موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٤/٣٣:٣٤)
إمامة الصبي المميز في الصلاة:
٤- ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والأوزاعي إلى أن إمامة الصبي المميز للبالغ في الفرض لا تصح؛ لأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال؛ ولأنه لا يؤمن منه الإخلال بشرط من شرائط الصلاة. ويرى الشافعية والحسن البصري وإسحاق وابن المنذر أن إمامته للبالغ صحيحة؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ولما روي من أن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يؤمون أقوامهم وهم دون سن البلوغ -أبناء سبع سنين أو ثماني سنين- فقد ثبت أن عمرو بن سلمة كان يؤم قومة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ست أو سبع سنين
وأما إمامته في النفل، فالجمهور على صحتها؛ لأن النافلة يدخلها التخفيف، والمختار عند الحنفية والمشهور عند المالكية، وهو رواية عند الحنابلة أن إمامته في النفل لا تجوز كإمامته في الفرض.إلا أن الحنفية والشافعية في الأصح عندهم يرون أن وجوب صلاة الجنازة يسقط بأداء المميز عن المكلفين، ويرى الحنفية أنه يسقط عن المكلفين وجوب رد التحية ووجوب الأذان بفعل المميز على الرأي الذي يقول بوجوبه.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٤٨:٢٤٩)
حكم المسألة:
فكل صبي صحت صلاته صحت إمامته في غير الجمعة بلا خلاف عندنا، وفي الجمعة قولان ذكر المصنف دليلهما: (أصحهما): الصحة هكذا صححه المحققون، ولا يغتر بتصحيح ابن عصرون خلافه، وصورة المسألة أن يتم العدد بغيره، ويجري القولان في عبد ومسافر صليا الظهر، ثم أما في الجمعة؛ لأن صلاتهما الثانية نافلة كالصبي، ووجه البطلان فيهما، وفي الصبي أن الكمال مشروط في المأمومين في الجمعة، ففي الإمام أولى والصحيح الصحة في الجميع؛ لأن صلاته صحيحة، ومذهبنا أنه لا يشترط اتفاق نية الإمام والمأموم، وقد ضبط أصحابنا الخراسانيون، وبعض العراقيين الكلام في إمام الجمعة ضبطا حسنا، ولخصه الرافعي، فقال لإمام الجمعة أحوال: (أحدها): أن يكون عبدا أو مسافرا، فإن تم العدد به لم تصح، وإلا صحت على المذهب، وقيل في صحتها: وجهان. وقال البندنيجي وغيره: قولان: (أصحهما): الصحة هذا إذا صليا الجمعة ابتداء، فإن كان صليا ظهر يومهما، ثم أما في الجمعة فهما متنفلان بها، ففي صحتها خلفهما ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- في المتنفل. (الثاني): أن يكون صبيا أو متنفلا، فإن تم به العدد لم تصح، وإن تم دونه فقولان: (أصحهما) عند الأكثرين الصحة، وهو نصه في الإملاء، ونص في الأم على أنها لا تصح، قال: واتفقوا على أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي؛ لأنه من أهل الفرض ولا نقص فيه. (الثالث): أن يصلوا الجمعة خلف من يصلي صبحا أو عصرا، فكالمتنفل، وقيل: تصح قطعا؛ لأنه يصلي فرضا، وإن صلوها خلف من يصلي الظهر تامة، وهي فرضه بأن يكون له في تركه الجمعة عذر، فهو كمصلي فيكون في صحتها الطريقان المذهب الصحة ورجح المصنف بعد هذا البطلان وهو ضعيف، وإن صلوها خلف مسافر نوى الظهر مقصورة، فإن قلنا: الجمعة ظهر مقصورة صح قطعا، وإن قلنا: صلاة مستقلة، فكمن نوى الظهر تامة، فتصح على المذهب.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٤٩:٢٥٠)
في مذاهب العلماء في صحة إمامة الصبي للبالغين: قد ذكرنا أن مذهبنا صحتها، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، قال: وكرهها عطاء والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي وهو مروي عن ابن عباس، وقال الأوزاعي: لا يؤم في مكتوبة إلا أن لا يكون فيهم من يحفظ شيئا من القرآن غيره، فيؤمهم المراهق، وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم، قال ابن المنذر: وبالجواز أقول، وقال العبدري: قال مالك وأبو حنيفة: تصح إمامة الصبي في النفل دون الفرض، وقال داود: لا تصح في فرض ولا نفل، وقال أحمد: لا تصح في الفرض، وفي والنفل روايتان، وقال القاضي أبو الطيب: قال أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز أن يكون إماما في مكتوبة، ويجوز في النفل، قال: وربما، قال بعض الحنفية: لا تنعقد صلاته،
واحتج بحديث علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، ورواه أيضا من رواية عائشة -رضي الله عنها- وعن ابن عباس من قوله: «لا يؤم غلام حتى يحتلم»، ولأنه غير مكلف فأشبه المجنون.
* واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن سلمة الذي احتج به المصنف، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» رواه مسلم. وسنوضحه في موضعه قريبا إن شاء الله تعالى، ولأن من جازت إمامته في النفل جازت في الفرض كالبالغ والجواب عن حديث. «رفع القلم» أن المراد رفع التكليف والإيجاب لا نفي صحة الصلاة، والدليل عليه حديث ابن عباس في الصحيحين: «أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم». وحديث أنس في الصحيحين «أنه صلى هو واليتيم خلف النبي -صلى الله عليه وسلم». وحديث عمرو بن سلمة المذكور هنا وغيرها من الأحاديث الصحيحة، وأما المروي عن ابن عباس، فإن صح فمعارض بالمروي عن عائشة من صحة إمامة الصبيان: وإذا اختلفت الصحابة لم يحتج ببعضهم، ويخالف المجنون؛ فإنه لا تصح طهارته ولا يعقل الصلاة، والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (٣/٧٠:٧١)
فصل: ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، نص عليه أحمد، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وبه قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. وأجازه الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على إمامة المتنفل للمفترض؛ ووجه ذلك عموم قوله: «يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله تعالى»، وهذا داخل في عمومه. وروى عمرو بن سلمة الجرمي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقومه: «ليؤمكم». قال: فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. رواه أبو داود، وغيره. ولأنه يؤذن للرجال، فجاز أن يؤمهم كالبالغ. ولنا قول ابن مسعود وابن عباس، ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤم الرجال كالمرأة، ولأنه لا يؤمن من الصبي الإخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الإسرار. فأما حديث عمرو بن سلمة الجرمي فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين. وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدرى أي شيء هذا! ولعله إنما توقف عنه؛ لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة، وقويَ هذا الاحتمال قوله في الحديث: وكنت إذا سجدت خرجت استي. وهذا غير سائغ.
المغني -ابن قدامة- (٣/٧١)
فصل:
ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، نص عليه أحمد، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وبه قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. وأجازه الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على إمامة المتنفل للمفترض؛ ووجه ذلك عموم قوله: «يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله تعالى» وهذا داخل في عمومه. وروى عمرو بن سلمة الجرمي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقومه: «ليؤمكم». قال: فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. رواه أبو داود، وغيره. ولأنه يؤذن للرجال، فجاز أن يؤمهم كالبالغ. ولنا قول ابن مسعود وابن عباس، ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤم الرجال كالمرأة، ولأنه لا يؤمن من الصبي الإخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الإسرار. فأما حديث عمرو بن سلمة الجرمي، فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين. وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدري أي شيء هذا! ولعله إنما توقف عنه؛ لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة، وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث: وكنت إذا سجدت خرجت استي. وهذا غير سائغ.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٨٧:٢٨٨)
ذكر المصنف والأصحاب أن المقيم أولى من المسافر، فلو صلى المسافر بمقيم فهو خلاف الأولى، وهل هو مكروه كراهة تنزيه فيه قولان حكاهما البندنيجي والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وآخرون، وقال في الأم يكره وفي الإملاء لا يكره، وهو الأصح؛ لأنه لم يصح فيه نهى شرعي هذا إذا لم يكن فيهم السلطان أو نائبه، كان فهو أحق بالإمامة، وإن كان مسافرا ذكره الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وآخرون، ولا خلاف فيه، وكلام المصنف هنا وفي التنبيه محمول على إذا لم يكن فيهم السلطان، ولا نائبه.
المغني -ابن قدامة- (٣/٤٣:٤٤)
فصل: والمقيم أولى من المسافر؛ لأنه إذا كان إماما حصلت له الصلاة كلها في جماعة، وإن أمه المسافر احتاج إلى إتمام الصلاة منفردا. وإن ائتم بالمسافر جاز، ويتم الصلاة بعد سلام إمامه. فإن أتم المسافر الصلاة جازت صلاتهم. وحكى عن أحمد في صلاة المقيم رواية أخرى أنها لا تجوز؛ لأن الزيادة نفل أم بها مفترضين. والصحيح الأول؛ لأن المسافر إذا نوى إتمام الصلاة أو لم ينو القصر، لزمه الإتمام، فيصير الجميع فرضا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٦٣)
قال أصحابنا: تجوز صلاة غاسل الرجل خلف ماسح الخف وصلاة المتوضئ خلف متيمم لا يلزمه القضاء بأن تيمم في السفر أو في الحضر لمرض وجراحة ونحوها، وهذا بالاتفاق، فإن صلى خلف متيمم يلزمه القضاء كمتيمم في الحضر ومن لم تجد ماء ولا ترابا أو أمكنه تعلم الفاتحة، فقصر وصلى لحرمة الوقت أو صلى مربوطا على خشبة أو محبوسا في موضع نجس أو عاريا، وقلنا: تجب عليهم الإعادة أثم ولزمه الإعادة؛ لأن صلاة إمامه غير مجزئة، فهو كالمحدث ولو صلى من لم يجد ماء ولا ترابا خلف مثله لزمه الإعادة على الصحيح، وفيه وجه حكاه الخراسانيون، وإما صلاة الطاهرة خلف مستحاضة غير متحيرة وصلاة سليم خلف سلس البول أو المذي، ومن به جرح سائل ففيها وجهان مشهوران، (الصحيح): الصحة صححه إمام الحرمين والغزالي في البسيط، وقطع به في الوسيط، وصححه البغوي، وخلائق ولا يغتر بتصحيح صاحب الانتصار خلافه، وقال إمام الحرمين: الذي كان يقطع به شيخي، ونقله في المذهب الصحة، وذكر بعض العراقيين وجها وهو ركيك لا أصل له، واستدلوا للصحة مع ما ذكره المصنف بالقياس على من صلى خلف مستجمر بالأحجار أو بمن على ثوبه أو بدنه نجاسة يعفى عنها، فإن اقتداءه صحيح بالاتفاق.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٦/٣١:٣٢)
اقتداء المتوضئ بالمتيمم:
٣١- يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند جمهور الفقهاء. (المالكية والحنابلة وأبي حنيفة وأبي يوسف)، لما ورد في حديث عمرو بن العاص أنه بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- أميرا على سرية، فأجنب، وصلى بأصحابه بالتيمم لخوف البرد، وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يأمرهم بالإعادة. واستدل الحنفية للجواز كذلك على أصلهم بأن التيمم يرفع الحدث مطلقا من كل وجه، ما بقي شرطه، وهو العجز عن استعمال الماء، ولهذا تجوز الفرائض المتعددة بتيمم واحد عندهم.وكره المالكية اقتداء المتوضئ بالمتيمم، كما أن الحنابلة صرحوا بأن إمامة المتوضئ أولى من إمامة المتيمم؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، بل يستباح به الصلاة للضرورة. وقال الشافعية: لا يجوز الاقتداء بمن تلزمه الإعادة كمتيمم بمتيمم، ولو كان المقتدي مثله، أما المتيمم الذي لا إعادة عليه فيجوز اقتداء المتوضئ به؛ لأنه قد أتى عن طهارته ببدل مغن عن الإعادة. وقال محمد بن الحسن من الحنفية: لا يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم مطلقا في غير صلاة الجنازة، للزوم بناء القوي على الضعيف.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٦٣)
في مذاهب العلماء في المسألة: قد ذكرنا أن مذهبنا جواز صلاة المتوضئ خلف المتيمم الذي لا يقضي، وبه قال جمهور العلماء، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وعمار بن ياسر، ونفر من الصحابة -رضي الله عنهم- وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن والزهري وحماد بن أبي سليمان ومالك والثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد وإسحاق وأبي ثور، قال: وكرهه علي بن أبي طالب وربيعة ويحيى الأنصاري والنخعي ومحمد بن الحسن، وقال الأوزاعي: لا يؤمهم إلا أن يكون أميرا أو يكونوا متيممين مثله، قال: واجمعوا على أن المتوضئ يؤم المتيمين.
المغني -ابن قدامة- (٣٣/٦٦:٦٧)
فصل:
ويصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم، لا أعلم فيه خلافا؛ لأن عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما، وبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم ينكره، وأم ابن عباس أصحابه متيمما، وفيهم عمار بن ياسر، في نفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فلم ينكروه. ولأنه متطهر طهارة صحيحة، فأشبه المتوضئ. ولا يصح ائتمام الصحيح بمن به سلس البول، ولا غير المستحاضة بها؛ لأنهما يصليان مع خروج الحدث من غير طهارة له، بخلاف المتيمم. فأما من كانت عليه نجاسة، فإن كانت على بدنه فتيمم لها، جاز للطاهر الائتمام به عند القاضي؛ لأنه كالمتيمم للحدث. وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به؛ لأنه أوجب عليه الإعادة. وإن كانت على ثوبه، لم يصح الائتمام به؛ لأنه تارك لشرط. ولا يجوز ائتمام المتوضئ ولا المتيمم بعادم الماء والتراب، ولا اللابس بالعاري، ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه؛ لأنه تارك لشرط يقدر عليه المأموم، فأشبه المعافى بمن به سلس البول. ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله؛ لأن العراة يصلون جماعة، وقد سبق هذا.
المغني -ابن قدامة- (٣/٦٧:٦٨)
فصل:
وفي صلاة المفترض خلف المتنفل روايتان: إحداهما، لا تصح. نص عليه أحمد، في رواية أبي الحارث، وحنبل. واختارها أكثر أصحابنا. وهذا قول الزهري، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». متفق عليه. ولأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام، أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلى الظهر. والثانية، يجوز. نقلها إسماعيل بن سعيد ونقل أبو داود، قال: سمعت أحمد سئل عن رجل صلى العصر، ثم جاء فنسي، فتقدم فصلى بقوم الصلاة، ثم ذكر لما أن صلى ركعة، فمضى في صلاته؟ قال: لا بأس. وهذا قول عطاء، وطاوس، وأبى رجاء، والأوزاعي، والشافعي، وسليمان بن حرب، وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي إسحاق الجوزجاني، وهي أصح؛ لما روى جابر بن عبد الله، أن معاذا كان يصلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع فيصلى بقومه تلك الصلاة. متفق عليه. وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم، أنه صلى بطائفة من أصحابه في الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم. رواه أبو داود، والأثرم. والثانية منهما تقع نافلة، وقد أم بها مفترضين. وروي عن أبي خلدة قال: أتينا رجاء لنصلي معه الأولى، فوجدناه قد صلى، فقلنا: جئناك لنصلي معك. فقال: قد صلينا، ولكن لا أخيبكم، فأقام فصلى وصلينا معه. رواه الأثرم. ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى، كالمتنفل خلف المفترض. فأما حديثهم فالمراد به، لا تختلفوا عليه في الأفعال، بدليل قوله: «فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». ولهذا يصح ائتمام المتنفل بالمفترض مع اختلاف نيتهما، وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة، ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة.
المغني -ابن قدامة- (٣/٦٨)
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٦٩:٢٧١)
أحكام المسألة:
فمذهبنا أنه تصح صلاة النفل خلف الفرض، والفرض خلف النفل، وتصح صلاة فريضة خلف فريضة أخرى توافقها في العدد كظهر خلف عصر، وتصح فريضة خلف فريضة أقصر منها، وكل هذا جائز بلا خلاف عندنا، ثم إذا صلى الظهر خلف الصبح، وسلم الإمام قام المأموم لإتمام صلاته وحكمه كحكم المسبوق، ويتابع الإمام في القنوت، ولو أراد مفارقته عند اشتغاله بالقنوت جاز كما سبق في نظائره، ولو صلى الظهر خلف المغرب جاز بالاتفاق، ويتخير إذا جلس الإمام في التشهد الأخير بين مفارقته لإتمام ما عليه وبين الاستمرار معه حتى يسلم الإمام، ثم يقوم المأموم إلى ركعته كما قلنا في القنوت والاستمرار أفضل، وإن كان عدد ركعات المأموم أقل كمن صلى الصبح خلف رباعية أو خلف المغرب أو صلى المغرب خلف رباعية ففيه طريقان حكاهما الخراسانيون (أصحهما) وبه قطع العراقيون: جوازه كعكسه. (والثاني): حكاه الخراسانيون فيه قولان (أصحهما) هذا، (والثاني): بطلانه؛ لأنه يدخل في الصلاة بنية مفارقة الإمام، فإذا قلنا بالمذهب وهو صحة الاقتداء، ففرغت صلاة المأموم، وقام الإمام إلى ما بقي عليه، فالمأموم بالخيار إن شاء فارقه وسلم، وإن شاء انتظره ليسلم معه، والأفضل انتظاره، وإن أمكنه أن يقنت معه في الثانية بأن وقف الإمام يسيرا أقنت، وإلا فلا، وله أن يخرج عن متابعته ليقنت، وإذا صلى المغرب خلف الظهر، وقام الإمام إلى الرابعة لم يجز للمأموم متابعته، بل يفارقه ويتشهد، وهل له أن يطول التشهد وينتظره؛ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون، (أحدهما): له ذلك كما قلنا فيمن صلى الصبح خلف الظهر. (والثاني): قال إمام الحرمين وهو المذهب: لا يجوز؛ لأنه يحدث تشهدا وجلوسا لم يفعله الإمام، ولو صلى العشاء خلف التراويح جاز، فإذا سلم الإمام قام إلى ركعتيه الباقيتين، والأولى أن يتمها منفردا، فلو قام الإمام إلى أخريين من التراويح فنوى الاقتداء به ثانيا في ركعتيه، ففي جوازه القولان فيمن أحرم منفردا ثم نوى الاقتداء الأصح الصحة، وقد سبقت مسألة العشاء خلف التراويح، هذا كله إذا اتفقت الصلاتان في الأفعال الظاهرة، فلو اختلفا بأن اقتدى من يصلي كسوفا أو جنازة بمن يصلي ظهرا أو غيرها أو عكسه فطريقان: (أصحهما) وبه قطع العراقيون: لا تصح؛ لتعذر المتابعة. (والثاني): على وجهين؛ (أحدهما) هذا، (والثاني): يجوز وهو قول القفال؛ لإمكان المتابعة في البعض، فعلى هذا إذا صلى الظهر خلف الجنازة لا يتابعه في التكبيرات والأذكار بينها، بل إذا كبر الإمام الثانية تخير المأموم، إن شاء أخرج نفسه من المتابعة، وإن شاء انتظر سلام الإمام، وإذا اقتدى بمصلي الكسوف تابعه في الركوع الأول، ثم إن شاء رفع رأسه معه وفارقه، وإن شاء انتظره في الركوع، قال إمام الحرمين وغيره: وإنما انتظره في الركوع ليعود الإمام إليه، ويعتدل معه عن ركوعه الثاني، ولا ينتظره بعد الرفع؛ لما فيه من تطويل الركن القصير، قال البغوي: ولو أدركه في الركوع الثاني من الكسوف تابعه فيه، وصلى معه تلك الركعة، ويركع معه الركوع الأول من الثانية، ثم يخرج عن متابعته، قال: وإذا أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين كان مدركا للركعة؛ لأنه ركوع محسوب للإمام، أما إذا صلى الظهر خلف العيد أو الاستسقاء، فطريقان: (أحدهما) أنه كصلاته خلف الكسوف لما فيهما من زيادات التكبيرات، (وأصحهما) وبه قطع المتولي وغيره: تصح قطعا؛ لاتفاقهما في الأفعال الظاهرة بخلاف الجنازة، فإن تكبيراتها أركان فهي كاختلاف الأفعال. (فإذا قلنا) بالصحة لا يكبر مع الإمام التكبيرات الزائدة؛ لأنها ليست من صلاة المأموم ولا يخل تركها بالمتابعة؛ فإن كبرها لم تبطل صلاته؛ لأن الأذكار لا تبطل الصلاة، ولو صلى العيد خلف مصلي الصبح المقضية جاز، ويكبر التكبيرات الزائدة.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٧١:٢٧٢)
في مذاهب العلماء في اختلاف نية الإمام والمأموم:
قد ذكرنا أن مذهبنا جواز صلاة المتنفل والمفترض خلف متنفل ومفترض في فرض آخر، وحكاه ابن المنذر عن طاوس وعطاء والأوزاعي وأحمد وأبي ثور وسليمان بن حرب: قال: وبه أقول، وهو مذهب داود، وقالت طائفة: لا يجوز نفل خلف فرض، ولا فرض خلف نفل، ولا خلف فرض آخر، قاله الحسن البصري والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو قلابة وهو رواية عن مالك. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يجوز الفرض خلف نفل ولا فرض آخر، ويجوز النفل خلف فرض، وروي عن مالك مثله.
* واحتج لمن منع بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» رواه البخاري ومسلم من طرق.
* واحتج أصحابنا بحديث جابر أن معاذا «كان يصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» رواه البخاري ومسلم، هذا لفظ مسلم.
وعن جابر قال: «كان معاذ يصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- العشاء ثم يطلع إلى قومه فيصليها لهم»؛ هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء حديث صحيح، رواه بهذا اللفظ الشافعي في الأم ومسنده، ثم قال: حديث ثابت لا أعلم حديثا يروى من طريق واحد أثبت من هذا، ولا أوثق -يعني رجالا. قال البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار: وكذلك رواه بهذه الزيادة أبو عاصم النبل وعبد الرزاق عن ابن جريج كرواية شيخ الشافعي عن ابن جريج بهذه الزيادة، وزيادة الثقة مقبولة؛ قال: والأصل أن ما كان موصولا بالحديث فهو منه لا سيما إذا روي من وجهين، إلا أن تقوم دلالة على التمييز، قال: والظاهر أن قوله: هي له تطوع ولهم مكتوبة من قول جابر، وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلم بالله، وأخشى له من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم، وحين حكى الرجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل معاذ لم ينكر عليه إلا التطويل. (فإن قالوا): لعل معاذا كان يصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نافلة وبقومه فريضة؛ (فالجواب) من أوجه (أحدها): أن هذا مخالف لصريح الرواية.
(الثانية): الزيادة التي ذكرناها هي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء صريح في الفريضة، ولا يجوز حمله على تطوع.
(الثالث): جواب الشافعي والخطابي وأصحابنا وخلائق من العلماء أنه، لا يجوز أن يظن بمعاذ مع كمال فقهه وعلو مرتبته أن يترك فعل فريضة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي مسجده، والجمع الكثير المشتمل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى كبار المهاجرين والأنصار ويؤديها في موضع آخر، ويستبدل بها نافلة، قال الشافعي: كيف يظن أن معاذا يجعل صلاته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي لعل صلاة واحدة معه أحب إليه من كل صلاة صلاها في عمره ليست معه، وفي الجمع الكثير نافلة.
(الرابع) جواب الخطابي وغيره؛ لا يجوز أن يظن بمعاذ أنه يشتغل بعد إقامة الصلاة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه بنافلة مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «أقبلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كنا بذات الرقاع، وذكر الحديث إلى أن قال فنودي بالصلاة فصلى النبي -صلى الله عليه
وسلم- بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع ركعات، وللقوم ركعتان» رواه البخاري ومسلم.وعن أبي بكرة قال: «صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم فكانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعا، ولأصحابه ركعتين ركعتين». رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، واستدل الشافعي أيضا بالقياس على صلاة المتم خلف القاصر.
وأما الجواب عن حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، فهو أن المراد ليؤتم به في الأفعال لا في النية، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا» إلى آخره، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٥٣)
وفي الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء الفساق والأئمة الجائرين: قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة؛ ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراءه المبتدع الذي لا يكفر ببدعته وتصح؛ فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فإن فعلها صحت، وقال مالك: لا تصح وراء فاسق بغير تأويل كشارب الخمر والزاني، وذهب جمهور العلماء إلى صحتها.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٨/٣٦:٣٧)
الصلاة خلف المبتدع:
٣٠ - اختلف العلماء في حكم الصلاة خلف المبتدع. فذهب الحنفية، والشافعية، وهو رأي للمالكية إلى جواز الصلاة خلف المبتدع مع الكراهة ما لم يكفر ببدعته، فإن كفر ببدعته فلا تجوز الصلاة خلفه. واستدلوا لذلك بأدلة منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله». وقوله: «صلوا خلف كل بر وفاجر». وما روي من أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يصلي مع الخوارج وغيرهم زمن عبد الله بن الزبير وهم يقتتلون، فقيل له: أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء، وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال: من قال حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته. ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا.
ولأن المبتدع المذكور تصح صلاته، فصح الائتمام به كغيره.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن من صلى خلف المبتدع الذي يعلن بدعته ويدعو إليها أعاد صلاته ندبا، وأما من صلى خلف مبتدع يستتر ببدعته فلا إعادة عليه. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان، أو يخاف سوطه أو سيف».
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٣٢/١٤٢)
إمامة الفاسق في الصلاة:
٧- اختلف الفقهاء في الصلاة خلف الفاسق:
فيرى الحنفية أنه يصلح للإمامة في الجملة كل عاقل مسلم، حتى تجوز إمامة العبد والأعرابي والأعمى وولد الزنا والفاسق، وإن كانت مكروهة، وقال المالكية: تصح الصلاة -على المعتمد- مع الكراهة خلف الفاسق بجارحة، كزان وشارب خمر، فإن تعلق فسقه بالصلاة، كقصده الكبر بإمامته، فلا تصح.
ومقابل المعتمد أنها لا تصح خلف الفاسق بجارحة.
والمعتمد أنها تصح خلف المبتدع المختلف في تكفيره ببدعته، كالحروري والقدري، وأما الشافعية فإنهم يجيزون الصلاة وراء الإمام الفاسق، وإنما يكره ذلك خلفه، ومحل كراهة إمامة الفاسق لغير الفاسق، أما لمثله فلا تكره ما لم يكن فسق الإمام أفحش. وقال الحنابلة: لا تصح إمامة فاسق مطلقا، أي سواء كان فسقه بالاعتقاد أو بأفعال محرمة، وسواء أعلن فسقه أو أخفاه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه»، ويعيد من صلى خلف فاسق مطلقا.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٥٣:٢٥٤)
قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح، فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا، ومن ينكر العلم بالجزئيات، وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختلف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في الإفصاح والشيخ أبو حامد الإسفرايني ومتابعوه القول بأنه كافر، قال أبو حامد ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي بتكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعي، وقال القفال وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع؛ قال صاحب العدة: هذا هو المذهب. (قلت): وهذا هو الصواب. فقد قال الشافعي -رحمه الله- أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء سائر الأحكام عليهم، وقد تأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين ما نقل عن الشافعي وغيره من العلماء من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة لا كفران الخروج عن الملة، وحملهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم، قال ابن المنذر: أجاز الشافعي الصلاة خلف من أقامها يعني من أهل البدع، وإن كان غير محمود في دينه أن حاله أبلغ في مخالفة حد الدين، هذا لفظه. قال ابن المنذر: إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز وغيره أولى.
المغني -ابن قدامة- (٣/٢٣)
فصل: وإن لم يعلم فسق إمامه، ولا بدعته، حتى صلى معه، فإنه يعيد. نص عليه. وقال ابن عقيل: لا إعادة عليه؛ لأن ذلك مما يخفى، فأشبه المحدث والنجس. والصحيح أن هذا ينظر فيه، فإن كان ممن يخفى بدعته وفسوقه، صحت الصلاة خلفه، لما ذكرنا في أول المسألة، وإن كان ممن يظهر ذلك، وجبت الإعادة خلفه، على الرواية التي تقول بوجوب إعادتها خلف المبتدع؛ ولأنه معنى يمنع الائتمام، فاستوى فيه العلم وعدمه، كما لو كان أميا، والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الإمام والمأموم معا، ولا يخفى على الفاسق فسق نفسه، ولأن الإعادة إنما تجب خلف من يعلن ببدعته، وليس ذلك في مظنة الخفاء، بخلاف الحدث والنجاسة.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٨٦:٢٨٧)
مسألة البصير والأعمى فيها ثلاثة أوجه مشهورة ذكر المصنف منها وجهين، واختار الثالث لنفسه وهو ترجيح البصير وجعله اختيارا له ولم يحكه وجها للأصحاب، وهو وجه حكاه شيخه القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب التتمة والرافعي وآخرون، (والصحيح) عند الأصحاب أن البصير والأعمى سواء كما نص عليه الشافعي، وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون، واتفقوا على أنه لا كراهة في إمامة الأعمى للبصراء: قال أصحابنا: ويقدم العدل على فاسق أفقه وأقرأ منه؛ لأن الصلاة وراء الفاسق وإن كانت صحيحة فهي مكروهة، قال أصحابنا: والبالغ أولى من الصبي، وإن كان أفقه وأقرأ؛ لأن صلاة البالغ واجبة عليه فهو أحرص على المحافظة على حدودها، ولأنه مجمع على صحة الاقتداء به بخلاف الصبي، ولو اجتمع صبي حر وبالغ عبد، فالعبد أولى لما ذكرناه نقله القاضي أبو الطيب وآخرون في كتاب الجنائز، ولو اجتمع حر غير فقيه وعبد فقيه، فأيهما أولى فيه ثلاثة أوجه كالبصير والأعمى؛ (الصحيح) تساويهما. قال أصحابنا: والحرة أولى من الأمة؛ لأنها أكمل، ولأنه يلزمها ستر رأسها.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٦/٣٦:٣٧)
الاقتداء بالأعمى والأصم والأخرس:
٤٢- لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء بالأعمى والأصم؛ لأن العمى والصمم لا يخلان بشيء من أفعال الصلاة، ولا بشروطها. لكن الحنفية والحنابلة صرحوا بكراهة إمامة الأعمى، كما صرح المالكية بأفضلية إمامة البصير المساوي للأعمى في الفضل؛ لأنه أشد تحفظا من النجاسات.وقال الشافعية: الأعمى والبصير سواء لتعارض فضليهما، لأن الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر الخبث فهو أقدر على تجنبه، وهذا إذا كان الأعمى لا يتبذل، أما إذا تبذل أي ترك الصيانة عن المستقذرات، كأن لبس ثياب البذلة، كان البصير أولى منه. أما الأخرس فلا يجوز الاقتداء به، لأنه يترك أركان الصلاة من التحريمة والقراءة. حتى إن الشافعية والحنابلة صرحوا بعدم جواز الاقتداء بالأخرس، ولو كان المقتدي مثله، وصرح الحنفية أن الأخرس أسوأ حالا من الأمي، لقدرة الأمي على التحريمة دون الأخرس، فلا يجوز اقتداء الأمي بالأخرس، ويجوز العكس.
المغني -ابن قدامة- (٣/٢٧:٢٨)
وأما الأعمى فلا نعلم في صحة إمامته خلافا، إلا ما حكى عن أنس، أنه قال: ما حاجتهم إليه. وعن ابن عباس، أنه قال: كيف أؤمهم وهم يعدلونني إلى القبلة، والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤم وهو أعمى، وعتبان بن مالك، وقتادة، وجابر. وقال أنس: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى. رواه أبو داود. وعن الشعبي، أنه قال: غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة غزوة، كل ذلك يقدم ابن أم مكتوم يصلى بالناس. رواه أبو بكر ولأن العمى فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم. فإذا ثبت هذا فالحر أولى من العبد، لأنه أكمل منه وأشرف، ويصلي الجمعة والعيد إماما بخلاف العبد. وقال أبو الخطاب: والبصير أولى من الأعمى؛ لأنه يستقبل القبلة بعلمه، ويتوقى النجاسات ببصره. وقال القاضي: هما سواء؛ لأن الأعمى أخشع، لأنه لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه، فيكون ذلك في مقابلة [فضيلة البصر] عليه، فيتساويان. والأول أصح؛ لأن البصير لو غمض عينيه كان مكروها، ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبا، لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى، ولأن البصير إذا غض بصره مع إمكان النظر كان له الأجر فيه، لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارا، والأعمى يتركه اضطرارا، فكان أدنى حالا، وأقل فضلا.