موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/١٧٥:١٧٧)
تكرار الجماعة في مسجد واحد:
١٦- يكره تكرار الجماعة في مسجد الحي الذي له إمام وجماعة معلومون، لما روى أبو بكرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم ولو لم يكره تكرار الجماعة في المسجد لما تركها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع علمه بفضل الجماعة في المسجد، وورد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا إذا فاتتهم الجماعة صلوا في المسجد فرادى؛ ولأن التكرار يؤدي إلى تقليل الجماعة؛ لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون، فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون؛ فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه، وهذا رأي جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية- في الجملة، إذ هناك بعض القيود مع شيء من التفصيل لكل مذهب. فالحنفية يقيدون كراهة التكرار بما إذا صلى في مسجد الحي أهله بأذان وإقامة، فإذا صلى فيه أولا غير أهله أو صلى فيه أهله بدون أذان وإقامة لا يكره تكرار الجماعة فيه. كذلك روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يكره التكرار إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة، فقاموا في زاوية من زوايا المسجد وصلوا بجماعة فلا يكره. وروي عن محمد: أنه يكره التكرار إذا كانت الجماعة الثانية على سبيل التداعي والاجتماع، فأما إذا لم يكن فلا يكره. وروي عن أبي يوسف: أنه إذا لم تكن الجماعة الثانية على الهيئة الأولى لا تكره، وإلا تكره -وهو الصحيح- وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة. ويقول المالكية: يجوز للإمام الراتب الجمع -يعني أن يصلي جماعة- إن جمع غيره قبله بغير إذنه إن لم يؤخر عن عادته كثيرا، فإن أذن لأحد أن يصلي مكانه، أو أخر عن عادته تأخيرا كثيرا يضر بالمصلين فجمعوا، كره للإمام الجمع حينئذ. وبناء على كراهة إعادة الصلاة جماعة في المسجد الذي له إمام راتب فإنه إذا دخل جماعة المسجد بعدما صلى أهله فيه ففي ظاهر الرواية عند الحنفية يصلون وحدانا. وعند المالكية يندب خروجهم من المسجد ليجمعوا خارجه، أو مع إمام راتب آخر، ولا يصلون في هذا المسجد أفذاذا؛ لفوات فضل الجماعة، إلا بالمساجد الثلاثة (مكة والمدينة والأقصى)، فلا يخرجون إذا وجدوا الإمام قد صلى ويصلون فيها أفذاذا؛ لفضل فذها على جماعة غيرها، وهذا إن دخلوها فوجدوا الراتب قد صلى، وأما إن علموا بصلاته قبل دخولهم فإنهم يجمعون خارجها، ولا يدخلونها ليصلوا أفذاذا. وبعد أن ذكر الشافعية كراهة إعادة صلاة الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب، قالوا: ومن حضر ولم يجد إلا من صلى استحب لبعض من حضر أن يصلي معه؛ ليحصل له فضل الجماعة، لما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رجلا جاء، وقد صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: من يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه وهذا بناء على قولهم بأن الجماعة الثانية إنما تكره إذا لم يأذن الإمام، فإن أذن فلا كراهة. هذا بالنسبة لمسجد الحي الذي له إمام راتب.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٢٢)
حكم المسألة فقال أصحابنا إن كان للمسجد إمام راتب وليس هو مطروقا؛ كره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات مجيء إمامه، ولو صلى الإمام كره أيضا إقامة جماعة أخرى فيه بغير إذنه، هذا هو الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي وجها أنه لا يكره ذكره في باب الآذان، وهو شاذ ضعيف، وإن كان المسجد مطروقا أو غير مطروق، وليس له إمام راتب لم تكره إقامة الجماعة الثانية فيه؛ لما ذكره المصنف، أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيستحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أن يصلي معه لتحصل له الجماعة، ويستحب أن يشفع له من له عذر في عدم الصلاة معه إلى غيره ليصلي معه للحديث، والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (٣/١٠:١١)
فصل: ولا يكره إعادة الجماعة في المسجد، ومعناه أنه إذا صلى إمام الحي، وحضر جماعة أخرى، استحب لهم أن يصلوا جماعة، وهذا قول ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق. وقال سالم، وأبو قلابة، وأيوب، وابن عون، والليث، والبتي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي: لا تعاد الجماعة في مسجد له إمام راتب، في غير ممر الناس. فمن فاتته الجماعة، صلى منفردا؛ لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون في الصلاة مع الإمام، ولأنه مسجد له إمام راتب، فكره فيه إعادة الجماعة، كمسجد النبي -صلى الله عليه وسلم. ولنا، عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» وفي رواية: «بسبع وعشرين درجة». وروى أبو سعيد قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيكم يتجر على هذا»؟ فقام رجل، فصلى معه قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه الأثرم، وأبو داود، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه». وروى الأثرم بإسناده عن أبي أمامة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله، وزاد: قال: فلما صليا، قال: «وهذان جماعة». ولأنه قادر على الجماعة، فاستحب له فعلها، كما لو كان المسجد في ممر الناس.