موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤/٢٨١:٢٨٢)
السلام في الصلاة:
١٤- اختلف الفقهاء في جواز رد السلام في الصلاة، فرخصت طائفة من التابعين في الرد بالقول كسعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة. وروي عن أبي هريرة أنه كان إذا سلم عليه وهو في الصلاة رده حتى يسمع. وذهب جماعة إلى أنه يرد بعد الانصراف من الصلاة. واتفق الأئمة الأربعة على أن رد السلام بالقول. في الصلاة مبطل لها. على اختلاف بينهم في بعض التفصيل.
فالراجح عند المالكية: أن الرد بالإشارة واجب، ويرى الشافعية أنه يستحب الرد بالإشارة. وذهب الأحناف إلى أنه يكره رده بالإشارة باليد، ولا تفسد به الصلاة، جاء في حاشية ابن عابدين: رد السلام بيده لا يفسدها، خلافا لمن عزا إلى أبي حنيفة أنه مفسد، فإنه لم يعرف نقله من أحد من أهل المذهب. وعند الحنابلة يرد بالإشارة. وقد استدل القائلون بالرد بعد الانصراف من الصلاة بحديث ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا وقال: إن في الصلاة شغلا.واستدل القائلون بالرد بالإشارة بحديث جابر قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفا وأنا أصلي وفي رواية لمسلم: فلما انصرف قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي.
وحديث ابن عمر عن صهيب أنه قال: مررت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فسلمت عليه فرد إلي إشارة.
المغني -ابن قدامة- (٢/٤٦٠:٤٦١)
فصل: إذا سلم على المصلى، لم يكن له رد السلام بالكلام، فإن فعل بطلت صلاته. روى نحو ذلك عن أبي ذر، وعطاء، والنخعي. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وكان سعيد بن المسيب، والحسن، وقتادة، لا يرون به بأسا، وروى عن أبي هريرة أنه أمر بذلك. وقال إسحاق: إن فعله متأولا، جازت صلاته. ولنا، ما روى جابر قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه إلى غير القبلة، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فلما انصرف، قال: «أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنى كنت أصلي». وقول ابن مسعود، قلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ قال: «إن في الصلاة لشغلا». رواهما مسلم. ولأنه كلام آدمي، فأشبه تشميت العاطس. إذا ثبت هذا فإنه ي رد السلام بالإشارة. وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. وعن ابن عباس أنه سلم عليه موسى بن جميل وهو يصلي، فقبض ابن عباس على ذراعه، فكان ذلك ردا من ابن عباس عليه. وإن رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن. روى هذا عن أبي ذر، وعطاء، والنخعي، وداود؛ لما روى ابن مسعود، قال: فقدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فسلمت عليه. فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة قال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». فرد علي السلام، وقد روى صهيب، قال: مررت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فسلمت عليه، وكلمته فرد إشارة. قال بعض الرواة: ولا أعلمه إلا قال إشارة بإصبعه. وعن ابن عمر، قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قباء، فصلى فيه قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يعقوب: هكذا. وبسط -يعني كفه- وجعل بطنه أسفل، وظهره إلى فوق. قال الترمذي: كلا الحديثين صحيح. رواهما أبو داود، والأثرم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/١٠٣:١٠٤)
إذا سلم إنسان على المصلي لم يستحق جوابا لا في الحال ولا بعد الفراغ منها لكن يستحب أن يرد عليه في الحال بالإشارة، وإلا فيرد عليه بعد الفراغ لفظا، فإن رد عليه في الصلاة لفظا بطلت صلاته، إن قال: عليكم السلام. بلفظ الخطاب، فإن قال: وعليه السلام. بلفظ الغيبة لم تبطل، وسبق بيانه في هذا الباب، ودليل ما ذكرته حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حاجة ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ دعاني، فقال: إنك سلمت عليه آنفا وأنا أصلي» رواه مسلم بهذا اللفظ وأصله في الصحيحين كما سبق بيانه في فصل الكلام، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «قلت لبلال كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة قال كان يشير بيده» رواه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود بمعناه أطول منه وهو في قصة سلام الأنصاري، وعن صهيب -رضي الله عنه- قال: «مررت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن. وقال: هو وحديث ابن عمر صحيحان، وأما الرد بعد السلام، فدليله حديث أبى مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا فقدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم، وما حدث فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله سبحانه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة فرد عليه السلام» رواه أبو داود بهذا اللفظ بإسناد حسن، وأما الحديث الذي يروى عن أبي غطفان عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته»، فرواه أبو داود، وقال هذا الحديث، وقال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول. والصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه كان يشير في الصلاة» رواه جابر وأنس وغيرهما، وأما حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا غرار في صلاة ولا تسليم» فرواه أبو داود بإسناد صحيح، ثم روى أبو داود عن أحمد بن حنبل رحمه الله قال في تفسيره أراد أن معناه أن تسلم ولا يسلم، ويغرر الرجل بصلاته ينصرف وهو شاك فيها هذا كلام أحمد، والغرار بكسر الغين المعجمة وتكرير الراء وهو النقصان، وقد اختلف العلماء في ضبط قوله، ولا تسليم، فروي منصوبا ومجرورا، فمن نصبه عطفه على غرار أي لا غرار ولا تسليم في الصلاة، وهذا معنى قول أحمد الذي ذكره أبو داود، ومن جره عطفه على صلاة أي لا غرار في صلاة ولا في تسليم وبهذا جزم الخطابي، قال: والغرار في التسليم أن يسلم عليك إنسان فترد عليه أنقص مما قال بأن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلت: عليكم السلام، فلا ترد التحية بكمالها بل تبخسه حقه من كمال الجواب، قال: والغرار في الصلاة له تفسيران: أحدهما: أن يتم ركوعها وسجودها يعني ونحوهما. والثاني: ينصرف وهو شاك هل صلى ثلاثا أم أربعا مثلا. وفي رواية البيهقي: لا غرار في الصلاة بالألف واللام، قال البيهقي: وهذا أقرب إلى تفسير أحمد، وفي رواية للبيهقي: لا غرار في تسليم ولا صلاة، وهذا يؤيد تفسير الخطابي، قال البيهقي: والأخبار السابقة تبيح السلام على المصلي والرد بالإشارة، وهي أولى بالاتباع.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/١٠٤:١٠٥)
في مذاهب العلماء فيما إذا سلم على المصلي: قد ذكرنا أن مذهبنا لا يجوز أن يرد باللفظ في الصلاة، وأنه لا يجب عليه الرد لكن يستحب أن يرد في الحال إشارة، وإلا فبعد السلام لفظا، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق، وجمهور العلماء، نقله الخطابي عن أكثر العلماء، وحكى ابن المنذر والخطابي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة أنهم أباحوا رد السلام في الصلاة باللفظ، وقال أبو حنيفة: لا لفظا ولا إشارة، قال ابن المنذر: هذا خلاف الأحاديث، وحكى الشيخ أبو حامد عن عطاء والثوري أنهما قالا: يرد بعد فراغ صلاته سواء كان المسلم حاضرا أم لا، وروي عن أبي الدرداء، وقال النخعي: يرد بقلبه، والله أعلم .