيها.
ومع ذلك فأفعال الصحابة مختلفة، فالزبير وابن مسعود كانا يعتمدان على صدور أقدامهما، وابن عمر -رضي الله عنهما- كان يعتمد على يديه، وربما كان يفعل ذلك للحاجة عندما كبر.
لهذا أجد الأدلة في المسألة موضع اجتهاد، والأمر خفيف، ولكل واحد منها مرجح، وسواء اعتمد على يديه، أم أعتمد على صدور قدميه لا يستطيع الباحث أن يقول في إحداها: إنها خلاف السنة، وإن كنت أميل إلى اختيار الإمام أحمد بعض الميل، والله الموفق للصواب.
المغني -ابن قدامة- (٢/٢١٢:٢١٥)
مسألة؛ قال: (ثم يرفع رأسه مكبرا، ويقوم على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه).
وجملته أنه إذا قضى سجدته الثانية نهض للقيام مكبرا، والقيام ركن، والتكبير واجب، في إحدى الروايتين. واختلفت الرواية عن أحمد: هل يجلس للاستراحة؟ فروى عنه: لا يجلس. وهو اختيار الخرقي، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وبه يقول مالك، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا. وذكر عن عمر، وعلي، وعبد الله. وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك. أي لا يجلس. قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وقال أبو الزناد: تلك السنة. والرواية الثانية: أنه يجلس. اختارها الخلال. وهو أحد قولي الشافعي. قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا. يعني ترك قوله بترك الجلوس؛ لما روى مالك بن الحويرث، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض. [رواه البخاري] وذكره أيضا أبو حميد في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو حديث حسن صحيح، فيتعين العمل به، والمصير إليه. وقيل: إن كان المصلي ضعيفا جلس للاستراحة؛ لحاجته إلى الجلوس، وإن كان قويا لم يجلس؛ لغناه عنه، وحمل جلوس النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنه كان في آخر عمره، عند كبره وضعفه، وهذا فيه جمع بين الأخبار، وتوسط بين القولين. فإذا قلنا: يجلس. فيحتمل أنه يجلس مفترشا على صفة الجلوس بين السجدتين، وهو مذهب الشافعي؛ لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ثم ثنى رجله، وقعد، واعتدل حتى رجع كل عضو في موضعه، ثم نهض. وهذا صريح في كيفية جلسة الاستراحة، فيتعين المصير إليه. وقال الخلال: روى عن أحمد من لا أحصيه كثرة، أنه يجلس على أليتيه. قال القاضي: يجلس على قدميه وأليتيه، مفضيا بهما إلى الأرض؛ لأنه لو جلس مفترشا لم يأمن السهو، فيشك هل جلس عن السجدة الأولى أو الثانية؟ وبهذا يأمن ذلك. وقال أبو الحسن الآمدي: لا يختلف أصحابنا أنه لا يلصق أليتيه بالأرض في جلسة الاستراحة، بل يجلس معلقا عن الأرض. وعلى كلتا الروايتين ينهض إلى القيام على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه، ولا يعتمد على يديه. قال القاضي: لا يختلف قوله، أنه لا يعتمد على الأرض، سواء قلنا: يجلس للاستراحة أو لا يجلس. وقال مالك، والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض؛ لأن مالك بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا، ثم اعتمد على الأرض. رواه النسائي. ولأن ذلك أعون للمصلي. ولنا، ما روى وائل بن حجر، قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه". رواه النسائي، والأثرم، وفي لفظ: وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه. وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. رواهما أبو داود وقال علي -رضي الله عنه-: إن من السنة في الصلاة المكتوبة، إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين، أن لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع. رواه الأثرم. وقال أحمد: بذلك جاء الأثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وعن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في الصلاة ينهض على صدور قدميه. رواه الترمذي وقال: يرويه خالد بن إلياس قال أحمد: ترك الناس حديثه. ولأنه أشق فكان أفضل، كالتجافي والافتراش. وحديث مالك محمول على أنه كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- لمشقة القيام عليه لضعفه وكبره، فإنه قال عليه السلام: "إني قد بدنت، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود".
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٤٤٤:٤٤٦)
في مذاهبهم في كيفيةِ النهوض إلى الركعة الثانية وسائر الركعات: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدا على يديه وحكى ابن المنذر هذا عن ابن عمر ومكحول وعمر بن عبد العزيز وابن أبي زكريا والقاسم بن عبد الرحمن ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة وداود: يقوم غير معتمد بيديه على الأرض، بل يعتمد صدور قدميه، وهذا مذهب ابن مسعود، وحكاه بن المنذر عن علي -رضي الله عنه- والنخعي والثوري، واحتج لهم بحديث أبي شيبة عن قتادة عن أبي جحيفة عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: "من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع" رواه البيهقي، وعن خالد بن إلياس ويقال بن ياس عن صالح مولى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهض في الصلاة على صدور قدميه" رواه الترمذي والبيهقي، وعن ابن عمران أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة" رواه أبو داود، وعن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه". رواه أبو داود، وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ابن مسعود يقومُ على صدور قدميه في الصلاة. "رواه البيهقي، وقال: هذا صحيح عن ابن مسعود، وعن عطية العوفي قال: "رأيت بن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد الخدري -رضي الله عنهم- يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة". رواه البيهقي. (واحتج) الشافعي والأصحاب بحديث أيوب السختياني عن أبي قلابة، قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا فقال: "إني لا صلى بكم وما أريد الصلاة أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي". قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: "كيف كانت صلاته فقال: مثل شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة، قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، فإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلسَ واعتمد على الأرض ثم قام" رواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ، قال الشافعي: ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي وأحرى أن لا ينقلب والجواب عن أحاديثهم أنها كلها ليس فيها شيء صحيح إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود ترك السنة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقول غيره، فأمَّا حديثُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- فضعيفٌ ضعفه البيهقي، وقال ابن أبي شيبة: ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وأما حديث أبي هريرة فضعيف ضعفه الترمذي والبيهقي وغيرهما؛ لأن رواية خالد بن الياس وصالحا ضعيفتان، وأما حديث ابن عمر فضعيف من وجهين: (أحدهما) أنه رواية محمد بن عبد الملك الغزالي وهو مجهول، (والثاني) أنه مخالف لرواية الثقات؛ لأن أحمد بن حنبل رفيق الغزالي في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق، وقال فيه: "نُهي أن يجلسَ الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه" ورواه آخران عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزالي، وقد ذكر أبو داود ذلك كله، وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن ما خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا، وأما حديث وائل فضعيف أيضا؛ لأنه من رواية ابنه عبد الجبار بن وائل عن أبيه، واتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا، ولم يدركه وقيل: إنه ولد بعد وفاته بستة أشهر، وأما حكاية عطية فمردودة؛ لأن عطية ضعيف.